Share

الحلقة السادسة

last update Petsa ng paglalathala: 2026-07-04 00:15:19

تقف الفتاة ريهام أمام الباب الحديدي الصدئ لمدرستها الابتدائية القديمة، تلك المدرسة التي لم تكن مجرد بناء خرساني تعليمي، بل كانت الشاهد الأول والوحيد على ولادة حب عذري صامت، وتنامي مشاعر بريئة لم تلوثها حسابات الكبار.

تتأمل ريهام النافذة الأخيرة في الدور الأول، فتستحضر في مخيلتها صورة "إسلام" الصبي الذي كان يرقبها بنظراته الحادة الحارسة، ويوفر لها الأمان والدعم البسيط كبري الأقلام وجمع الدفاتر دون أن ينطق بكلمة واحدة.

​تنهمر دموع ريهام ساخنة وممتزجة بنسمات الغروب الخريفية، وهي تشعر بعبء السنوات الخمس الماضية التي ضاعت من عمرها هباءً في زواج بارد ومؤلم من المهندس "مصطفى". كان ذلك الزواج بمثابة سجن اختياري مدفوع برغبة الأهل في تأمين "مصلحتها" المادية والاجتماعية خوفاً من "كلام الناس" وتقاليد المجتمع الصارمة. تطلق ريهام في هذه اللحظة اعتذاراً خافتاً للهواء، معترفة بتقصيرها وتأخرها في الحفاظ على حبها الحقيقي، ومقدمة اعتذاراً ضمنياً لإسلام الذي تركته يواجه مصيره وحده في بلاد الغربة بعد انكسار حلمه العسكري.

​تنتقل الأحداث لتسليط الضوء على المعاناة النفسية والاجتماعية التي واجهتها ريهام فور عودتها إلى منزل عائلتها بعد إتمام إجراءات الطلاق رسمياً. لم يكن استقبال أهلها لها مفروشاً بالورود أو محاطاً بالدعم الكامل، بل خيّم الوجوم والغموض على ملامح والدها الذي شعر بكسر في كبريائه وأمام نظرات المجتمع المحيطة به، فرغم إدراك الأهل التام لمدى الظلم والأنانية التي عانت منها ابنتهم على يد مصطفى، وتلفيقه تهمة العقم لها لسنوات، إلا أن النظرة التقليدية للمرأة المطلقة في مجتمعهم كانت تفرض عليها الصبر والتحمل والقبول بالأمر الواقع للحفاظ على استقرار بيتها وحماية سمعة العائلة.

​تغلق ريهام باب غرفتها القديمة على نفسها، محاولة الانفصال عن هذا الواقع الكئيب، ومسترجعة تفاصيل مراهقتها وأحلامها التي تبخرت. تتأمل وجهها في المرآة لتجد أن ملامحها لم تتغير كثيراً، لكن البريق العفوي في عينيها قد انطفأ وحل محله عمق حزين ناتج عن الخذلان المتكرر. في هذه الأثناء، تستمع ريهام من خلف الباب إلى حوار يدور بين والدتها ووالدها بنبرات تملؤها الحيرة والخوف من المستقبل، حيث تبدي الأم قلقها الشديد من نظرة المجتمع لجملة "امرأة مطلقة ولا تنجب"، وكيف سينظر الجيران والأقارب إليها دون معرفة الحقيقة الطبية التي تثبت عقم الزوج وخديعته. تبتسم ريهام بسخرية مريرة من هذه المخاوف، مؤكدة لنفسها أن خوفها القديم من كلام الناس قد مات وتلاشى في اليوم الذي انتفضت فيه لكرامتها وحريتها.

​على الجانب الآخر من القصة، وفي توقيت متزامن مع تحرر ريهام، تشهد حركة الطيران هبوط طائرة في مطار القاهرة الدولي تحمل على متنها "إسلام" القادم من إحدى عواصم الخليج بعد غياب دام خمس سنوات كاملة. لقد أحدثت الغربة تغييراً جذرياً وشاملاً في شخصية إسلام ومظهره؛ فقد تبدلت ملامحه الصبيانية والنحيفة ليصبح شاباً طويلاً، عريض المنكبين، يفيض هيبة ووقاراً وعمقاً واكتست عيناه بنظرة غموض وثقة تليق بمكانته الجديدة كمدير تنفيذي ناجح في شركة استثمارية كبرى. استطاع إسلام بذكائه واجتهاده أن يحقق النجاح المادي والاجتماعي المبهر الذي عجز عن تحقيقه في وطنه،

ليمتلك الثروة والشقة الفاخرة والسيارة الحديثة، وهي الأشياء التي كان يتمنى يوماً أن يملكها ليقدمها مهراً لطلب يد ريهام من الباب الشرعي.

​رغم هذا النجاح الباهر والبريق الخارجي، كان إسلام يعيش في غربته بجسد بلا روح، يحمل في صدره فجوة عاطفية مظلمة وعميقة لم تفلح أموال الغربة ولا أضواؤها في ملئها أو مداواتها، وظل مصاباً بمرض "الحب الأول" عاجزاً عن فتح قلبه لأي تجربة ارتباط جديدة. يأتي إسلام إلى وطنه في إجازة قصيرة تهدف بالأساس إلى زيارة عائلته ورؤية شقيقته الكبرى "سارة" التي كانت مستودع أسراره والأقرب إلى قلبه طوال سنوات السفر

​يصل إسلام إلى منزل عائلته، فترتمي شقيقته سارة في أحضانه باكية من فرط الشوق والسعادة بعودته سالماً. يجلس إسلام في صالون البيت القديم، يتنفس رائحة وطنه ويستعيد ذكريات انكساره القديم بعد رفض ملفه في الكلية العسكرية، وهو الانكسار الذي تسبب في ضياع حبيبة عمره. تلاحظ سارة بذكائها أن الشبح القديم والحزن الدفين ما زالا يربضان في عيني شقيقها رغم كل مظاهر الثراء والنجاح التي تحيط به.

​تقرر سارة كسر حاجز الصمت السائد والتمهيد لمفاجأة كبرى ستغير مجرى الأحداث تماماً؛ تقترب من شقيقها وتتحدث إليه بنبرة هادئة ومشوبة بالتردد والتوتر، مؤكدة له أن هناك مستجدات خطيرة ومتلاحقة قد حدثت في غيابه وكان لزاماً عليه معرفتها. يعقد إسلام حاجبيه مستغرباً، ويشعر بنبضة عنيفة ومفاجئة تعصف بقلبه، وهي نبضة لم يذق مثلها منذ ليلة زفاف ريهام المشؤومة، ويحاول الحفاظ على هدوئه الزائف متسائلاً عن طبيعة هذه الأخبار. تنظر سارة إلى عينيه مباشرة وتفجر المفاجأة المزلزلة قائلة: "ريهام اتطلقت يا إسلام.. اتطلقت من شهر ورجعت بيت أهلها حرة".

​تنزل الكلمات على مسامع إسلام كالصاعقة العاتية، فيشعر للحظات بأن جدران الغرفة تدور به وأن الأنفاس تكاد تنقطع من صدره. يقف مشدوهاً ومذهولاً، وتتقاذفه في تلك اللحظة عاصفة هوجاء من المشاعر المتناقضة؛ ما بين صدمة عاطفية، وذهول من تقلبات القدر، وأمل باهت وضعيف ينبعث فجأة من تحت رماد السنوات الخمس الماضية، يليه شعور جارف بالأسى والحزن على ما عانته حبيبته في غيابه. يبدأ إسلام في ترديد الكلمة بذهول واستنكار، متسائلاً عن الأسباب التي أدت إلى طلاق فتاة اختارها أهلها بعناية فائقة لمهندس جاهز ومستقر مادياً.

​تجلس سارة بجوار شقيقها المصدوم، وتبدأ في سرد كافة التفاصيل الدقيقة والظروف المأساوية التي عرفتها عبر صديقاتها المشتركات في كلية التربية؛ تحكي له عن سنوات الوحدة والجفاء العاطفي التي عاشتها ريهام مع مصطفى، وعن خديعة العقم والأنانية المفرطة التي مارسها الزوج ضدها، حيث تركها تواجه اتهامات عائلته ونظرات المجتمع القاسية وتتحمل آلام الفحوصات الطبية بمفردها وهو يعلم يقيناً بوجود عيب خلقي لديه يمنعه من الإنجاب. وتكمل سارة حكايتها عن لحظة انتفاضة ريهام وثورتها العارمة لكرامتها عندما واجهت زوجها ووالدها بالتقارير الطبية الرسمية، مضحية بكل مظاهر الاستقرار المادي المزيف في سبيل استعادة حريتها وتنفس أكسجين الحياة بعيداً عن الظلم والموت البطيء.

​يتلقى إسلام هذه الكلمات بقلب يعتصره الألم والغضب العارم؛ يتذكر ملامح ريهام العفيفة وخجلها الطاهر، ويتخيلها وهي تبكي وحيدة في ردهات المستشفيات وعيادات الأطباء تحمل ذنباً ليس ذنبها، بينما كان هو في غربته يظنها سعيدة ومستقرة في حياتها الجديدة، ويعاتب نفسه في سره لأنه ظلمها يوماً واعتقد أنها نسيت حب الطفولة واختارت البديل الجاهز.

يعبر إسلام عن حزنه الشديد لضياع خمس سنوات من عمرهما في العذاب والافتراق، فتربت سارة على كتفه برفق مؤكدة له أن ريهام لم تنسه يوماً، وأنها ظلت وفية لتربيتها وأصولها حتى في أوج أزمتها، وأنها الآن حرة لكنها مكسورة من الداخل، ولا يوجد في هذا العالم إنسان قادر على جبر هذا الكسر وإعادة الروح إليها سوى إسلام، إذا كان ما زال يحتفظ لها بمكانة في قلبه.

​يتوجه إسلام بخطوات ثابتة نحو نافذة الغرفة المطلة على شوارع المدينة المظلمة، وتتسارع أنفاسه وتتصارع الأفكار في عقله؛ يدرك تماماً أن الصمت القديم الذي بدأ في الصف الرابع الابتدائي وتبلور في أروقة المدارس والجامعة لم يعد مجدياً أو كافياً في هذه المرحلة من حياتهما، فقد كبر الاثنان وداستهما تجارب الحياة القاسية، ويعيد القدر الآن ترتيب الأوراق ليضعهما وجهاً لوجه في اختبار حقيقي ومصيري.

يرفض إسلام أن يقف مكتوف الأيدي أو أن يتملكه كبرياء السنوات الخمس الماضية، ويرفض فكرة إرسال رسائل ورقية أو اتباع أساليب المراهقة القديمة. يلتفت إلى شقيقته الكبرى سارة، ويسود وجهه تعبير صارم وحاسم يعكس شخصية الرجل الناجح والمستعد للمواجهة، ويطلب منها بصوت قوي ونبرة لا تحتمل التراجع أن تقوم بترتيب لقاء مباشر وسريع يجمعه بريهام في أقرب وقت ممكن، وشرط أن يكون هذا اللقاء سرياً وبعيداً عن علم أهلها في الوقت الحالي، حتى يتبين مشاعرها ويضع السطر الأول في الفصل الجديد من حكايتهما الأسطورية.

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • أوتار الحنين الأول    الخلقة السادس والثلاثين

    الفصل السادس والثلاثين: ​مرت ثلاث سنوات على قدوم الصغير "عمر"، ثلاث سنوات لم تكن مجرد أيام تضاف إلى التقويم، بل كانت رحلة دافئة مليئة بالحياة، والضحكات، والخطوات الصغيرة التي ملأت جدران البيت حركة ونشاطاً. تحول ذلك البيت الذي كان يوماً يرزح تحت وطأة الصمت الثقيل وطرقات الساعة الكئيبة، إلى بستان يضج بالحيوية. لم تعد الشقة الواسعة تفوح منها رائحة الوجع القديم، بل أصبحت تعبق برائحة طفولية زكية، وألعاب مبعثرة في كل زاوية، ورسومات بريئة بألوان شمعية تزين أسفل جدران غرف المعيشة. ​استعاد مصطفى نضارته الكاملة، وصار ينظر إلى الحياة بعيني أبهة وشغف غير محدودين. كان يعود من عمله مسرعاً، يترك مشاغل الشركة والمسؤوليات المادية عند العتبة الخارجية، ليركض نحو طفله الذي يستقبله بصرخات الفرح والركض على قدميه الصغيرتين. أما "نور"، فقد أزهرت أنوثتها وأمومتها بشكل أذهل الجميع؛ غادرتها تلك الهالة الشاحبة التي كانت تغلفها لسنوات، وأصبحت تنبض بالرضا، ترقب طفلها وزوجها بابتسامة حانية تسترجع معها في كل لحظة فضل الله ولطفه الممتد. ​كان الصغير عمر طفلاً ذكياً، نبيهاً، يتطلع إلى العالم بعينين واسعتين تشبهان عي

  • أوتار الحنين الأول    الحلقة الخامسة والثلاثون

    الفصل الخامس والثلاثين: ​مرت الأسابيع والأشهر التالية كأنها نهر هادئ يتدفق بالنور والسكينة بعد سنوات طويلة من الجفاف والظلام. تغير كل شيء في ذلك المنزل الذي كان يوماً مسرحاً للصمت المطبق ولطرقات الساعة الجدارية الكئيبة. لم تعد عقارب الساعة المعلقة في الردهة تطرق قائلة: (تك.. تك.. تك) بنبرة جنائزية تحسب الوقت المنقضي من العمر؛ بل أصبحت دقاتها تتناغم مع دقات قلب جديد يتخلق في أحشاء "نور"، قلبٍ يبشر بالفجر والولادة والإشراق.​شهد البيت تحولات جذرية على كافة الأصعدة. اختفت نظرات الحزن المكتوم التي كانت ترتسم في عيني نور لسنوات، وحل محلها بريق دافئ ينبض بالحيوية والأمل. أما مصطفى، فقد استعاد عافيته الجسدية والنفسية بشكل أذهل الأطباء؛ تزاحمت في روحه مشاعر الامتنان والتواضع أمام قدرة الله ولطفه. لم يعد يستند إلى عصاه إلا في أوقات النزهات الطويلة، وحتى تلك الندبة الممتدة على جبهته لم تعد تذكره بالحادث الرتيب أو الأليم، بل أصبحت وساماً مرئياً يشهد على اللحظة التي خُلق فيها من جديد.​استعاد مصطفى شغفه بنشاطه وحياته الزوجية مع نور، وصار يحرص على قضاء أغلب أوقاته بجوارها. يرافقها في كل تفاصيل ا

  • أوتار الحنين الأول    الحلقة الرابعة والثلاثون

    الفصل الرابع والثلاثين:​لم يجد مصطفى أمامه سوى وجهة واحدة ليحسم هذا العذاب الشديد الذي يكاد يودي بعقله؛ مستشفى الأمل الجامعي. توجه مباشرة إلى هناك، يقطع الإشارات ويتجاوز السيارات، وعيناه معلقتان بالطريق دون أن يراه حقاً. دلف إلى المستشفى وهرع نحو مكتب البروفيسور "عادل"، الرجل، الطبيب، والمنقذ الذي انتشله من براثن الموت المحقق بعد ذلك الحادث المروع الذي تعرض له قبل أشهر.​دخل مصطفى المكتب دون استئذان، ضارباً بكل قواعد اللياقة عرض الحائط. كان شاحباً كالجثة، والتعرق البارد يكسو وجهه وجبينه، وأنفاسه تتلاحق كأنه كان يركض لعدة أميال. تقدم نحو مكتب الطبيب بخطوات هشة، ووضع ورقة تحليل الحمل الخاصة بـ نور بعنف، وفوقها كومة من تقاريره الطبية القديمة والحديثة التي تثبت عقمه التام، وقال بصوت يرتجف ويتقطع من فرط الألم والاضطراب:​— "أرجوك يا دكتور... فسر لي هذا وإلا سأفقد عقلي تماماً! زوجتي نور حامل.. وأنا كما تعلم، وكما تثبت هذه الأوراق، رجل ميت بيولوجياً من الناحية الإنجابية! أخبرني بالحقيقة، هل هناك خطأ في التحاليل؟ أم أنني أعيش في كابوس؟"​نظر البروفيسور أحمد إلى الأوراق المبعثرة أمامه، ثم رفع

  • أوتار الحنين الأول    الحلقة الثالثة والثلاثون

    الفصل الثالث والثلاثين:​في صباح اليوم التالي، توجه الزوجان إلى أحد المختبرات الطبية الشهيرة والقريبة من منزلهما. استقبلتهما طبيبة المختبر بوجه بشوش، وبعد الاستماع لشكوى "نور" من الدوار المستمر والغثيان الصباحي، طلبت إجراء فحص دم شامل بالإضافة إلى بعض الفحوصات الحيوية الأخرى لمعرفة العلة الأساسية.​جلس مصطفى ونور في قاعة الانتظار. كانت الأجواء هادئة، وسادت حالة من الصمت المريح والدافئ بينهما؛ فقد تخطيا أخيراً كل مراحل التوتر والمشاحنات القديمة التي كانت تسمم حياتهما قبل الحادث. كان مصطفى يمسك يد نور ويداعب أصابعها ليطمئنها، بينما كانت هي تسند رأسها على كتفه، وتشعر لأول مرة منذ سنوات بالأمان الحقيقي في حضنه.​مرت ساعة كاملة وكأنها دهر، حتى فتح الباب الداخلي للمختبر. خرجت طبيبة المختبر، لكن ملامح وجهها كانت قد تبدلت تماماً؛ لم تعد تحمل تلك الابتسامة الروتينية، بل كانت تحمل ورقة التحليل المطبوعة بيديها اللتين كانت ترتجفان بشكل طفيف. كانت عيناها تتنقلان بريبة وذهول واضحين بين سطور الورقة وبين الزوجين الجالسين، بنظرة تعجب لا يمكن لأي عين أن تخطئها أو تتجاهلها.​وقفت الطبيبة أمامهما، ونادت

  • أوتار الحنين الأول    الحلقة الثانية والثلاثون

    الفصل الثاني والثلاثون ​عند مرور ثلاثة أشهر كاملة على ذلك الحادث المشؤوم الذي غير مجرى كل شيء. ثلاثة أشهر تحولت فيها ممرات المستشفى الباردة، برائحة المعقمات النفاذة وصوت أجهزة مراقبة النبض الرتيبة، إلى مجرد ذكرى بعيدة يحاول الجميع تناسيها. عاد "مصطفى" إلى بيته مرة أخرى، ولكن بعد أن كتب الله له حياة مرة ثانية، لكنه لم يعد الشخص نفسه الذي غادره في تلك الليلة العاصفة وذلك اليوم الموعود الذي كاد أن ينهي حياته في غمضة عين. ​الحادث ترك ندوباً واضحة وجلية على جسده؛ فما زال يستند إلى عصا يتكأ عليها أثناء سيره، تعينه على تعثر قدمه اليسرى التي نالت النصيب الأكبر من الكسور. وعلى جبهته، استقرت ندبة طويلة ممتدة تحكي بدقة تفاصيل ارتطام رأسه بزجاج السيارة في ليلة المطر. لكن الندوب الأعمق والأكثر تأثيراً لم تكن تلك الظاهرة للعيان، بل كانت الندوب التي حُفرت في روحه، والتي تبدلت تماماً بطريقة أذهلت كل من يعرفه. ​جلس مصطفى في شرفة منزله المطلة على حديقة صغيرة، يتأمل غروب الشمس وغرق في التفكير وفي ذلك اليوم المشؤوم، كان يحمل بين يديه كوباً من الشاي الدافئ، يتصاعد منه البخار ليلامس وجهه، ونفحات الهواء

  • أوتار الحنين الأول    الحلقة الواحد والثلاثين

    الفصل الواحد والثلاثون:بعد مرور عدة سنوات كبرت الصغيرة نور وتزوجت من مصطفى، وهو رجل ناجح في حياته المهنية لكنه يعيش غصة قلبت حياته وحياته الزوجية رأساً على عقب. بعد سنوات من الزواج والفحوصات الطبية المستمرة، يتلقى مصطفى الصدمة الكبرى: هو رجل عقيم ولا أمل طبي في إنجابه. هذا الخبر يحوّل حياته إلى سلسلة من الإحباطات، وتبدأ الفجوة تتسع بينه وبين زوجته، وتتحول الأجواء في بيتهما إلى صمت قاتل يشوبه شعور بالذنب والعجز.​ساد الصمت الغرفة مجدداً، لكنه لم يكن صمتاً عادياً؛ بل كان أشبه بهدوء كئيب يعقب انفجاراً مدمراً. كانت دموع نور تتساقط في صمتٍ جريح، وهي تنظر إلى الرجل الذي شاركته أجمل سنوات عمرها، الرجل الذي تحول بسبب وجعه الدفين إلى غربةٍ متجسدة، تنفر من كل يدٍ تُمد لترميم انكساره.​أشاح مصطفى بوجهه عنها، خجلاً من تفجره القاسي، وعاجزاً عن الاعتذار. كان صدره يعلو ويهبط بأنسجةٍ مجهدة، ونبضات قلبه تتسارع كطبلٍ يقرع بالخطر. لم يستطع البقاء في هذه الغرفة ثانية واحدة أخرى؛ فنظرات نور لم تكن تتضمن غضباً، بل حزناً خالصاً، وكان حزنها تحديداً هو النصل الذي يقطع نياط قلبه.​التقط مفاتيح سيارته وسترته ا

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status