مشاركة

شظايا النحاس

مؤلف: Zikostras
last update تاريخ النشر: 2026-08-21 23:39:19

استقرت أجسامهم على الأرض المبتلة بالحصى والمياه الموحلة أسفل المقطورة الحديدية، بينما كانت الطلقات المكتومة تطرق الصاج الثقيل للحديد فوقهم بإيقاع مرعب، مخلّفة شرارات نارية تتطاير في ظلام الليل الماطر.

كان زين يغطي ميار بجسده، يده اليسرى تحمي رأسها بينما يده اليمنى تحكم القبضة على مسدسه. تنفسهما المتسارع كان الصوت الوحيد المسموع داخل المخبأ الضيق، يختلط برائحة البارود التي انتشرت سريعاً في الهواء الرطب.

"هل أصابكِ شيء؟" همس زين بنبرة خاطفة وعيناه تتفحصان المساحة المحيطة من بين عجلات المقطورة الضخمة.

هزت ميار رأسها بنفي سريع، جثتها ترتجف ليس فقط من البرد والبلل، بل من أثر الرعب الشديد. لكن رغم الخوف، كانت عيناها العسليتان الملطختان بقطرات المطر ترمقان زين بنظرة جديدة؛ نظرة تداخل فيها الشك بالدهشة. الرجل الذي اتهته للتو بالمسؤولية عن ضياع والدها، كان في هذه اللحظة بالذات يغامر بحياته ويدفع بجسده ليكون درعاً لها أمام الموت.

"الدرون لا تعمل بمفردها،" قالت ميار بصوت يتخلله التهيج والنفس المتقطع. "هناك وحدة توجيه قريبة... المسلحون يحيطون بنا!"

"صحيح،" أجاب زين ببرودة تحليلية تعود إليه وسط أصعب الظروف. "الدرون تستخدم المستشعر الحراري لتحديد موقعنا أسفل المقطورة، وهم ينتظرون خروجنا ليجهزوا علينا من الزوايا الميتة."

سحب زين من جيبه الداخلي قنبلة دخانية صغيرة عالية الكثافة — إحدى الأدوات التكتيكية التي يحملها دائماً تحسباً للمواجهات القريبة. نظر إلى ميار وأشار بسبابته نحو شريط السكة الحديدية المؤدي إلى المستودع الرئيسي المظلم على بعد أربعين متراً.

"استمعي إليّ جيداً يا ميار،" قال بنبرة قاطعة لا تحتمل الجدال. "سأطلق النار على طائرة الدرون لتعطيل عدستها الحرارية، وفي الوقت نفسه سألقي هذه القنبلة لتوفير ساتر دخاني كثيف. بمجرد أن ترين الدخان ينتشر، اركضي بكل قوتك نحو الباب الخشبي للمستودع. لا تتوقفي، ولا تتلفظي، ولا تنظري خلفكِ أيا كان ما تسمعينه."

"وماذا عنك؟" سألت ميار بحدة، وعادت قبضتها لتشتد على القرص الصلب. "لن أتركك هنا لتموت وأكون أنا الهاربة الوحيدة!"

التفت زين إليها، وكانت عيناه الرماديتان ثابين كالسيف في عتمة الليل: "إذا سقطتُ أنا، فالقرص الذي بحوزتك يحوي المفاتيح التشفيرية التي تركها والدكِ. حياتك وحقيقة والدكِ مرهونتان بوصول هذا القرص إلى مكان آمن. هذه ليست تضحية يا ميار... هذه استراتيجية بقاء."

قبل أن تجد ميار كلمة أخرى لترد بها، خرج زين بجزئه العلوي من بين عجلات المقطورة بسرعة خاطفة. رفع مسدسه نحو السماء، وأطلق ثلاث رصاصات متتالية بدقة متناهية نحو هيكل طائرة الدرون المرفرفة في الضباب. أصابت إحدى الرصاصات المحرك الأيسر للطائرة، لتندلع منها شرارة صفراء وتبدأ بالدوران العشوائي وتهوي نحو الأرض كقطعة حديد ميتة.

وفي اللحظة ذاتها، سحب زين حلقة القنبلة الدخانية وألقاها ببراعة نحو المسار المفتوح بين المقطورات. انطلقت أعمدة الدخان الأبيض الكثيف لتغطي المنطقة بالكامل في غضون ثوانٍ، حاربة الرؤية عن المسلحين القادمين من الخلف.

"الآن! اركضي!" صرخ زين وهو يقف ليعطيها الساتر التكتيكي.

اندفعت ميار كالسهم من أسفل المقطورة، تخرق الدخان الكثيف وقدمها تغوص في الحصى والماء. كانت تستمع إلى أصوات طلقات نارية عشوائية تخترق الهواء من خلفها، ونداءات مكتومة بلغة مشفرة وتبادل لإطلاق النار بين زين والرجال المجهولين.

كاد قلبها يسقط في صدري مع كل صوت رصاصة، لكن كلمات زين كانت ترن في رأسها كالأمر العسكري. وصلت إلى الباب الخشبي المتآكل للمستودع الرئيسي، ودفعته بكل ما أوتيت من قوة لتدخل إلى الداخل وتغلقه خلفها بسرعة، وهي تلهث بصوت عالٍ والدموع تخالط المطر على وجهها.

استندت بظهرها إلى الباب المغلق في ظلام المستودع الشاسع، تمسك بالقرص الصلب إلى صدرها وكأنه أثمن ما تملك في هذا العالم.

مرت ثلاثون ثانية كانت أطول من دهر كامل... صمت قاتل ساد المكان بالخارج، وانقطعت أصوات الرصاص تماماً.

اختنق صوت ميار وهي تنادي بصوت خفيض يملؤه الخوف والرجاء: "زين؟..."

وفجأة، انفتح الباب الخشبي ببطء، ليدخل شعاع ضوء خافت من الشارع، ويظهر ظل رجل يتكئ على إطار الباب، ويده على جانبه الأيسر الملطخ بدم داكن يسيل بغزارة.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   أبعاد الحقيقة

    انساب ضباب الخريف الرقيق فوق خليج العاصمة، ليرسم لوحة رمادية ساحرة تتداخل فيها أنوار الميناء البعيدة مع المبانِي ذات الطراز الحديث والقديم الممتدة على طول الشريط الساحلي. كان الصباح الباكر يبعث على الهدوء والسكينة، وحركة المرور على الكورنيش العريض انسابت بسلاسة، خالية من تلك المواكب الأمنية الطارئة وسيارات الإسعاف التي كانت تمزق الهدوء في سنوات المطاردة السوداء.داخل القاعة الرئيسية للتطوير في "مركز الفجر للحلول والأمن الرقمي الأخلاقي"، كان هناك أكثر من عشرين شاباً وشابة من خريجي كليات هندسة الحاسوب والإعلام الاستقصائي يلتفون حول طاولة تفاعلية عملاقة. كانت الشاشة تعكس تحليلاً مباشراً للثغرات الرقمية ومحاكاة لهجمات سيبرانية معقدة، بينما كان زين يقف عند رأس الطاولة يشرح لهم بأسلوبه الرزين والمركّز كيفية بناء خوارزميات الوقاية والتحصين.كان زين يرتدي سترة قطنية كحيلة بسيطة، وعلى الرغم من السنوات التي مرت واندشال آثار الجراح الجسدية من خاصرته كلياً، إلا أن نظراته الرماديتين كانتا تعكسان نضجاً مبرمجاً خاض أعتى الحروب الرقمية، ليتحول من فار في الظلال إلى منارة توجيه وإرشادي للأجيال الصاعدة.

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   ظلال في ذاكرة النور

    انقضت أسابيع قليلة على اعتماد المنظومة السيادية الجديدة لحماية البيانات الوطنية، وكان خريف العاصمة يتسلل بهدوء عبر أوراق أشجار الدلب المتساقطة على طول الكورنيش المحاذي للمركز. في الطابق العلوي لـ "مركز الفجر للحلول والأمن الرقمي"، كانت قاعة التحليلات الاستقصائية تضج بحيوية هادئة ونظام دقيق؛ حيث يعكف المطورون والباحثون الشباب على اختبار الثغرات وتطوير خوارزميات التشفير الأخلاقي، مستندين إلى الإرشادات الميدانية التي صاغها زين والتأطير الصحفي والإسناد الحقوقي الذي قادته ميار.جلس زين في مكتبه المطل على الخليج، يراجع التقارير الفنية الدورية الصادرة عن وحدات الأمان الخارجية. ورغم الصمت والسكينة اللذين يحيطان بالمكان، كانت عيناه الرماديتان تتفحصان السطور البرمجية بحس متيقظ لا يغفل؛ فقد علّمته التجارب القاسية في ممرات البنك المركزي وقبو المنارة الشمالية أن الحفاظ على النور واستدامة العدالة يتطلبان يقظة مستمرة لا تقل أهمية عن معركة استرداد الحقوق ذاتها.انفتح باب المكتب بهدوء، ودخلت ميار تحمل في يدها ملفاً ورودياً مغلفاً بعناية، وإلى جانبه نسخة أولى مطبوعة من كتابها الاستقصائي الجديد الذي يعث

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   أفق ممتد

    مرت سنتان كاملتان على إغلاق ملف "الأطياف" نهائياً وإحالة بقايا مجالس الظل إلى محاكمات علنية غيرت شكل الخريطة القضائية في البلاد. في الضاحية الهادئة المحاذية للهضاب الخضراء عند أطراف العاصمة، كان مقر "مركز الفجر للحلول والأمن الرقمي الأخلاقي" يقبع في مبنى حديث ذي واجهات زجاجية واسعة تطل على خليج البحر الممتد، مستقبلاً أنوار الصباح الباكر بكثير من الحياة والنشاط.داخل المكتب الرئيسي في الطابق الثاني، كان زين يجلس أمام منصة عمل متطورة تضم ثلاث شاشات عرض عريضة، يتابع بتركيز ورزانة سير بروتوكولات التشفير الوقائية التي طوّرها لفائدة المنصات الصحفية المستقلة وجمعيات حماية حقوق البيانات. كانت ملامحه تنبض بنوع من القوة الصافية؛ فقد غادرت عينيه الرماديتين تلك النظرة الحذرة والمتوجسة، واستبدلت بها نظرة قائد واثق يدرك قيمة رسالته ونبل الغاية التي ناضل لأجلها.انفتح الباب الزجاجي للمكتب ببطء، ودخلت ميار وهي تحمل ملفات رقمية حديثة وتقرير استقصائي مطبوعاً بصورة أنيقة. كانت ترتدي بدلة رسمية بيضاء تعكس نضجها وتألقها كمديرة لقسم الأبحاث والتحقيقات في المركز، بينما أصبحت مقالاتها وحواراتها المتلفزة مرجع

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   ميثاق البحر

    انساب ضوء الصباح الدافئ فوق سطح المياه الشمالية الساكنة، ليحول رذاذ البحر المتطاير حول الجرف الصخري إلى شلالات مصغرة من الألوان المتألقة. كانت الأنفاس الشديدة والأنين المكتوم لنظام التهوية الاحتضاري داخل البرج قد تلاشت كلياً، ولم يعد يسمع في الأرجاء سوى صرير الأبواب الحديدية التي هزتها رياح الفجر الخفيفة، وصوت تكسر الأمواج المتناغمة مع الهدوء البكر الذي غمر المكان.وقف كمال العلي عند حافة الصخور المرتفعة، يستند بكلتا يديه على عصاه الخشبية، وعيناه النافذتان تتأملان الأفق البعيد حيث تلتقي المياه الأزرية بالسماء الصفاء. كانت تلك اللحظة الأولى منذ سنوات طويلة التي يخرج فيها إلى الضوء الخارجي دون أن يحمل على كاهله ثقل المراقبة الرادارية، أو خشية تسرب الإشارات التي قد تتيح لرجال "طاهر السويفي" تحديد موقعه وتصفيته.وعلى بعد أمتار قليلة، كانت ميار تقف بجوار زين، وقد أزاحت شعرها عن وجهها المجهد لتدع نسمات الهواء الباردة تجفف آثار الدموع التي انهمرت خلال اللحظات الحاسمة داخل المختبر. التفتت ميار إلى زين، ورأت في ملامحه الشاحبة نوعاً من السكينة التامة لم تعهده منذ التقيا في المقهى الماطر؛ لقد زا

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   شفرة المنارة

    تلبد الهواء داخل القاعة الدائرية للمختبر السري المحصن بنوع من الركود المشحون بالقلق والمسؤولية الكبرى، حيث اندمج نفيث مضخات التبريد المائية المنسابة داخل هيكل السيرفر المركزي مع الصوت الخفيض والأحشائي للأمواج البحرية الشمالية التي تتكسر بعنف قسري على السور الصخري الخارجي للبرج. كانت الأضواء الغائرة في السقف البيطوني تعكس شحوباً ناصعاً على وجوه الثلاثة، مجسدة تداخل الماضي القاسي مع الحاضر الحاسم الذي لا يحتمل أي هامش للخطأ أو التردد.وقف كمال العلي أمام اللوحة الرقمية التفاعلية الملحقة بالسيرفر المائي، ونزع نظارته ذات الإطار النحاسي ليمسحها بطرف معطفه الصوفي ببطء، في محاولة لاسترجاع رباطة جأشه بعد الصدمة العاطفية التي أحدثها لقاؤه بابنته ومساعده القديم. كانت أصابعه المرتجفة تكشف عن ثقل الاعوام الخمسة التي قضاها معزولاً في هذا البرج الموحش، يتغذى على الأمل الباهت ويراقب تحركات "مجلس الأطياف" عبر خطوط تتبع معقدة لا يعلم عنها أحد.على الجانب الآخر، كان زين يلتف حول الطاولة الفولاذية المجاورة للوحة التحكم، وعيناه الرماديتين تتابعان الخطوط البرمجية المتسارعة التي تتدفق باللون الأخضر والأحمر

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   حقيقة المخرج

    وقفت ميار متصنمة في منتصف القاعة الدائرية للمختبر السري، تتجاذبها أمواج متلاطمة من المتناقضات الحادة والتحولات النفسية العاصفة؛ بين الفرح الجارف والذهول المطلق لرؤية والدها حياً يرزق أمام عينيها، وبين مرارة الخديعة القاسية والشعور بالتضليل الذي عاشت تحته طوال ثلاث سنوات عافتها فيها راحة البال. كانت أنفاسها تتصاعد وتتردد بشكل متسارع في هواء القبو الجاف والمكيف، بينما ساد سكون مريب وخانق في أرجاء المكان، لا يقطعه إلا النفيث المنتظم والرتيب لأجهزة التبريد المائية الملحقة بالخوادم المضيئة، وصوت الهزيم الهادئ لموجات البحر الشمالي العاتية التي تواصل اصطدامها الشديد بالصخور السوداء للبرج الخارجي.أما زين، فقد خفض مسدسه الفولاذي ببطء شديد وبحذر متأمل، وعيناه الرماديتان الحادتان تتفرسان بتركيز عميق في ملامح أستاذه ومدربه القديم. كان يرى أمامه الرجل العبقري الذي علمه قواعد البرمجة الأولى ورموز التشفير المعقدة في بداية مسيرته، لكنه رأى أيضاً المهندس الذي ترك ابنته الوحيدة تقتحم الخطوط الأمامية، وتواجه فوهات الأسلحة الأوتوماتيكية، وتنزف الدماء الزكية في الممرات الخرسانية المظلمة للبنك المركزي دون

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status