LOGINأما في الخارج، فكانت إيلينورا تقف في الممر الحجري المؤدي إلى منطقة السجون، تنتظر في صمت، بينما تتقافز الأفكار داخل رأسها بلا رحمة. منذ أن وصلت رسالة الحكيم ثامور، ووصل معها جنود قصر الحاكم، ورأت المعلم أوريڤال يتجه بنفسه لإحضار ميرا من الزنزانة، بدأ قلبها يخفق بقوة، وشعرت برهبة لم تعهدها من قبل.أخذت تحدث نفسها في اضطراب."ماذا لو لم تستطع ميرا أن تثبت صحة قصتها؟ ماذا لو اقتنع الجميع أخيرًا بأنها جاسوسة لساحرة الغابة السوداء؟ ماذا سيكون مصيرها؟... بل ماذا سيكون مصيري أنا أيضًا؟"تنهدت ببطء، ثم أغمضت عينيها لحظة."ولماذا أنا وحدي التي أشعر أنها صادقة؟ لماذا كلما نظرت إلى عينيها شعرت أنها لا تكذب؟ أهو بسبب تلك القطرات التي لا تتوقف عن الانهمار من عينيها؟ هل سحرتني تلك القطرات حتى أصبحت أصدقها وحدي؟ ولماذا لا يصدقها أحد غيري؟"لكنها سرعان ما هزت رأسها محاولة طرد تلك الأفكار.ثم همست لنفسها:"وإذا... إذا صدقوا قصتها بالفعل... ماذا سيفعلون بها؟ هل سيعيدونها إلى عالمها؟ هل ستعود إلى والدها؟ أم ستظل عالقة في هذا العالم إلى الأبد؟"مرت يدها فوق وجهها في إرهاق، ثم زفرت قائلة:"يا ويلي... ما زل
جلست ميرا فوق فراشها الصغير داخل الزنزانة، تضم ساقيها إلى صدرها وتحدق في الفراغ بعينين أنهكهما السهر وكثرة البكاء. منذ أن دخلت هذا المكان، فقدت قدرتها على معرفة الزمن؛ لم تعد تعلم أهو صباح أم مساء، ولا كم يومًا أو ليلة مرت عليها وهي حبيسة تلك الجدران الحجرية الهادئة. كانت كل لحظة تمر عليها أثقل من التي سبقتها، حتى أصبحت الأيام كلها متشابهة، لا يميزها سوى دخول الحراس بالطعام وخروجهم دون أن ينطق أحدهم بكلمة.تنهدت ببطء، ثم همست لنفسها بصوت بالكاد يُسمع: "لقد سئمت... إلى متى سأظل هنا؟ هل سأخرج يومًا من هذا المكان؟ أم أن هذه الزنزانة ستكون سجني الأبدي؟ هل سأموت هنا دون أن أرى السماء مرة أخرى؟"أغمضت عينيها، وإذا بصورة والدها ترتسم أمامها كما اعتادت في كل مرة يختلي بها الحزن. تذكرت ابتسامته المتعبة، وصوته الدافئ وهو يناديها، فتسللت دمعة جديدة فوق خدها.لكن قبل أن تستسلم لأفكارها، انتبهت فجأة إلى شيء غريب.كان هناك ضجيج في الخارج.رفعت رأسها في دهشة، وأرهفت سمعها.خطوات كثيرة... أصوات جنود... حركة لم تعهدها منذ دخولها هذا المكان.عقدت حاجبيها وقالت في نفسها: "ماذا يحدث؟ منذ أن جئت إلى هنا و
ثم أجاب الحاكم بنفسه عن السؤال قبل أن ينطق الحكيم ثامور بكلمة، وقال وهو يطرق بأصابعه برفق على ذراع العرش: «أتظن يا حكيم ثامور أن تعويذة الحاجز قد انهارت؟»رفع الحكيم رأسه وقال: «كان ذلك أول ما خطر ببالي يا سيدي، وظننت أن انهيارها هو ما سمح للفتاة بالعبور.»هز الحاكم رأسه بالنفي وقال بصوت هادئ ولكنه يحمل يقينًا لا يتزعزع: «كلا... ألم تخبرني أن الفتاة ذكرت أن الرجال الذين كانوا يطاردونها قد لقوا حتفهم في الموضع نفسه؟»أومأ الحكيم ثامور بالإيجاب.فقال الحاكم: «إذن فالحاجز لا يزال قائمًا كما كان، وتعويذته لم تُمس. فلو كانت قد انهارت لما مات أولئك الرجال عند ملامستها. هذا وحده كافٍ ليثبت أن الحاجز يؤدي عمله كما ينبغي.»ساد الصمت بينهما لحظات، ثم عاد الحاكم يقول وهو يحدق في الفراغ: «ولكن ذلك يعيدنا إلى السؤال الأكبر... كيف عبرت تلك الفتاة؟ وكيف نجت من تعويذة لم ينجُ منها أحد طوال قرون؟»تنهد الحكيم ثامور وقال: «وهذا هو ما أعجزني يا مولاي. مهما قلبت الأمر في عقلي لم أجد له تفسيرًا. وإن كانت الفتاة صادقة فوجودها مستحيل، وإن كانت كاذبة فلا نملك دليلًا على كذبها.»ظل الحاكم صامتًا برهة، ثم نهض
بعد مرور بعض الوقت داخل قاعة الحكم، دار بين الحاكم والحكيم ثامور حديثٌ طويل تناول آخر مستجدات الحرب الدائرة على حدود المملكة، وأحوال الجيوش المنتشرة في المعسكرات، والخطط الدفاعية التي يجري إعدادها لمواجهة أي هجومٍ مباغت، كما تطرقا إلى أكاديمية الطب، وما وصلت إليه دفعات المتدربين، ومدى جاهزيتهم للالتحاق بوحدات العلاج العسكرية بعد انتهاء تدريبهم.وما إن انتهى الحديث في شؤون المملكة حتى اعتدل الحاكم في جلسته، وأسند إحدى ذراعيه إلى مسند العرش، ثم نظر إلى الحكيم ثامور نظرةً عميقة وقال بصوتٍ هادئ:— لقد ذكرت في رسالتك أنك طلبت مقابلتي لأمرٍ بالغ الأهمية، ولا يحتمل التأخير... فما هو هذا الأمر؟تنحنح الحكيم ثامور، ثم أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول:— أجل، يا سيدي الحاكم... ولكن، وللحق، لا أعلم من أين أبدأ. فما جئت لأقصه على مسامعكم أمرٌ يعجز العقل عن تصديقه.تغيرت ملامح الحاكم قليلًا، ومال بجسده إلى الأمام، وقد أدرك من نبرة ثامور أن الأمر أخطر مما توقع.ثم أشار إليه بيده قائلًا:— تفضل، أيها الحكيم... تحدث، فأنا أستمع إليك.أخذ الحكيم ثامور شهيقًا طويلًا، ثم بدأ يروي كل ما حدث منذ اللحظة التي ع
تقدّم الحكيم ثامور إلى داخل قاعة الحكم بخطواتٍ ثابتة اتسمت بالوقار، وما إن تجاوز عتبتها حتى انكشفت أمامه القاعة الملكية بكل عظمتها، تلك القاعة التي كانت تُجسّد هيبة مملكة الربيع وسلطانها. ارتفع سقفها إلى علوٍ شاهق حتى خُيّل للناظر أنه يلامس السماء، وقد تدلت منه أغصانٌ بلورية مضيئة تتفتح عند أطرافها أزهارٌ سحرية تبعث نورًا أخضر وذهبيًا ناعمًا يغمر المكان بهالةٍ مريحة للنفس. أما الأعمدة الضخمة التي اصطفت على جانبي القاعة، فقد نُحتت من حجرٍ أبيض نادر تتخلله عروق زمردية نابضة بالطاقة، والتفت حولها كرومٌ حية تحمل أوراقًا لامعة تتحرك برفقٍ كأنها تتنفس مع القاعة نفسها. وعلى امتداد الأرضية الرخامية البيضاء ارتسمت دوائر ورموز سحرية دقيقة، ينبعث منها وهجٌ خافت ينساب بين أرجاء المكان في هدوء، حتى بدت القاعة وكأنها كائنٌ حي يحرس عرش سيده.وفي أقصى القاعة ارتفع عرش حاكم مملكة الربيع فوق منصةٍ واسعة من ثلاث درجات، صُنع من خشب الشجرة المقدسة التي لا تنمو إلا في قلب الغابة المباركة، وتداخلت في أجزائه عروقٌ من البلور الزمردي المشع، بينما تشكل ظهر العرش على هيئة شجرةٍ عظيمة باسقة، امتدت أغصانها خلفه في
ظلّت العربة الملكية تشق طريقها خارج أسوار الأكاديمية في هدوءٍ مهيب، تسير فوق ممراتٍ مرصوفة بحجارةٍ بيضاء لامعة تنبعث من شقوقها خيوطٌ خضراء دقيقة من الطاقة السحرية. وعلى جانبي الطريق امتدّت غابات مملكة الربيع الساحرة، حيث ارتفعت أشجارٌ عملاقة لا تُرى نهايات أغصانها، تتدلّى منها أوراقٌ بلورية شفافة تعكس أشعة الشمس بألوان زمردية وزرقاء ذهبية. وبين الجذوع الواسعة جرت جداول ماءٍ صافية تتوهج بخفوت، بينما كانت أزهارٌ غريبة تتفتح وتغلق بتناسقٍ هادئ كأنها تستجيب لأنفاس الأرض نفسها. وكلما تقدمت العربة، ظهرت بين الأشجار تماثيل حجرية قديمة لحكماء وقادة منسيين، غطتها كرومٌ مضيئة جعلتها تبدو كأطيافٍ تحرس الطريق المؤدي إلى قصر الحاكم.وبعد مسافة طويلة، بدأت الأشجار تتباعد شيئًا فشيئًا، حتى انفتح الطريق على ساحةٍ واسعة تتوسطها بوابة القصر الملكي. ارتفعت البوابة شاهقة كأنها جزءٌ من غابةٍ سماوية، صُنعت من معدنٍ فضي يميل إلى الخضرة، نُقشت عليه أغصانٌ وأوراقٌ متشابكة بدت كأنها تنمو فوق سطحه ببطء. وعلى جانبيها ارتفعت أبراجٌ رشيقة يعلو كلًّا منها حجرٌ زمردي ضخم ينبض بضوءٍ هادئ يحرس القصر بسحرٍ قديم.وخلف ا