LOGINبدأت الشمس تميل ببطء نحو منتصف السماء، وانعكست أشعتها الذهبية فوق صفحة النهر، بينما كان أبي يسحب الشبكة للمرة الأخيرة في ذلك اليوم.
تشبثت الشبكة بالماء للحظات، ثم ارتفعت ببطء، تتقاطر منها قطرات الماء اللامعة، وبين خيوطها كانت عشرات الأسماك الصغيرة تتخبط في محاولة يائسة للعودة إلى النهر. اتسعت عيناي، ولم أستطع إخفاء ابتسامتي. ميرا: "انظر يا أبي... هذه أكثر من المرة الماضية!" نظر أبي إلى الشبكة، ثم ابتسم ابتسامة رضا وهو يقول: الأب: "الحمد لله... رزقنا الله اليوم خيرًا مما كنا نتوقع." أسرعت أساعده في تفريغ الشبكة داخل السلة الكبيرة المصنوعة من الخوص، بينما كانت الأسماك تقفز في كل اتجاه. ضحكت عندما قفزت إحدى السمكات الصغيرة وارتطمت بثوبي. ميرا: "حتى وهي خارج الماء ما زالت تقاوم." ابتسم أبي وهو يمسك بها ويعيدها إلى السلة. الأب: "هذه علامة جيدة... السمك الطازج يريده التجار أكثر." جلست على ركبتي أعد ما اصطدناه. "واحدة... اثنتان... ثلاث..." واصلت العد حتى انتهيت، ثم رفعت رأسي نحوه. ميرا: "ثمانٍ وعشرون سمكة يا أبي." رفع حاجبيه بدهشة. الأب: "ثمانٍ وعشرون؟" أومأت برأسي بحماس. ميرا: "نعم... وهناك ثلاث كبيرات أيضًا." نظر إلى السمكات الكبيرة بإعجاب، ثم قال وهو يحمد الله: "الحمد لله الذي لا ينسى عباده." ساد بيننا صمت قصير، لم يكن صمت حزن، بل صمت امتنان. ثم جلس أبي على إحدى الصخور، وأخذ يمسح العرق عن جبينه. قلت وأنا أنظر إلى السمكات الكبيرة: ميرا: "أظن أن التجار سيدفعون ثمنًا جيدًا اليوم." ابتسم أبي ابتسامة هادئة، لكنها لم تدم طويلًا. الأب: "إذا وصلنا قبل أن يغادروا." رفعت رأسي بسرعة. ميرا: "صحيح... اليوم يوم السوق." هز رأسه وهو ينظر إلى الشمس. الأب: "لا يزال لدينا وقت، لكنه ليس كثيرًا." أغلقت السلة بإحكام، ثم قلت بحماس: ميرا: "إذن فلنسرع." أوقفني أبي بإشارة من يده. الأب: "انتظري قليلًا." ثم مد يده داخل السلة، وأخرج سمكتين متوسطتي الحجم، ووضعهما في سلة صغيرة منفصلة. نظرت إليه باستغراب. ميرا: "لماذا هاتان؟" ابتسم وقال: الأب: "لن نبيع كل شيء." ضحكت. ميرا: "كنت أعلم أنك ستقول ذلك." قال وهو ينظر إلى السمكتين: الأب: "الرزق ليس أن نبيع كل ما نملك، بل أن نحمد الله على ما أعطانا." ثم ناولني السلة الصغيرة. الأب: "هاتان للعشاء." ابتسمت ابتسامة واسعة. ميرا: "ومن قال إنني كنت أفكر في بيعهما؟" نظر إليَّ بطرف عينه مبتسمًا. الأب: "أعرفك جيدًا... منذ قليل كنت تحسبين كم سنربح، ونسيتِ أن بطوننا تحتاج إلى الطعام أيضًا." ضحكت بخجل. ميرا: "كنت فقط أحاول أن أساعد." ربت على كتفي بحنان. الأب: "وأنتِ تساعدينني أكثر مما تتصورين."طيب ثم تنهد وهو يرفع السلة الثقيلة على كتفه. الأب: "إذا اشترى التجار السمك كله اليوم، فقد نستطيع شراء بعض الدقيق." قلت بحماس: ميرا: "وربما قليلًا من الأرز أيضًا." ابتسم. الأب: "إذا كان الثمن جيدًا." قلت وأنا أسير إلى جواره: ميرا: "وأتمنى أن يتبقى ما يكفي لنشتري قليلًا من الزيت... لقد أوشك أن ينفد." نظر إليَّ بفخر، وقال: الأب: "أصبحتِ تديرين أمور المنزل أفضل مني." ابتسمت في خجل. ميرا: "لقد تعلمت منك." قال ضاحكًا: الأب: "بل تعلمتِ من الفقر." ساد بيننا صمت قصير، ثم انفجرنا معًا بالضحك. كان أبي دائمًا يقول إن الفقر معلم قاسٍ، لكنه يعلم الإنسان كيف يحافظ على أصغر نعمة بين يديه. ثبت السلة على كتفه مرة أخرى، ثم نظر إلى الطريق المؤدي إلى القرية. الأب: "هيا يا ميرا... لا أريد أن نسبق التجار بخطوة واحدة فقط، بل أريد أن نصل قبل أن يفكر أحدهم في الرحيل." أمسكت بالسلة الصغيرة التي تحتوي على سمك العشاء، بينما حملت في يدي الأخرى أدوات الصيد. ثم بدأنا نسير بخطوات سريعة في الطريق الترابي المؤدي إلى القرية، وكانت السلال تتأرجح مع كل خطوة، بينما كانت رائحة النهر ما تزال عالقة بملابسنا. وفي داخلي، كنت أدعو الله أن يكون التجار ما زالوا في السوق... فبيع هذا السمك لم يكن يعني المال فقط، بل كان يعني أن نستطيع قضاء أيامٍ أخرى دون أن يجوع أحدنا. كان سوق القرية قد بدأ يفرغ شيئًا فشيئًا، فقد انتهى التجار القادمون من القرى المجاورة من شراء معظم ما يحتاجونه، وبدأت العربات الخشبية تتحرك استعدادًا للعودة. وقف أبي أمام أحد التجار يعد النقود القليلة التي حصل عليها مقابل السمك، ثم أعادها إلى الكيس الجلدي الصغير المعلق في حزامه. قال التاجر مبتسمًا: "رزقكم الله من فضله يا عم يوسف، كان السمك اليوم طازجًا." ابتسم أبي في تواضع. "الحمد لله، الرزق بيد الله." اقتربت من أبي وأنا أحمل كيسًا صغيرًا يحتوي على الدقيق والزيت وقليلًا من الأرز. قلت بسعادة: "اشترينا كل ما نحتاجه تقريبًا." نظر إليَّ مبتسمًا. "ويبقى أن نحمد الله على ما رزقنا." وما إن هممنا بمغادرة السوق، حتى ساد المكان صمت غريب. التفتُّ لأرى سبب ذلك. كان الناس يفسحون الطريق لرجلٍ في أوائل الثلاثينيات، يرتدي ثيابًا فاخرة لا تشبه ثياب أهل القرية، وخلفه أربعة رجال أقوياء. همست في ضيق: "إنه فارس..." تنهد أبي بضيق، ثم أمسك ذراعي برفق. "لا تنظري إليه... وتعالي." لكن الوقت كان قد فات. ابتسم فارس ابتسامة متكبرة وهو يقترب منا. "إلى أين العجلة يا عم يوسف؟" وقف أبي في مكانه دون أن ينحني أو يبتسم. "إلى منزلنا." نظر فارس إليَّ طويلًا، حتى شعرت بالضيق من طريقته. ثم قال: "لم أركِ منذ أيام يا ميرا." لم أجبه. بل أشحت بوجهي بعيدًا. ضحك أحد أصدقائه ساخرًا. أما فارس، فلم تغب الابتسامة عن وجهه. "يبدو أن الآنسة ما زالت غاضبة مني." رفع أبي صوته قليلًا. "ابنتي لا تحب الحديث مع الغرباء." ابتسم فارس ابتسامة باردة. "غريب... منذ متى أصبحتُ غريبًا؟ لقد طلبت يدها أكثر من مرة." أجاب أبي بثبات: "وكان جوابي في كل مرة هو الرفض." اختفت الابتسامة من وجه فارس شيئًا فشيئًا. "ولماذا؟" قال أبي دون تردد: "لأن ابنتي لا تريد الزواج منك." التفت فارس نحوي مباشرة. "وأنتِ... هل هذا صحيح؟" رفعت رأسي، ونظرت إليه بثبات. "نعم." ساد الصمت. ثم قال بابتسامة مصطنعة: "ربما تحتاجين إلى بعض الوقت." أجبته بهدوء: "لا أحتاج إلى وقت... جوابي لن يتغير." تغيرت ملامحه للحظة، ثم عاد يبتسم وكأن شيئًا لم يحدث. "تعلمين... ليس من الحكمة أن يرفض أحد طلبًا مني." رد أبي بنبرة حازمة: "الزواج لا يكون بالإجبار." اقترب فارس خطوة. "أنا ابن عمدة القرية." قال أبي: "وأنا والدها." ساد صمت ثقيل. ثم قال فارس بصوت منخفض، لكنه حمل من التهديد ما جعل من حوله يتوقفون عن الحركة. لقد احترمت رأيك كثيرًا يا عم يوسف." ثم أشار إليَّ. "لكن صبري بدأ ينفد." قطب أبي حاجبيه. "ماذا تقصد؟" اقترب فارس أكثر حتى أصبح على بعد خطوة واحدة من أبي. "أقصد... أنني سأجعلها زوجتي... سواء رضيتم أم أبيتم." اشتعل الغضب في عيني أبي. "إياك أن تفكر حتى في هذا." ابتسم فارس بسخرية. "أنت تعرف جيدًا أنني إذا أردت شيئًا... حصلت عليه." ثم أضاف وهو ينظر إليَّ نظرة جعلتني أشعر بالقشعريرة: "وإن لم تأتِ إليَّ عروسًا... فسآتي أنا وآخذها." قبض أبي على عصاه بقوة حتى برزت عروق يده. وللحظة، ظننت أنه سيضربه. لكن رجال فارس الأربعة تقدموا خطوة واحدة فقط. كانت رسالة واضحة. اذا تحرك أبي... فسيتحركون هم أيضًا. نظر أبي إليهم، ثم إليَّ. وعندها فقط... أنزل عصاه. قال بصوت حاول أن يجعله ثابتًا: "هيا يا ميرا." تمسكت بذراعه، وغادرنا السوق وسط نظرات أهل القرية. لم يجرؤ أحد على الكلام. فالجميع يعلم أن الوقوف في وجه ابن العمدة يعني الوقوف في وجه السلطة نفسها. طوال الطريق، لم ينطق أبي بكلمة. كان يمشي بسرعة، حتى كدت أركض خلفه. قلت أخيرًا: "أبي..." لكنه لم يجب. كان شارداً، وكأنه يحارب أفكارًا لا أراها. وبعد دقائق، سمعته يتمتم بصوت خافت، ظانًا أنني لا أسمعه. "لن أسمح له..." "لن يأخذها..." "يجب أن أجد حلًا... قبل فوات الأوان." نظرت إليه بقلق. كان يمسك عصاه بقوة، بينما عيناه معلقتان بالطريق. ثم تنهد تنهدًا طويلًا وقال في نفسه: "لو لم تكن بهذه الهيئة... لما طمع فيها ذلك الذئب." أطرق رأسه بحزن. لم يكن فارس يحب ميرا لأنها طيبة، ولا لأنها صاحبة خلق. بل كان مفتونًا بجمالها الذي لم تألفه القرية. بشرتها الصافية، وعيناها الزرقاء الواسعتان، وشعرها الأسود الطويل... كانت محط أنظار الجميع، لكنها لم تكن تنظر إلى أحد. أما شباب القرية، فكانوا يعرفون موقف والدها، ويحترمون رفضها، فلم يتجاوز أحدهم حدوده. إلا فارس... فقد كان يظن أن نفوذ والده يمنحه الحق في امتلاك كل ما يشتهيه. ولهذا السبب كان أبي يخشاه... ليس لأنه أقوى منه. بل لأن القوة، في قريتنا، لم تكن دائمًا مع صاحب الحق.توقف سيروس لحظة، ثم قال:— أتمنى أن تكون إقامتك في القصر قد نالت إعجابك.لم تعرف ميرا ماذا تجيب.فهي لم تكن تعرف أصلًا كيف تصف إقامتها.كانت الغرفة جميلة، والطعام جيد، والخدم يعاملونها بلطف، وكل شيء حولها كان يفوق ما عرفته في حياتها.ومع ذلك، كانت تشعر دائمًا بأنها تنتظر شيئًا.شيئًا واحدًا فقط.العودة.لذلك اكتفت بابتسامة بسيطة، وأومأت برأسها.— نعم.ابتسم سيروس أيضًا.— جيد.ثم نظر نحو الباب الموجود في نهاية الغرفة.— انتظري قليلًا، الحاكم على وشك القدوم.قالت ميرا:— حسنًا... سأنتظره.تركها سيروس، واتجه إلى نهاية الغرفة.توقفت عيناه أمام الباب الداخلي، ثم فتحه ودخل.أما ميرا فبقيت وحدها.وقفت بالقرب من الطاولة، ونظرت إلى الطعام مرة أخرى.كانت معدتها قد بدأت تشعر بالجوع قليلًا، لكن القلق كان أقوى من كل شيء.اليوم...ستعرف الحقيقة.اليوم ستجلس أمام الحاكم ألدريان، وستطلب منه ما انتظرته طوال هذا الشهر.ستطلب منه أن يعيدها.كانت قد رتبت كلماتها طوال اليوم.ستتحدث بأدب.ستشكره على حسن معاملته.ثم ستخبره بأنها تريد العودة إلى عالمها.إلى حياتها.رفعت ميرا عينيها نحو الباب الداخلي.كانت ت
---استدارت السيدة أماريل لتغادر، لكن ميرا أسرعت بالإمساك بيدها قبل أن تبتعد.قالت ميرا بتردد:— سيدة أماريل... انتظري.التفتت أماريل إليها باستغراب، وقالت:— ما الأمر يا ميرا؟ترددت ميرا لحظة، ثم نظرت إلى الباب الكبير أمامها، وشعرت بأن قلبها بدأ يخفق بقوة.— انتظري حتى أدخل.رفعت أماريل حاجبها في دهشة.— ولكن لماذا؟ هل هناك ما يخيفك؟هزت ميرا رأسها سريعًا.— لا... لا شيء. فقط... ابقي معي حتى أدخل.تأملتها أماريل للحظات، ثم ابتسمت ابتسامة هادئة.— حسنًا، لا بأس. سأبقى هنا.تنفست ميرا الصعداء، ثم قالت:— اطرقي أنتِ على الباب.نظرت إليها أماريل باستسلام، وكأنها أدركت أن ميرا لن تخطو خطوة واحدة قبل أن تطمئن إلى وجودها بجانبها.— كما تريدين.رفعت يدها، وطرقت الباب طرقات خفيفة متتابعة.ساد الصمت للحظات.وقفت ميرا إلى جوارها، وقد تشابكت أصابعها أمامها من شدة التوتر، بينما كانت عيناها معلقتين بالباب.ثم...تحرك مقبض الباب ببطء.وانفتح.ظهر خلفه المستشار سيروس.وما إن وقعت عيناه على ميرا حتى تجمد للحظة.اتسعت عيناه دون أن يشعر، وبقي صامتًا وهو ينظر إليها بنظرة امتزج فيها الاستغراب بالدهشة.لم
كانت ميرا قد انتهت أخيرًا من استعدادها، ووقفت أمام المرآة الكبيرة في غرفتها تحدق في انعكاسها طويلًا، وكأنها تحاول أن تتأكد من أن الفتاة التي تراها أمامها هي نفسها التي استيقظت هذا الصباح.وللمرة الأولى منذ أن وطئت قدماها عالم الجن، شعرت ميرا أن مظهرها لم يعد يشبهها تمامًا.رفعت يدها ببطء، ولمست وجنتها بأطراف أصابعها، ثم اقتربت من المرآة قليلًا وهي تضيق عينيها بدهشة.كانت السيدة أماريل قد وضعت لها للمرة الأولى في حياتها مساحيق التجميل.لم تكن ميرا تعرف شيئًا عن تلك الألوان التي وضعتها أماريل على وجهها، ولا عن الغرض منها في البداية. كانت بالنسبة إليها مجرد أشياء غريبة توضع على البشرة، حتى شرحت لها أماريل أنها ألوان تستخدمها نساء مملكة الربيع للزينة والتجميل.كانت الألوان خفيفة وهادئة، لكنها، رغم بساطتها، غيّرت ملامح ميرا بصورة واضحة.وضعت أماريل لمسة ناعمة من اللون الوردي على شفتيها، فأصبح لونهما أكثر إشراقًا، وأضافت لونًا خفيفًا فوق جفنيها جعل عينيها الزرقاوين تبدوان أكثر وضوحًا، كما وضعت لمسات رقيقة على وجنتيها زادت وجهها نضارة.ظلت ميرا تنظر إلى شفتيها باستغراب، ثم تمتمت في نفسها:«م
نظر إليه ألدريان بثبات وقال:— عندها سأفكر في حل آخر.ثم أضاف:— لن أسبق الأحداث الآن. دعني أولًا أعرف ماذا ستقول هي.جلس سيروس في المقعد المقابل له، ثم قال:— لكن هناك أمر آخر.— ما هو؟— الإمبراطور.تغيرت ملامح ألدريان قليلًا.قال سيروس:— هل ستخبره بأمر ميرا؟ساد صمت قصير.ثم أجاب ألدريان بوضوح:— لا.— لن تخبره؟— لا أريد أن يعلم الإمبراطور شيئًا عن ميرا.من الجيد أنة مشغول باللعنة التى القتها ساحره الغابة السوداء على وريثة.قال سيروس. رغم أن الامبراطور أمر ب إبقاء أمر لعنة وريثة أمر سري وممنوع تداولة إلا أن بعض الأحاديث تخرج. لقد سمعت ان الأمر سئ جدا و الوريث يعانى الويلات من تلك اللعنة ومن المحتمل أن تقضي عليه في أى لحظة.قال لة الدريان. نعم لقد علمت بالأمر وعلمت أيضا أن كبراء مجلس السحرة والمعالجين في العاصمة لم يستطيعوا أن يفعلوا شىء يقولون إن اللعنة قوية جداً ولم يستطع أحد على كسرها.أراد سيروس أن يغير الحديث لذلك نظر إليه سيروس بقلق، وقال:— ولكن يا ألدريان... أنت تعرف أن الأمر قد يصبح خطيرًا إذا اكتشفه بنفسه.— أعرف.— وإذا علم بوجودها، فسوف يسأل عن سبب وجودها هنا، وكيف وصل
كان المساء قد اقترب، ولم يتبقَّ على موعد العشاء سوى وقت قصير، حين كان الحاكم ألدريان يجلس في جناحه الخاص، وقد أحاطت به أكوام من الوثائق والملفات التي لم تترك له طوال اليوم فرصة لالتقاط أنفاسه.كان جناحه هادئًا على غير عادة القصر في مثل هذا الوقت؛ فالأبواب مغلقة، والستائر الطويلة مسدلة جزئيًا أمام النوافذ، بينما كانت أشعة الغروب الأخيرة تتسلل من بينها في خطوط ذهبية باهتة، فتسقط فوق سطح المكتب وتنعكس على الأوراق المنتشرة أمامه.جلس ألدريان خلف مكتبه، يمسك إحدى الوثائق بيده، وعيناه تتحركان بين سطورها بتركيز شديد. وما إن انتهى من قراءتها حتى مد يده إلى الختم الملكي الموضوع أمامه، وغمس خاتمه في الشمع السحري، ثم ضغطه فوق الوثيقة.ظهر شعار مملكة الربيع على الفور، مضيئًا للحظات قبل أن يستقر فوق الورقة.وفي تلك اللحظة تحديدًا، فُتح باب الجناح ودخل سيروس.تقدم المستشار بخطوات هادئة، ثم انحنى احترامًا وقال:— سيدي الحاكم، هل انتهيت من قراءة الوثائق التي معك وختمها؟رفع ألدريان عينيه عن الأوراق، ثم أجاب:— أجل يا سيروس... انتهيت من معظمها.اقترب سيروس قليلًا، ونظر إلى مجموعة الأوراق الموضوعة أمام
جاء اليوم التالي، وكان مختلفًا عن كل الأيام التي مرت على ميرا منذ وصولها إلى قصر الحاكم ألدريان.منذ أن فتحت عينيها في الصباح، لم تستطع أن تمنع أفكارها من الدوران حول اللقاء المنتظر. كانت تعلم أن الحاكم وافق أخيرًا على مقابلتها، وأنها ستراه مساءً، لكن مجرد التفكير في الأمر جعل قلبها يخفق بتوتر لم تعهده من قبل.جلست أمام المرآة لبعض الوقت، ثم أخذت تتخيل كيف سيجري اللقاء.ماذا ستقول أولًا؟كيف ستطلب منه أن يعيدها إلى عالمها دون أن تبدو فظة أو جاحدة؟كيف ستشرح له أنها لم تعد تريد شيئًا سوى العودة؟كانت تعرف أنها مدينة له بالكثير، فقد سمح لها بالبقاء في قصره، وأمر خدمه بالعناية بها، وأطعمها ووفّر لها الملابس والغرفة، ولذلك لم تكن تريد أن تنكر فضله أو تتعامل معه بجفاء.راحت ترتب كلماتها في ذهنها مرة بعد أخرى.«سأقول له إنني أشكره على كل ما فعله من أجلي... ثم سأطلب منه أن يساعدني على العودة إلى عالمي. وسأخبره أنني لا أريد أن أسبب له المزيد من المتاعب.»توقفت لحظة، ثم أومأت لنفسها وكأنها اقتنعت بالخطة.«أجل... هذا ما سأفعله.»لكن ما إن انتهت من التفكير حتى عاد شيء آخر إلى ذهنها، شيء لم تستطع