Share

مرض أبى

last update publish date: 2026-07-11 00:23:08

حلَّ المساء قبل أن نصل إلى كوخنا الصغير. كانت أشعة الشمس الأخيرة تتسلل بين الأشجار، بينما كانت الطيور تعود إلى أعشاشها في هدوء، وكأنها تُسرع قبل أن يبتلع الليل كل شيء. فتح أبي باب الكوخ بصمت، ثم دخل دون أن ينطق بكلمة واحدة. وضع كيس الدقيق فوق الطاولة الخشبية، وأسند عصاه إلى الحائط، ثم جلس على مقعده القريب من النافذة، وظل يحدق في الفراغ.

وقفت أتأمله من بعيد، ولم أحتج إلى أن يسألني أحد عما به. كنت أعرف أبي أكثر مما يعرف نفسه. فعندما يكون متعبًا يبتسم، وعندما يمرض يخفي ألمه حتى لا أقلق عليه، أما إذا التزم الصمت... فذلك يعني أن شيئًا أثقل قلبه حتى عجز عن حمله.

تنهدت في صمت واتجهت إلى الموقد الحجري. أشعلت الحطب، ثم وضعت المقلاة فوق النار، وبدأت أنظف السمكتين اللتين احتفظنا بهما من صيد اليوم. وبينما كانت يداي تعملان، كانت عيناي تتسللان إليه بين الحين والآخر. كنت أعلم أنه بعد دقائق سيأتي كعادته، ويجلس إلى جواري، ويأخذ السكين من يدي وهو يردد مبتسمًا: "دعيها لي، لا أريدك أن تجرحي نفسك." ثم يبدأ بتنظيف السمك، بينما أتولى أنا إعداد الخبز وإشعال النار.

هكذا كانت حياتنا دائمًا... لم أكن أعد الطعام وحدي قط، بل كنا نصنع كل شيء معًا، حتى أبسط الأشياء كانت أجمل لأننا نتشاركها.

مرت دقائق طويلة... لكن أبي لم يتحرك. ظل جالسًا في مكانه، وعيناه معلقتين بشيء لا أراه، حتى إن ألسنة اللهب التي كانت تتراقص أمامه لم تجذب انتباهه.

عندها فقط أدركت أن ما حدث في السوق لم يغادر عقله، وأن كلمات فارس ما زالت تطارده.

ابتسمت ابتسامة صغيرة وأنا أحدث نفسي: "لطالما كان أبي هو من يخرجني من حزني... واليوم جاء دوري لأخرجه من حزنه."

بدأت أتعمد إصدار بعض الضجيج. طرقت الغطاء الخشبي بقوة، ثم تمتمت بصوت مرتفع: "يبدو أن هذه السمكة عنيدة أكثر من ديك أم سليم." وانتظرت أن يضحك... لكنه لم يلتفت حتى.

زفرت في استسلام، ثم أكملت إعداد الطعام وحدي لأول مرة منذ سنوات، ولم يكن العمل هو ما أثقلني، بل ذلك الصمت الذي ملأ الكوخ.

بعد قليل، وضعت الطعام فوق المائدة الخشبية الصغيرة، ثم اقتربت من أبي وربتُّ على كتفه برفق.

"أبي... العشاء جاهز."

انتبه أخيرًا، وكأنه عاد من مكان بعيد. نظر إليَّ للحظات، ثم نهض ببطء وجلس أمام المائدة. لكنه لم يمد يده إلى الطعام، وظل يحدق في السمكتين المشويتين دون أن ينطق بكلمة.

جلست أمامه، وكنت أبحث عن أي حديث يغير هذا الجو الكئيب.

لكن قبل أن أفتح فمي، رفع رأسه ونظر إليَّ بعينين امتلأتا بالحزن.

قال بصوت خافت: "ميرا... لا أريدك أن تظني أنني أقف في طريق سعادتك."

نظرت إليه في دهشة.

"ماذا تقصد يا أبي؟"

تنهد طويلًا، ثم قال: "أقصد زواجك من فارس."

اتسعت عيناي من المفاجأة.

"أنا؟! كيف يمكن أن أظن ذلك؟"

رفع يده برفق، مقاطعًا كلامي.

"دعيني أُكمل، يا ابنتي."

أطرقت رأسي في صمت.

قال وهو يحدق في النار المشتعلة أمامه: "ربما تظنين أنني أرفضه لأنه ابن العمدة... أو لأنني عنيد... أو لأنني لا أريد أن أراك سعيدة."

هززت رأسي بسرعة.

"لم يخطر هذا ببالي يومًا."

ابتسم ابتسامة باهتة وقال: "لكنني أخشى أن يخطر ببالك يومًا ما."

ساد الصمت للحظات، ثم أكمل بصوت يملؤه الألم.

"يا ميرا... ذلك الشاب لا يعرف الحب، ولا يفهم معنى تكوين بيت أو أسرة. إنه لا يريد زوجة يشاركها حياته، بل يريد أن يمتلك أجمل فتاة في القرية، ثم يتخلص منها عندما يشبع غروره."

شعرت بانقباض في صدري، بينما تابع أبي حديثه.

"أتظنين أنني لا أعرف ما فعله قبل ذلك؟ لقد خدع أكثر من فتاة، ووعدهن بالزواج، ثم تركهن يواجهن قسوة الناس وحدهن بعدما دمر حياتهن."

خفض رأسه في حسرة.

"كنت أرى ذلك يحدث، وأعجز عن فعل شيء."

ثم رفع عينيه نحوي وقال: "ووالده... لن يقبل بك زوجة لابنه أبدًا."

همست بدهشة: "ولماذا؟"

أجاب بمرارة: "لأننا فقراء. لأننا لا نملك أرضًا ولا مالًا ولا اسمًا كبيرًا. هم يرون أنفسهم أعلى من بقية أهل القرية، ولو أراد ابنه الزواج حقًا، لاختار له فتاة من عائلة ثرية أو ذات نفوذ."

ثم أشار إليَّ بحزن.

"أما أنت... فلست بالنسبة لهم سوى نزوة عابرة."

شعرت بمرارة كلماته، لكنه أكمل بصوت مرتجف.

"سيخدعك بوعد الزواج، أو يتزوجك سرًا إن استطاع، ثم عندما يمل منك... سيرميك كما رمى غيرك."

أغمض عينيه، وكأنه يعجز عن احتمال مجرد تخيل ذلك.

"وأنا... لا أستطيع أن أراكِ تعيشين هذا المصير."

بدأ صوته ينكسر شيئًا فشيئًا.

"أقسم لك يا ميرا... إن الموت أهون عليَّ ألف مرة من أن يأتي يوم أقف فيه عاجزًا عن حمايتك."

ثم نظر إلى يديه الخشنتين وقال بأسى:

"عندما كنت أصغر سنًا، لم أكن أخشى أحدًا. أما الآن... فلم أعد أخاف على نفسي، بل أخاف أن يخذلني جسدي قبل أن أطمئن عليك."

سالت دمعة على خده، فشعرت وكأن شيئًا انكسر داخلي.

قال بصوت مرتجف:

"كل ليلة أدعو الله أن يمد في عمري، ليس من أجلي... بل من أجلك. أخشى أن يسبقني الموت، ويتركك وحدك في هذا العالم. أخشى أن يأتي يوم لا أكون فيه إلى جوارك، فلا أجد من يدافع عنك أو يمسح دموعك أو يحميك من ظلم الناس."

لم أتمالك نفسي، فقمت من مكاني وارتميت بين ذراعيه، وأحطته بكلتا يدي وأنا أبكي.

قلت بصوت تختنقه الدموع:

"أقسم لك يا أبي... لن أتزوج فارس أبدًا، حتى لو بقيت بلا زواج طوال حياتي. لا أريده، ولم أحبه يومًا، ولن يستطيع أحد أن يجبرني على الزواج منه."

ابتعدت قليلًا، ونظرت في عينيه.

"وأنت... لا تقل مرة أخرى إنك تقف في طريق سعادتي، لأن سعادتي الحقيقية هي أن أراك بخير. والله يا أبي، لو خُيِّرت بين الدنيا كلها وبين بقائك إلى جواري، لاخترتك أنت."

ارتجفت شفتا أبي، ثم ضمَّني بقوة إلى صدره، وكأنه يخشى أن يسلبه القدر ابنته في أية لحظة.

وفي تلك الليلة، لم يكن الطعام هو ما جمعنا حول تلك المائدة الصغيرة، بل كان الحب الذي جمع قلبين لم يكن يملك أحدهما في الدنيا سوى الآخر... بينما كان القدر، في مكانٍ ما، يستعد لكتابة بداية لم يتوقعها أيٌّ منا...

جلسنا إلى المائدة حتى انتهينا من تناول العشاء، ورغم محاولات أبي المستمرة لإخفاء ما يشعر به، فإنني كنت أرى التعب مرسومًا بوضوح على وجهه. كانت يداه ترتجفان قليلًا كلما رفع قطعة من الخبز، وأنفاسه أصبحت أثقل من المعتاد، حتى إن شحوب وجهه لم يعد يخفيه ضوء الموقد الخافت.

نهضت من مكاني وبدأت أجمع الأطباق الخشبية، وما إن هممت بحملها حتى سمعت صوت المقعد يتحرك خلفي. التفت سريعًا، فإذا بأبي يحاول النهوض.

قلت في دهشة: "إلى أين تذهب يا أبي؟"

ابتسم ابتسامته الهادئة وقال: "سأساعدك في تنظيف الأطباق."

اقتربت منه وربتُّ على كتفه برفق، ثم قلت بحزم: "لا... لن تفعل."

ضحك بخفة وقال: "وهل أصبحتِ أنتِ سيدة هذا البيت حتى تمنعيني من المساعدة؟"

ابتسمت وأنا أجيبه: "منذ زمن بعيد، لكنك لم تنتبه إلى ذلك."

ضحك مرة أخرى، لكن ضحكته انقطعت فجأة بسبب نوبة سعال قصيرة، فوضع يده على صدره محاولًا كتمها.

تجمدت ابتسامتي، وازداد قلقي عليه، لكنني حاولت ألا أظهر ذلك.

قلت بنبرة حازمة ممزوجة بالحنان: "لقد تعبت اليوم بما فيه الكفاية، من الصباح حتى عدنا من السوق. يكفي هذا."

لوح بيده معترضًا. "أنا بخير يا ميرا."

هززت رأسي نافية. "لا... أنت لست بخير."

نظر إليَّ في صمت.

أشرت إلى غرفته الصغيرة وقلت: "اذهب وتناول دواءك، ثم استرح قليلًا. سأُنهي كل شيء وحدي."

ابتسم وهو يحاول التخفيف عني وقال: "وهل ستطردينني من المطبخ أيضًا؟"

ضحكت بخفة. "إذا اضطررت إلى ذلك... نعم."

تنهد مستسلمًا وقال: "حسنًا... يبدو أنني لم أعد صاحب القرار في هذا البيت."

تناول علبة الدواء الموضوعة فوق الرف الخشبي، وأخذ جرعته المعتادة، ثم سار بخطوات بطيئة نحو غرفته، بينما بقيت أراقبه حتى أغلق الباب خلفه.

عدت إلى المطبخ، وبدأت أغسل الأطباق وأرتبها في أماكنها، ثم أطفأت النار داخل الموقد بعدما لم يبقَ منها سوى جمرات حمراء تلقي بضوء خافت داخل الكوخ.

ورغم انشغال يدي، لم يتوقف عقلي عن التفكير في أبي.

في الأشهر الأخيرة أصبح يتعب بسرعة، ويكثر من السعال، ويجلس ليستريح بعد أقل مجهود، لكنه كان يصر في كل مرة على أن الأمر مجرد إرهاق عابر.

أما أنا... فلم أعد أصدق ذلك.

كان يحاول أن يطمئنني، لكنه لم يكن يعلم أن ابنته تحفظ ملامحه كما تحفظ اسمها، وتعرف متى يخفي الألم خلف ابتسامته.

ما إن انتهيت من ترتيب الكوخ، حتى مسحت يدي بطرف ثوبي واتجهت نحو غرفته.

توقفت أمام الباب لحظة، ثم طرقت طرقات خفيفة.

"أبي... هل أنت مستيقظ؟"

جاءني صوته من الداخل ضعيفًا: "ادخلي يا ميرا."

دفعت الباب بهدوء ودخلت.

كانت غرفته صغيرة وبسيطة، لا تضم سوى سرير خشبي قديم، وصندوق صغير يحتفظ فيه بأغراضه، ونافذة ضيقة يتسلل منها ضوء القمر.

كان مستلقيًا فوق سريره، وقد وضع ذراعه فوق عينيه.

اقتربت منه ببطء، وما إن رأيت وجهه حتى شعرت بانقباض في قلبي.

كان أكثر شحوبًا مما كان عليه قبل قليل.

أسرعت نحوه وجلست إلى جواره.

"والدي... ما بك؟"

أبعد ذراعه عن عينيه، ثم ابتسم ابتسامة متعبة وقال: "لا شيء يا ابنتي... أشعر ببعض الإرهاق فقط."

وضعت كفي على جبينه، فشعرت بحرارته.

نظرت إليه بقلق وقلت: "لا... هذا ليس إرهاقًا."

حاول أن يعتدل في جلسته، ثم قال بهدوء: "صدقيني يا ميرا، لقد كان يومًا طويلًا، وهذا كل ما في الأمر."

قلت بإصرار: "إذن دعنا نذهب إلى الطبيب غدًا."

ابتسم وهز رأسه رافضًا.

"ولماذا ننفق المال على تعب بسيط؟"

عقدت حاجبي في ضيق.

"المال يمكن تعويضه، أما صحتك فلا."

قال وهو يربت على يدي بحنان: "لقد تناولت دوائي قبل قليل، وسأنام بعض الوقت، وعندما أستيقظ صباحًا سأكون بخير بإذن الله."

هززت رأسي وأنا أنظر إليه بعينين امتلأتا بالقلق.

"أنت تخفي عني الحقيقة."

ابتسم ابتسامة باهتة وقال: "لو كان هناك ما يستحق الخوف، لكنت أول من أخبرك."

تنهدت ثم قلت: "إذن سأبقى معك الليلة."

هز رأسه فورًا.

"لا."

"ولماذا؟"

"لأنك متعبة أيضًا، وتحتاجين إلى النوم."

قلت بإصرار: "لن أستطيع النوم وأنا قلقة عليك."

نظر إليَّ نظرة جادة لم أعهدها منه منذ زمن.

"اذهبي إلى غرفتك يا ميرا."

هززت رأسي رافضة.

"لن أتركك."

ابتسم رغم تعبه وقال: "إن لم تسمعي كلامي..."

توقفت أنتظر ما سيقوله.

"...فلن آخذك معي غدًا إلى النهر."

ابتسمت رغم قلقي، فقد كان يعرف جيدًا كيف يجبرني على الاستسلام.

تنهدت في هدوء، ثم انحنيت وقبلت رأسه.

"حسنًا... تصبح على خير يا أبي."

ابتسم بحنان وقال: "وأنتِ من أهل الخير يا صغيرتي."

خرجت من الغرفة وأغلقت الباب برفق.

ثم اتجهت إلى المغتسل الصغير خلف الكوخ، وغسلت وجهي ويدي، وعدت إلى غرفتي.

بدلت ثيابي، وأطفأت الفانوس الصغير، ثم تمددت فوق فراشي محاولةً أن أنام.

لكن النوم كان أبعد ما يكون عن عيني.

كنت أتقلب يمينًا ويسارًا، وكلما أغمضت عيني ظهر أمامي وجه أبي الشاحب، ثم تذكرت كلماته عند العشاء، حين أخبرني أنه يخشى أن يأتي يوم يعجز فيه عن حمايتي.

شعرت بغصة في حلقي، وهمست لنفسي: "لن يحدث شيء... سيكون بخير عندما يستيقظ."

حاولت أن أصدق كلماتي.

وفجأة... قطع سكون الليل صوت سعال شديد.

جلست في فراشي دفعة واحدة.

حبست أنفاسي، وأرهفت سمعي.

ثم عاد صوت السعال مرة أخرى، وكان هذه المرة أطول وأقوى.

أغمضت عيني في ألم وهمست: "كنت أعلم... لم يكن مجرد إرهاق."

تحركت نحو حافة السرير، وكادت قدماي تلامسان الأرض، لكنني توقفت.

تذكرت أنه طلب مني أن أذهب إلى غرفتي.

وتذكرت أيضًا تهديده اللطيف بأنه لن يأخذني معه إلى الصيد إن خالفت كلامه.

عضضت على شفتي في حيرة، ونظرت نحو باب غرفتي.

قلت في نفسي: "إن ذهبت الآن، سيغضب لأنني لم أسمع كلامه."

ظللت أحدق في الباب لثوانٍ، بينما كان قلبي يدفعني لأن أركض إليه.

ثم همست بحسم: "سأنتظر قليلًا... إن توقف السعال فسأبقى هنا كما طلب مني، أما إن سعل مرة أخرى... فسأذهب إليه، حتى لو غضب مني."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    174 - رساله من مجهول

    لم يستطع نسيان تحذير الطبيب، حين أخبر ألدريان بأن الحالة النفسية لميرا بلغت مرحلة خطيرة، وأن استمرار عزلتها وحزنها قد يهددان حياتها. والآن، بعدما رآها بنفسه، لم يعد ذلك التحذير مجرد كلمات قالها الطبيب لتوضيح خطورة حالتها. لقد رأى بعينيه كيف تبدو ميرا، وكيف أصبح صمتها أعمق من أن تخترقه الكلمات، وكيف لم تعد حتى راغبة في التحدث إليه. ماذا سيحدث لها حين ينقلها ألدريان إلى ذلك المكان؟ هل ستتحمل مزيدًا من العزلة؟ هل ستبقى قادرة على مقاومة اليأس، أم ستستسلم له تمامًا؟ أغمض سيروس عينيه للحظات، ثم فتحهما ببطء. كان يخشى أن تنتهي حياة ميرا قبل أن يدرك ألدريان فداحة ما يفعله بها. وكان يخشى أيضًا أن يظل هو واقفًا في مكانه، يشاهد كل ذلك يحدث، ثم يكتشف بعد فوات الأوان أنه كان قادرًا على فعل شيء، لكنه لم يفعل. عندها أدرك أنه لم يعد يستطيع الاكتفاء بمراقبة ما يحدث. كان عليه أن يساعدها، بأي طريقة ممكنة، حتى لو اضطر إلى مواجهة ألدريان نفسه. نعم، كان ألدريان حاكمه وصديقه، وكان سيروس يدين له بالكثير، لكنه لم يستطع أن يقنع نفسه بأن الوفاء له يقتضي أن يترك فتاة بريئة تُسلب حريتها وتُدفع إلى حافة ا

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    173 - شعور كبير بالذنب

    بعد مرور ثلاثة أيام أخرى، خرج سيروس من جناح ميرا، وما إن تجاوز عتبته حتى أُغلق الباب خلفه، وعاد الجنود إلى إحكام إغلاقه كما اعتادوا أن يفعلوا في كل مرة يغادر فيها أحد الجناح. توقف سيروس في الممر للحظات، ثم أخذ يسير بخطوات بطيئة، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الحزن والاضطراب. كان ذهنه مشغولًا بما رآه للتو، وبالكلمات التي حاول انتزاعها من ميرا طوال زيارته، لكنه لم يحصل منها على شيء. لم تكن زيارتها هذه المرة مختلفة كثيرًا عن زيارته السابقة، بل كانت أسوأ منها. ومنذ ثلاثة أيام، حين أخبره ألدريان بقراره نقل ميرا إلى ذلك المكان السري في نهاية الشهر، لم يستطع سيروس التوقف عن التفكير في مصيرها. وفي نهاية حديثهما يومها، طلب من الحاكم أن يسمح له بزيارتها مرة أخيرة، حتى يودعها قبل نقلها إلى المكان الذي لن يعرف أحد طريقه سواه. فمهما حدث بينهما، ومهما كانت الأخطاء التي ارتكبها بحقها، فقد كانت ميرا صديقته في الماضي، وكانت قد وثقت به يومًا، قبل أن يخذلها ويصبح واحدًا من الأشخاص الذين تسببوا في معاناتها. وافق ألدريان على طلبه، لكنه وضع شرطًا واضحًا. — يمكنك زيارتها، لكن إياك أن تخبرها بما أخبرتك به

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    172 - قبل فوات الاوان

    التفت ألدريان إليه، وقد اختفت نبرة الاشتياق من صوته، وحل محلها الحزم. — لقد اتخذت قراري يا سيروس، وانتهى الأمر. أدرك سيروس من نبرته أن الاعتراض لن يغير شيئًا، لكنه لم يستطع تجاهل ما يعنيه هذا القرار بالنسبة إلى ميرا. فهو يعرف ألدريان جيدًا، ويعرف أنه حين يصر على أمر، نادرًا ما يسمح لأحد بإقناعه بالتراجع عنه. ومع ذلك، حاول أن يفهم على الأقل ما الذي ينوي فعله. — حسنًا، أين يقع هذا المكان الذي ستنقل ميرا إليه؟ نظر إليه ألدريان للحظات، ثم أجاب ببرود: — لن أخبرك. قطب سيروس حاجبيه. — ماذا تقصد بأنك لن تخبرني؟ — أقصد أنني لن أخبرك أنت، ولن أخبر أي شخص آخر. هذا المكان سري للغاية، ولن يعرف طريقه أحد سواي. ازداد قلق سيروس، بينما واصل ألدريان حديثه بثقة، وكأنه يشرح خطة أعدها بعناية ولم يترك فيها مجالًا للخطأ. — مهما بحث أي شخص في مملكة الجان، فلن يستطيع الوصول إلى ذلك المكان. حتى الخدم والحراس الذين سيعملون هناك لن يكونوا من خدم هذا القصر أو حراسه الذين تعرفهم. سأختار أشخاصًا من خارجه، أشخاصًا لا تربطهم صلة بمن يعملون هنا، ولن يكون لدى أحد منهم ما يكشف مكان ميرا أو يدل على الطريق الم

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    171 - من سئ إلي اسوء

    الفصل - من سئ إلي اسوء كانت تتمنى لو تستطيع احتضانها، أو إخبارها بأنها ليست وحدها، لكنها لم تعرف إن كانت كلماتها ستصل إليها أصلًا. لقد مرّت شهور طويلة لم تتمكن خلالها من رؤيتها، وها هي الآن تقف أمامها لتكتشف أن ميرا لم تكن بحاجة إلى الطعام والراحة فحسب، بل كانت بحاجة إلى من ينتشلها من هذا الحزن الذي يلتهمها من الداخل. لكنها لم تكن تملك القدرة على تغيير شيء. --- بعد انتهاء الزيارة، توجه الطبيب إلى الحاكم ألدريان ليطلعه على حالة ميرا. كان الحاكم في جناحه الخاص حين دخل الطبيب، فرفع رأسه إليه وسأله مباشرة: — كيف حالها؟ هل تحسنت؟ تردد الطبيب للحظة، ثم أجاب بجدية: — للأسف يا مولاي، حالتها أسوأ مما توقعت. إنها تعاني من تدهور نفسي شديد، وقد انعزلت عن العالم الخارجي بصورة مقلقة، ولا تستجيب لمحاولات التواصل معها مطلقاً كما أن الحزن الذي تعيشه يبدو عميقًا للغاية. تغيرت ملامح ألدريان قليلًا، لكنه لم يقاطعه. تابع الطبيب: — إن استمرارها على هذه الحال قد يعرّض صحتها لخطر حقيقي. فالضغط النفسي الشديد، إلى جانب إهمال احتياجاتها وانقطاعها عن الآخرين، قد يؤدي إلى مضاعفات جسدية خطيرة. وإذا اس

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    170 - ما وراء اصوار القصر

    الفصل: ما وراء أسوار القصر مرّت الأسابيع تباعًا، وظل الحال على ما هو عليه؛ ميرا حبيسة جناحها، معزولة عن العالم، غارقة في حالة نفسية بالغة السوء، تتدهور يومًا بعد يوم، حتى بدا وكأنها تفقد ما تبقّى لها من قدرة على الاحتمال. كانت تقضي معظم وقتها في صمت مطبق، لا تفعل شيئًا سوى الجلوس في مكانها والتحديق في الفراغ، وكأنها استسلمت تمامًا لحياة لم تخترها، ولم يعد لديها ما تقاوم من أجله. أما ألدريان، فقد ظل في البداية متمسكًا باعتقاده أن مرور الوقت سيجعلها تلين، وأن عزلتها ستدفعها في النهاية إلى إعادة التفكير في موقفها، وربما تقبّل ما يريده منها. كان يتصور أن حرمانها من الحرية سيجعلها تدرك أنها لا تملك ملجأ آخر، وأنها ستضطر في نهاية المطاف إلى الرضوخ للأمر الواقع. لكن الأيام مضت، ثم تبعتها أسابيع أخرى، من دون أن يظهر أي تحسن في حالتها، أو أي علامة تدل على أنها بدأت تتراجع عن قرارها. ومع مرور الوقت، بدأ شعور بالقلق يتسلل إلى نفسه، وإن حاول تجاهله في البداية. كان يستدعي الخادمات اللواتي يتولين رعاية جناح ميرا، ويسألهن عن حالتها، وعن مقدار ما تتناوله من الطعام، وما إذا كانت تتحدث معهن أو ت

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    169 - خلف الأبواب المغلقة

    تلاشت ابتسامته ببطء. كان يتمنى أن يسمع منها أي شيء، لكنه لم يكن مستعدًا لأن تكون أول كلماتها إليه رجاءً كهذا، رجاءً لا يعرف كيف يحققه. تنهد بأسى وقال: — ميرا، أنا آسف، لكنني لا أستطيع إخراجكِ من هنا. حتى لو أردت ذلك، فلن يكون الأمر سهلًا. القصر مليء بالجنود، وأنتِ سجينة بأوامر من الحاكم ألدريان. لا أملك السلطة التي تسمح لي بإخراجكِ، ولن أستطيع تجاوز أوامره بهذه البساطة. رفعت ميرا رأسها قليلًا، لكنها لم تنظر إليه. بقي بصرها معلقًا بالفراغ، ثم قالت بصوت خافت: — بلى، تستطيع. هناك عباءة الإخفاء. إذا أحضرتها ووضعتها عليّ، فسوف تتمكن من إخراجي من هنا. توقف سيروس للحظات. لم يكن يتوقع أن تكون قد فكرت في الأمر بهذه الطريقة، لكنه سرعان ما تنهد وقال: — ميرا، أنا هنا بأمر من ألدريان. هو من سمح لي بالدخول لزيارتكِ، ولولا إذنه لما تمكنت من الوصول إليكِ أصلًا. فكيف تتوقعين مني أن أخرجكِ من القصر من دون علمه؟ ثم تابع موضحًا: — إذا أحضرت عباءة الإخفاء، فسوف يلاحظ الجنود ذلك، وقد يدركون ما أنوي فعله. وإذا حاولت تهريبكِ، فسأكون قد خالفت أوامر الحاكم مباشرة، وقد أفقد منصبي مستشارًا له، وأتعرض ل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status