Share

إبن العمده

last update publish date: 2026-07-10 23:52:44

بدأت الشمس تميل ببطء نحو منتصف السماء، وانعكست أشعتها الذهبية فوق صفحة النهر، بينما كان أبي يسحب الشبكة للمرة الأخيرة في ذلك اليوم.

تشبثت الشبكة بالماء للحظات، ثم ارتفعت ببطء، تتقاطر منها قطرات الماء اللامعة، وبين خيوطها كانت عشرات الأسماك الصغيرة تتخبط في محاولة يائسة للعودة إلى النهر.

اتسعت عيناي، ولم أستطع إخفاء ابتسامتي.

ميرا: "انظر يا أبي... هذه أكثر من المرة الماضية!"

نظر أبي إلى الشبكة، ثم ابتسم ابتسامة رضا وهو يقول:

الأب: "الحمد لله... رزقنا الله اليوم خيرًا مما كنا نتوقع."

أسرعت أساعده في تفريغ الشبكة داخل السلة الكبيرة المصنوعة من الخوص، بينما كانت الأسماك تقفز في كل اتجاه.

ضحكت عندما قفزت إحدى السمكات الصغيرة وارتطمت بثوبي.

ميرا: "حتى وهي خارج الماء ما زالت تقاوم."

ابتسم أبي وهو يمسك بها ويعيدها إلى السلة.

الأب: "هذه علامة جيدة... السمك الطازج يريده التجار أكثر."

جلست على ركبتي أعد ما اصطدناه.

"واحدة... اثنتان... ثلاث..."

واصلت العد حتى انتهيت، ثم رفعت رأسي نحوه.

ميرا: "ثمانٍ وعشرون سمكة يا أبي."

رفع حاجبيه بدهشة.

الأب: "ثمانٍ وعشرون؟"

أومأت برأسي بحماس.

ميرا: "نعم... وهناك ثلاث كبيرات أيضًا."

نظر إلى السمكات الكبيرة بإعجاب، ثم قال وهو يحمد الله:

"الحمد لله الذي لا ينسى عباده."

ساد بيننا صمت قصير، لم يكن صمت حزن، بل صمت امتنان.

ثم جلس أبي على إحدى الصخور، وأخذ يمسح العرق عن جبينه.

قلت وأنا أنظر إلى السمكات الكبيرة:

ميرا: "أظن أن التجار سيدفعون ثمنًا جيدًا اليوم."

ابتسم أبي ابتسامة هادئة، لكنها لم تدم طويلًا.

الأب: "إذا وصلنا قبل أن يغادروا."

رفعت رأسي بسرعة.

ميرا: "صحيح... اليوم يوم السوق."

هز رأسه وهو ينظر إلى الشمس.

الأب: "لا يزال لدينا وقت، لكنه ليس كثيرًا."

أغلقت السلة بإحكام، ثم قلت بحماس:

ميرا: "إذن فلنسرع."

أوقفني أبي بإشارة من يده.

الأب: "انتظري قليلًا."

ثم مد يده داخل السلة، وأخرج سمكتين متوسطتي الحجم، ووضعهما في سلة صغيرة منفصلة.

نظرت إليه باستغراب.

ميرا: "لماذا هاتان؟"

ابتسم وقال:

الأب: "لن نبيع كل شيء."

ضحكت.

ميرا: "كنت أعلم أنك ستقول ذلك."

قال وهو ينظر إلى السمكتين:

الأب: "الرزق ليس أن نبيع كل ما نملك، بل أن نحمد الله على ما أعطانا."

ثم ناولني السلة الصغيرة.

الأب: "هاتان للعشاء."

ابتسمت ابتسامة واسعة.

ميرا: "ومن قال إنني كنت أفكر في بيعهما؟"

نظر إليَّ بطرف عينه مبتسمًا.

الأب: "أعرفك جيدًا... منذ قليل كنت تحسبين كم سنربح، ونسيتِ أن بطوننا تحتاج إلى الطعام أيضًا."

ضحكت بخجل.

ميرا: "كنت فقط أحاول أن أساعد."

ربت على كتفي بحنان.

الأب: "وأنتِ تساعدينني أكثر مما تتصورين."طيب

ثم تنهد وهو يرفع السلة الثقيلة على كتفه.

الأب: "إذا اشترى التجار السمك كله اليوم، فقد نستطيع شراء بعض الدقيق."

قلت بحماس:

ميرا: "وربما قليلًا من الأرز أيضًا."

ابتسم.

الأب: "إذا كان الثمن جيدًا."

قلت وأنا أسير إلى جواره:

ميرا: "وأتمنى أن يتبقى ما يكفي لنشتري قليلًا من الزيت... لقد أوشك أن ينفد."

نظر إليَّ بفخر، وقال:

الأب: "أصبحتِ تديرين أمور المنزل أفضل مني."

ابتسمت في خجل.

ميرا: "لقد تعلمت منك."

قال ضاحكًا:

الأب: "بل تعلمتِ من الفقر."

ساد بيننا صمت قصير، ثم انفجرنا معًا بالضحك.

كان أبي دائمًا يقول إن الفقر معلم قاسٍ، لكنه يعلم الإنسان كيف يحافظ على أصغر نعمة بين يديه.

ثبت السلة على كتفه مرة أخرى، ثم نظر إلى الطريق المؤدي إلى القرية.

الأب: "هيا يا ميرا... لا أريد أن نسبق التجار بخطوة واحدة فقط، بل أريد أن نصل قبل أن يفكر أحدهم في الرحيل."

أمسكت بالسلة الصغيرة التي تحتوي على سمك العشاء، بينما حملت في يدي الأخرى أدوات الصيد.

ثم بدأنا نسير بخطوات سريعة في الطريق الترابي المؤدي إلى القرية، وكانت السلال تتأرجح مع كل خطوة، بينما كانت رائحة النهر ما تزال عالقة بملابسنا.

وفي داخلي، كنت أدعو الله أن يكون التجار ما زالوا في السوق... فبيع هذا السمك لم يكن يعني المال فقط، بل كان يعني أن نستطيع قضاء أيامٍ أخرى دون أن يجوع أحدنا.

كان سوق القرية قد بدأ يفرغ شيئًا فشيئًا، فقد انتهى التجار القادمون من القرى المجاورة من شراء معظم ما يحتاجونه، وبدأت العربات الخشبية تتحرك استعدادًا للعودة.

وقف أبي أمام أحد التجار يعد النقود القليلة التي حصل عليها مقابل السمك، ثم أعادها إلى الكيس الجلدي الصغير المعلق في حزامه.

قال التاجر مبتسمًا:

"رزقكم الله من فضله يا عم يوسف، كان السمك اليوم طازجًا."

ابتسم أبي في تواضع.

"الحمد لله، الرزق بيد الله."

اقتربت من أبي وأنا أحمل كيسًا صغيرًا يحتوي على الدقيق والزيت وقليلًا من الأرز.

قلت بسعادة:

"اشترينا كل ما نحتاجه تقريبًا."

نظر إليَّ مبتسمًا.

"ويبقى أن نحمد الله على ما رزقنا."

وما إن هممنا بمغادرة السوق، حتى ساد المكان صمت غريب.

التفتُّ لأرى سبب ذلك.

كان الناس يفسحون الطريق لرجلٍ في أوائل الثلاثينيات، يرتدي ثيابًا فاخرة لا تشبه ثياب أهل القرية، وخلفه أربعة رجال أقوياء.

همست في ضيق:

"إنه فارس..."

تنهد أبي بضيق، ثم أمسك ذراعي برفق.

"لا تنظري إليه... وتعالي."

لكن الوقت كان قد فات.

ابتسم فارس ابتسامة متكبرة وهو يقترب منا.

"إلى أين العجلة يا عم يوسف؟"

وقف أبي في مكانه دون أن ينحني أو يبتسم.

"إلى منزلنا."

نظر فارس إليَّ طويلًا، حتى شعرت بالضيق من طريقته.

ثم قال:

"لم أركِ منذ أيام يا ميرا."

لم أجبه.

بل أشحت بوجهي بعيدًا.

ضحك أحد أصدقائه ساخرًا.

أما فارس، فلم تغب الابتسامة عن وجهه.

"يبدو أن الآنسة ما زالت غاضبة مني."

رفع أبي صوته قليلًا.

"ابنتي لا تحب الحديث مع الغرباء."

ابتسم فارس ابتسامة باردة.

"غريب... منذ متى أصبحتُ غريبًا؟ لقد طلبت يدها أكثر من مرة."

أجاب أبي بثبات:

"وكان جوابي في كل مرة هو الرفض."

اختفت الابتسامة من وجه فارس شيئًا فشيئًا.

"ولماذا؟"

قال أبي دون تردد:

"لأن ابنتي لا تريد الزواج منك."

التفت فارس نحوي مباشرة.

"وأنتِ... هل هذا صحيح؟"

رفعت رأسي، ونظرت إليه بثبات.

"نعم."

ساد الصمت.

ثم قال بابتسامة مصطنعة:

"ربما تحتاجين إلى بعض الوقت."

أجبته بهدوء:

"لا أحتاج إلى وقت... جوابي لن يتغير."

تغيرت ملامحه للحظة، ثم عاد يبتسم وكأن شيئًا لم يحدث.

"تعلمين... ليس من الحكمة أن يرفض أحد طلبًا مني."

رد أبي بنبرة حازمة:

"الزواج لا يكون بالإجبار."

اقترب فارس خطوة.

"أنا ابن عمدة القرية."

قال أبي:

"وأنا والدها."

ساد صمت ثقيل.

ثم قال فارس بصوت منخفض، لكنه حمل من التهديد ما جعل من حوله يتوقفون عن الحركة.

لقد احترمت رأيك كثيرًا يا عم يوسف."

ثم أشار إليَّ.

"لكن صبري بدأ ينفد."

قطب أبي حاجبيه.

"ماذا تقصد؟"

اقترب فارس أكثر حتى أصبح على بعد خطوة واحدة من أبي.

"أقصد... أنني سأجعلها زوجتي... سواء رضيتم أم أبيتم."

اشتعل الغضب في عيني أبي.

"إياك أن تفكر حتى في هذا."

ابتسم فارس بسخرية.

"أنت تعرف جيدًا أنني إذا أردت شيئًا... حصلت عليه."

ثم أضاف وهو ينظر إليَّ نظرة جعلتني أشعر بالقشعريرة:

"وإن لم تأتِ إليَّ عروسًا... فسآتي أنا وآخذها."

قبض أبي على عصاه بقوة حتى برزت عروق يده.

وللحظة، ظننت أنه سيضربه.

لكن رجال فارس الأربعة تقدموا خطوة واحدة فقط.

كانت رسالة واضحة.

اذا تحرك أبي...

فسيتحركون هم أيضًا.

نظر أبي إليهم، ثم إليَّ.

وعندها فقط... أنزل عصاه.

قال بصوت حاول أن يجعله ثابتًا:

"هيا يا ميرا."

تمسكت بذراعه، وغادرنا السوق وسط نظرات أهل القرية.

لم يجرؤ أحد على الكلام.

فالجميع يعلم أن الوقوف في وجه ابن العمدة يعني الوقوف في وجه السلطة نفسها.

طوال الطريق، لم ينطق أبي بكلمة.

كان يمشي بسرعة، حتى كدت أركض خلفه.

قلت أخيرًا:

"أبي..."

لكنه لم يجب.

كان شارداً، وكأنه يحارب أفكارًا لا أراها.

وبعد دقائق، سمعته يتمتم بصوت خافت، ظانًا أنني لا أسمعه.

"لن أسمح له..."

"لن يأخذها..."

"يجب أن أجد حلًا... قبل فوات الأوان."

نظرت إليه بقلق.

كان يمسك عصاه بقوة، بينما عيناه معلقتان بالطريق.

ثم تنهد تنهدًا طويلًا وقال في نفسه:

"لو لم تكن بهذه الهيئة... لما طمع فيها ذلك الذئب."

أطرق رأسه بحزن.

لم يكن فارس يحب ميرا لأنها طيبة، ولا لأنها صاحبة خلق.

بل كان مفتونًا بجمالها الذي لم تألفه القرية.

بشرتها الصافية، وعيناها الزرقاء الواسعتان، وشعرها الأسود الطويل... كانت محط أنظار الجميع، لكنها لم تكن تنظر إلى أحد.

أما شباب القرية، فكانوا يعرفون موقف والدها، ويحترمون رفضها، فلم يتجاوز أحدهم حدوده.

إلا فارس...

فقد كان يظن أن نفوذ والده يمنحه الحق في امتلاك كل ما يشتهيه.

ولهذا السبب كان أبي يخشاه...

ليس لأنه أقوى منه.

بل لأن القوة، في قريتنا، لم تكن دائمًا مع صاحب الحق.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    174 - رساله من مجهول

    لم يستطع نسيان تحذير الطبيب، حين أخبر ألدريان بأن الحالة النفسية لميرا بلغت مرحلة خطيرة، وأن استمرار عزلتها وحزنها قد يهددان حياتها. والآن، بعدما رآها بنفسه، لم يعد ذلك التحذير مجرد كلمات قالها الطبيب لتوضيح خطورة حالتها. لقد رأى بعينيه كيف تبدو ميرا، وكيف أصبح صمتها أعمق من أن تخترقه الكلمات، وكيف لم تعد حتى راغبة في التحدث إليه. ماذا سيحدث لها حين ينقلها ألدريان إلى ذلك المكان؟ هل ستتحمل مزيدًا من العزلة؟ هل ستبقى قادرة على مقاومة اليأس، أم ستستسلم له تمامًا؟ أغمض سيروس عينيه للحظات، ثم فتحهما ببطء. كان يخشى أن تنتهي حياة ميرا قبل أن يدرك ألدريان فداحة ما يفعله بها. وكان يخشى أيضًا أن يظل هو واقفًا في مكانه، يشاهد كل ذلك يحدث، ثم يكتشف بعد فوات الأوان أنه كان قادرًا على فعل شيء، لكنه لم يفعل. عندها أدرك أنه لم يعد يستطيع الاكتفاء بمراقبة ما يحدث. كان عليه أن يساعدها، بأي طريقة ممكنة، حتى لو اضطر إلى مواجهة ألدريان نفسه. نعم، كان ألدريان حاكمه وصديقه، وكان سيروس يدين له بالكثير، لكنه لم يستطع أن يقنع نفسه بأن الوفاء له يقتضي أن يترك فتاة بريئة تُسلب حريتها وتُدفع إلى حافة ا

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    173 - شعور كبير بالذنب

    بعد مرور ثلاثة أيام أخرى، خرج سيروس من جناح ميرا، وما إن تجاوز عتبته حتى أُغلق الباب خلفه، وعاد الجنود إلى إحكام إغلاقه كما اعتادوا أن يفعلوا في كل مرة يغادر فيها أحد الجناح. توقف سيروس في الممر للحظات، ثم أخذ يسير بخطوات بطيئة، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الحزن والاضطراب. كان ذهنه مشغولًا بما رآه للتو، وبالكلمات التي حاول انتزاعها من ميرا طوال زيارته، لكنه لم يحصل منها على شيء. لم تكن زيارتها هذه المرة مختلفة كثيرًا عن زيارته السابقة، بل كانت أسوأ منها. ومنذ ثلاثة أيام، حين أخبره ألدريان بقراره نقل ميرا إلى ذلك المكان السري في نهاية الشهر، لم يستطع سيروس التوقف عن التفكير في مصيرها. وفي نهاية حديثهما يومها، طلب من الحاكم أن يسمح له بزيارتها مرة أخيرة، حتى يودعها قبل نقلها إلى المكان الذي لن يعرف أحد طريقه سواه. فمهما حدث بينهما، ومهما كانت الأخطاء التي ارتكبها بحقها، فقد كانت ميرا صديقته في الماضي، وكانت قد وثقت به يومًا، قبل أن يخذلها ويصبح واحدًا من الأشخاص الذين تسببوا في معاناتها. وافق ألدريان على طلبه، لكنه وضع شرطًا واضحًا. — يمكنك زيارتها، لكن إياك أن تخبرها بما أخبرتك به

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    172 - قبل فوات الاوان

    التفت ألدريان إليه، وقد اختفت نبرة الاشتياق من صوته، وحل محلها الحزم. — لقد اتخذت قراري يا سيروس، وانتهى الأمر. أدرك سيروس من نبرته أن الاعتراض لن يغير شيئًا، لكنه لم يستطع تجاهل ما يعنيه هذا القرار بالنسبة إلى ميرا. فهو يعرف ألدريان جيدًا، ويعرف أنه حين يصر على أمر، نادرًا ما يسمح لأحد بإقناعه بالتراجع عنه. ومع ذلك، حاول أن يفهم على الأقل ما الذي ينوي فعله. — حسنًا، أين يقع هذا المكان الذي ستنقل ميرا إليه؟ نظر إليه ألدريان للحظات، ثم أجاب ببرود: — لن أخبرك. قطب سيروس حاجبيه. — ماذا تقصد بأنك لن تخبرني؟ — أقصد أنني لن أخبرك أنت، ولن أخبر أي شخص آخر. هذا المكان سري للغاية، ولن يعرف طريقه أحد سواي. ازداد قلق سيروس، بينما واصل ألدريان حديثه بثقة، وكأنه يشرح خطة أعدها بعناية ولم يترك فيها مجالًا للخطأ. — مهما بحث أي شخص في مملكة الجان، فلن يستطيع الوصول إلى ذلك المكان. حتى الخدم والحراس الذين سيعملون هناك لن يكونوا من خدم هذا القصر أو حراسه الذين تعرفهم. سأختار أشخاصًا من خارجه، أشخاصًا لا تربطهم صلة بمن يعملون هنا، ولن يكون لدى أحد منهم ما يكشف مكان ميرا أو يدل على الطريق الم

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    171 - من سئ إلي اسوء

    الفصل - من سئ إلي اسوء كانت تتمنى لو تستطيع احتضانها، أو إخبارها بأنها ليست وحدها، لكنها لم تعرف إن كانت كلماتها ستصل إليها أصلًا. لقد مرّت شهور طويلة لم تتمكن خلالها من رؤيتها، وها هي الآن تقف أمامها لتكتشف أن ميرا لم تكن بحاجة إلى الطعام والراحة فحسب، بل كانت بحاجة إلى من ينتشلها من هذا الحزن الذي يلتهمها من الداخل. لكنها لم تكن تملك القدرة على تغيير شيء. --- بعد انتهاء الزيارة، توجه الطبيب إلى الحاكم ألدريان ليطلعه على حالة ميرا. كان الحاكم في جناحه الخاص حين دخل الطبيب، فرفع رأسه إليه وسأله مباشرة: — كيف حالها؟ هل تحسنت؟ تردد الطبيب للحظة، ثم أجاب بجدية: — للأسف يا مولاي، حالتها أسوأ مما توقعت. إنها تعاني من تدهور نفسي شديد، وقد انعزلت عن العالم الخارجي بصورة مقلقة، ولا تستجيب لمحاولات التواصل معها مطلقاً كما أن الحزن الذي تعيشه يبدو عميقًا للغاية. تغيرت ملامح ألدريان قليلًا، لكنه لم يقاطعه. تابع الطبيب: — إن استمرارها على هذه الحال قد يعرّض صحتها لخطر حقيقي. فالضغط النفسي الشديد، إلى جانب إهمال احتياجاتها وانقطاعها عن الآخرين، قد يؤدي إلى مضاعفات جسدية خطيرة. وإذا اس

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    170 - ما وراء اصوار القصر

    الفصل: ما وراء أسوار القصر مرّت الأسابيع تباعًا، وظل الحال على ما هو عليه؛ ميرا حبيسة جناحها، معزولة عن العالم، غارقة في حالة نفسية بالغة السوء، تتدهور يومًا بعد يوم، حتى بدا وكأنها تفقد ما تبقّى لها من قدرة على الاحتمال. كانت تقضي معظم وقتها في صمت مطبق، لا تفعل شيئًا سوى الجلوس في مكانها والتحديق في الفراغ، وكأنها استسلمت تمامًا لحياة لم تخترها، ولم يعد لديها ما تقاوم من أجله. أما ألدريان، فقد ظل في البداية متمسكًا باعتقاده أن مرور الوقت سيجعلها تلين، وأن عزلتها ستدفعها في النهاية إلى إعادة التفكير في موقفها، وربما تقبّل ما يريده منها. كان يتصور أن حرمانها من الحرية سيجعلها تدرك أنها لا تملك ملجأ آخر، وأنها ستضطر في نهاية المطاف إلى الرضوخ للأمر الواقع. لكن الأيام مضت، ثم تبعتها أسابيع أخرى، من دون أن يظهر أي تحسن في حالتها، أو أي علامة تدل على أنها بدأت تتراجع عن قرارها. ومع مرور الوقت، بدأ شعور بالقلق يتسلل إلى نفسه، وإن حاول تجاهله في البداية. كان يستدعي الخادمات اللواتي يتولين رعاية جناح ميرا، ويسألهن عن حالتها، وعن مقدار ما تتناوله من الطعام، وما إذا كانت تتحدث معهن أو ت

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    169 - خلف الأبواب المغلقة

    تلاشت ابتسامته ببطء. كان يتمنى أن يسمع منها أي شيء، لكنه لم يكن مستعدًا لأن تكون أول كلماتها إليه رجاءً كهذا، رجاءً لا يعرف كيف يحققه. تنهد بأسى وقال: — ميرا، أنا آسف، لكنني لا أستطيع إخراجكِ من هنا. حتى لو أردت ذلك، فلن يكون الأمر سهلًا. القصر مليء بالجنود، وأنتِ سجينة بأوامر من الحاكم ألدريان. لا أملك السلطة التي تسمح لي بإخراجكِ، ولن أستطيع تجاوز أوامره بهذه البساطة. رفعت ميرا رأسها قليلًا، لكنها لم تنظر إليه. بقي بصرها معلقًا بالفراغ، ثم قالت بصوت خافت: — بلى، تستطيع. هناك عباءة الإخفاء. إذا أحضرتها ووضعتها عليّ، فسوف تتمكن من إخراجي من هنا. توقف سيروس للحظات. لم يكن يتوقع أن تكون قد فكرت في الأمر بهذه الطريقة، لكنه سرعان ما تنهد وقال: — ميرا، أنا هنا بأمر من ألدريان. هو من سمح لي بالدخول لزيارتكِ، ولولا إذنه لما تمكنت من الوصول إليكِ أصلًا. فكيف تتوقعين مني أن أخرجكِ من القصر من دون علمه؟ ثم تابع موضحًا: — إذا أحضرت عباءة الإخفاء، فسوف يلاحظ الجنود ذلك، وقد يدركون ما أنوي فعله. وإذا حاولت تهريبكِ، فسأكون قد خالفت أوامر الحاكم مباشرة، وقد أفقد منصبي مستشارًا له، وأتعرض ل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status