تسجيل الدخولالفصل التاسع: عندما دقت الساعة
رنّ صوت الساعة في أرجاء القاعة كالرعد. دقة واحدة فقط. لكنها كانت كافية لتجعل المكان كله يرتجف. شعرت بقشعريرة عنيفة تسري في جسدي وأنا أنظر حولي. كانت الجدران الحجرية القديمة تهتز بخفة، بينما بدأت آلاف الساعات المعلقة في الممرات البعيدة تصدر أصواتًا غريبة. تك... تك... تك... كأن شيئًا كان يستيقظ ببطء بعد نوم طويل. رفعت بصري نحو آدم. لأول مرة منذ عرفته، رأيته خائفًا. ليس قلقًا. ليس حزينًا. بل خائفًا حقًا. أما كاسر، فقد اختفت ابتسامته الساخرة. وبدا وكأنه لم يكن يتوقع حدوث هذا أيضًا. همست بصوت مرتجف: "ماذا حدث؟" لم يجب أحد. ثم دوى صوت آخر. دقة ثانية. هذه المرة أقوى. وأعلى. وأقرب. فجأة انطفأت الأضواء الزرقاء التي كانت تملأ القاعة. ثم اشتعلت من جديد. لكنها لم تعد زرقاء. تحولت إلى لون أبيض باهت يشبه ضوء القمر. وفي اللحظة نفسها... بدأ الجليد الذي يغطي الشجرة العملاقة بالذوبان. قطرة. ثم قطرة أخرى. ثم عشرات القطرات. شعرت بأنفاسي تتسارع. كان كل شيء يتغير. وكأن القصر نفسه لم يعد كما كان قبل دقائق. اقترب آدم مني بسرعة. "علينا الخروج." نظرت إليه بدهشة. "الآن؟" "حالًا." كانت نبرته حادة. لكن قبل أن أتحرك، انبعث صوت غريب من أعماق القاعة. صوت امرأة. هادئ. حزين. ومألوف بصورة مرعبة. "آدم..." تجمد جسده بالكامل. أما أنا فشعرت بأن قلبي توقف. لأنني عرفت ذلك الصوت. رغم أنني لم أسمعه من قبل. أو هكذا كنت أعتقد. تكرر الصوت. "آدم..." استدار الجميع نحو الشجرة. وكانت الصدمة أكبر مما تخيلنا. داخل الجليد الذائب بدأت تظهر هيئة فتاة. لم تكن شبحًا. ولم تكن صورة. بل شخصًا حقيقيًا. فتاة ترتدي فستانًا أبيض طويلًا. وشعرها الأسود ينسدل على كتفيها. شعرت بالهواء يختفي من حولي. لأنها كانت تشبهني. ليس قليلًا. بل بشكل كامل. كأنني أنظر إلى انعكاسي في مرآة. شهقت دون وعي. أما آدم فقد بدا وكأنه نسي كيف يتنفس. تحركت الفتاة ببطء. ثم فتحت عينيها. عينان مليئتان بالحزن. عينان تحملان مئة عام من الانتظار. همست: "لقد طال الوقت..." شعرت برأسي يدور. بدأت الذكريات تتدفق مجددًا. لكنها لم تكن واضحة. مجرد شظايا. ضحكات. وردة بيضاء. ثلوج. يد تمسك يدي. وعد. ثم دموع. الكثير من الدموع. وضعت يدي على رأسي. الألم كان لا يُحتمل. ركض آدم نحوي. لكني لم أره بوضوح. كل شيء أصبح ضبابيًا. ثم ظهر مشهد جديد. كنت أقف في حديقة القصر. لكنها لم تكن مهجورة كما هي الآن. كانت مليئة بالزهور. ومغطاة بأضواء جميلة. وكان آدم يبتسم. تلك الابتسامة التي لا أراها منه أبدًا. كان ينظر إلي. أو إلى الفتاة التي تشبهني. وقال بصوت دافئ: "لن أسمح لشيء أن يؤذيك." ثم اختفت الرؤية. وظهرت أخرى. عاصفة ثلجية. صراخ. دماء على الثلج الأبيض. وآدم يصرخ باسم شخص ما. شعرت بدموعي تنزل دون أن أفهم السبب. فتحت عيني بصعوبة. وكانت الفتاة الغامضة تنظر إلي مباشرة. ابتسمت ابتسامة حزينة. ثم قالت: "لقد بدأتِ تتذكرين." ارتجف جسدي. "من أنتِ؟" ساد الصمت للحظة. ثم أجابت: "أنا الذكرى التي رفض القصر أن تموت." تجمدت في مكاني. أما كاسر فبدا منزعجًا لأول مرة. اقترب خطوة. "هذا مستحيل." التفتت إليه الفتاة. وفي عينيها ظهر غضب لم أتوقعه. "أنت آخر شخص يحق له الحديث عن المستحيل." ساد التوتر في المكان. وشعرت أن هناك أسرارًا أكبر بكثير مما أعرفه. أسرارًا تعود إلى الليلة التي بدأت فيها اللعنة. الليلة التي دمرت كل شيء. فجأة تحركت الفتاة نحوي. خطوة. ثم أخرى. حتى وقفت أمامي مباشرة. رفعت يدها ببطء. ولمست جبيني. وفي اللحظة نفسها... انفجرت الذكريات داخل رأسي. هذه المرة لم تكن شظايا. بل مشهد كامل. واضح. مرعب. رأيت نفسي. أو شخصًا يشبهني. كانت تركض داخل القصر. تبكي. وخلفها كان كاسر. ثم رأيت آدم مصابًا. ملقى على الأرض. والدم يغطي ثيابه. سمعت صرخة. ثم رأيت الفتاة تقف أمامه لتحميه. وفي اللحظة التالية... اخترقها شيء أسود يشبه الظل. شهقت بقوة. وسقطت على ركبتي. الدموع تنهمر من عيني دون إرادة. كانت المشاعر حقيقية. الخوف. الألم. الحب. كلها بدت وكأنها تخصني أنا. رفعت رأسي نحو آدم. وكان ينظر إلي بصدمة. وكأنه أدرك ما رأيته. ثم همست دون أن أشعر: "لقد ماتت لتحميك..." أغلق عينيه. وانزلقت دمعة وحيدة على خده. أول دمعة أراها منه. لكن قبل أن يتحدث... دوى انفجار هائل داخل القصر. اهتزت الأرض بقوة. وسقطت عشرات الساعات من الجدران. ثم جاء صوت مرعب من أعماق المكان. صوت لم يكن بشريًا. صوت جعل الرعب يسيطر على الجميع. حتى الفتاة الغامضة شحب وجهها. همست بخوف: "لا..." نظر آدم نحو سقف القاعة. ثم قال بصوت متوتر: "لقد استيقظ." شعرت بالبرد يتسلل إلى عظامي. "من استيقظ؟" لكن أحدًا لم يجب. لأن شيئًا ضخمًا كان يتحرك في أعماق القصر... شيئًا كانت اللعنة نفسها تخشاه.الفصل الثاني والأربعون: انقسام القلبكان الرقم 1 لا يزال معلقًا في السماء البيضاء.لكن شيئًا تغير.لم يعد يبعث ذلك الشعور المرعب الذي كان يرافق ظهور الأرقام سابقًا.بل أصبح أشبه بنبض جديد.بداية جديدة.وقفت ليان في منتصف المحكمة، بينما كانت الطاقة البيضاء تتدفق من الأرض إلى السماء على شكل أعمدة من الضوء.الجميع كان صامتًا.حتى الحَكَم نفسه.كأنه يحاول استيعاب ما حدث.ثم فجأة اهتز الفضاء كله.وتحول الرقم 1 إلى شق ضوئي طويل.تراجع يونس خطوة إلى الخلف.وقال بقلق:"هذا ليس طبيعيًا..."أما كاسر فكان يراقب المشهد بصمت.لكن ليان استطاعت رؤية التوتر في عينيه.اقترب المؤسس من الشق المضيء.ولأول مرة بدا عليه الخوف.همس:"لقد بدأ النظام بإعادة كتابة نفسه."التفتت إليه ليان بسرعة."ماذا يعني ذلك؟"رفع رأسه نحو السماء.وقال:"عندما يتم كسر قاعدة أساسية... فإن الزمن يحاول إصلاح نفسه.""وهل هذا سيئ؟"صمت لحظة.ثم أجاب:"لا أحد يعرف."وفجأة انفجر الشق الضوئي.وانطلقت منه آلاف الخيوط البيضاء.انتشرت في المحكمة كلها.وبدأت تبحث عن شيء.أو شخص.ثم توقفت جميعها أمام ليان.تجمد الجميع.شعرت ليان بقشعريرة
الفصل الحادي والأربعون: إعادة كتابة القلب كان الصمت في المحكمة البيضاء أثقل من أي صوت.حتى الساعات المعلقة في السماء بدت وكأنها توقفت عن الدوران للحظة، كأن الزمن نفسه ينتظر قرارًا لن يصدر إلا من شخص واحد.أنا.الوريثة.شعرت بثقل الاسم فوق صدري كأنه قيد غير مرئي، لا يُرى لكنه يُشعرني بكل نبضة في قلبي.إلى جانبي كان آدم يمسك يدي بقوة، وكأن يده هي الشيء الوحيد الذي يمنعني من السقوط في هذا الفراغ الهائل.لكنني كنت أشعر به أيضًا.ببطء...شيء فيه كان يتلاشى.ليس جسده.بل وجوده.كأن هذه المحكمة لا تكتفي بأجسادنا، بل تبدأ أولًا بذاكرتنا.همس آدم بصوت منخفض:"لا تنظري إليهم... ركزي عليّ فقط."نظرت إليه.كان يحاول أن يبتسم، لكن الابتسامة لم تكتمل.عيناه كانتا مليئتين بشيء لم أره فيه من قبل.الخوف.لكن ليس الخوف من الموت.بل الخوف من النسيان.وقبل أن أجيبه، دوّى صوت الحَكَم في كل اتجاه:"الوريثة."ارتجفت الأرض تحتنا وكأنها تتجاوب مع اسمه."القرار النهائي يجب أن يُتخذ."رفعت رأسي ببطء.كنت أشعر أن كل الأنظار عليّ.المؤسس.أول وريثة.آدم.كاسر.يونس.حتى الأرواح التي تحوم في الفراغ الأبيض.الجميع
الفصل الأربعون: الذكرى المحظورةتشقق السماء فوق المحكمة البيضاء.ببطء.وكأن الزمن نفسه يتمزق.ثم بدأت الصورة تظهر.في البداية كانت ضبابًا.ثم تحولت إلى مشهد واضح.مدينة قديمة.مبنية من حجر أبيض.وشمس غاربة بلون الدم.أما في منتصفها...فكان القصر.لكن ليس القصر الذي نعرفه الآن.كان مختلفًا.حيًا.مليئًا بالناس.بالحياة.بالحب.وقفت أنظر بصمت.ثم رأيته.المؤسس.لكن ليس كما نعرفه اليوم.كان شابًا.عيناه مليئتان بالنور.وضحكته حقيقية.كان يقف بجانبها.الفتاة الأولى.أول وريثة.كانت جميلة.هادئة.وفي عينيها سلام غريب.سلام لا يشبه هذا العالم.قال الحَكَم بصوت بارد:"هذه هي البداية."ثم استمر المشهد.رأيت كيف كان القصر يولد.ليس مبنى فقط.بل كيان.يحفظ الذكريات.ويجمع الأرواح.ويمنع النسيان.كان مشروعًا جميلًا في البداية.حلمًا.لكن شيئًا ما بدأ يتغير.بدأت الذكريات تتكاثر.أكثر من اللازم.أكثر مما يمكن احتواؤه.ثم بدأ الناس ينسون أنفسهم.ينسون حياتهم الحقيقية.ويبقون هنا.داخل القصر.إلى الأبد.شعرت بقشعريرة.قالت أول وريثة بصوت مرتجف:"لقد حذرتك."التفت إليها المؤسس في الذكرى.كان ينظر إل
الفصل التاسع والثلاثون: استيقاظ الحَكَمدووووم!ارتجت الساعة العملاقة مرة أخرى.وكان الصوت هذه المرة أقرب إلى نبضة قلب هائلة.نبضة جعلت الأرض تهتز تحت أقدامنا.أما الشق الأحمر الذي ظهر في منتصف الساعة فقد اتسع أكثر.وأكثر.حتى أصبح كالبوابة.بوابة تؤدي إلى مكان لا ينبغي أن يوجد.شعرت بالقصر كله يرتجف.لكن هذه المرة لم يكن خوفًا من المؤسس.ولا من الظلام.بل من شيء آخر.شيء أقدم.وأخطر.وأعظم من كل ما واجهناه حتى الآن.قالت أول وريثة بصوت منخفض:"لقد استيقظ."وقف الجميع في صمت.أما المؤسس...فكان ينظر إلى الساعة بوجه خالٍ من أي تعبير.لكنني شعرت بشيء داخله.توتر.خوف.وربما ندم.ولأول مرة منذ ظهوره...لم يبدو واثقًا.قلت بسرعة:"من هو الحَكَم؟"نظرت إلي أول وريثة.ثم أجابت:"ليس شخصًا."ساد الصمت.ثم أكملت:"إنه القانون."شعرت بالحيرة.أما هي فتابعت:"منذ آلاف السنين..."ونظرت إلى القلب."...وُجدت قوة الذكريات."ثم نظرت إلى المؤسس."ووُجد من يحرسها."ثم رفعت رأسها نحو الساعة."ووُجد من يحاسب من يعبث بها."ارتجف الهواء.أما الساعة...فانفجرت منها خيوط حمراء من الضوء.وامتلأت القاعة بأصوا
الفصل الثامن والثلاثون: الفتاة التي لا ينبغي أن توجدساد الصمت.صمت ثقيل.حتى أن دقات الساعة بدت وكأنها توقفت للحظة.كانت الفتاة تقف وسط النور الأبيض الخارج من الشقوق.شعرها الأسود الطويل ينساب خلفها.وعيناها...كانتا تشبهان عينيّ تمامًا.ليس شبهًا عاديًا.بل تطابقًا مرعبًا.كأنني أنظر إلى نسخة أخرى من نفسي.لكنها لم تكن أنا.شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.أما آدم فتقدم خطوة أمامي بشكل غريزي.وكأنه يحاول حمايتي.بينما ظل المؤسس يحدق بالفتاة دون أن يرمش.وكانت الصدمة واضحة على وجهه لأول مرة.قال بصوت منخفض:"لا..."ثم هز رأسه."هذا مستحيل."نظرت إليه الفتاة بهدوء.ثم قالت:"بل ممكن."كان صوتها غريبًا.هادئًا.لكنه يحمل قوة جعلت القاعة كلها ترتجف.أما الأرواح المعلقة في الهواء فقد بدأت تتحرك فجأة.كأنها تعرفها.كأنها كانت تنتظرها.قال يونس بذهول:"من هي؟"لكن أحدًا لم يجب.حتى أنا لم أكن أفهم.كنت فقط أشعر بشيء يجذبني نحوها.شيء عميق.شيء يشبه الرابطة.ثم رفعت الفتاة يدها ببطء.وفي اللحظة نفسها...توقفت همسات الأرواح.واختفى الخوف من القاعة.كأن وجودها وحده يكفي لفرض الصمت.نظرت إلى المؤسس
الفصل السابع والثلاثون: المؤسسساد الظلام.ظلام كامل.حتى أنني لم أعد أرى يدي أمام وجهي.لكن رغم ذلك...كنت أرى عيني المؤسس.تلك العينان الذهبيتان اللتان تلمعان وسط السواد.كأنهما نجمتان سقطتا في هاوية لا نهاية لها.شعرت بقشعريرة عنيفة.أما القصر كله فكان يرتجف.ليس بسبب الانهيار.بل بسبب الخوف.نعم.كنت أشعر بذلك بوضوح الآن.بعد أن أصبحت الوريثة.أستطيع سماع مشاعر القصر.وسماع همسات الذكريات داخله.والقصر كان خائفًا.خائفًا من الرجل الذي يقف أمامنا.وفجأة...عاد الضوء.لكن بصورة ضعيفة.كأن القصر يقاوم بصعوبة.ظهرت الوجوه من جديد.آدم.كاسر.يونس.ليان الأولى.الجميع كانوا ينظرون إلى المؤسس.أما هو فبقي هادئًا.هادئًا بصورة مرعبة.قال آدم ببرود:"من أنت؟"ابتسم المؤسس.ثم أجاب:"سؤال غريب."نظر إلى الباب العملاق خلفه.وأضاف:"أنا أول من سمع نبض هذا القلب."ثم وضع يده على صدره."وأول من حمل ذكرياته."تجمدت أنفاسي.إذن هو بالفعل أول وريث.أول حارس.أول من ارتبط بالقصر.لكن لماذا سُجن؟ولماذا يخافه الجميع؟كأن المؤسس قرأ أفكاري.فالتفت نحوي.وقال:"لأن التاريخ يكتبه الناجون."ساد الصمت.







