Share

الحلقة السابعة

last update Petsa ng paglalathala: 2026-07-05 06:55:56

الفصل السابع:

​لم يكن ترتيب اللقاء بالأمر الهين على "سارة"؛ فالمسؤولية كانت ثقيلة، والظروف المحيطة بـ "ريهام" أشبه بحقل ألغام اجتماعي. كانت ريهام تقبع في بيت أهلها تحت حصار من نظرات العطف الممزوجة باللوم، وتحت رقابة غير مشروطة من والدها الذي بات يرى في خروجها العابر مصدراً للقلق والقيل والقال. غير أن سارة، بحنكتها وصداقتها المتينة التي لم تقطعها عواصف السنوات، عرفت من أين تؤكل الكتف.

​اتصلت سارة بريهام في صباح يوم ثلاثاء هادئ، وادعت بنبرة طبيعية للغاية أنها تمر بأزمة نفسية وتحتاج إلى رؤية صديقتها المقربة في مكان هادئ بعيداً عن صخب البيوت. ترددت ريهام في البداية، وتعللت بظروفها الشائكة، لكن إلحاح سارة الصادق جعلها توافق في النهاية. تم الاتفاق على اللقاء في المكتبة العامة القديمة الواقعة في أطراف المدينة، وهو مكان هادئ، تحفه الأشجار العتيقة، ولا يرتاده سوى الباحثين عن الهدوء؛ مكان يشبه تماماً الأجواء التي نمت فيها قصتهما القديمة.

​في غرفتها، وقفت ريهام أمام المرآة تنظر إلى هندامها. اختارت ثوباً بسيطاً بلون الكحلي الوقور، ولفّت حجابها بنعومة. كانت ملامحها شاحبة، لكن بداخلها كان هناك فضول غامض يتحرك، فضول لم تكن تعلم سببه، وكأن روحها كانت تستشعر اقتراب زلزال عاطفي سيعيد ترتيب شظاياها المتناثرة.

​وصل إسلام إلى المكان قبل الموعد بساعة كاملة. كان يرتدي قميصاً أسوداً يبرز عرض منكبيه وقوامه الفارع، وساعة يدوية فاخرة تعكس مكانته الجديدة، لكن كل هذه المظاهر لم تفلح في إخفاء التوتر الذي يعصف بأعماقه. كان يسير جيئة وذهاباً في الممر الخارجي للمكتبة، يراقب بوابة الدخول وعيناه السوداوان تتفحصان كل قادم.

​خمس سنوات وهو يتخيل هذه اللحظة في غربته الباردة، خمس سنوات وهو يصيغ الكلمات ويحذفها، والآن، عندما باتت اللحظة قاب قوسين أو أدنى، شعر بالخوف.. خوف صبي الصف الرابع الابتدائي الذي يخشى أن ينكسر قلمه الرصاص فلا يجد من يبريه له.

​عند تمام الساعة الرابعة عصراً، لمحت عيناه قواماً مألوفاً يقترب من البوابة. كانت مشيتها هي ذاتها؛ تلك الخطوات الهادئة، المتحفظة، التي تحمل وقاراً فطرياً لم تنل منه السنون. انقبض قلبه بشدة، وتوقفت الكلمات في حلقه. تراجعت سارة، التي كانت تقف على مقربة منه، بخطوات بطيئة إلى الخلف، تاركةً المسرح للشخصين اللذين تلاعب بهما القدر لسنوات طويلة.

​دلفت ريهام إلى الباحة الداخلية، ونظرت حولها تبحث عن سارة، لكن عينيها التقتا فجأة بجسد شاب طويل يقف شامخاً كالنخل، وعيناه تحرسانها بصمت عميق.. صمت تعرفه جيداً، صمت لم تنسَ نبرته يوماً.

​تسمرت ريهام في مكانها، وشعرت بأن دماءها قد تجمدت في عروقها. اتسعت عيناها بذهول، وسقطت حقيبتها الصغيرة من يدها لتستقر على الأرض العشبية دون أن تشعر بها. نظرت إلى وجهه؛ الملامح أصبحت أكثر حدة ورجولة، ولحيته الخفيفة أضفت عليه وقاراً لم تعهده، لكن العينين.. العينين السوداوين اللتين لطالما التقت بهما في ممرات المدارس وقاعات الدروس كانت هي ذاتها، لم تتغير، بل ازدادت عمقاً وشوقاً.

​تمتمت بشفتين مرتعشتين ونبرة تكاد لا تُسمع:

— "إسلام؟!"

​تقدم إسلام نحوها بخطوات بطيئة، واثقة، وعكس كل ما كان يدور في صدره من براكين متفجرة، انحنى بهدوء والتقط حقيبتها الساقطة، ومد يده بها إليها، تماماً كما كان يفعل عندما كانت تسقط دفاترها في الممر الضيق بين المقاعد الخشبية في المدرسة الابتدائية.

​نظر في عينيها مباشرة، ولأول مرة في حياتهما، ولأول مرة منذ خمسة عشر عاماً من الحب الصامت، شق صوته جدار الصمت، وتحدث إليها شفاهة وبصوت جهوري رخيم حمل كل مرارة السنين:

— "حمد الله على السلامة يا ريهام.. أنا اتأخرت عليكي المرة دي، بس رجعت."

​انهمرت الدموع غزيرة وساخنة من عيني ريهام دون إرادة منها. غطت وجهها بكفيها المرتجفتين، وانفجرت ببكاء مكتوم يحمل وجع خمس سنوات من القهر والوحدة والظلم، بكاء امرأة عوقبت على ذنب لم تقترفه، واغتيلت طفولتها وحبها باسم المصلحة.

​جلس الاثنان على مقعد خشبي قديم تحفه أشجار اللبلاب. كانت المسافة بينهما تحمل كل احترام العالم، لكن الأرواح كانت متعانقة. مسحت ريهام دموعها وحاولت استجماع شتات نفسها، بينما كان إسلام ينظر إليها بنظرة حانية، نظرة لم تحمل عتاباً، بل حملت رغبة عارمة في احتواء هذا الانكسار.

​قال إسلام بنبرة دافئة:

— "متعيطيش يا ريهام.. دموعك دي كانت بتنزل في قلبي نار وأنا في الغربة. أنا عرفت كل حاجة.. عرفت اللي حصل معاكي وعرفت إني ظلمتك لما افتكرت إنك نسيتيني وعشتي حياتك."

​نظرت إليه ريهام وعيناها حمراوان من أثر البكاء، وقالت بصوت متهدج:

— "أنا منسيتكش يا إسلام.. عمري ما نسيتك. يوم ما مشيت وسبت الورقة في الجامعة، كنت بتموت فيا رغبة إني أخدها، بس خوف التربية والأهل كان أقوى مني. ويوم ما اتجوزت، اتجوزت عشان أرضي أبويا وأمي، عشان قالوا لي دي مصلحتك.. ومكنتش أعرف إن المصلحة دي هتكون حبل المشنقة اللي هيخنق شبابي."

​تنهد إسلام تنهيدة طويلة كادت تحرق صدره، وأخرج من جيب معطفه دفتراً جلدياً صغيراً وأنيقاً.. إنه ذات الدفتر الذي رفضت استلامه يوماً، والذي احتفظت به سارة ثم أعادته إليه. وضعه برفق على المقعد بينهما وقال:

— "الدفتر ده لف معايا بلاد الدنيا، كنت كل ما أحس بالوحدة أفتح وأقرأ الكلام اللي كتبتهولك وأنا طالب.. كنت بقول لنفسي إن البنت العفيفة اللي صانت أهلها مش ممكن القدر يخذلها. أنا سافرت وعملت كل حاجة كان نفسي أعملها عشان أكون جاهز ليكي.. ملكت الفلوس والشقة والعربية والمركز، بس كنت حاسس إني أفقر راجل في الدنيا لإنك مش معايا."

​ساد الصمت لبرهة، صمت مختلف هذه المرة، صمت يضج بالأمل والترقب. نظرت ريهام إلى الدفتر الجلدي، ثم رفعت رأسها لتنظر إلى إسلام، وشعرت بخوف جديد يتسلل إلى قلبها؛ خوف نابع من واقعها الحالي كمرأة مطلقة في مجتمع ينظر إليها بعين النقص.

​قالت بنبرة حزينة ومترددة:

— "إسلام.. إحنا مبقيناش زي زمان. أنا دلوقتي مش ريهام طالبة الجامعة اللي بضفيرة.. أنا دلوقتي واحدة مرت بتجربة زواج فاشلة، مطلقة، والناس بتتكلم عني.

إنت دلوقتي شاب ناجح ومستقبلك قدامك، وأي بنت تتمنى نظرة منك.. ليه عايز تربط نفسك بماضي مكسور؟"

​انتفض إسلام من مكانه، ووقف أمامها وعيناه تشعان بإصرار حديدي وجمر متقد من الحب الذي لم يمت:

— "ماضي مكسور؟ إنتي مش ماضي يا ريهام، إنتي الحاضر والمستقبل.. إنتي الست الوحيدة اللي تمنيتها تكون أم لعيادي. الطلاق مش عيب، والتجربة اللي مريتي بيها دي كانت اختبار لينا إحنا الاثنين.. القدر وجعنا عشان نعرف قيمة بعض."

​تابع إسلام بخطوات أقرب، ونبرة صوته تزداد قوة:

— "أنا مش هسكت تاني، ومش هسمح للصمت يضيعك مني مرة تانية. أنا رجعت مصر عشانك، ومستعد أقف قدام الدنيا كلها، قدام أهلك وأهلي وكلام الناس، عشان تكوني ليا. أنا هتقدم ليكي من الباب الشرعي، والمرة دي معنديش حجة.. أنا راجل جاهز ومستقر، وأبوكي مش هيلاقي سبب واحد يرفضني بيه."

​نظرت ريهام إليه، ولأول مرة منذ خمس سنوات، شعرت بأن الأكسجين يدخل رئتيها بحرية. رأت في عينيه ذلك الدرع غير المرئي الذي كان يحميها في المقاعد الخلفية للفصل، رأت فيه الزوج، والأب، والحبيب، والصديق الذي طال انتظاره. لم تكن بحاجة إلى التفكير؛ فقلبها الذي صام لسنوات قد وجد أخيراً إفطاره.

​مدت يدها ببطء شديد، وتحت أنظار إسلام التي تملؤها اللهفة، التقطت الدفتر الجلدي الصغير وضامته إلى صدرها بقوة، وكأنها تضُم سنوات عمرها الضائعة وتعلن موافقتها المطلقة والنهائية.

​ابتسم إسلام ابتسامة دافئة، ابتسامة غسلت كل أوجاع الغربة ومرارة الانكسار. نظر إلى ساعة يده وقال بنبرة مليئة بالوعد:

— "دلوقتي لازم ترجعي البيت عشان متأخريش وأهلك يقلقوا.. وأنا من بكرة هبدأ أرتب كل حاجة. سارة هتكون همزة الوصل بينا لحد ما أدخل بيتك مرفوع الراس."

​وقفت ريهام، ونكست رأسها بحياء عاد ليزين ملامحها من جديد، ثم التفتت وغادرت المكان بخطوات خفيفة، كأنها تطير فوق الأرض. أما إسلام، فقد وقف ينظر في أثرها، مطمئناً هذه المرة أنها لن تضيع، وأن خطواتها تتجه نحو بيت سيكون هو صاحبه قريباً. انطوت صفحة الصمت المؤلم، وبدأت خيوط عهد جديد تُنسج بحبر اليقين، ليعلن القدر أن الحب الأول قد ينتصر في النهاية إذا ما تسلح بالصبر والإصرار.

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • أوتار الحنين الأول    الخلقة السادس والثلاثين

    الفصل السادس والثلاثين: ​مرت ثلاث سنوات على قدوم الصغير "عمر"، ثلاث سنوات لم تكن مجرد أيام تضاف إلى التقويم، بل كانت رحلة دافئة مليئة بالحياة، والضحكات، والخطوات الصغيرة التي ملأت جدران البيت حركة ونشاطاً. تحول ذلك البيت الذي كان يوماً يرزح تحت وطأة الصمت الثقيل وطرقات الساعة الكئيبة، إلى بستان يضج بالحيوية. لم تعد الشقة الواسعة تفوح منها رائحة الوجع القديم، بل أصبحت تعبق برائحة طفولية زكية، وألعاب مبعثرة في كل زاوية، ورسومات بريئة بألوان شمعية تزين أسفل جدران غرف المعيشة. ​استعاد مصطفى نضارته الكاملة، وصار ينظر إلى الحياة بعيني أبهة وشغف غير محدودين. كان يعود من عمله مسرعاً، يترك مشاغل الشركة والمسؤوليات المادية عند العتبة الخارجية، ليركض نحو طفله الذي يستقبله بصرخات الفرح والركض على قدميه الصغيرتين. أما "نور"، فقد أزهرت أنوثتها وأمومتها بشكل أذهل الجميع؛ غادرتها تلك الهالة الشاحبة التي كانت تغلفها لسنوات، وأصبحت تنبض بالرضا، ترقب طفلها وزوجها بابتسامة حانية تسترجع معها في كل لحظة فضل الله ولطفه الممتد. ​كان الصغير عمر طفلاً ذكياً، نبيهاً، يتطلع إلى العالم بعينين واسعتين تشبهان عي

  • أوتار الحنين الأول    الحلقة الخامسة والثلاثون

    الفصل الخامس والثلاثين: ​مرت الأسابيع والأشهر التالية كأنها نهر هادئ يتدفق بالنور والسكينة بعد سنوات طويلة من الجفاف والظلام. تغير كل شيء في ذلك المنزل الذي كان يوماً مسرحاً للصمت المطبق ولطرقات الساعة الجدارية الكئيبة. لم تعد عقارب الساعة المعلقة في الردهة تطرق قائلة: (تك.. تك.. تك) بنبرة جنائزية تحسب الوقت المنقضي من العمر؛ بل أصبحت دقاتها تتناغم مع دقات قلب جديد يتخلق في أحشاء "نور"، قلبٍ يبشر بالفجر والولادة والإشراق.​شهد البيت تحولات جذرية على كافة الأصعدة. اختفت نظرات الحزن المكتوم التي كانت ترتسم في عيني نور لسنوات، وحل محلها بريق دافئ ينبض بالحيوية والأمل. أما مصطفى، فقد استعاد عافيته الجسدية والنفسية بشكل أذهل الأطباء؛ تزاحمت في روحه مشاعر الامتنان والتواضع أمام قدرة الله ولطفه. لم يعد يستند إلى عصاه إلا في أوقات النزهات الطويلة، وحتى تلك الندبة الممتدة على جبهته لم تعد تذكره بالحادث الرتيب أو الأليم، بل أصبحت وساماً مرئياً يشهد على اللحظة التي خُلق فيها من جديد.​استعاد مصطفى شغفه بنشاطه وحياته الزوجية مع نور، وصار يحرص على قضاء أغلب أوقاته بجوارها. يرافقها في كل تفاصيل ا

  • أوتار الحنين الأول    الحلقة الرابعة والثلاثون

    الفصل الرابع والثلاثين:​لم يجد مصطفى أمامه سوى وجهة واحدة ليحسم هذا العذاب الشديد الذي يكاد يودي بعقله؛ مستشفى الأمل الجامعي. توجه مباشرة إلى هناك، يقطع الإشارات ويتجاوز السيارات، وعيناه معلقتان بالطريق دون أن يراه حقاً. دلف إلى المستشفى وهرع نحو مكتب البروفيسور "عادل"، الرجل، الطبيب، والمنقذ الذي انتشله من براثن الموت المحقق بعد ذلك الحادث المروع الذي تعرض له قبل أشهر.​دخل مصطفى المكتب دون استئذان، ضارباً بكل قواعد اللياقة عرض الحائط. كان شاحباً كالجثة، والتعرق البارد يكسو وجهه وجبينه، وأنفاسه تتلاحق كأنه كان يركض لعدة أميال. تقدم نحو مكتب الطبيب بخطوات هشة، ووضع ورقة تحليل الحمل الخاصة بـ نور بعنف، وفوقها كومة من تقاريره الطبية القديمة والحديثة التي تثبت عقمه التام، وقال بصوت يرتجف ويتقطع من فرط الألم والاضطراب:​— "أرجوك يا دكتور... فسر لي هذا وإلا سأفقد عقلي تماماً! زوجتي نور حامل.. وأنا كما تعلم، وكما تثبت هذه الأوراق، رجل ميت بيولوجياً من الناحية الإنجابية! أخبرني بالحقيقة، هل هناك خطأ في التحاليل؟ أم أنني أعيش في كابوس؟"​نظر البروفيسور أحمد إلى الأوراق المبعثرة أمامه، ثم رفع

  • أوتار الحنين الأول    الحلقة الثالثة والثلاثون

    الفصل الثالث والثلاثين:​في صباح اليوم التالي، توجه الزوجان إلى أحد المختبرات الطبية الشهيرة والقريبة من منزلهما. استقبلتهما طبيبة المختبر بوجه بشوش، وبعد الاستماع لشكوى "نور" من الدوار المستمر والغثيان الصباحي، طلبت إجراء فحص دم شامل بالإضافة إلى بعض الفحوصات الحيوية الأخرى لمعرفة العلة الأساسية.​جلس مصطفى ونور في قاعة الانتظار. كانت الأجواء هادئة، وسادت حالة من الصمت المريح والدافئ بينهما؛ فقد تخطيا أخيراً كل مراحل التوتر والمشاحنات القديمة التي كانت تسمم حياتهما قبل الحادث. كان مصطفى يمسك يد نور ويداعب أصابعها ليطمئنها، بينما كانت هي تسند رأسها على كتفه، وتشعر لأول مرة منذ سنوات بالأمان الحقيقي في حضنه.​مرت ساعة كاملة وكأنها دهر، حتى فتح الباب الداخلي للمختبر. خرجت طبيبة المختبر، لكن ملامح وجهها كانت قد تبدلت تماماً؛ لم تعد تحمل تلك الابتسامة الروتينية، بل كانت تحمل ورقة التحليل المطبوعة بيديها اللتين كانت ترتجفان بشكل طفيف. كانت عيناها تتنقلان بريبة وذهول واضحين بين سطور الورقة وبين الزوجين الجالسين، بنظرة تعجب لا يمكن لأي عين أن تخطئها أو تتجاهلها.​وقفت الطبيبة أمامهما، ونادت

  • أوتار الحنين الأول    الحلقة الثانية والثلاثون

    الفصل الثاني والثلاثون ​عند مرور ثلاثة أشهر كاملة على ذلك الحادث المشؤوم الذي غير مجرى كل شيء. ثلاثة أشهر تحولت فيها ممرات المستشفى الباردة، برائحة المعقمات النفاذة وصوت أجهزة مراقبة النبض الرتيبة، إلى مجرد ذكرى بعيدة يحاول الجميع تناسيها. عاد "مصطفى" إلى بيته مرة أخرى، ولكن بعد أن كتب الله له حياة مرة ثانية، لكنه لم يعد الشخص نفسه الذي غادره في تلك الليلة العاصفة وذلك اليوم الموعود الذي كاد أن ينهي حياته في غمضة عين. ​الحادث ترك ندوباً واضحة وجلية على جسده؛ فما زال يستند إلى عصا يتكأ عليها أثناء سيره، تعينه على تعثر قدمه اليسرى التي نالت النصيب الأكبر من الكسور. وعلى جبهته، استقرت ندبة طويلة ممتدة تحكي بدقة تفاصيل ارتطام رأسه بزجاج السيارة في ليلة المطر. لكن الندوب الأعمق والأكثر تأثيراً لم تكن تلك الظاهرة للعيان، بل كانت الندوب التي حُفرت في روحه، والتي تبدلت تماماً بطريقة أذهلت كل من يعرفه. ​جلس مصطفى في شرفة منزله المطلة على حديقة صغيرة، يتأمل غروب الشمس وغرق في التفكير وفي ذلك اليوم المشؤوم، كان يحمل بين يديه كوباً من الشاي الدافئ، يتصاعد منه البخار ليلامس وجهه، ونفحات الهواء

  • أوتار الحنين الأول    الحلقة الواحد والثلاثين

    الفصل الواحد والثلاثون:بعد مرور عدة سنوات كبرت الصغيرة نور وتزوجت من مصطفى، وهو رجل ناجح في حياته المهنية لكنه يعيش غصة قلبت حياته وحياته الزوجية رأساً على عقب. بعد سنوات من الزواج والفحوصات الطبية المستمرة، يتلقى مصطفى الصدمة الكبرى: هو رجل عقيم ولا أمل طبي في إنجابه. هذا الخبر يحوّل حياته إلى سلسلة من الإحباطات، وتبدأ الفجوة تتسع بينه وبين زوجته، وتتحول الأجواء في بيتهما إلى صمت قاتل يشوبه شعور بالذنب والعجز.​ساد الصمت الغرفة مجدداً، لكنه لم يكن صمتاً عادياً؛ بل كان أشبه بهدوء كئيب يعقب انفجاراً مدمراً. كانت دموع نور تتساقط في صمتٍ جريح، وهي تنظر إلى الرجل الذي شاركته أجمل سنوات عمرها، الرجل الذي تحول بسبب وجعه الدفين إلى غربةٍ متجسدة، تنفر من كل يدٍ تُمد لترميم انكساره.​أشاح مصطفى بوجهه عنها، خجلاً من تفجره القاسي، وعاجزاً عن الاعتذار. كان صدره يعلو ويهبط بأنسجةٍ مجهدة، ونبضات قلبه تتسارع كطبلٍ يقرع بالخطر. لم يستطع البقاء في هذه الغرفة ثانية واحدة أخرى؛ فنظرات نور لم تكن تتضمن غضباً، بل حزناً خالصاً، وكان حزنها تحديداً هو النصل الذي يقطع نياط قلبه.​التقط مفاتيح سيارته وسترته ا

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status