Mag-log inلونا يشرق الفجر على سماء رمادية، لون الرماد، الحداد، نهاية العالم. لم أنم. عيناي تحترقان، جفوني ثقيلة، لكنني لا أستطيع إغلاقهما. كلما حاولت أن أغفو، تعيدني صورة توما — وجهه المدمّر، عيناه الحمراوان — إلى السطح. بقي أليكس معي، صامتاً، حاضراً، جالساً في الكرسي المقابل للأريكة، يداه متشابكتان على ركبتيه، نظره ثابت. أعدّ قهوة لم نشربها، تبرد الأكواب على الطاولة، تتشكل طبقة على سطح السائل الأسود. نظر من النافذة مئات المرات، كأن نظره يمكنه إجبار توما على الظهور. تنهد آلاف المرات، تنهدات عميقة تبدو قادمة من أعماق روحه. ثم، نحو السابعة، يُفتح الباب. صوت المقبض الذي يدور، صرير المفصلات، نفَس الهواء البارد الذي يدخل معه. ننهض معاً، كرجل واحد، أعيننا مثبتة على إطار الباب. يظهر توما على العتبة. إنه لا يُعرف. شاحب، هائج، عيناه حمراوان ومنتفختان، ملابسه مجعدة كأنه نام في سيارة، على مقعد، في أي مكان. لحية خفيفة من ثلاثة أيام تأكل وجنتيه. ملامحه مشدودة، وجنتاه ناتئتان، كأنه شاخ عشر سنوات في ليل
لونا تبقى رسالة توما بلا ردّ. أنظر إليها طويلاً، والكلمات محفورة على الشاشة كحكم، كندبة لن تلتئم أبداً: "يجب أن نتحدث. متى شئتِ." أصابعه كتبت هذه الحروف وهو يبكي، وهو يرتجف، وهو ينهار عالمه. أعرف ذلك دون أن أعرفه، بهذا الحدس الحشوي الذي يسبق الكوارث، بذلك الصوت الصغير في أعماقي الذي يهمس لي أن لا شيء سيكون كما كان بعد الآن. أحاول الاتصال به. يرنّ الهاتف، مرة، مرتين، ثلاثاً. كل رنّة سكين يغوص أكثر في صدري. ثم البريد الصوتي. صوته المسجّل، صوت ما قبل، الذي كان يقول "لا أستطيع الرد، اتركوا رسالة"، ذلك الصوت الذي أحببته كثيراً، الذي كان يقول لي "أحبك" كل مساء قبل النوم. لا أترك رسالة. لا أعرف ماذا أقول. كيف أقول "أحبك" بينما رأى للتو بين ذراعي آخر، بينما يعرف، بينما انتهى كل شيء؟ الكلمات صغيرة جداً، باهتة جداً، تافهة جداً أمام محيط الألم الذي سببته. أحاول الاتصال مجدداً. خمس عشرة مرة. عشرين مرة. إبهامي يضغط على الشاشة بجنون شبه مرضي، كأن قوة إرادتي يمكنها أن تجعله يردّ، كأن رغبتي يمكنها أن تعبر المسافة وتعيده إليّ. كل رنّة جرح جديد،
لونا بعد أيام قليلة، خطرت لتوما فكرة. أراه جالسًا أمام حاسوبه، وأصابعه تتنقّل على لوحة المفاتيح بكثافة جديدة، مشروع لا يشاركني إياه، يخفيه خلف ظهره حين أمرّ قربه. لقد وضع كلمة مرور على جلسته، وهو ما لم يفعله قط حتى الآن. ثمة فيه عزيمة باردة، تكاد تكون جراحية، عزيمة رجل قرّر المضيّ في شكوكه حتى النهاية، مهما كانت العواقب. لقد ثبّت تطبيقًا على هاتفي — دون علمي، أكتشف ذلك لاحقًا — تطبيقًا يتيح تتبّع تنقّلاتي، ومواعيدي، والأماكن التي أرتادها. إنه خفيّ، يكاد يكون غير مرئي، مختبئًا في الإعدادات. لم أكن لأنتبه إليه لولا أنني رأيت بطارية هاتفي تفرغ بسرعة غير معتادة، ولولا أنني لاحظت ذلك التدفق المستمر للبيانات الذي لا يتوافق مع أي من تطبيقاتي المعتادة. وأظنه أيضًا قد أخفى مسجّلًا في الصالون — في أصيص زهرة الأوركيد، ذلك الأصيص الخزفي الأزرق الموضوع على المكتبة — وربما في غرفة النوم. يستمع إلى محادثاتنا، يحلّل صمتنا، يبحث عن تناقضات في أقوالنا. لم يعد يكلّمني كما في السابق. ينصب لي الفخاخ
لونافي الأيام التالية، تصبح الحياة في المنزل حقل ألغام. كل خطوة محنة، وكل صمت اتّهام، وكل نظرة جانبية إعلان حرب مكتومة. حتى الهواء يبدو وقد تكاثف، مشحونًا بتوتر ملموس يجعل التنفّس صعبًا.توما يراقب كل شيء. صارت هذه مهنته الرئيسية، مهمّته، سبب وجوده. لا يقول شيئًا، لا يتّهم بعد، لكن عينيه في كل مكان، تتعقّبان أدنى حركة، أدنى شذوذ. يراقبني وأنا أعدّ القهوة — كيف أمسك الفنجان، كم من الوقت أتأمّل السائل وهو ينسكب، وهل تنجرف نظرتي نحو النافذة المطلة على الجناح الغربي. يراقبني وأنا أخرج القمامة — هل أتوانى قرب البوابة، هل ألقي نظرة خاطفة نحو باب أليكس، هل تتباطأ خطواتي عند ملامسة الحدود بين أرضينا.يراقبني وأنا أردّ على الهاتف — مكالمة مهنية عادية، حديث مع أمي، رسالة صوتية من كلارا، المتدرّبة الجديدة. لكنه يستمع. يُصغي. يبحث عن اسم، عن نبرة، عن تغنيجة قد تخون سرًّا.يترصّد إيماءاتي، وصمتي، وتنقّلاتي. بل أظنه قد دوّن الوقت الذي أقضيه في الحمّام — خمس عشرة دقيقة بالضبط، مقابل اثنتي عشرة من قبل — والساعة التي أخلد فيها إلى النوم — الحادية عشرة و
لونافي اليوم التالي للأمسية الثانية، يختفي توما.أستيقظ في سرير فارغ، والملاءات المجعّدة ما تزال مشبعة بدفئه، لكنه لم يعد هنا. ضوء الصباح رماديّ، رصاصيّ، وكأن السماء نفسها قد امتصّت قلق الليل. تجويف جسده على الوسادة، وأثر رأسه العميق، ورائحة شامبوه، ذلك العطر من الحمضيات والخشب الذي يستخدمه منذ سنوات، والذي استنشقته آلاف المرات على جلده، كل ذلك يشكّل غائبًا حاضرًا إلى حدّ الإيلام.في الحمّام، فرشاة أسنانه غائبة عن الكوب. المنشفة باردة. أدوات العناية التي يستخدمها كل صباح — جل الاستحمام برائحة السرخس، مزيل العرق، كريم الحلاقة — قد اختفت من الرف. لقد أخذ وقتَه في إعداد حقيبته. في الاختيار. في القرار.على طاولة المطبخ، ورقة موضوعة على صحن نظيف، بجانب فنجان قهوة باردة لم يشربها."سأذهب لرؤية أليكس. عند عودتي، سأكون قد حصلت على أجوبة."ثلاث جمل. لا "أحبك". لا "لا تقلقي". مجرد وعد بارد، وتحذير صامت. ناقوس خطر يقرع في فراغ الغرفة، مرتدًّا عن الجدران البيضاء، عن خزف الكوب، عن معدن الملعقة الموضوعة بإهمال على الحافة.ي
تلك الليلة، في السرير، لا يلمسني. يبقى على جانبه، متجهاً نحو الجدار. — توماس؟ — أفكر. — في ماذا؟ — فيك، في أليكس، فيكما. — نحن لا شيء، توماس. — أتمنى أن أصدقك. في اليوم التالي، ينهض باكراً. أسمعه يفتش في الحمام، يفتح الأدراج، ينقل القوارير. أنهض بدوري، ألحق به. — ماذا تفعل؟ — أبحث عن فرشاة أسناني. — إنها هناك. — أعرف. يحمل بين يديه القلادة، تلك التي خلعتها للنوم. — أليكس لديه مفتاح؟ يسأل. — لا أعرف. — أهداك هذه القلادة، لا بد أن لديه المفتاح. — ربما. يضع القلادة على حافة المغسلة، كتحدٍّ. — اطلبيها منه. — أطلب ماذا؟ — المفتاح. — لماذا؟ — أريد فتحها. رؤية ما في الجانب الآخر. — لا يوجد شيء. إنها مجرد حلي. — إذن لماذا قفل؟
أنا شابة في الحادية والثلاثين من عمري، اسمي نينا. أعمل محاسبة في إحدى الشركات الكبرى، حياتي منظمة، أوراقي مرتبة، مواعيدي دقيقة. لكن هناك شيء واحد في حياتي يخرج عن كل ترتيب: طبيبي النسائي.إنه وسيم بشكل لا يُحتمل. في اليوم الأول الذي دخلت فيه إلى عيادته، شعرت وكأن الأرض انزلقت من تحت قدمي. لم أعد أس
ساندروأمشي في الشارع للعودة إلى منزلي. كل خطوة ثقيلة كالرصاص. حياتي كلها مقلوبة رأسًا على عقب: أخي، صديقي الوحيد. لا بد أنه خائب الأمل فيّ جدًا، شعرت بالاحتقار في عينيه.ألوم نفسي كثيرًا، بقسوة، لأنني استسلمت لسحر هذه المرأة اللعينة. ومع ذلك فأنا لست طفلاً. لماذا لم أستطع مقاومة سحرها؟ لماذا في كل
لويزأنا محاصرة.ليس بأجسادهما.بل بنفسي.بهذه الفوضى المحرقة التي تسكنني، بهذا التناقض الذي يلتهمني.يجب أن أرحل. أن أحرر نفسي من قبضتهما، من هذا الجذب المدمر الذي يسحبني إليهما مع كل نبضة قلب.لكنني لا أتحرك.أبقى هنا. بينهما.يحدق نوا بي، نظراته نار محرقة تلعق بشرتي دون حتى أن يلمسني. أدريان خلف
دجيناكان النهار قد تحول إلى مساء، وكنت أقف أمام مرآة غرفتي، أتأمل انعكاسي. الأضواء الخافتة، الهواء المشحون بعطر غسولي المفضل، كانا يتناقضان مع الأفكار المضطربة التي كانت تجتاز ذهني. كان لدي انطباع بأن كل قرار أتخذه كان يبعدني أكثر قليلاً عن الأمان الذي كنت أعرفه.رومان، كان قد دعاني مؤخراً إلى الع







