ログインالفصل السابع:
لم يكن ترتيب اللقاء بالأمر الهين على "سارة"؛ فالمسؤولية كانت ثقيلة، والظروف المحيطة بـ "ريهام" أشبه بحقل ألغام اجتماعي. كانت ريهام تقبع في بيت أهلها تحت حصار من نظرات العطف الممزوجة باللوم، وتحت رقابة غير مشروطة من والدها الذي بات يرى في خروجها العابر مصدراً للقلق والقيل والقال. غير أن سارة، بحنكتها وصداقتها المتينة التي لم تقطعها عواصف السنوات، عرفت من أين تؤكل الكتف. اتصلت سارة بريهام في صباح يوم ثلاثاء هادئ، وادعت بنبرة طبيعية للغاية أنها تمر بأزمة نفسية وتحتاج إلى رؤية صديقتها المقربة في مكان هادئ بعيداً عن صخب البيوت. ترددت ريهام في البداية، وتعللت بظروفها الشائكة، لكن إلحاح سارة الصادق جعلها توافق في النهاية. تم الاتفاق على اللقاء في المكتبة العامة القديمة الواقعة في أطراف المدينة، وهو مكان هادئ، تحفه الأشجار العتيقة، ولا يرتاده سوى الباحثين عن الهدوء؛ مكان يشبه تماماً الأجواء التي نمت فيها قصتهما القديمة. في غرفتها، وقفت ريهام أمام المرآة تنظر إلى هندامها. اختارت ثوباً بسيطاً بلون الكحلي الوقور، ولفّت حجابها بنعومة. كانت ملامحها شاحبة، لكن بداخلها كان هناك فضول غامض يتحرك، فضول لم تكن تعلم سببه، وكأن روحها كانت تستشعر اقتراب زلزال عاطفي سيعيد ترتيب شظاياها المتناثرة. وصل إسلام إلى المكان قبل الموعد بساعة كاملة. كان يرتدي قميصاً أسوداً يبرز عرض منكبيه وقوامه الفارع، وساعة يدوية فاخرة تعكس مكانته الجديدة، لكن كل هذه المظاهر لم تفلح في إخفاء التوتر الذي يعصف بأعماقه. كان يسير جيئة وذهاباً في الممر الخارجي للمكتبة، يراقب بوابة الدخول وعيناه السوداوان تتفحصان كل قادم. خمس سنوات وهو يتخيل هذه اللحظة في غربته الباردة، خمس سنوات وهو يصيغ الكلمات ويحذفها، والآن، عندما باتت اللحظة قاب قوسين أو أدنى، شعر بالخوف.. خوف صبي الصف الرابع الابتدائي الذي يخشى أن ينكسر قلمه الرصاص فلا يجد من يبريه له. عند تمام الساعة الرابعة عصراً، لمحت عيناه قواماً مألوفاً يقترب من البوابة. كانت مشيتها هي ذاتها؛ تلك الخطوات الهادئة، المتحفظة، التي تحمل وقاراً فطرياً لم تنل منه السنون. انقبض قلبه بشدة، وتوقفت الكلمات في حلقه. تراجعت سارة، التي كانت تقف على مقربة منه، بخطوات بطيئة إلى الخلف، تاركةً المسرح للشخصين اللذين تلاعب بهما القدر لسنوات طويلة. دلفت ريهام إلى الباحة الداخلية، ونظرت حولها تبحث عن سارة، لكن عينيها التقتا فجأة بجسد شاب طويل يقف شامخاً كالنخل، وعيناه تحرسانها بصمت عميق.. صمت تعرفه جيداً، صمت لم تنسَ نبرته يوماً. تسمرت ريهام في مكانها، وشعرت بأن دماءها قد تجمدت في عروقها. اتسعت عيناها بذهول، وسقطت حقيبتها الصغيرة من يدها لتستقر على الأرض العشبية دون أن تشعر بها. نظرت إلى وجهه؛ الملامح أصبحت أكثر حدة ورجولة، ولحيته الخفيفة أضفت عليه وقاراً لم تعهده، لكن العينين.. العينين السوداوين اللتين لطالما التقت بهما في ممرات المدارس وقاعات الدروس كانت هي ذاتها، لم تتغير، بل ازدادت عمقاً وشوقاً. تمتمت بشفتين مرتعشتين ونبرة تكاد لا تُسمع: — "إسلام؟!" تقدم إسلام نحوها بخطوات بطيئة، واثقة، وعكس كل ما كان يدور في صدره من براكين متفجرة، انحنى بهدوء والتقط حقيبتها الساقطة، ومد يده بها إليها، تماماً كما كان يفعل عندما كانت تسقط دفاترها في الممر الضيق بين المقاعد الخشبية في المدرسة الابتدائية. نظر في عينيها مباشرة، ولأول مرة في حياتهما، ولأول مرة منذ خمسة عشر عاماً من الحب الصامت، شق صوته جدار الصمت، وتحدث إليها شفاهة وبصوت جهوري رخيم حمل كل مرارة السنين: — "حمد الله على السلامة يا ريهام.. أنا اتأخرت عليكي المرة دي، بس رجعت." انهمرت الدموع غزيرة وساخنة من عيني ريهام دون إرادة منها. غطت وجهها بكفيها المرتجفتين، وانفجرت ببكاء مكتوم يحمل وجع خمس سنوات من القهر والوحدة والظلم، بكاء امرأة عوقبت على ذنب لم تقترفه، واغتيلت طفولتها وحبها باسم المصلحة. جلس الاثنان على مقعد خشبي قديم تحفه أشجار اللبلاب. كانت المسافة بينهما تحمل كل احترام العالم، لكن الأرواح كانت متعانقة. مسحت ريهام دموعها وحاولت استجماع شتات نفسها، بينما كان إسلام ينظر إليها بنظرة حانية، نظرة لم تحمل عتاباً، بل حملت رغبة عارمة في احتواء هذا الانكسار. قال إسلام بنبرة دافئة: — "متعيطيش يا ريهام.. دموعك دي كانت بتنزل في قلبي نار وأنا في الغربة. أنا عرفت كل حاجة.. عرفت اللي حصل معاكي وعرفت إني ظلمتك لما افتكرت إنك نسيتيني وعشتي حياتك." نظرت إليه ريهام وعيناها حمراوان من أثر البكاء، وقالت بصوت متهدج: — "أنا منسيتكش يا إسلام.. عمري ما نسيتك. يوم ما مشيت وسبت الورقة في الجامعة، كنت بتموت فيا رغبة إني أخدها، بس خوف التربية والأهل كان أقوى مني. ويوم ما اتجوزت، اتجوزت عشان أرضي أبويا وأمي، عشان قالوا لي دي مصلحتك.. ومكنتش أعرف إن المصلحة دي هتكون حبل المشنقة اللي هيخنق شبابي." تنهد إسلام تنهيدة طويلة كادت تحرق صدره، وأخرج من جيب معطفه دفتراً جلدياً صغيراً وأنيقاً.. إنه ذات الدفتر الذي رفضت استلامه يوماً، والذي احتفظت به سارة ثم أعادته إليه. وضعه برفق على المقعد بينهما وقال: — "الدفتر ده لف معايا بلاد الدنيا، كنت كل ما أحس بالوحدة أفتح وأقرأ الكلام اللي كتبتهولك وأنا طالب.. كنت بقول لنفسي إن البنت العفيفة اللي صانت أهلها مش ممكن القدر يخذلها. أنا سافرت وعملت كل حاجة كان نفسي أعملها عشان أكون جاهز ليكي.. ملكت الفلوس والشقة والعربية والمركز، بس كنت حاسس إني أفقر راجل في الدنيا لإنك مش معايا." ساد الصمت لبرهة، صمت مختلف هذه المرة، صمت يضج بالأمل والترقب. نظرت ريهام إلى الدفتر الجلدي، ثم رفعت رأسها لتنظر إلى إسلام، وشعرت بخوف جديد يتسلل إلى قلبها؛ خوف نابع من واقعها الحالي كمرأة مطلقة في مجتمع ينظر إليها بعين النقص. قالت بنبرة حزينة ومترددة: — "إسلام.. إحنا مبقيناش زي زمان. أنا دلوقتي مش ريهام طالبة الجامعة اللي بضفيرة.. أنا دلوقتي واحدة مرت بتجربة زواج فاشلة، مطلقة، والناس بتتكلم عني. إنت دلوقتي شاب ناجح ومستقبلك قدامك، وأي بنت تتمنى نظرة منك.. ليه عايز تربط نفسك بماضي مكسور؟" انتفض إسلام من مكانه، ووقف أمامها وعيناه تشعان بإصرار حديدي وجمر متقد من الحب الذي لم يمت: — "ماضي مكسور؟ إنتي مش ماضي يا ريهام، إنتي الحاضر والمستقبل.. إنتي الست الوحيدة اللي تمنيتها تكون أم لعيادي. الطلاق مش عيب، والتجربة اللي مريتي بيها دي كانت اختبار لينا إحنا الاثنين.. القدر وجعنا عشان نعرف قيمة بعض." تابع إسلام بخطوات أقرب، ونبرة صوته تزداد قوة: — "أنا مش هسكت تاني، ومش هسمح للصمت يضيعك مني مرة تانية. أنا رجعت مصر عشانك، ومستعد أقف قدام الدنيا كلها، قدام أهلك وأهلي وكلام الناس، عشان تكوني ليا. أنا هتقدم ليكي من الباب الشرعي، والمرة دي معنديش حجة.. أنا راجل جاهز ومستقر، وأبوكي مش هيلاقي سبب واحد يرفضني بيه." نظرت ريهام إليه، ولأول مرة منذ خمس سنوات، شعرت بأن الأكسجين يدخل رئتيها بحرية. رأت في عينيه ذلك الدرع غير المرئي الذي كان يحميها في المقاعد الخلفية للفصل، رأت فيه الزوج، والأب، والحبيب، والصديق الذي طال انتظاره. لم تكن بحاجة إلى التفكير؛ فقلبها الذي صام لسنوات قد وجد أخيراً إفطاره. مدت يدها ببطء شديد، وتحت أنظار إسلام التي تملؤها اللهفة، التقطت الدفتر الجلدي الصغير وضامته إلى صدرها بقوة، وكأنها تضُم سنوات عمرها الضائعة وتعلن موافقتها المطلقة والنهائية. ابتسم إسلام ابتسامة دافئة، ابتسامة غسلت كل أوجاع الغربة ومرارة الانكسار. نظر إلى ساعة يده وقال بنبرة مليئة بالوعد: — "دلوقتي لازم ترجعي البيت عشان متأخريش وأهلك يقلقوا.. وأنا من بكرة هبدأ أرتب كل حاجة. سارة هتكون همزة الوصل بينا لحد ما أدخل بيتك مرفوع الراس." وقفت ريهام، ونكست رأسها بحياء عاد ليزين ملامحها من جديد، ثم التفتت وغادرت المكان بخطوات خفيفة، كأنها تطير فوق الأرض. أما إسلام، فقد وقف ينظر في أثرها، مطمئناً هذه المرة أنها لن تضيع، وأن خطواتها تتجه نحو بيت سيكون هو صاحبه قريباً. انطوت صفحة الصمت المؤلم، وبدأت خيوط عهد جديد تُنسج بحبر اليقين، ليعلن القدر أن الحب الأول قد ينتصر في النهاية إذا ما تسلح بالصبر والإصرار.الفصل الثلاثون :مرت السنوات على القاهرة هادئةً وادعة، كأنها تمسح بأيديها الدافئة كل آثار الرعب والدم والأوراق المشبوهة التي خاضت "ريهام" وزوجها "إسلام" أتونها لسنوات طويلة. لم تكن الشقة المطلة على النيل مجرد سكنٍ فاخر، بل أصبحت محراباً مهيباً تشع منه الطمأنينة، وتتسامى فيه ذكرى انتصار الشرف والأصول على كل أشكال الغدر والابتزاز.كبر الصغيران "أحمد" و"نور" تحت عينين لا تنامان؛ عيني إسلام اللتين حفظتا البيت بالصلابة والعدل، وعيني ريهام اللتين ملأتا أركانه بالحنان والتقوى. أتم أحمد دراسته في علوم الحاسوب والأمن السيبراني، مقتفياً أثر والده في حماية ثغرات الوطن والمؤسسات، بينما تخرجت نور في كلية الإعلام، لتصبح الصوت الناطق لمؤسسة أمها الخيرية، تنشر الأمل وتدافع عن كرامة النساء والفقراء.أما عائلة ريهام —الأم "الحاجة فاطمة"، والأخ "طارق"، والأخت "سارة"— فقد التأم شملهم بالكامل، وطُهرت جذورهم من أشباح الماضي، ليعيشوا في سلامٍ مطلقٍ بعد أن أغلقت النيابة العامة والقضاء كافة الملفات القديمة بحكامٍ باتة لا رجعة فيها.في صباح يومٍ مشرق من أيام الخريف، تلقى إسلام إشعاراً رسمياً من مجلس الوزرا
الفصل التاسع والعشرون: كانت القاهرة تغرق في ليلة صيفية شديدة الحرارة، ليلة خنق فيها الضباب الرطب أنفاس المدينة، وجعل مجرى النيل يبدو كشريط زئبقي أسود يسري بين أضواء البنايات الفارهة.في شقة "إسلام" و**"ريهام"**، كان الهدوء يبدو كاملاً ومكتظاً بالإيحاء بالسلام. نام الصغيران "أحمد" و"نور" في غرفتهما، وعادت "سارة" —شقيقة إسلام— إلى بيتها بعد أن أُسقطت عنها كافة الشبهات وحُميت كرامتها بأيدٍ من فولاذ.جلست ريهام في الصالة، تنظر إلى "الدفتر الجلدي الصغير" القابع على الطاولة، وفي يدها كوب شاي ساخن ينبعث منه البخار ببطء. كان إسلام يجلس أمام حاسوبه الشخصي في المكتب، يتابع الإجراءات النهائية لتأمين شبكات مؤسسة ريهام الخيرية وشركته الاستثمارية.قالت ريهام وهي تنظر إليه عبر الباب المفتوح:— "إسلام.. تفتكر خلاص؟ مفيش أسماء تانية؟ مفيش أوراق منسية في أي خزنة قديمة؟ أنا كل ما أسمع صوت الريح في الشباك بحس إن الشباك بيكلمني عن خطر جديد."التفت إليها إسلام، وبدت في عينيه ملامح الإرهاق المحفور بسنوات من المراقبة والتأهب، لكنه ابتسم بثقة هادئة وقال:— "ريهام.. الشبكة الدولية اتقبض على أطرافها في سو
الفصل الثامن والعشرون: لم تكن سماء القاهرة قد استعادت حُمرتها الطبيعية بعد ليلة السرداب بالشرقية، حين توقفت سيارة "إسلام" و**"ريهام"** أمام البناية المطلة على النيل. كانت ملامح ريهام تبدو كسطح بحيرة بعد عاصفة عاتية: هادئة، ناصعة، لكنها محفورة بالجهد والتعب.كانت تظن —كما ظن إسلام— أن سقوط "شريف الموصلي" وانكشاف الحقيقة الكاملة لأوراق الحاج أحمد قد أقفل آخر أبواب الجحيم، وأن "الدفتر الجلدي الصغير" لن يحتاج إلى قطرة حبر واحدة أخرى.لكنّ البيوت التي خاضت معارك الشرف والدم لا تتركها الأقدار ترتاح بسهولة؛ فالشر الذي متد جذوره لسنوات في شبكات المال الأسود لا يتلاشى بمجرد قطع أذرعه الظاهرة، بل يفتش دائماً عن أكثر الثغرات دفئاً وقرباً ليحرق الحصن من الداخل.في ظهر اليوم التالي، وبينما كان إسلام يراجع بعض ملفات إعادة الهيكلة لشركته، دخلت الشقة شقيقته الصغرى "سارة" —شقيقة إسلام، الفتاة الشابة ذات الثمانية وعشرين عاماً، التي عاشت لسنوات في إنجلترا لندب دراستها في الهندسة المعمارية، وعادت مؤخراً لتستقر في مصر.كانت سارة تبدو مختلفة؛ عيناها المتوترتان تطوفان بأرجاء الصالة، ويدها تضغط بعصبية
الفصل السابع والعشرون: كانت القاهرة في منتصف الليل تتنفس برفق تحت غطاءٍ ثقيل من الضباب الساحلي الذي زحف من الشمال، ليغلف مجرى النيل برداءٍ فضيٍّ غامض. في الشقة الفاخرة، كانت الأنوار خافتة، وصوت حفيف الأشجار في الشارع هو الوحيد الذي يكسر صمت المكان.جلست "ريهام" في الصالة، تنظر إلى "الدفتر الجلدي الصغير" المستقر على الطاولة الخشبية. برغم أن أختها "سارة" وأخاها "طارق" ووالدتها "الحاجة فاطمة" عادوا إلى حياتهم الآمنة بعد تطهير ملف "عمر العقاد"، وبرغم أن المحاكم أغلقت كل القضايا، إلا أن نغمة غريبة في أذنها كانت تمنعها من إغلاق عينيها.كان "إسلام" يتفقد أقفال الأبواب وشاشات المراقبة التلفزيونية في الممر، وهو يرتدي معطفه المنزلي. ملامحه الفولاذية التي اعتادت الصمود بدت عليها مسحة خفيفة من الترقب. جلس إلى جوارها، وربت على يدها الحنونة قائلاً بصوته الرخيم:— "لسه صاحية يا ريهام؟ كل حاجة انتهت خلاص، والبيت آمن والأولاد نايمين زي الملائكة. العيلة اجمعت، والماضي اندفن بالكامل تحت جزم القانون."أومأت ريهام برأسها، لكن عينها ظلت معلقة على نافذة الشرفة:— "مش عارفة يا إسلام.. بحس إن النيل لما ب
الفصل السادس والعشرين: لم يكن الدفتر الجلدي قد أُغلق كما ظنت "ريهام" و"إسلام"؛ بل كان هناك سطرٌ غائبٌ كتبته الأقدار في طياتِ الماضي البعيد، سطرٌ لا يكتمل إلا بعودة الوجوه التي ظن الجميع أنها ابتعدت عن مسرح الأحداث.في صباحِ يومٍ دافئ، ساد الهدوء شقة النيل؛ كان الصغيران "أحمد" و"نور" يلعبان في الصالة، بينما كان إسلام يتابع أعماله عبر الحاسوب، وريهام تعد القهوة في المطبخ وهي تسترجع في خاطرها أوهام السلام الأبدي. لكنّ هدوء البيت تحطم فجأة على صوت جرس الباب الذي دق بنبراتٍ متسارعة، حادة، تشي بحدثٍ طارئ لا يحتمل التأجيل.فتح إسلام الباب، ل يتفاجأ بوجود "الأم" (والدة ريهام - الحاجة فاطمة) تقف على العتبة، وجهها يفيض بالاصفرار والتعب، وبجوارها شقيق ريهام الأكبر "طارق" وشقيقتها الصغرى "سارة". كانت الوجوه شاحبة، والأعين تلمع بخرق العادة، وكأنهم يفرون من خطرٍ يطارد خطواهم في أزقة القاهرة.ركضت ريهام من المطبخ، وسقط الفنجان من يدها ليتحطم على الأرض فور رؤيتها لوالدتها التي ارتمت في أحضانها وهي تنتحب بصوت مكتوم:— "ريهام! يا بنتي الحقينيا.. الماضي مسبناش يا ريهام، السر اللي خبيته عنك وعن أباك
الفصل الخامس والعشرون: لم تكن ليلة هادئة تلك التي تلت القبض على "شريف" واجتثاث شفرته الميتة. ساد الشقة المطلة على النيل صمتٌ ثقيلٌ ومريب، كأن الهواء نفسه تشبع بشحناتٍ كهرومغناطيسية تتنبأ بعاصفة غير مسبوقة.كان "إسلام" يقف في شرفته، يراقب انعكاس أضواء الشارع على مياه النيل الداكنة. برغم أن الساعات الماضية شهدت سقوط كافة البيادق —من مصطفى وشريف إلى الثعلب زكريا خلف البحار— إلا أن حسه العسكري والأمني القديم كان يرسل إلى عقله ذبذبات حادة تحذره من أمرٍ غافل عنه الجميع. كانت هناك قطعة مفقودة في هذه الأحجية؛ سؤالٌ ملحّ لم يجد له إجابة: من الذي موّل عملية هروب شريف من المستشفى بتلك الاحترافية العالية التي تتجاوز قدرات زكريا المحاصر في سويسرا؟في داخل الغرفة، كانت "ريهام" تتفقد طفليها "أحمد" و"نور" اللذين ناما في سلام. كانت تشعر بدفء الأمان ينساب في أوصالها، لكنها عندما نظرت إلى ظهر إسلام المشتد في الشرفة، أدركت أن الفارس لم يضع سيفه بعد، وأن المعركة الأخيرة ربما لم تُكتب أسطرها بعد.في تمام الساعة الواحدة صباحاً، اهتز هاتف إسلام الشخصي —الذي لا يعلم رقمه السرّي سوى ثلاثة أشخاص في العال







