LOGINحلَّ المساء قبل أن نصل إلى كوخنا الصغير. كانت أشعة الشمس الأخيرة تتسلل بين الأشجار، بينما كانت الطيور تعود إلى أعشاشها في هدوء، وكأنها تُسرع قبل أن يبتلع الليل كل شيء. فتح أبي باب الكوخ بصمت، ثم دخل دون أن ينطق بكلمة واحدة. وضع كيس الدقيق فوق الطاولة الخشبية، وأسند عصاه إلى الحائط، ثم جلس على مقعده القريب من النافذة، وظل يحدق في الفراغ.
وقفت أتأمله من بعيد، ولم أحتج إلى أن يسألني أحد عما به. كنت أعرف أبي أكثر مما يعرف نفسه. فعندما يكون متعبًا يبتسم، وعندما يمرض يخفي ألمه حتى لا أقلق عليه، أما إذا التزم الصمت... فذلك يعني أن شيئًا أثقل قلبه حتى عجز عن حمله. تنهدت في صمت واتجهت إلى الموقد الحجري. أشعلت الحطب، ثم وضعت المقلاة فوق النار، وبدأت أنظف السمكتين اللتين احتفظنا بهما من صيد اليوم. وبينما كانت يداي تعملان، كانت عيناي تتسللان إليه بين الحين والآخر. كنت أعلم أنه بعد دقائق سيأتي كعادته، ويجلس إلى جواري، ويأخذ السكين من يدي وهو يردد مبتسمًا: "دعيها لي، لا أريدك أن تجرحي نفسك." ثم يبدأ بتنظيف السمك، بينما أتولى أنا إعداد الخبز وإشعال النار. هكذا كانت حياتنا دائمًا... لم أكن أعد الطعام وحدي قط، بل كنا نصنع كل شيء معًا، حتى أبسط الأشياء كانت أجمل لأننا نتشاركها. مرت دقائق طويلة... لكن أبي لم يتحرك. ظل جالسًا في مكانه، وعيناه معلقتين بشيء لا أراه، حتى إن ألسنة اللهب التي كانت تتراقص أمامه لم تجذب انتباهه. عندها فقط أدركت أن ما حدث في السوق لم يغادر عقله، وأن كلمات فارس ما زالت تطارده. ابتسمت ابتسامة صغيرة وأنا أحدث نفسي: "لطالما كان أبي هو من يخرجني من حزني... واليوم جاء دوري لأخرجه من حزنه." بدأت أتعمد إصدار بعض الضجيج. طرقت الغطاء الخشبي بقوة، ثم تمتمت بصوت مرتفع: "يبدو أن هذه السمكة عنيدة أكثر من ديك أم سليم." وانتظرت أن يضحك... لكنه لم يلتفت حتى. زفرت في استسلام، ثم أكملت إعداد الطعام وحدي لأول مرة منذ سنوات، ولم يكن العمل هو ما أثقلني، بل ذلك الصمت الذي ملأ الكوخ. بعد قليل، وضعت الطعام فوق المائدة الخشبية الصغيرة، ثم اقتربت من أبي وربتُّ على كتفه برفق. "أبي... العشاء جاهز." انتبه أخيرًا، وكأنه عاد من مكان بعيد. نظر إليَّ للحظات، ثم نهض ببطء وجلس أمام المائدة. لكنه لم يمد يده إلى الطعام، وظل يحدق في السمكتين المشويتين دون أن ينطق بكلمة. جلست أمامه، وكنت أبحث عن أي حديث يغير هذا الجو الكئيب. لكن قبل أن أفتح فمي، رفع رأسه ونظر إليَّ بعينين امتلأتا بالحزن. قال بصوت خافت: "ميرا... لا أريدك أن تظني أنني أقف في طريق سعادتك." نظرت إليه في دهشة. "ماذا تقصد يا أبي؟" تنهد طويلًا، ثم قال: "أقصد زواجك من فارس." اتسعت عيناي من المفاجأة. "أنا؟! كيف يمكن أن أظن ذلك؟" رفع يده برفق، مقاطعًا كلامي. "دعيني أُكمل، يا ابنتي." أطرقت رأسي في صمت. قال وهو يحدق في النار المشتعلة أمامه: "ربما تظنين أنني أرفضه لأنه ابن العمدة... أو لأنني عنيد... أو لأنني لا أريد أن أراك سعيدة." هززت رأسي بسرعة. "لم يخطر هذا ببالي يومًا." ابتسم ابتسامة باهتة وقال: "لكنني أخشى أن يخطر ببالك يومًا ما." ساد الصمت للحظات، ثم أكمل بصوت يملؤه الألم. "يا ميرا... ذلك الشاب لا يعرف الحب، ولا يفهم معنى تكوين بيت أو أسرة. إنه لا يريد زوجة يشاركها حياته، بل يريد أن يمتلك أجمل فتاة في القرية، ثم يتخلص منها عندما يشبع غروره." شعرت بانقباض في صدري، بينما تابع أبي حديثه. "أتظنين أنني لا أعرف ما فعله قبل ذلك؟ لقد خدع أكثر من فتاة، ووعدهن بالزواج، ثم تركهن يواجهن قسوة الناس وحدهن بعدما دمر حياتهن." خفض رأسه في حسرة. "كنت أرى ذلك يحدث، وأعجز عن فعل شيء." ثم رفع عينيه نحوي وقال: "ووالده... لن يقبل بك زوجة لابنه أبدًا." همست بدهشة: "ولماذا؟" أجاب بمرارة: "لأننا فقراء. لأننا لا نملك أرضًا ولا مالًا ولا اسمًا كبيرًا. هم يرون أنفسهم أعلى من بقية أهل القرية، ولو أراد ابنه الزواج حقًا، لاختار له فتاة من عائلة ثرية أو ذات نفوذ." ثم أشار إليَّ بحزن. "أما أنت... فلست بالنسبة لهم سوى نزوة عابرة." شعرت بمرارة كلماته، لكنه أكمل بصوت مرتجف. "سيخدعك بوعد الزواج، أو يتزوجك سرًا إن استطاع، ثم عندما يمل منك... سيرميك كما رمى غيرك." أغمض عينيه، وكأنه يعجز عن احتمال مجرد تخيل ذلك. "وأنا... لا أستطيع أن أراكِ تعيشين هذا المصير." بدأ صوته ينكسر شيئًا فشيئًا. "أقسم لك يا ميرا... إن الموت أهون عليَّ ألف مرة من أن يأتي يوم أقف فيه عاجزًا عن حمايتك." ثم نظر إلى يديه الخشنتين وقال بأسى: "عندما كنت أصغر سنًا، لم أكن أخشى أحدًا. أما الآن... فلم أعد أخاف على نفسي، بل أخاف أن يخذلني جسدي قبل أن أطمئن عليك." سالت دمعة على خده، فشعرت وكأن شيئًا انكسر داخلي. قال بصوت مرتجف: "كل ليلة أدعو الله أن يمد في عمري، ليس من أجلي... بل من أجلك. أخشى أن يسبقني الموت، ويتركك وحدك في هذا العالم. أخشى أن يأتي يوم لا أكون فيه إلى جوارك، فلا أجد من يدافع عنك أو يمسح دموعك أو يحميك من ظلم الناس." لم أتمالك نفسي، فقمت من مكاني وارتميت بين ذراعيه، وأحطته بكلتا يدي وأنا أبكي. قلت بصوت تختنقه الدموع: "أقسم لك يا أبي... لن أتزوج فارس أبدًا، حتى لو بقيت بلا زواج طوال حياتي. لا أريده، ولم أحبه يومًا، ولن يستطيع أحد أن يجبرني على الزواج منه." ابتعدت قليلًا، ونظرت في عينيه. "وأنت... لا تقل مرة أخرى إنك تقف في طريق سعادتي، لأن سعادتي الحقيقية هي أن أراك بخير. والله يا أبي، لو خُيِّرت بين الدنيا كلها وبين بقائك إلى جواري، لاخترتك أنت." ارتجفت شفتا أبي، ثم ضمَّني بقوة إلى صدره، وكأنه يخشى أن يسلبه القدر ابنته في أية لحظة. وفي تلك الليلة، لم يكن الطعام هو ما جمعنا حول تلك المائدة الصغيرة، بل كان الحب الذي جمع قلبين لم يكن يملك أحدهما في الدنيا سوى الآخر... بينما كان القدر، في مكانٍ ما، يستعد لكتابة بداية لم يتوقعها أيٌّ منا... جلسنا إلى المائدة حتى انتهينا من تناول العشاء، ورغم محاولات أبي المستمرة لإخفاء ما يشعر به، فإنني كنت أرى التعب مرسومًا بوضوح على وجهه. كانت يداه ترتجفان قليلًا كلما رفع قطعة من الخبز، وأنفاسه أصبحت أثقل من المعتاد، حتى إن شحوب وجهه لم يعد يخفيه ضوء الموقد الخافت. نهضت من مكاني وبدأت أجمع الأطباق الخشبية، وما إن هممت بحملها حتى سمعت صوت المقعد يتحرك خلفي. التفت سريعًا، فإذا بأبي يحاول النهوض. قلت في دهشة: "إلى أين تذهب يا أبي؟" ابتسم ابتسامته الهادئة وقال: "سأساعدك في تنظيف الأطباق." اقتربت منه وربتُّ على كتفه برفق، ثم قلت بحزم: "لا... لن تفعل." ضحك بخفة وقال: "وهل أصبحتِ أنتِ سيدة هذا البيت حتى تمنعيني من المساعدة؟" ابتسمت وأنا أجيبه: "منذ زمن بعيد، لكنك لم تنتبه إلى ذلك." ضحك مرة أخرى، لكن ضحكته انقطعت فجأة بسبب نوبة سعال قصيرة، فوضع يده على صدره محاولًا كتمها. تجمدت ابتسامتي، وازداد قلقي عليه، لكنني حاولت ألا أظهر ذلك. قلت بنبرة حازمة ممزوجة بالحنان: "لقد تعبت اليوم بما فيه الكفاية، من الصباح حتى عدنا من السوق. يكفي هذا." لوح بيده معترضًا. "أنا بخير يا ميرا." هززت رأسي نافية. "لا... أنت لست بخير." نظر إليَّ في صمت. أشرت إلى غرفته الصغيرة وقلت: "اذهب وتناول دواءك، ثم استرح قليلًا. سأُنهي كل شيء وحدي." ابتسم وهو يحاول التخفيف عني وقال: "وهل ستطردينني من المطبخ أيضًا؟" ضحكت بخفة. "إذا اضطررت إلى ذلك... نعم." تنهد مستسلمًا وقال: "حسنًا... يبدو أنني لم أعد صاحب القرار في هذا البيت." تناول علبة الدواء الموضوعة فوق الرف الخشبي، وأخذ جرعته المعتادة، ثم سار بخطوات بطيئة نحو غرفته، بينما بقيت أراقبه حتى أغلق الباب خلفه. عدت إلى المطبخ، وبدأت أغسل الأطباق وأرتبها في أماكنها، ثم أطفأت النار داخل الموقد بعدما لم يبقَ منها سوى جمرات حمراء تلقي بضوء خافت داخل الكوخ. ورغم انشغال يدي، لم يتوقف عقلي عن التفكير في أبي. في الأشهر الأخيرة أصبح يتعب بسرعة، ويكثر من السعال، ويجلس ليستريح بعد أقل مجهود، لكنه كان يصر في كل مرة على أن الأمر مجرد إرهاق عابر. أما أنا... فلم أعد أصدق ذلك. كان يحاول أن يطمئنني، لكنه لم يكن يعلم أن ابنته تحفظ ملامحه كما تحفظ اسمها، وتعرف متى يخفي الألم خلف ابتسامته. ما إن انتهيت من ترتيب الكوخ، حتى مسحت يدي بطرف ثوبي واتجهت نحو غرفته. توقفت أمام الباب لحظة، ثم طرقت طرقات خفيفة. "أبي... هل أنت مستيقظ؟" جاءني صوته من الداخل ضعيفًا: "ادخلي يا ميرا." دفعت الباب بهدوء ودخلت. كانت غرفته صغيرة وبسيطة، لا تضم سوى سرير خشبي قديم، وصندوق صغير يحتفظ فيه بأغراضه، ونافذة ضيقة يتسلل منها ضوء القمر. كان مستلقيًا فوق سريره، وقد وضع ذراعه فوق عينيه. اقتربت منه ببطء، وما إن رأيت وجهه حتى شعرت بانقباض في قلبي. كان أكثر شحوبًا مما كان عليه قبل قليل. أسرعت نحوه وجلست إلى جواره. "والدي... ما بك؟" أبعد ذراعه عن عينيه، ثم ابتسم ابتسامة متعبة وقال: "لا شيء يا ابنتي... أشعر ببعض الإرهاق فقط." وضعت كفي على جبينه، فشعرت بحرارته. نظرت إليه بقلق وقلت: "لا... هذا ليس إرهاقًا." حاول أن يعتدل في جلسته، ثم قال بهدوء: "صدقيني يا ميرا، لقد كان يومًا طويلًا، وهذا كل ما في الأمر." قلت بإصرار: "إذن دعنا نذهب إلى الطبيب غدًا." ابتسم وهز رأسه رافضًا. "ولماذا ننفق المال على تعب بسيط؟" عقدت حاجبي في ضيق. "المال يمكن تعويضه، أما صحتك فلا." قال وهو يربت على يدي بحنان: "لقد تناولت دوائي قبل قليل، وسأنام بعض الوقت، وعندما أستيقظ صباحًا سأكون بخير بإذن الله." هززت رأسي وأنا أنظر إليه بعينين امتلأتا بالقلق. "أنت تخفي عني الحقيقة." ابتسم ابتسامة باهتة وقال: "لو كان هناك ما يستحق الخوف، لكنت أول من أخبرك." تنهدت ثم قلت: "إذن سأبقى معك الليلة." هز رأسه فورًا. "لا." "ولماذا؟" "لأنك متعبة أيضًا، وتحتاجين إلى النوم." قلت بإصرار: "لن أستطيع النوم وأنا قلقة عليك." نظر إليَّ نظرة جادة لم أعهدها منه منذ زمن. "اذهبي إلى غرفتك يا ميرا." هززت رأسي رافضة. "لن أتركك." ابتسم رغم تعبه وقال: "إن لم تسمعي كلامي..." توقفت أنتظر ما سيقوله. "...فلن آخذك معي غدًا إلى النهر." ابتسمت رغم قلقي، فقد كان يعرف جيدًا كيف يجبرني على الاستسلام. تنهدت في هدوء، ثم انحنيت وقبلت رأسه. "حسنًا... تصبح على خير يا أبي." ابتسم بحنان وقال: "وأنتِ من أهل الخير يا صغيرتي." خرجت من الغرفة وأغلقت الباب برفق. ثم اتجهت إلى المغتسل الصغير خلف الكوخ، وغسلت وجهي ويدي، وعدت إلى غرفتي. بدلت ثيابي، وأطفأت الفانوس الصغير، ثم تمددت فوق فراشي محاولةً أن أنام. لكن النوم كان أبعد ما يكون عن عيني. كنت أتقلب يمينًا ويسارًا، وكلما أغمضت عيني ظهر أمامي وجه أبي الشاحب، ثم تذكرت كلماته عند العشاء، حين أخبرني أنه يخشى أن يأتي يوم يعجز فيه عن حمايتي. شعرت بغصة في حلقي، وهمست لنفسي: "لن يحدث شيء... سيكون بخير عندما يستيقظ." حاولت أن أصدق كلماتي. وفجأة... قطع سكون الليل صوت سعال شديد. جلست في فراشي دفعة واحدة. حبست أنفاسي، وأرهفت سمعي. ثم عاد صوت السعال مرة أخرى، وكان هذه المرة أطول وأقوى. أغمضت عيني في ألم وهمست: "كنت أعلم... لم يكن مجرد إرهاق." تحركت نحو حافة السرير، وكادت قدماي تلامسان الأرض، لكنني توقفت. تذكرت أنه طلب مني أن أذهب إلى غرفتي. وتذكرت أيضًا تهديده اللطيف بأنه لن يأخذني معه إلى الصيد إن خالفت كلامه. عضضت على شفتي في حيرة، ونظرت نحو باب غرفتي. قلت في نفسي: "إن ذهبت الآن، سيغضب لأنني لم أسمع كلامه." ظللت أحدق في الباب لثوانٍ، بينما كان قلبي يدفعني لأن أركض إليه. ثم همست بحسم: "سأنتظر قليلًا... إن توقف السعال فسأبقى هنا كما طلب مني، أما إن سعل مرة أخرى... فسأذهب إليه، حتى لو غضب مني."توقف سيروس لحظة، ثم قال:— أتمنى أن تكون إقامتك في القصر قد نالت إعجابك.لم تعرف ميرا ماذا تجيب.فهي لم تكن تعرف أصلًا كيف تصف إقامتها.كانت الغرفة جميلة، والطعام جيد، والخدم يعاملونها بلطف، وكل شيء حولها كان يفوق ما عرفته في حياتها.ومع ذلك، كانت تشعر دائمًا بأنها تنتظر شيئًا.شيئًا واحدًا فقط.العودة.لذلك اكتفت بابتسامة بسيطة، وأومأت برأسها.— نعم.ابتسم سيروس أيضًا.— جيد.ثم نظر نحو الباب الموجود في نهاية الغرفة.— انتظري قليلًا، الحاكم على وشك القدوم.قالت ميرا:— حسنًا... سأنتظره.تركها سيروس، واتجه إلى نهاية الغرفة.توقفت عيناه أمام الباب الداخلي، ثم فتحه ودخل.أما ميرا فبقيت وحدها.وقفت بالقرب من الطاولة، ونظرت إلى الطعام مرة أخرى.كانت معدتها قد بدأت تشعر بالجوع قليلًا، لكن القلق كان أقوى من كل شيء.اليوم...ستعرف الحقيقة.اليوم ستجلس أمام الحاكم ألدريان، وستطلب منه ما انتظرته طوال هذا الشهر.ستطلب منه أن يعيدها.كانت قد رتبت كلماتها طوال اليوم.ستتحدث بأدب.ستشكره على حسن معاملته.ثم ستخبره بأنها تريد العودة إلى عالمها.إلى حياتها.رفعت ميرا عينيها نحو الباب الداخلي.كانت ت
---استدارت السيدة أماريل لتغادر، لكن ميرا أسرعت بالإمساك بيدها قبل أن تبتعد.قالت ميرا بتردد:— سيدة أماريل... انتظري.التفتت أماريل إليها باستغراب، وقالت:— ما الأمر يا ميرا؟ترددت ميرا لحظة، ثم نظرت إلى الباب الكبير أمامها، وشعرت بأن قلبها بدأ يخفق بقوة.— انتظري حتى أدخل.رفعت أماريل حاجبها في دهشة.— ولكن لماذا؟ هل هناك ما يخيفك؟هزت ميرا رأسها سريعًا.— لا... لا شيء. فقط... ابقي معي حتى أدخل.تأملتها أماريل للحظات، ثم ابتسمت ابتسامة هادئة.— حسنًا، لا بأس. سأبقى هنا.تنفست ميرا الصعداء، ثم قالت:— اطرقي أنتِ على الباب.نظرت إليها أماريل باستسلام، وكأنها أدركت أن ميرا لن تخطو خطوة واحدة قبل أن تطمئن إلى وجودها بجانبها.— كما تريدين.رفعت يدها، وطرقت الباب طرقات خفيفة متتابعة.ساد الصمت للحظات.وقفت ميرا إلى جوارها، وقد تشابكت أصابعها أمامها من شدة التوتر، بينما كانت عيناها معلقتين بالباب.ثم...تحرك مقبض الباب ببطء.وانفتح.ظهر خلفه المستشار سيروس.وما إن وقعت عيناه على ميرا حتى تجمد للحظة.اتسعت عيناه دون أن يشعر، وبقي صامتًا وهو ينظر إليها بنظرة امتزج فيها الاستغراب بالدهشة.لم
كانت ميرا قد انتهت أخيرًا من استعدادها، ووقفت أمام المرآة الكبيرة في غرفتها تحدق في انعكاسها طويلًا، وكأنها تحاول أن تتأكد من أن الفتاة التي تراها أمامها هي نفسها التي استيقظت هذا الصباح.وللمرة الأولى منذ أن وطئت قدماها عالم الجن، شعرت ميرا أن مظهرها لم يعد يشبهها تمامًا.رفعت يدها ببطء، ولمست وجنتها بأطراف أصابعها، ثم اقتربت من المرآة قليلًا وهي تضيق عينيها بدهشة.كانت السيدة أماريل قد وضعت لها للمرة الأولى في حياتها مساحيق التجميل.لم تكن ميرا تعرف شيئًا عن تلك الألوان التي وضعتها أماريل على وجهها، ولا عن الغرض منها في البداية. كانت بالنسبة إليها مجرد أشياء غريبة توضع على البشرة، حتى شرحت لها أماريل أنها ألوان تستخدمها نساء مملكة الربيع للزينة والتجميل.كانت الألوان خفيفة وهادئة، لكنها، رغم بساطتها، غيّرت ملامح ميرا بصورة واضحة.وضعت أماريل لمسة ناعمة من اللون الوردي على شفتيها، فأصبح لونهما أكثر إشراقًا، وأضافت لونًا خفيفًا فوق جفنيها جعل عينيها الزرقاوين تبدوان أكثر وضوحًا، كما وضعت لمسات رقيقة على وجنتيها زادت وجهها نضارة.ظلت ميرا تنظر إلى شفتيها باستغراب، ثم تمتمت في نفسها:«م
نظر إليه ألدريان بثبات وقال:— عندها سأفكر في حل آخر.ثم أضاف:— لن أسبق الأحداث الآن. دعني أولًا أعرف ماذا ستقول هي.جلس سيروس في المقعد المقابل له، ثم قال:— لكن هناك أمر آخر.— ما هو؟— الإمبراطور.تغيرت ملامح ألدريان قليلًا.قال سيروس:— هل ستخبره بأمر ميرا؟ساد صمت قصير.ثم أجاب ألدريان بوضوح:— لا.— لن تخبره؟— لا أريد أن يعلم الإمبراطور شيئًا عن ميرا.من الجيد أنة مشغول باللعنة التى القتها ساحره الغابة السوداء على وريثة.قال سيروس. رغم أن الامبراطور أمر ب إبقاء أمر لعنة وريثة أمر سري وممنوع تداولة إلا أن بعض الأحاديث تخرج. لقد سمعت ان الأمر سئ جدا و الوريث يعانى الويلات من تلك اللعنة ومن المحتمل أن تقضي عليه في أى لحظة.قال لة الدريان. نعم لقد علمت بالأمر وعلمت أيضا أن كبراء مجلس السحرة والمعالجين في العاصمة لم يستطيعوا أن يفعلوا شىء يقولون إن اللعنة قوية جداً ولم يستطع أحد على كسرها.أراد سيروس أن يغير الحديث لذلك نظر إليه سيروس بقلق، وقال:— ولكن يا ألدريان... أنت تعرف أن الأمر قد يصبح خطيرًا إذا اكتشفه بنفسه.— أعرف.— وإذا علم بوجودها، فسوف يسأل عن سبب وجودها هنا، وكيف وصل
كان المساء قد اقترب، ولم يتبقَّ على موعد العشاء سوى وقت قصير، حين كان الحاكم ألدريان يجلس في جناحه الخاص، وقد أحاطت به أكوام من الوثائق والملفات التي لم تترك له طوال اليوم فرصة لالتقاط أنفاسه.كان جناحه هادئًا على غير عادة القصر في مثل هذا الوقت؛ فالأبواب مغلقة، والستائر الطويلة مسدلة جزئيًا أمام النوافذ، بينما كانت أشعة الغروب الأخيرة تتسلل من بينها في خطوط ذهبية باهتة، فتسقط فوق سطح المكتب وتنعكس على الأوراق المنتشرة أمامه.جلس ألدريان خلف مكتبه، يمسك إحدى الوثائق بيده، وعيناه تتحركان بين سطورها بتركيز شديد. وما إن انتهى من قراءتها حتى مد يده إلى الختم الملكي الموضوع أمامه، وغمس خاتمه في الشمع السحري، ثم ضغطه فوق الوثيقة.ظهر شعار مملكة الربيع على الفور، مضيئًا للحظات قبل أن يستقر فوق الورقة.وفي تلك اللحظة تحديدًا، فُتح باب الجناح ودخل سيروس.تقدم المستشار بخطوات هادئة، ثم انحنى احترامًا وقال:— سيدي الحاكم، هل انتهيت من قراءة الوثائق التي معك وختمها؟رفع ألدريان عينيه عن الأوراق، ثم أجاب:— أجل يا سيروس... انتهيت من معظمها.اقترب سيروس قليلًا، ونظر إلى مجموعة الأوراق الموضوعة أمام
جاء اليوم التالي، وكان مختلفًا عن كل الأيام التي مرت على ميرا منذ وصولها إلى قصر الحاكم ألدريان.منذ أن فتحت عينيها في الصباح، لم تستطع أن تمنع أفكارها من الدوران حول اللقاء المنتظر. كانت تعلم أن الحاكم وافق أخيرًا على مقابلتها، وأنها ستراه مساءً، لكن مجرد التفكير في الأمر جعل قلبها يخفق بتوتر لم تعهده من قبل.جلست أمام المرآة لبعض الوقت، ثم أخذت تتخيل كيف سيجري اللقاء.ماذا ستقول أولًا؟كيف ستطلب منه أن يعيدها إلى عالمها دون أن تبدو فظة أو جاحدة؟كيف ستشرح له أنها لم تعد تريد شيئًا سوى العودة؟كانت تعرف أنها مدينة له بالكثير، فقد سمح لها بالبقاء في قصره، وأمر خدمه بالعناية بها، وأطعمها ووفّر لها الملابس والغرفة، ولذلك لم تكن تريد أن تنكر فضله أو تتعامل معه بجفاء.راحت ترتب كلماتها في ذهنها مرة بعد أخرى.«سأقول له إنني أشكره على كل ما فعله من أجلي... ثم سأطلب منه أن يساعدني على العودة إلى عالمي. وسأخبره أنني لا أريد أن أسبب له المزيد من المتاعب.»توقفت لحظة، ثم أومأت لنفسها وكأنها اقتنعت بالخطة.«أجل... هذا ما سأفعله.»لكن ما إن انتهت من التفكير حتى عاد شيء آخر إلى ذهنها، شيء لم تستطع