ظبية الآغا

ظبية الآغا

last updateLast Updated : 2026-08-08
By:  Yallow Updated just now
Language: Arab
goodnovel18goodnovel
Not enough ratings
5Chapters
2views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

كانت القرية تستيقظ كل صباح على صوت واحد لا يتغيّر: صياح الديكة يتناثر بين البيوت الطينية كأنه نداءٌ قديم يوقظ الأرض قبل أن يوقظ الناس. تمتد القرية على ضفة نهرٍ صغير يشقّ الأرض كخيطٍ فضي بين حقول القمح والنخيل، وتتوزع بيوتها الطينية كحبات مسبحة قديمة، كل بيت بحكايته، وكل زقاق بذاكرته. وكانت دار الآغا فارس بن سالم، بجدرانها العالية وبابها الخشبي المزخرف بمسامير النحاس، تقف في قلب القرية كقلبٍ يضخ الحياة إلى كل ما حولها، فمنها يخرج القول الفصل في خصومات الفلاحين، وإليها يُرفع الشكوى، وعندها يُطلب الرضا حين يعجز الناس عن أن يتراضوا فيما بينهم.

View More

Chapter 1

الفصل الأول: القرية التي تنام على كتف النهر

كانت القرية تستيقظ كل صباح على صوت واحد لا يتغيّر: صياح الديكة يتناثر بين البيوت الطينية كأنه نداءٌ قديم يوقظ الأرض قبل أن يوقظ الناس. تمتد القرية على ضفة نهرٍ صغير يشقّ الأرض كخيطٍ فضي بين حقول القمح والنخيل، وتتوزع بيوتها الطينية كحبات مسبحة قديمة، كل بيت بحكايته، وكل زقاق بذاكرته. وكانت دار الآغا فارس بن سالم، بجدرانها العالية وبابها الخشبي المزخرف بمسامير النحاس، تقف في قلب القرية كقلبٍ يضخ الحياة إلى كل ما حولها، فمنها يخرج القول الفصل في خصومات الفلاحين، وإليها يُرفع الشكوى، وعندها يُطلب الرضا حين يعجز الناس عن أن يتراضوا فيما بينهم.

لم تكن هذه الدار مجرد بيت، بل كانت أشبه بمملكة صغيرة قائمة بذاتها: فيها المضافة الكبرى حيث يجلس الآغا لسماع الناس، وفيها الحُجَر الخاصة بالعائلة، وفيها جناح الخدم المطل على فناء داخلي تُغسل فيه الثياب وتُجفف تحت الشمس، وفيها بستان واسع يمتد خلف الدار، غرسه جد فارس منذ عقود، فصار اليوم غابة صغيرة من النخيل والرمان، تُظلّل الأرض وتُعطّر الهواء في مواسم الإثمار.

كان فارس رجلاً في السادسة والثلاثين من عمره، طويل القامة، أسمر اللون، له عينان لا تفصحان بسهولة عمّا يدور خلفهما، وصوتٌ إذا ارتفع في المضافة خفتت كل الأصوات الأخرى كأنها استمعت لتتعلم منه كيف يكون الصمت أبلغ من الكلام أحيانًا. ورث عن أبيه هيبته قبل أن يرث أرضه، وورث معها عبئًا لم يختره: أن يكون عمدة قرية بأكملها، يحمل على كتفيه أقدار الناس كما يحمل الجمل حِمله دون أن يسأله أحد إن كان راضيًا بهذا الحِمل أم لا. تعلّم منذ صغره أن الرجل الذي يحكم لا يملك رفاهية الضعف، وأن كل دمعة يكتمها، وكل تردد يخفيه، هما ثمن الهيبة التي يحملها اسمه.

في الصباحات الباردة، كان فارس يجلس في إيوان الدار المطل على البستان، يشرب قهوته المرّة ببطء، وعيناه تتابعان النخيل الذي يميل مع الريح كأنه يحيّيه كل يوم من جديد. كانت هذه اللحظات القليلة، بين الفجر والصحو التام، هي الوقت الوحيد الذي يشعر فيه أنه ليس "الآغا"، بل رجلٌ عادي يتأمل الكون بصمت قبل أن يُثقله الناس بحاجاتهم وخصوماتهم. كان يستمع إلى تغريد الطيور التي تحطّ على أغصان الرمان، ويراقب بخار القهوة يتصاعد أمامه كأنه سرٌّ يتبخر مع كل شهيق، ويتساءل أحيانًا، في سرّه، إن كانت حياته ستظل هكذا إلى الأبد: تكرارًا هادئًا لا يتغير، صباحًا يشبه صباحًا، وقرارًا يشبه قرارًا.

زوجته نجلاء، ابنة عمه، كانت في الغرفة المقابلة، تستيقظ متأخرة كعادتها، تنادي إحدى الخادمات بصوتٍ حاد لتُحضر لها الماء الدافئ ومرآتها الفضية التي ورثتها عن أمها. كانت نجلاء امرأة جميلة بلا شك، ذات عينين واسعتين وشعرٍ أسود كثيف تُصفّفه كل صباح كأنها تستعد ليومٍ من الاستقبالات، رغم أن أحدًا لا يزورها في أغلب الأيام. كانت تحب أن تُحيط نفسها بالجمال: العطور الثمينة التي يجلبها لها التجار من المدينة، والأقمشة الحريرية التي تُفصّل منها ثيابها، والحلي الذهبية التي ورثتها عن أمها وجدتها. كان هذا الجمال، في نظرها، تعويضًا صامتًا عن شيءٍ آخر لم تجرؤ يومًا أن تُسمّيه بصوتٍ عالٍ.

تزوجها فارس وهو في الحادية والعشرين، بعد أن قرر شيوخ العائلتين أن هذا الزواج سيوحّد الأرض والنفوذ، فتم العقد كما تُعقد الصفقات، بمباركة الجميع إلا القلبين المعنيين بالأمر. لم يكن بين فارس ونجلاء كراهية، لكن لم يكن بينهما أيضًا ذلك الشيء الذي يجعل الرجل يبتسم حين يذكر اسم امرأته، أو يجعل المرأة تنتظر خطوات زوجها عند الباب بشوق. كانا يعيشان تحت سقفٍ واحد كشريكين في مؤسسة اسمها "البيت"، لا كزوجين اختار كلٌّ منهما الآخر. كان فارس يحترمها كأمّ لابنته وكسيدة بيته، لكنه لم يشعر يومًا أن قلبه يخفق حين يراها تدخل الغرفة، وكانت هي، في المقابل، قد تعلّمت منذ سنوات أن تُخفي أي توقٍ لعاطفة لم تجدها، وأن تستبدلها بحب المظاهر والسلطة التي يمنحها لها موقعها كزوجة الآغا الأولى.

وكان لهما من هذا الزواج ابنة وحيدة، نور، ذات الخمس سنوات، بعينين تشبهان عيني أبيها في هدوئهما، وابتسامة تشبه ابتسامة أمها حين تكون صادقة لا متكلّفة. كانت نور تركض في أروقة الدار حافية القدمين، تُلاحق القطط التي تأوي إلى البستان، وتُزعج الخدم بأسئلتها التي لا تنتهي، وكان فارس - رغم انشغاله - يجد في ضحكتها عزاءً لا يجده في أي مكان آخر من هذا البيت الكبير. كان يحملها أحيانًا على كتفيه في المساء، يسير بها بين أشجار الرمان، ويحدّثها عن النجوم بأسماء اخترعها هو بنفسه، فتضحك الطفلة وتُصفّق بيديها الصغيرتين، وكانت تلك اللحظات، رغم قصرها، تُشعره أن في حياته ما يستحق كل هذا العناء.

في ذلك الصباح تحديدًا، جلس فارس في المضافة يستمع إلى خصومة بين رجلين على حدود أرض، وكان صوته حازمًا وهو يفصل بينهما: "الأرض التي زرعها أبوك يا سعيد، منذ عشرين عامًا، هي حقٌّ لك ما دام أحد لم يعترض في حينه. والاعتراض بعد عشرين عامًا لا يُقبل في عرفنا ولا في عقلنا." فنظر الرجلان إلى بعضهما، وأدرك الخاسر منهما أن كلمة الآغا لا تُرد، فانحنى برأسه وخرج صامتًا، بينما بقي الرجل الآخر يُقبّل يد فارس شكرًا، فسحب الآغا يده برفق وقال: "لا تشكرني، بل اشكر العدل الذي وهبك الله إياه، فأنا لم أفعل سوى أن أقول الحق."

بعد أن خلت المضافة من الناس، وبقي فارس وحده يرتب في ذهنه أمورًا أخرى تنتظره ذلك اليوم، دخل عليه أحد الخدم القدامى، رجلٌ في الستين من عمره اسمه سلطان، يعمل في خدمة العائلة منذ كان فارس طفلاً يلهو في هذا البستان نفسه. كان سلطان قد شهد فارس يكبر أمام عينيه، من طفل يلعب بالطين إلى رجل يحمل مقاليد قرية بأكملها، وكان يحمل له من الولاء ما لا يحمله كثيرون. دخل بصوتٍ يحمل قلقًا مكتومًا وقال: "يا سيدي، بلغني أن الحاجة سعدى - جدة الصبي الذي أنقذته من الثأر قبل سنوات - في طريقها إلى هنا. أرسلت من يخبرك أنها ستصل عصر اليوم، ومعها أمرٌ تريد أن تبلغك إياه بنفسها."

توقف فارس عن الحركة للحظة، وذهنه يعود بسرعة إلى تلك الليلة البعيدة التي أنقذ فيها الصبي راشد من موتٍ محقق. لم يكن قد فكّر في تلك الحادثة منذ زمن، لكن اسم الحاجة سعدى أعاد إليه كل التفاصيل كأنها حدثت البارحة: صوت الصراخ، وميض السيوف تحت ضوء القمر، وعينا الفتاة الصغيرة التي كانت تحتضن أخاها في الزاوية. قال بصوتٍ هادئ: "لتكن أهلاً بها متى وصلت. وليُعدّ لها مجلسٌ يليق بمقامها، فهي امرأة لها عليّ حقٌّ لم أنسه." ثم أضاف، وكأنه يُحدّث نفسه أكثر مما يُحدّث سلطان: "الوعد الذي لا يُنسى، هو الوعد الذي لم يُقل بالكلمات."

خرج سلطان، وبقي فارس وحده في المضافة، يتأمل النخيل من النافذة، وشيء غامض في صدره يخبره أن هذا اليوم لن يكون كباقي الأيام. لم يكن يعرف بعد أن قدومَ تلك العجوز سيحمل معه خيطًا سيُعيد نسج حياته كلها من جديد، خيطًا رقيقًا اسمه "ظبية"، لم يكن قد سمع به بعد، لكنه كان يقترب منه بخطى بطيئة كخطى القدر نفسه.

مرّ ذلك النهار ثقيلاً على فارس، وهو يستقبل الفلاحين ويفصل في أمورهم: خصومة على سهم في الميراث، وشكوى من رجل ضد جاره الذي حوّل مجرى الماء عن أرضه، وطلب من أرملة تحتاج معونة لزراعة أرضها بعد وفاة زوجها. كان يستمع إلى كل قصة بصبرٍ، ويزن كل كلمة قبل أن يُصدر حكمه، لكن عقله كان يذهب بين الحين والآخر إلى تلك الليلة البعيدة، ليلة الثأر، حين وقف بين الصبي الصغير وبين سيوفٍ كانت تنتظر أن تُروى بدمه الطاهر. كان يعرف أن ما فعله حينها لم يكن بطولة بقدر ما كان واجبًا فرضه عليه شرفه، لكن العجوز التي أرسلت له خبر قدومها اليوم لم تكن تنظر إليه بهذه البساطة، بل كانت ترى في ذلك الفعل دَينًا لا يُسدَّد إلا بشيء غالٍ، شيء لم يخطر بباله بعد.

وحين مالت الشمس نحو الغروب، وامتلأ البيت برائحة الخبز الذي تُعدّه الخادمات في الفرن الطيني، جلست نجلاء في غرفتها تُمشّط شعر ابنتها وهي تسألها عن يومها في لعبٍ لا ينتهي، غافلة تمامًا عمّا يدور في ذهن زوجها، وغافلة أكثر عن أن هذا المساء سيحمل إلى بيتها ضيفة لن تُغادر. كانت تُحدّث نور عن ثوبٍ جديد ستُفصّله لها الخياطة الماهرة التي تزور القرية كل شهر، وكانت الطفلة تضحك وتسأل إن كان الثوب سيكون بلون السماء أم بلون الرمان الناضج، بينما كانت أفكار الأم بعيدة كل البعد عمّا يُخبّئه هذا المساء.

كان فارس، في تلك اللحظة، واقفًا عند باب الدار الكبير، ينظر إلى الطريق الترابي الممتد نحو الأفق، وكأنه يستشعر قدوم شيءٍ لا اسم له بعد، شيء سيغيّر ميزان حياته التي ظنّ أنها استقرت على حالها إلى الأبد. مرّت نسمة باردة من جهة النهر، فأحكم عباءته حول كتفيه، وبقي واقفًا هناك، صامتًا، ينتظر ما لم يكن يعرف بعد أنه سينتظره طويلًا.

مرّ به أحد الفلاحين العائدين من الحقل، فحيّاه بانحناءة رأسٍ مهذبة قائلاً: "مساء الخير يا آغا، الله يديم عليك القوة والصحة." فردّ فارس التحية بابتسامة هادئة، وسأله عن حال زرعه ذلك الموسم، فأجابه الرجل بأن الأمطار كانت طيبة هذا العام، وأن المحصول يبشّر بخير، فحمد فارس الله معه، وتبادلا كلماتٍ قليلة عن أحوال القرية، قبل أن يمضي الرجل في طريقه ويعود فارس إلى صمته وتأمله.

كانت هذه هي طبيعة حياته: لحظات متقطعة من الحديث العابر مع الناس، تتخللها فراغات طويلة من الصمت الداخلي الذي لا يشاركه فيه أحد. كان يعرف أسماء كل فلاحي القرية، وأسماء زوجاتهم وأبنائهم، وكان يحفظ قصصهم كما يحفظ آيات القرآن التي تعلّمها في صغره، لكنه، رغم كل هذا القرب من الناس، كان يشعر أحيانًا بوحدةٍ عميقة لا يفهمها إلا من عاش حياة القائد الذي يُطلب منه أن يكون قويًا دائمًا، حاسمًا دائمًا، بلا مساحة لضعفٍ إنساني يُشاركه أحد ثقله.

فكّر في تلك اللحظة بأبيه الذي توفي قبل خمس سنوات، وكيف كان يقف في هذا المكان بالذات كل مساء، يتأمل القرية بالطريقة ذاتها، وكأن هذا الوقوف عند الباب عند الغروب كان طقسًا توارثه الأبناء عن الآباء في هذه العائلة، طقسًا صامتًا لمراجعة النفس وحساب اليوم قبل أن يأتي يومٌ جديد بأثقاله الخاصة. تذكّر نصيحة أبيه الأخيرة له قبل وفاته: "يا فارس، الرجل الذي يحكم الناس يجب أن يكون عادلاً حتى مع نفسه، فلا تظلم قلبك من أجل مظهرٍ تحافظ عليه أمام الآخرين." لم يكن يومها يفهم تمامًا معنى هذه الكلمات، لكنه شعر في تلك الأمسية، وهو ينتظر قدوم ضيفةٍ لا يعرف بعد ماذا ستحمل معها، أن معناها بدأ يتكشف له شيئًا فشيئًا.

دخل أخيرًا إلى الدار حين اشتد البرد، وجلس في المضافة ينتظر، بينما كانت الشموع تُضاء الواحدة تلو الأخرى في أرجاء البيت، وكانت رائحة العشاء تفوح من المطبخ، ممزوجة برائحة التراب الرطب بعد نسمات المساء الباردة. جلس هناك طويلاً، يقلّب في يده سبحة العنبر التي ورثها عن أبيه، يعدّ حباتها الواحدة تلو الأخرى بلا وعي، بينما كانت الأفكار تتزاحم في رأسه: من هي هذه الفتاة التي ستأتي مع الحاجة سعدى؟ وماذا يعني أن يكون له "أمرٌ" تريد أن تبلغه إياه بنفسها؟ لم يكن يتخيل، وهو يجلس هناك في ذلك الهدوء الخادع، أن إجابات هذه الأسئلة ستأتي بعد ساعات قليلة فقط، حاملة معها بداية فصلٍ جديد كليًا في حياته لم يكن قد كتب له حسابًا.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
5 Chapters
الفصل الأول: القرية التي تنام على كتف النهر
كانت القرية تستيقظ كل صباح على صوت واحد لا يتغيّر: صياح الديكة يتناثر بين البيوت الطينية كأنه نداءٌ قديم يوقظ الأرض قبل أن يوقظ الناس. تمتد القرية على ضفة نهرٍ صغير يشقّ الأرض كخيطٍ فضي بين حقول القمح والنخيل، وتتوزع بيوتها الطينية كحبات مسبحة قديمة، كل بيت بحكايته، وكل زقاق بذاكرته. وكانت دار الآغا فارس بن سالم، بجدرانها العالية وبابها الخشبي المزخرف بمسامير النحاس، تقف في قلب القرية كقلبٍ يضخ الحياة إلى كل ما حولها، فمنها يخرج القول الفصل في خصومات الفلاحين، وإليها يُرفع الشكوى، وعندها يُطلب الرضا حين يعجز الناس عن أن يتراضوا فيما بينهم.لم تكن هذه الدار مجرد بيت، بل كانت أشبه بمملكة صغيرة قائمة بذاتها: فيها المضافة الكبرى حيث يجلس الآغا لسماع الناس، وفيها الحُجَر الخاصة بالعائلة، وفيها جناح الخدم المطل على فناء داخلي تُغسل فيه الثياب وتُجفف تحت الشمس، وفيها بستان واسع يمتد خلف الدار، غرسه جد فارس منذ عقود، فصار اليوم غابة صغيرة من النخيل والرمان، تُظلّل الأرض وتُعطّر الهواء في مواسم الإثمار.كان فارس رجلاً في السادسة والثلاثين من عمره، طويل القامة، أسمر اللون، له عينان لا تفصحان بس
last updateLast Updated : 2026-08-06
Read more
الفصل الثاني: ليلة الدَّين
لكي يُفهم ثقل ما كان يحدث في تلك الأمسية، لا بد من العودة بالزمن ثلاث سنوات إلى الوراء، إلى تلك الليلة التي زرعت بذرة كل ما سيأتي، ليلة لم تكن تشبه أي ليلة أخرى في تاريخ القرية وتاريخ فارس نفسه.كانت القرية آنذاك تعيش على وقع ثأرٍ قديم بين عائلتين كبيرتين، ثأرٍ توارثته الأجيال حتى نسي أكثر الناس سببه الأول، ولم يبقَ منه إلا الحقد المتراكم كالغبار على جدارٍ مهجور. بدأت القصة، كما تُروى في مجالس القرية، بخلافٍ بسيط على حصةٍ من مياه الري، تطور إلى مشادة، ثم إلى ضربة سكين لم يُقصد بها القتل لكنها أودت بحياة شاب من عائلة الحاج مبارك - جد الصبي راشد من جهة أمه. ومنذ تلك اللحظة، أصبح الدم دَينًا لا يُغسل إلا بدم، وأصبح العُرف القبلي القاسي يقضي بأن العائلة التي فقدت أحد رجالها لها الحق في أن تأخذ بثأرها من أقرب الذكور في العائلة المقابلة، حتى لو مرّت السنون، وحتى لو كان ذلك الذكر طفلاً لم يذنب بشيء.وكان راشد، شقيق ظبية، حينها صبيًا لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، لكنه كان الذكر الوحيد المتبقي في عائلته الصغيرة بعد أن توفي والده منذ سنوات بمرضٍ عضال، فوقع عليه - بحكم هذا العُرف القاسي - أن ي
last updateLast Updated : 2026-08-08
Read more
الفصل الثالث: قرار العجوز
لم يكن قرار الحاجة سعدى وليد لحظة، بل كان ثمرة تفكيرٍ طويل امتد أشهرًا، بل ربما سنوات، وهي تراقب حفيدتها ظبية تكبر أمام عينيها في بيتٍ طيني صغير لا يملك من الدنيا شيئًا سوى الكرامة والذكريات المتراكمة كطبقات الغبار على رفوفٍ قديمة.بعد تلك الليلة التي أنقذ فيها فارس حفيدها راشد، ساءت أحوال العائلة أكثر فأكثر. فقد كان معيلهم الوحيد - عم ظبية الذي كان يعمل في الحقول ويُعين الحاجة سعدى على تدبير أمور المعيشة - قد توفي بحادثٍ مفاجئ بعد عامٍ من تلك الليلة، حين سقط من فوق سطح كان يُصلحه، فلم يبقَ في البيت سوى الحاجة سعدى العجوز التي أنهكها المرض والعمر، وظبية التي أصبحت عماد البيت رغم صغر سنها، وراشد الذي كان لا يزال طفلاً يحتاج من يرعاه لا من يعوله.كانت ظبية تعمل في كل ما تجده من أعمال: تغزل الصوف لبيوت الأثرياء حتى تتورم أصابعها، وتساعد في الحصاد أيام الموسم تحت شمسٍ حارقة، وتخبز لبيوت الجيران مقابل قليل من الدقيق أو بعض القروش النحاسية، وتغسل ثياب النساء اللواتي يستطعن دفع أجرها المتواضع. كانت تخرج مع الفجر وتعود مع الغسق، جسدها منهك لكن عزيمتها لا تلين، وكانت تُخفي عن جدتها قدر تعبها،
last updateLast Updated : 2026-08-08
Read more
الفصل الرابع: "أعطيتك حفيدتي ظبية"
وصلت الحاجة سعدى وظبية إلى دار الآغا فارس مع خيوط الشمس الأخيرة، حين كانت السماء تتلوّن بدرجاتٍ من البرتقالي والأحمر الخفيف، كأن الأفق نفسه يستعد لمشهدٍ لن يُنسى. كانت ظبية تنظر إلى جدران الدار العالية بعينين مندهشتين، فلم تكن قد رأت بناءً بهذا الحجم من قبل، وشعرت لوهلة أن قدميها النحيلتين المتعبتين من طول المسير تكادان تخونانها من هول ما ترى. رأت النوافذ الخشبية المزخرفة، والأبواب الكبيرة المطعّمة بالنحاس، والحراس الواقفين عند المدخل بهيئتهم المهيبة، وشعرت أن المسافة بين عالمها الصغير الفقير وهذا العالم الفسيح الغني أكبر بكثير مما تخيلت، وأن الخطوات القليلة التي تفصلها عن الباب الكبير تحمل ثقل عالمٍ كامل يتغيّر.سمعت من بعيد صوت أذان المغرب يتردد في أرجاء القرية، فتوقفت الحاجة سعدى لحظة عند سماعه، ورفعت يديها بدعاء صامت قبل أن تُكمل السير، وتبعتها ظبية بالفعل ذاته، تدعو الله في سرها أن يُعينها على ما هي مقبلة عليه، وأن يجعل هذا البيت الجديد بابًا للخير لا للشقاء.استقبلهما سلطان عند الباب الكبير، وقد أُخبر مسبقًا بقدومهما، فأدخلهما بأدبٍ جمّ إلى المجلس الذي أُعدّ خصيصًا لاستقبال الحا
last updateLast Updated : 2026-08-08
Read more
الفصل الخامس: أول ليلة في القصر الغريب
قادت إحدى الخادمات العجائز، واسمها أم سالم، ظبية إلى الجناح المخصص للخدم، وهو مبنى صغير ملحق بالدار الكبيرة، فيه غرف متواضعة نظيفة تفتح على فناءٍ داخلي صغير تجتمع فيه الخادمات في المساء لتبادل الأحاديث بعد يومٍ طويل من العمل. كانت أم سالم امرأة في الخمسين من عمرها، عريضة الجسم، بوجهٍ طيب تكسوه تجاعيد اللطف لا القسوة، وكانت قد قضت أكثر من عشرين عامًا في خدمة عائلة الآغا، فصارت أشبه بأمٍّ لكل خادمة جديدة تدخل هذا البيت.قالت أم سالم بلهجة أمومية وهي تُريها الغرفة الصغيرة التي ستقيم فيها: "هذه غرفتك يا بنية، بسيطة لكنها دافئة، وستجدين فيها كل ما تحتاجينه. لا تخافي، فالآغا فارس رجل عادل، لم نرَ منه ظلمًا لخادمٍ يومًا، وستكونين هنا بخير إن شاء الله، شرط أن تُتقني عملك وتحفظي حدودك." ثم أضافت وهي تُشير إلى فراشٍ بسيط في الزاوية، وبطانية صوفية مطوية بعناية: "هذا فراشك، وهذه خزانة صغيرة لثيابك، وإن احتجتِ شيئًا، فبابي مفتوح لكِ دائمًا، فأنا هنا منذ زمنٍ طويل، ورأيت خادمات كثيرات يدخلن هذا البيت، وأعرف كيف يكون الأمر صعبًا في الأيام الأولى."جلست ظبية على الفراش البسيط، وأحاطت الجدران الطينية
last updateLast Updated : 2026-08-08
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status