Mag-log inفي إحدى قرى صعيد مصر خلال ستينيات القرن الماضي، يعيش عبد الرحمن، الشاب الذي لم يتجاوز الثامنة والعشرين من عمره، حياة هادئة إلى جانب صديقيه المقربين: ضابط الشرطة والطبيب. وفي ليلة غامضة، يقودهم الفضول إلى عرّاف عجوز يسكن بعيدًا عن أعين الناس. كان اللقاء عابرًا في نظر عبد الرحمن... لكنه لم يكن كذلك في نظر القدر. ينظر العرّاف طويلًا في وجه الشاب، ثم يخبره بنبوءة مرعبة ستظل محفورة في ذاكرته سبعة وعشرين عامًا: سيأتي يوم يصبح فيه أبناؤه الثلاثة على موعد مع الموت، وسيكون يوم زواج كل واحد منهم هو اليوم الذي يكتب فيه القدر سطره الأخير. يضحك عبد الرحمن يومها، ويرفض تصديق الكلمات، ثم يرحل وينشغل بحياته، ويتزوج وينجب أبناءه، وتطوي السنوات تلك الليلة في أعماق ذاكرته. لكن السنوات لا تطفئ النبوءات... أحيانًا تجعلها تقترب. بعد مرور سبعة وعشرين عامًا، أصبح عبد الرحمن قاضيًا يبلغ من العمر خمسة وخمسين عامًا. يظن أن ما قاله العرّاف كان مجرد خرافة من خرافات الماضي، حتى يقترب موعد زواج ابنه الأكبر سليم. وقبل كتب الكتاب بساعات، تقع جريمة غامضة تقلب حياة العائلة بأكملها. يُعثر على سليم مقتولًا برصاصة، في المكان الذي كان من المفترض أن يشهد بداية حياته الزوجية. هنا يعود الماضي بكل ثقله. يدرك عبد الرحمن أن ما حدث ليس مجرد جريمة عادية، وأن كلمات العرّاف التي حاول دفنها طوال سبعة وعشرين عامًا بدأت تتحقق حرفيًا. لكن السؤال الأصعب يظهر أمامه: هل كان العرّاف يعرف المستقبل فعلًا؟ أم أن هناك شخصًا ما يصنع المستقبل بيده ويحوّل النبوءة إلى حقيقة؟ ومع اقتراب موعد زواج ابنه الثاني، يبدأ عبد الرحمن في مواجهة سباق مع الزمن، مستعينًا بصديقيه القديمين، بينما تكشف التحقيقات أسرارًا قديمة دُفنت منذ ليلة لقاء العرّاف. كلما اقترب موعد الزفاف، اقترب الموت. وكلما حاول عبد الرحمن تغيير ما كتبه القدر، اكتشف أن هناك من يعرف النبوءة مثله... وربما كان ينتظر هذه اللحظة منذ سبعة وعشرين عامًا.
view moreحين يكتب القدر كتابه
الفصل الأول: الرجل الذي ترك الريف خلفه كان عبد الرحمن يعرف أن الإنسان قد يترك المكان، لكنه لا يستطيع أن يترك ما تركه المكان داخله. ومنذ سنوات طويلة، كان يردد هذه الجملة لنفسه كلما وجد نفسه واقفًا أمام نافذة فيلته بالقاهرة، ينظر إلى المدينة الممتدة أمامه، ويتذكر القرية الصغيرة التي ولد فيها. لم يكن الانتقال من الريف إلى القاهرة قرارًا سهلًا. كان عبد الرحمن قد قضى جزءًا كبيرًا من حياته في الصعيد. هناك وُلد. وهناك نشأ. وهناك عرف معنى الأرض، والكرامة، والعائلة، والخصومة، والصداقة. وهناك أيضًا بدأ طريقه في العمل بالقضاء. لكن السنوات تغيرت. والرجل تغير معها. أصبح القاضي عبد الرحمن واحدًا من رجال القضاء المعروفين بالصرامة والنزاهة، واستطاع مع مرور الوقت أن يكوّن لنفسه مكانة اجتماعية ومادية محترمة. ثم جاء اليوم الذي قرر فيه أن ينتقل إلى القاهرة. لم يكن يريد أن يقطع علاقته بالقرية. على العكس. ظل يزورها باستمرار، وظل بيته القديم هناك قائمًا، وظلت أرضه كما هي، وكان أهل القرية ما زالوا ينادونه: "القاضي عبد الرحمن." لكن حياته اليومية أصبحت في القاهرة. اشترى فيلا واسعة في أحد الأحياء الهادئة، وأقام فيها مع زوجته وأبنائه. كانت الفيلا كبيرة بما يكفي لتستوعب الأسرة عندما تجتمع، وحديقتها واسعة، وفي وسطها شجرة ليمون قديمة زرعها عبد الرحمن بنفسه يوم انتقل إليها. كان يقول لزوجته: — أنا عايز حاجة تفكرني بالبلد. فتجيبه: — إنت مش محتاج شجرة عشان تفتكر البلد. وكان يعرف أنها على حق. في الخامسة والخمسين، كان عبد الرحمن قد وصل إلى المرحلة التي يبدأ فيها الإنسان بالنظر إلى حياته من بعيد. لم يعد يفكر فقط فيما سيحدث غدًا. بل فيما حدث بالأمس. وفيما تركه خلفه. وفيما سيتركه بعده. كان يستيقظ كل صباح قبل زوجته، ويجلس في غرفة المكتب الصغيرة في الطابق الأرضي. يضع أمامه فنجان القهوة. يفتح الصحيفة. ثم يقضي عدة دقائق بلا قراءة. فقط ينظر إلى الورق. كانت عادته القديمة. ولم تكن زوجته تسأله عنها. كانت تعرف أن عبد الرحمن عندما يصمت بهذه الطريقة يكون بعيدًا في مكان لا يستطيع أحد الوصول إليه. في ذلك الصباح، دخلت زوجته أمينة الغرفة. قالت: — صباح الخير. رفع رأسه. — صباح النور. نظرت إلى الساعة. — إنت صاحي من إمتى؟ — من بدري. — يعني ما نمتش كويس؟ — نمت. اقتربت من المكتب. — بتفكر في إيه؟ ابتسم. — في ولا حاجة. هزت رأسها. — عبد الرحمن، أنا عشت معاك أكتر مما عشت مع أهلي. ضحك. — يعني؟ — يعني لما تقول "ولا حاجة"، أعرف إن فيه حاجات كتير. رفع الفنجان. — القهوة بردت. — عشان إنت بتسيبها وتفكر. ثم أخذت الفنجان وخرجت. ابتسم عبد الرحمن. كانت أمينة واحدة من القلائل الذين يستطيعون قراءة صمته. وبعد سنوات طويلة من الزواج، أصبح وجودها إلى جواره شيئًا لا يحتاج إلى تفسير. كان عبد الرحمن أبًا لثلاثة أبناء. ثلاثة رجال. وكان لكل واحد منهم طريق مختلف تمامًا عن الآخر. الأكبر كان سليم. في بداية الثلاثينيات من عمره، درس القانون، ثم سار في الطريق نفسه الذي بدأه والده قبل سنوات طويلة. أصبح وكيل نيابة. وكان سليم أكثر أبناء عبد الرحمن شبهًا به. الهدوء. الصرامة. قلة الكلام. والقدرة على النظر إلى الناس دون أن يكشف بسهولة عما يفكر فيه. لكن سليم كان يحمل شيئًا لم يكن موجودًا في أبيه. كان أكثر اندفاعًا. وأكثر رغبة في إثبات نفسه. وكان عبد الرحمن يراقبه من بعيد، أحيانًا بإعجاب، وأحيانًا بقلق. لم يكن يريد لابنه أن يصبح نسخة منه. كان يريد أن يكون سليم نفسه. أما الابن الثاني، حسام، فقد اختار طريقًا مختلفًا. كان طبيبًا. هادئًا، بشوشًا، محبوبًا من المرضى. لم يكن يحب الحديث عن المال أو المكانة. وكان يرى أن الطبيب الحقيقي هو الذي يستطيع أن يجعل المريض يشعر أنه ليس وحده. وعندما كان عبد الرحمن يسأله: — ليه اخترت الطب؟ كان حسام يجيب دائمًا: — عشان أحب أشوف حد تعبان ويرجع يضحك. وكان عبد الرحمن يبتسم. ثم يقول: — ربنا يوفقك. أما الابن الثالث، الأصغر، فكان اسمه عمر. كان عمر مختلفًا عن أخويه. شابًا في أوائل العشرينيات، شديد الذكاء، عاشقًا للرياضيات والرسم والتصميم. ومنذ طفولته كان يفكك الألعاب ليعرف كيف تعمل، ثم يعيد تركيبها بطريقة مختلفة. قال له حسام مرة وهو صغير: — إنت هتبقى مهندس. ضحك عمر. — أنا؟ — أيوه. ومنذ ذلك اليوم، التصقت الكلمة به. وعندما كبر، التحق بكلية الهندسة، ثم حصل على فرصة للدراسة في الخارج. كان عبد الرحمن سعيدًا جدًا. لكنه لم يظهر سعادته بسهولة. في ليلة سفر عمر، وقف الاثنان في المطار. كان عمر يحمل حقيبته. قال: — هتوحشني يا بابا. أجابه عبد الرحمن: — شد حيلك. — دي كل حاجة؟ — عايزني أعيط يعني؟ ضحك عمر. — لا. ثم عانقه. وللحظة، نسي عبد الرحمن أنه قاضٍ. نسي صلابته. وضم ابنه بقوة. قال بصوت منخفض: — خلي بالك من نفسك. — حاضر. — ومتخليش الغربة تغيرك. — مش هتغيرني. — وافتكر إن البيت ده بيتك. نظر عمر إلى والده. — عارف. ثم ابتعد. ظل عبد الرحمن واقفًا يراقبه حتى اختفى بين المسافرين. عاد بعدها إلى البيت. كان المنزل كما هو. لكن شيئًا واحدًا تغير. غرفة عمر أصبحت فارغة. لم يكن عبد الرحمن رجلًا فقيرًا. على مدار سنوات عمله، استطاع أن يعيش حياة ميسورة ومحترمة. وكانت الفيلا التي يسكنها في القاهرة دليلًا واضحًا على ذلك. لكن المال بالنسبة له لم يكن هدفًا. كان يعتبره وسيلة لحماية أسرته. كان يقول: — الفلوس مش عيب، العيب إن الفلوس تملك صاحبها. ولهذا لم يكن أبناءه مدللين رغم أن الأسرة كانت تعيش في مستوى مريح. علمهم الاعتماد على أنفسهم. وعلمهم أن الاسم لا يحمي صاحبه من الخطأ. وكان أكثر ما يردده عليهم: — أنا ممكن أساعدكم في الحياة، لكن مش هقدر أعيشها مكانكم. وكان سليم يفهم ذلك. وحسام كذلك. أما عمر، فكان يقول: — حاضر يا بابا. ثم يفعل ما يريده. فيضحك عبد الرحمن. في ذلك الصباح، دخل سليم إلى الفيلا. كان يحمل ملفًا أسود تحت ذراعه. وجد والده في غرفة المكتب. قال: — صباح الخير يا أبي. رفع عبد الرحمن رأسه. — صباح النور. جلس سليم. — عندي شوية وقت قبل ما أروح النيابة. — قهوتك؟ — لو أمينة موجودة. جاء صوتها من الخارج: — موجودة. ابتسم سليم. — يبقى أنا في أمان. دخلت أمينة بالقهوة. وضعتها أمامه. ثم قالت: — حسام اتصل. سأل عبد الرحمن: — من المستشفى؟ — أيوه. قال سليم: — طيب هو كويس؟ — بيقول إنه هييجي العصر. هز عبد الرحمن رأسه. — خليه ييجي. قال سليم: — وعمر؟ أجاب عبد الرحمن: — اتصل امبارح. — عامل إيه؟ — تمام. ثم سكت لحظة. — وحشني. نظر سليم إلى أبيه. ابتسم. — هو كمان. قال عبد الرحمن: — الغربة وحشة. أجاب سليم: — بس هو مبسوط. — عارف. ثم أضاف: — المهم يرجع لنا بنفسه. لم يعلق سليم. كانت هناك لحظة قصيرة شعر فيها أن والده يتحدث عن أكثر من مجرد الغربة. لكن عبد الرحمن غير الموضوع. — أخبار الشغل؟ تنهد سليم. — زي ما هو. — يعني؟ — قضايا كتير. — وبتعرف تنام؟ ضحك سليم. — أحيانًا. ابتسم عبد الرحمن. كان يحب هذه اللحظات. وجود أولاده حوله. حتى لو كانت دقائق. كان يشعر معها أن كل ما تعب من أجله طوال حياته لم يذهب هباءً. في المساء جاء حسام. دخل الفيلا وهو يخلع معطفه الطبي. صاح: — يا جماعة! خرجت أمينة من الصالة. — حمد لله على السلامة. قبل رأسها. — الله يسلمك. ثم نظر حوله. — أبويا فين؟ جاء صوت عبد الرحمن من المكتب: — أبوك هنا. دخل حسام. ابتسم. — لسه صاحي؟ — وإنت لسه بتشتغل؟ — أنا دكتور. — وأنا قاضي. ضحك حسام. — يعني هنفضل نقولها لبعض لحد ما نموت؟ سكت عبد الرحمن للحظة. ثم قال: — ربنا يديك طول العمر. لم ينتبه أحد إلى أن الجملة مرت في الغرفة كأنها شيء عادي. جلس الثلاثة. سليم. حسام. عبد الرحمن. ثم انضمت إليهم أمينة. كان عمر بعيدًا عنهم. في بلد آخر. لكن صورته كانت موجودة في الغرفة. فوق أحد الرفوف. صورة التقطت له قبل سفره. كان يبتسم فيها ابتسامة واسعة. قال حسام: — عمر هييجي إمتى؟ — بعد كام شهر. — وحشني. قال سليم: — كلنا. ابتسم عبد الرحمن. ثم نظر إلى الصورة. وبقي صامتًا. في تلك الليلة، وبعد أن ذهب أبناؤه إلى غرفهم، خرج عبد الرحمن إلى الحديقة. كانت القاهرة هادئة نسبيًا. جلس على المقعد الخشبي تحت شجرة الليمون. أخرج سيجارة، لكنه لم يشعلها. ظل يقلبها بين أصابعه. لم يكن يدخن كثيرًا. لكن عندما يكون شاردًا، كان يفعل ذلك. رفع عينيه إلى السماء. فكر في أبنائه. سليم. حسام. عمر. ثلاثة رجال. كل واحد منهم أصبح له عالمه الخاص. ولأول مرة، شعر عبد الرحمن أن أبناءه لم يعودوا بحاجة إليه كما كانوا من قبل. كان ذلك طبيعيًا. بل كان شيئًا جيدًا. لكن الأب لا يفكر دائمًا بعقل المنطق. أحيانًا يريد أن يظل أولاده صغارًا. يريد أن يسمع خطواتهم في الممر. أن يرى ألعابهم في الصالة. أن يسمع أصواتهم وهم يتشاجرون. ثم يضحك عندما يتذكر كيف كان سليم يضرب حسام وهو صغير، وكيف كان عمر يختبئ خلف أمه حتى لا ينال نصيبه من الشجار. ابتسم. ثم قال لنفسه: — كبروا. كانت كلمة بسيطة. لكنها خرجت من قلب رجل أدرك فجأة أن الزمن مر أسرع مما توقع. في اليوم التالي، عاد عبد الرحمن إلى عمله. وفي نهاية اليوم، اتصل به صديقه القديم. الدكتور فؤاد. قال: — فاضي النهارده؟ أجاب عبد الرحمن: — ليه؟ — عايز أشوفك. — تعالى. — عندك ولا نخرج؟ فكر عبد الرحمن. — تعالى البيت. — حاضر. بعد ساعة وصل فؤاد. جلس بجوار عبد الرحمن في الحديقة. قال: — أخبار الأولاد؟ ابتسم عبد الرحمن. — سليم في النيابة. — وحسام؟ — الدكتور. — وعمر؟ — المهندس الصغير. ضحك فؤاد. — ما شاء الله. ثم صمت. كان فؤاد يعرف هذه الأسرة منذ سنوات. وكان يحب أبناء عبد الرحمن كما لو كانوا جزءًا من حياته. ربما لأن حياته لم يكن فيها أبناء. وربما لأن عبد الرحمن كان صديقه الوحيد الذي استطاع أن يجعل فؤاد يشعر أن العائلة ليست دائمًا مسألة دم. قال فؤاد: — أنا أوقات بغير منك. نظر إليه عبد الرحمن. — لسه؟ — لسه. — على إيه؟ — على البيت. ثم نظر إلى الداخل. — على الصوت. ابتسم عبد الرحمن. — تعالى عيش معانا. ضحك فؤاد. — أمينة هتطردني. — مستحيل. — وأنا هخاف من سليم. — سليم يخاف منك. — وحسام؟ — هيعالجك. — وعمر؟ — هيبني لك بيت. ضحكا معًا. كان الضحك صادقًا. خفيفًا. مثل ضحك رجلين يعرف كل منهما الآخر منذ زمن بعيد. لكن خلف ذلك الضحك كان هناك تاريخ طويل. تاريخ لم يتحدثا عنه منذ سنوات. تاريخ يعود إلى زمن كان فيه عبد الرحمن شابًا في الثامنة والعشرين. وكان فؤاد إلى جواره. في الريف. قبل أن تنتقل حياة عبد الرحمن إلى القاهرة. وقبل أن يصبح قاضيًا معروفًا. وقبل أن يصبح له بيت واسع وثلاثة أبناء. وقبل أن تحمل السنوات كل واحد منهما إلى طريق مختلف. لكن ذلك التاريخ بقي مغلقًا. لم يذكره فؤاد. ولم يذكره عبد الرحمن. ليس في تلك الليلة. فالحياة كانت تبدو هادئة. وكان كل شيء في مكانه. القاضي في بيته. زوجته إلى جواره. ثلاثة أبناء ناجحون. ابن أكبر في النيابة. وابن أوسط طبيب. وابن أصغر يدرس الهندسة في الخارج. وصديق قديم يجلس معه في الحديقة. كان يمكن للرجل أن ينظر إلى حياته ويقول إنه انتصر. لكن عبد الرحمن لم يكن يعرف أن بعض الانتصارات لا تكون إلا هدنة قصيرة. وأن الماضي الذي ظن أنه دفنه في الريف منذ سبعة وعشرين عامًا... لم يكن مدفونًا. كان ينتظر فقط. ينتظر اللحظة التي يعود فيها إلى القاهرة. وإلى بيت عبد الرحمن. وإلى أبنائه الثلاثة. وكانت تلك اللحظة... أقرب مما يتخيل أي منهم.الفصل 150 — حين اختار الأبناء قدرهمظل عبد الرحمن ينظر إلى الشاب الواقف أمامه.كان المطر قد توقف، لكن قلبه لم يهدأ.قال:— ابن حامد؟أومأ الشاب.— اسمي آدم.نظر عبد الرحمن إلى حامد.كان وجهه قد تغير تمامًا.قال عبد الرحمن:— كنت تعرف؟أجاب حامد بصوت منخفض:— نعم.— ولماذا أخفيته؟— لأنني كنت أحاول حمايته.ضحك عبد الرحمن بمرارة.— يبدو أن عائلتنا كلها كانت تحاول حماية أولادها بالكذب.قال آدم:— وأنا لم آتِ لأكذب عليك.أخرج المفتاح الذي يحمله.— جئت لأُنهي كل شيء.---اقترب محمود.— المفتاح ده بيفتح إيه؟قال آدم:— المكان الذي لم يصل إليه أحد من رجال المجلس.سأل يوسف:— وأين هو؟أجاب:— تحت بيت العائلة.تبادل الجميع النظرات.قال عبد الرحيم:— البيت القديم؟— نعم.قال عبد الرحمن:— لكننا فتشنا البيت.ابتسم آدم.— فتشتم البيت.ثم أضاف:— ولم تبحثوا تحته.---عادوا جميعًا إلى المنزل.قادهم آدم إلى الغرفة القديمة.وقف أمام صورة والد عبد الرحمن.ثم قال:— كان أبي يقول إن هذا الرجل لم يكن يريد أن يملك المجلس.قال عبد الرحمن:— ماذا كان يريد؟— أن ينهيه.— لماذا؟— لأن المجلس بدأ كفكرة لحماية
الفصل 149 — ما قبل النهايةكانت السماء تمطر بغزارة عندما توقفت السيارات أمام البيت القديم.نزل عبد الرحمن أولًا.وقف أمام الباب الخشبي الذي لم يفتحه منذ سنوات طويلة.كان البيت يبدو كما تركه والده؛ جدران باهتة، نوافذ مغلقة، وشجرة قديمة في الفناء تحركت أغصانها مع الريح.قال محمود:— متأكد إننا لازم ندخل؟أجاب عبد الرحمن:— طول عمري بهرب من المكان ده.ثم وضع يده على الباب.— المرة دي مش ههرب.فتح الباب.صدر صوت صرير طويل.دخل الجميع.---كان الغبار يغطي الأثاث.لكن شيئًا غريبًا لفت انتباه يوسف.— بصوا.أشار إلى الأرض.كانت هناك آثار أقدام حديثة.قال محمود:— حد سبقنا.رفع سلاحه.— الكل يبقى ورايا.تحركوا ببطء داخل البيت.وصلوا إلى غرفة أبي عبد الرحمن.كانت مغلقة.قال عبد الرحيم:— الباب ده ما كانش بيتفتح.سأله عبد الرحمن:— إزاي؟— أبوك كان يمنع أي حد يدخل.قال عبد الرحمن:— حتى أنا.أخرج المفتاح الذي وجده في السجل.وضعه في القفل.فتح الباب.---كانت الغرفة أصغر مما يتذكرها.مكتب خشبي.كرسي.خزانة.وصورة قديمة معلقة على الحائط.اقترب عبد الرحمن من الصورة.كان والده يقف أمام البيت.وبجوار
الفصل 148 — الحقيقة التي أخفاها الأبلم يتحرك أحد.ظل وجه حامد ظاهرًا على الشاشة المضيئة في آخر القاعة، بينما كانت الكلمات التي قالها قبل لحظات تدور في رأس عبد الرحمن:«اشتقت إليكم يا إخوتي.»إخوتي.لم تكن الكلمة موجهة إلى عبد الرحمن وحده.كانت موجهة إلى عبد الرحيم وسعيد أيضًا.اقترب عبد الرحمن من الشاشة، وعيناه لا تفارقان وجه حامد.— أنت... أخونا؟ابتسم حامد.— الآن فقط بدأت تفهم.قال سعيد بصدمة:— مستحيل.أما عبد الرحيم فكان أكثرهم اضطرابًا.تقدم خطوة.— أبي قال إننا ثلاثة.ضحك حامد.— أبوكم قال لكم ما أرادكم أن تعرفوه.قال عبد الرحمن:— لا تكذب.— ولماذا أكذب الآن؟ثم ظهرت على الشاشة صورة قديمة.صورة لثلاثة أطفال يقفون أمام بيت ريفي قديم.عبد الرحمن.سعيد.عبد الرحيم.لكن خلفهم، وعلى مسافة قليلة، كان يقف طفل رابع.طفل أصغر منهم بقليل.تجمد عبد الرحمن.اقترب من الشاشة.— الصورة دي...قال حامد:— تعرفها؟— كانت في بيت أبي.— نعم.— لكن الطفل ده...ابتسم حامد.— أنا.---جلس سعيد على المقعد الخشبي وكأن ساقيه لم تعودا تحملانه.— لا...هز رأسه.— لا يمكن.قال عبد الرحيم:— أبي قال إنك م
الفصل 147 — سقوط مجلس القدر خرج عبد الرحمن من المحكمة القديمة مع أول خيط من ضوء الفجر، لكنه لم يشعر أن الليل انتهى. كان يحمل الدفتر الأسود تحت ذراعه، بينما سار خلفه محمود ويوسف وسعيد وعبد الرحيم وأبناؤهم. لم يتحدث أحد. كانت الحقيقة أثقل من أن تُقال بسهولة. أربعون عامًا من الخوف، والشك، والرسائل، والاختفاءات، والنبوءة التي ظلت تطاردهم... بدأت الآن تتجمع في صورة واحدة. لكن عبد الرحمن كان يعرف شيئًا واحدًا: المعركة لم تنتهِ. وقف محمود بجواره وقال: — عبد الرحمن. — نعم؟ — إحنا لقينا السجل. — لقينا نسخة منه. نظر محمود إليه. — يعني إيه؟ أجاب عبد الرحيم: — السجل الذي أغلقناه ليس الأصل. التفت الجميع إليه. قال يوسف: — وأنت كنت تعرف؟ — نعم. غضب محمود. — وإنت ساكت ليه؟ أجاب عبد الرحيم بهدوء: — لأن الأصل أخطر من كل شيء وجدناه حتى الآن. سأل عبد الرحمن: — أين هو؟ نظر عبد الرحيم إلى الطريق أمامه. — في مقر مجلس القدر. ساد الصمت. قال عبد الرحمن: — المجلس له مقر حتى الآن؟ — نعم. — وأين؟ أخرج عبد الرحيم خريطة قديمة من جيبه. فتحها فوق مقدمة سيارة محمود. كانت هناك ثلاث ع