LOGINكانت ميرا قد انتهت أخيرًا من استعدادها، ووقفت أمام المرآة الكبيرة في غرفتها تحدق في انعكاسها طويلًا، وكأنها تحاول أن تتأكد من أن الفتاة التي تراها أمامها هي نفسها التي استيقظت هذا الصباح.وللمرة الأولى منذ أن وطئت قدماها عالم الجن، شعرت ميرا أن مظهرها لم يعد يشبهها تمامًا.رفعت يدها ببطء، ولمست وجنتها بأطراف أصابعها، ثم اقتربت من المرآة قليلًا وهي تضيق عينيها بدهشة.كانت السيدة أماريل قد وضعت لها للمرة الأولى في حياتها مساحيق التجميل.لم تكن ميرا تعرف شيئًا عن تلك الألوان التي وضعتها أماريل على وجهها، ولا عن الغرض منها في البداية. كانت بالنسبة إليها مجرد أشياء غريبة توضع على البشرة، حتى شرحت لها أماريل أنها ألوان تستخدمها نساء مملكة الربيع للزينة والتجميل.كانت الألوان خفيفة وهادئة، لكنها، رغم بساطتها، غيّرت ملامح ميرا بصورة واضحة.وضعت أماريل لمسة ناعمة من اللون الوردي على شفتيها، فأصبح لونهما أكثر إشراقًا، وأضافت لونًا خفيفًا فوق جفنيها جعل عينيها الزرقاوين تبدوان أكثر وضوحًا، كما وضعت لمسات رقيقة على وجنتيها زادت وجهها نضارة.ظلت ميرا تنظر إلى شفتيها باستغراب، ثم تمتمت في نفسها:«م
نظر إليه ألدريان بثبات وقال:— عندها سأفكر في حل آخر.ثم أضاف:— لن أسبق الأحداث الآن. دعني أولًا أعرف ماذا ستقول هي.جلس سيروس في المقعد المقابل له، ثم قال:— لكن هناك أمر آخر.— ما هو؟— الإمبراطور.تغيرت ملامح ألدريان قليلًا.قال سيروس:— هل ستخبره بأمر ميرا؟ساد صمت قصير.ثم أجاب ألدريان بوضوح:— لا.— لن تخبره؟— لا أريد أن يعلم الإمبراطور شيئًا عن ميرا.من الجيد أنة مشغول باللعنة التى القتها ساحره الغابة السوداء على وريثة.قال سيروس. رغم أن الامبراطور أمر ب إبقاء أمر لعنة وريثة أمر سري وممنوع تداولة إلا أن بعض الأحاديث تخرج. لقد سمعت ان الأمر سئ جدا و الوريث يعانى الويلات من تلك اللعنة ومن المحتمل أن تقضي عليه في أى لحظة.قال لة الدريان. نعم لقد علمت بالأمر وعلمت أيضا أن كبراء مجلس السحرة والمعالجين في العاصمة لم يستطيعوا أن يفعلوا شىء يقولون إن اللعنة قوية جداً ولم يستطع أحد على كسرها.أراد سيروس أن يغير الحديث لذلك نظر إليه سيروس بقلق، وقال:— ولكن يا ألدريان... أنت تعرف أن الأمر قد يصبح خطيرًا إذا اكتشفه بنفسه.— أعرف.— وإذا علم بوجودها، فسوف يسأل عن سبب وجودها هنا، وكيف وصل
كان المساء قد اقترب، ولم يتبقَّ على موعد العشاء سوى وقت قصير، حين كان الحاكم ألدريان يجلس في جناحه الخاص، وقد أحاطت به أكوام من الوثائق والملفات التي لم تترك له طوال اليوم فرصة لالتقاط أنفاسه.كان جناحه هادئًا على غير عادة القصر في مثل هذا الوقت؛ فالأبواب مغلقة، والستائر الطويلة مسدلة جزئيًا أمام النوافذ، بينما كانت أشعة الغروب الأخيرة تتسلل من بينها في خطوط ذهبية باهتة، فتسقط فوق سطح المكتب وتنعكس على الأوراق المنتشرة أمامه.جلس ألدريان خلف مكتبه، يمسك إحدى الوثائق بيده، وعيناه تتحركان بين سطورها بتركيز شديد. وما إن انتهى من قراءتها حتى مد يده إلى الختم الملكي الموضوع أمامه، وغمس خاتمه في الشمع السحري، ثم ضغطه فوق الوثيقة.ظهر شعار مملكة الربيع على الفور، مضيئًا للحظات قبل أن يستقر فوق الورقة.وفي تلك اللحظة تحديدًا، فُتح باب الجناح ودخل سيروس.تقدم المستشار بخطوات هادئة، ثم انحنى احترامًا وقال:— سيدي الحاكم، هل انتهيت من قراءة الوثائق التي معك وختمها؟رفع ألدريان عينيه عن الأوراق، ثم أجاب:— أجل يا سيروس... انتهيت من معظمها.اقترب سيروس قليلًا، ونظر إلى مجموعة الأوراق الموضوعة أمام
جاء اليوم التالي، وكان مختلفًا عن كل الأيام التي مرت على ميرا منذ وصولها إلى قصر الحاكم ألدريان.منذ أن فتحت عينيها في الصباح، لم تستطع أن تمنع أفكارها من الدوران حول اللقاء المنتظر. كانت تعلم أن الحاكم وافق أخيرًا على مقابلتها، وأنها ستراه مساءً، لكن مجرد التفكير في الأمر جعل قلبها يخفق بتوتر لم تعهده من قبل.جلست أمام المرآة لبعض الوقت، ثم أخذت تتخيل كيف سيجري اللقاء.ماذا ستقول أولًا؟كيف ستطلب منه أن يعيدها إلى عالمها دون أن تبدو فظة أو جاحدة؟كيف ستشرح له أنها لم تعد تريد شيئًا سوى العودة؟كانت تعرف أنها مدينة له بالكثير، فقد سمح لها بالبقاء في قصره، وأمر خدمه بالعناية بها، وأطعمها ووفّر لها الملابس والغرفة، ولذلك لم تكن تريد أن تنكر فضله أو تتعامل معه بجفاء.راحت ترتب كلماتها في ذهنها مرة بعد أخرى.«سأقول له إنني أشكره على كل ما فعله من أجلي... ثم سأطلب منه أن يساعدني على العودة إلى عالمي. وسأخبره أنني لا أريد أن أسبب له المزيد من المتاعب.»توقفت لحظة، ثم أومأت لنفسها وكأنها اقتنعت بالخطة.«أجل... هذا ما سأفعله.»لكن ما إن انتهت من التفكير حتى عاد شيء آخر إلى ذهنها، شيء لم تستطع
في صباح اليوم التالي، كانت ميرا قد خرجت لتوها من حمّامها السحري، وقد لفّت شعرها بمنشفة قطنية ناعمة، بينما وقفت أمام خزانة الملابس الكبيرة تتأمل الفساتين المعلقة أمامها بحيرة واضحة.كانت تقف حائرة بين عشرات الألوان والتصاميم، ترفع يدها نحو أحد الفساتين، ثم تتراجع عنها لتتجه إلى فستان آخر، وكأن اختيار ما سترتديه أصبح واحدًا من أهم المهام التي تشغل بها يومها الطويل.ابتسمت في سرها.من كان يصدق أن اختيار فستان سيصبح بالنسبة إليها وسيلة لقتل الملل؟تنهدت وهي تنظر إلى الخزانة.في الماضي، لم تكن تملك حتى خزانة ملابس.لم يكن لديها سوى فستانين وبعض القمصان البسيطة، وكانت معظم ملابسها قديمة ومهترئة من كثرة ما ارتدتها. لم تكن تقف أمام عشرات الخيارات لتفكر أيها أجمل، بل كانت ترتدي ما تجده أمامها دون أن تهتم كثيرًا بمظهره.أما الآن...فقد أصبحت لديها خزانة كاملة، وفساتين كثيرة، وخادمات يهتممن بأدق تفاصيل حياتها.ورغم ذلك كله، لم تستطع ميرا أن تمنع نفسها من التفكير في الماضي.لم تكن هذه الأشياء هي ما تريده حقًا.كانت تريد فقط أن تنتهي هذه الغربة.وفجأة، أفاقت من شرودها على طرقات خفيفة على باب الغرف
مرَّ شهرٌ كامل منذ أن استقرت ميرا في قصر الحاكم ألدريان، ومع مرور الأيام بدأت تشعر بأن الهدوء الذي أحاط بها لم يعد راحة كما كان في البداية، بل تحول شيئًا فشيئًا إلى مللٍ ثقيل يضغط على صدرها.لم تكن تخرج من غرفتها ، بل إن معظم أيامها كانت تتشابه بصورة تكاد تكون متطابقة؛ تستيقظ، تتناول طعامها، تغتسل، تبدل ملابسها، ثم تجلس لساعات طويلة أمام النافذة تتأمل الحديقة الواسعة الممتدة أمامها.وفي البداية لم تكن تهتم كثيرًا بمرور الوقت.أما الآن...فقد بدأت تتساءل عن السبب.لماذا لم يسمح لها الحاكم ألدريان بمقابلته حتى الآن؟لقد مر شهر كامل.شهر كامل وهي في القصر نفسه، وهو يعلم أنها تريد الحديث معه.وكانت قد أرسلت مع أماريل طلبًا لمقابلته، ثم أرسلت بعدها طلبًا آخر، ثم ثالثًا، وفي كل مرة كانت تنتظر الرد... ولا يأتي شيء.وضعت ميرا يدها أسفل ذقنها، وحدقت في الحديقة بشرود.«لماذا كل هذا التعقيد؟»كانت لا تزال عاجزة عن فهم الأمر.هي لا تريد سوى دقائق قليلة.ستجلس أمام الحاكم، وتخبره بما تريده بوضوح.إنها تريد العودة إلى عالمها.هذا كل شيء.فلماذا يبدو الأمر وكأنها تطلب شيئًا مستحيلًا؟تنهدت ميرا، ثم