Mag-log inلم تنم ليال تلك الليلة.
لا لأن القصر كان مخيفاً، ولا لأن سريرها الجديد كان غريباً عليها. بل لأنها بقيت تحدق في ذلك الظل الصغير تحت باب غرفتها، تنتظر أن يتحرك، أن يتكلم مجدداً، أن يفسر لها ما قاله. لكن الطفل اختفى بهدوء. فجأة، وكأنه لم يكن هناك أصلاً. وكأن الهمس الذي سمعته كان وليد خيالها، أو لعبة الصدى في قصر كبير جداً لدرجة أنه يبتلع الأصوات. أميل إلى الثاني. لم تكن ليال من النوع الذي يخاف من الظلال. هي التي دربت نفسها على ألا تخاف من أبيها حين يعود من عمله سكراناً. هي التي تعلمت كيف تبتسم وقد انكسر ضلعها من الخلف. هي التي نامت في غرفة مظلمة سنوات عمرها كلها لأن عائلتها كانت ترى أن نور القمر "كافٍ للعار". إذاً، لماذا ترتجف الآن؟ ربما لأن الظل تحت الباب لم يكن مثل ظل رجل. كان أصغر. أخف. لكنه كان مثقلاً بشيء لا تفهمه. ساعات الليل مضت ببطء. سمعت أذان الفجر من مسجد بعيد. ثم صمت مطبق. ثم بدأ المنزل يستيقظ بصوت خفيف: أقدام تتحرك في الممرات، مياه تجري في الأنابيب، همسات خادمات لا يرد عليهن أحد. في السابعة صباحاً، فُتح باب غرفتها دون طرق. وقف هناك رجل طويل، أسمر البشرة، يرتدي بدلة رمادية وعيناه لا تنظران إليها بل تنظران من خلالها، كأنها قطعة أثاث جديدة. "السيدة ليال،" قال بصوت جاف، "أنا كمال، كبير الخدم. سيد آدم يطلبكِ في غرفة الطعام خلال نصف ساعة. لا تتأخري." ثم أغلق الباب. لم يقل: "صباح الخير". لم يقل: "كيف نمتِ؟". لم يقل: "هل تحتاجين شيئاً؟" هي الآن "السيدة" في هذا القصر، لكنها شعرت أنها مجرد رقم جديد في جدول المهام اليومية. --- نهضت ببطء. مشت إلى الحمام الملحق بالغرفة. كانت المرايا هناك ثلاثية الأبعاد، تعكس جسدها من كل زاوية. نظرت إلى نفسها طويلاً. وجهها: شاحب، عيونها بنية كبيرة كأنها تضم كل الأسرار التي لم تفصح عنها، شعرها الأسود الطويل ينسدل على كتفيها كستار يخفي ندوباً قديمة. جسدها: نحيل، لكن ليس نحافة الأناقة. نحافة الجوع. نحافة السنوات التي كانت تأكل فيها الفتات بعد أن يشبع إخوتها. قالت لنفسها بصوت مسموع بالكاد: "أنتِ لستِ هنا لتكوني جميلة. أنتِ هنا لتنجحي في مهمة واحدة فقط: أن تجعلي ذلك الطفل يتكلم. ثم ستنتهي الصفقة، وسترحلين بملابسك وحقيبتك الصغيرة. لا أكثر." ارتأت أن ترتدي شيئاً بسيطاً. فستاناً أسود طويلاً يصل إلى كاحليها، وشاحاً يغطي رقبتها. لا مكياج، لا مجوهرات. أرادت أن تقول: "أنا لست منافسة. أنا موظفة. عاملوني كموظفة." --- عندما وصلت إلى غرفة الطعام، توقفت للحظة عند الباب. كانت الغرفة كبيرة جداً، طاولتها تصلح لعشرين شخصاً، لكن لم يكن يجلس عليها سوى رجل واحد. آدم. كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة، وقميصاً أبيض ناصعاً، وربطة عنق سوداء محكمة كخناق. كان يقرأ جريدته بيد، ويشرب قهوته باليد الأخرى. لم يرفع رأسه حين دخلت. "اجلسي." جلست على الكرسي المقابل له. بينهما طاولة عرضها ثلاثة أمتار. بدت كمسافة بين كوكبين. وضع الجريدة جانباً. نظر إليها أخيراً. فحصها. من رأسها إلى أخمص قدميها. مثل تاجر سيارات يفحص محركاً. "كنت أتوقع أن ترتدي شيئاً أكثر.. احتفالاً بصباحك الأول هنا." لم تعرف إن كانت هذه مجاملة أم انتقاداً. اختارت الحياد. "أفضل البساطة." "هذا جيد. لأن هذا البيت لا يحب التعقيدات." ثم أومأ برأسه نحو كمال الذي كان يقف في الزاوية كتمثال حي. تحرك الخادم بصمت، ووضع أمامها طبقاً من الفاكهة الطازجة وعصيراً برتقالياً. كان الأناناس مقطعاً على شكل ورود. الفراولة مغموسة بالشوكولاتة البيضاء. لم يسبق لها أن رأت فطوراً هكذا إلا في الأفلام. لكنها لم تأخذ لقمة واحدة. "أين هو؟" سألت. توقف آدم عن الشرب. وضع فنجان القهوة على الصحن بهدوء مخيف. "من؟" "ابنك." ثوانٍ من الصمت. ثم ضحك آدم. ضحكة باردة، قصيرة، كطقطقة الجليد حين ينكسر. "هل هذا حماسكِ الأمومي؟ لم نمضِ ليلة واحدة، وأنتِ بالفعل تشتاقين للصغير؟" لم تتراجع ليال. "أنا هنا من أجله، كما قلتَ أنت بنفسك. لذلك أريد رؤيته. التعرف عليه. فهم ما يحتاج إليه." نظر إليها آدم طويلاً. طويلاً جداً لدرجة أنها شعرت كأنه يحاول اختراق جلدها، رؤية عظامها، قراءة ما تخفيه تحت ضلوعها. ثم قال شيئاً لم تكن تتوقعه: "هو لا يريد رؤيتكِ." توقفت. "ماذا تعني؟" "يعني أن ابني، يا سيدتي، لم يرحّب بأي امرأة دخلت هذا البيت منذ رحلت أمه. المربيات أتين وذهبن. المدرسات الخصوصيات بكين وغادرن. حتى جدته لأبيه لم تستطع الجلوس معه أكثر من ساعة." نهض من كرسيه. اقترب منها خطوة. لم يعد بينهما سوى متر. "لذا إذا كنتِ تتوقعين أنه سيركض إليكِ بأذرع مفتوحة ويصرخ 'ماما'، فأنتِ في المكان الخطأ." رفعت ليال ذقنها. تحدته بعينيها. "أنا لا أتوقع شيئاً، سيد آدم. أنا فقط أفعل ما اتفقنا عليه. أنت تحتاج من يجعل ابنك يتحدث. وأنا.." توقفت. أنا بحاجة إلى اسم يحميني من عائلتي. أنا بحاجة إلى سقف لا ينهار عليّ. أنا بحاجة إلى ألا أكون "العار الذي يجب التخلص منه" ولو ليوم واحد. لكنها لم تقل هذا كله. قالت بدلاً منه: "وأنا بحاجة إلى وظيفة أقوم بها." ابتسم آدم ابتسامة باردة مجدداً. "حسناً. إذا كنتِ مصرة، فسأخبرك أين تجدينه." اقترب أكثر. أصبحت رائحة خشب الأرز والتبغ تطغى على أنفاسها. "غرفته في نهاية الممر الذي منعتكِ من النظر إليه البارحة. الباب الخشبي الثقيل. ستسمعين صوت طرق خفيف قبل أن تصل إليه." ارتجفت ليال داخلياً. الطرق الخفيف. الظل تحت الباب. الهمس. "ارحلي.. ارحلي من هنا قبل أن يقتلك كما قتل أمي." لم تستطع السيطرة على لسانها هذه المرة. "لماذا تقولون للناس إنه أبكم بينما هو يتكلم؟" لأول مرة، رأت شيئاً غير الجليد في عيني آدم. رأت الخوف. لم يدم إلا لجزء من الثانية. ثم عاد القناع من حديد. "ماذا قلتِ؟" "في الليلة الماضية،" قالت ليال بجرأة لم تكن تعرف أنها تملكها، "وقف ابنتك تحت باب غرفتي. وهمس لي بكلمات. كلمات مفهومة." هبط الصمت على الغرفة كصاروخ لم ينفجر بعد. كمال، الخادم، أغمض عينيه للحظة وكأنه يعرف ما سيأتي. أما آدم، فقد اقترب منها حتى التصقت بظهر الكرسي. وضع يديه على ذراعي الكرسي، سجناها فيه. عيناه الزرقاوان تحترقان الآن بوضوح. "ما الذي قاله لكِ بالضبط؟" سأل بصوت هادئ جداً. هادئ كمن يمسك بقنبلة بأصابع مرتجفة. ارتجفت ليال. لكنها لم تكذب. قالت: "قال لي: ارحلي قبل أن يقتلك كما قتل أمي." الغرفة لم تهدأ. الغرفة تجمدت. آدم ابتعد عنها فجأة. كمن لسعته نار. التفت إلى كمال بصوت لم يعد هادئاً، بل متفجراً بالغضب المكبوت: "أخرج الجميع من الطابق الثالث. الآن. ولا يدخل أحد إلا بإذني." ثم نظر إلى ليال للمرة الأخيرة قبل أن يغادر الغرفة: "أنتِ، تعالي معي. سأريكِ ابنكِ بنفسي. لكن تذكري.. ما ترينه هناك، لن تستطيعي نسيانه أبداً." --- مشت خلفه في الممر الطويل. كل خطوة تخطوها كانت تقول لها: "ارجعي. ارجعي قبل فوات الأوان." لكن جسدها كان يمضي قدماً. كمن يدخل نفقاً مظلماً لا يعرف متى ينتهي. وصلوا إلى الباب الخشبي الثقيل. كان مرسوماً عليه نجمة صغيرة باللون الذهبي، وتحتها اسم محفور: "عمر." آدم وقف جانباً. أشار إليها بيده أن تقدّمي. "افتحي الباب." نظرت إليه. هل كان يختبرها؟ هل كان يريدها أن تخاف وتهرب ليثبت أنها فاشلة مثل كل من سبقوها؟ لا. ليال لم تكن فاشلة. كانت فقط كسيرة. والكسور، إذا التئمت، تصبح أقوى من الفولاذ. فتحت الباب. لم تكن تتوقع ما رأته هناك.سمعوا صوتاً من بعيد. "جدتي! جدتي!" كان أحد الأحفاد يركض نحوها. كان آدم الصغير، حفيدها البكر، في السابعة من عمره. كان يشبه جده كثيراً: عيناه زرقاوان، وشعره أسود مجعد، وابتسامته عريضة. كان يحمل في يده ورقة مبللة بالألوان. "جدتي! انظري! لقد رسمت لكِ شيئاً!" أخذت ليال الورقة. كانت رسمة لامرأة عجوز، وشعرها أبيض، وعيناها بنيتان، وابتسامتها دافئة. وكانت جالسة تحت شجرة كبيرة، ومكتوباً تحتها بخط طفل متعثر: "جدتي الحبيبة." بكت ليال. بكت لأنها شعرت بالحب. بكت لأنها شعرت بالاستمرارية. بكت لأنها شعرت بأن الحياة تستمر. وأن الأجيال تتوالى. وأن الحب لا يموت. "شكراً لك يا حبيبي. هذه أجمل هدية." "هل ستعلميني كيف أرسم مثل أنس؟" "سأعلمك. سأعلمك كل شيء." احتضنته. شعرت بدفئه. شعرت بحبه. شعرت بأن الحياة كانت جميلة. وأنها كانت تستحق العيش. في المساء، اجتمعت العائلة بأكملها في الصالة الكبرى. كانت الطاولة ممتلئة بالأطباق الشهية التي أعدها كمال الصغير (حفيد عمر الذي سمي على اسم كمال الأكبر). كمال الأكبر كان قد توفي قبل خمس سنوات، بعد حياة طويلة مليئة بالحب والعطاء. لكن روحه كانت لا تزال حاضرة في كل ز
مرت عشرون عاماً على تلك الليلة التي جلست فيها ليال على سطح القصر، وتأملت النجوم مع آدم، ووعدا بعضهما بالحب إلى الأبد. عشرون عاماً من الضحكات والدموع، من النجاحات والإخفاقات، من الولادات والوفيات، من البدايات والنهايات. عشرون عاماً حولت ليال من امرأة شابة خائفة إلى سيدة عجوز حكيمة، حولت آدم من رجل جليدي إلى جد حنون، حولت الأطفال إلى رجال ونساء، وجعلت القصر بيتاً للأجيال. الآن، كانت ليال تجلس تحت شجرة الزيتون في الحديقة. كانت شجرة الزيتون نفسها التي جلست تحتها في أول يوم لها في القصر، عندما كانت خائفة، وحيدة، مكسورة. كبرت الشجرة، وكبرت هي. أصبحت جذورها أعمق، وأغصانها أكثر امتداداً، وثمارها أكثر وفرة. وكانت هي أيضاً أصبحت جذورها أعمق في هذه الأرض، في هذه العائلة، في هذا الحب. كان شعرها أبيض بالكامل الآن، لكن عينيها كانتا لا تزالان بنيتين كبيرتين، تلمعان بالحياة والحكمة. كانت ترتدي ثوباً أبيض بسيطاً، وقلادة اللؤلؤ التي لم تفارق عنقها منذ أن أهداها إياها آدم قبل عقود. كانت يداها لا تزالان ترسمان، وإن كانتا أبطأ قليلاً، وأكثر حذراً. كانت تبتسم. كانت تنظر إلى الحديقة المليئة بالأحفاد. كان
كانت لوحة جميلة. كانت امرأة تجلس تحت شجرة زيتون، ترسم على قماش أبيض. كانت السماء زرقاء، والبحر هادئاً، والورود تزهر حولها. وكانت المرأة تبتسم. كانت مبتسمة وكأنها تعلم أنها مرت بكل شيء، وأنها انتصرت. وكان مكتوباً تحت اللوحة بخط أنس الجميل: "ليال. أمي. معلمتي. حبيبتي." بكت ليال. بكت بحرية. بكت لأنها شعرت بالحب. بكت لأنها شعرت بالفخر. بكت لأنها شعرت بأن كل الألم كان ثمناً صغيراً مقابل هذه اللحظة. "أنس... هذه أجمل هدية في حياتي." "أنتِ أجمل أم في العالم." احتضنته. احتضنته بقوة. شعرت بدفئه. شعرت بحبه. شعرت بأنها وصلت أخيراً. آدم وقف. مشى نحو ليال. أمسك يدها. نظر إلى العائلة. "ليال، لدي شيء لكِ أيضاً." "ماذا؟" أخرج من جيبه علبة صغيرة. فتحها. كان بداخلها خاتم. خاتم من الألماس الأزرق. لون البحر. لون عينيها. لون الحب. "هذا الخاتم كان لأمي. أعطته لي قبل أن تموت. قالت: 'أعطه لمن تستحق. لمن أحببت بصدق. لمن بقيت.' وها أنا أعطيه لكِ. لأنكِ تستحقين. لأنني أحببتكِ بصدق. لأنكِ بقيتِ." "آدم... أنت..." "ليال، أنتِ لم تكوني مجرد زوجة. أنتِ لم تكوني مجرد أم. أنتِ لم تكوني مجرد فنانة.
في المطار، كانت العائلة بأكملها تنتظر. آدم كان واقفاً بجانب ليال، يمسك يدها. كان يرتدي بدلة زرقاء أنيقة، وشعره ممشوطاً بعناية، وابتسامته لا تفارق وجهه. كان متحمساً مثلها. كان يريد رؤية ابنه. كان يريد احتضانه. كان يريد التأكد أنه بخير. عمر كان يقفز من الفرح. كان يرتدي قميصاً كتب عليه "أنا الأخ الأكبر"، ويحمل لافتة كبيرة كتب عليها: "أهلاً بعودة الفنان العالمي أنس". كان قد خطط لهذه اللافتة منذ أسابيع، ورفض أن يخبر أحداً بها. كان يريد أن يفاجئ أنس. نور كانت في حضن ناديا. كانت ترتدي فستاناً زرقاء فاتحاً، وشعرها الأسود مصففاً في ضفيرتين صغيرتين، وعيناها الزرقاوان تبحثان عن أنس بين الحشود. كانت تكرر: "أنس! أنس! أين أنس؟" ناديا كانت تبتسم. كانت تبكي. كانت تفعل الأمرين معاً. كانت ترتدي ثوباً رمادياً أنيقاً، وشعرها الأبيض مصففاً بعناية، وقلادة من اللؤلؤ أهداها إياها آدم في عيد ميلادها الأخير. كانت فخورة. كانت سعيدة. كانت تنتظر حفيدها. وفجأة، رأوه. أنس. كان يمشي نحوهم بخطى واثقة. كان قد كبر. أصبح أطول، وأكثر وسامة، وأكثر ثقة. كان يرتدي سترة زرقاء داكنة، وسروالاً رمادياً، وحذاءً أنيقاً. كا
نور كانت أصعبهم. لم تكن تفهم سبب غياب أنس. كانت تفتح باب غرفته كل صباح، تبحث عنه، تناديه: "أنس! أنس!" لكنها كانت تجد الغرفة فارغة. كانت تبكي. كانت تصرخ. كانت ترمي ألعابها. في أحد الأيام، جلست ليال بجانبها على الأرض. كانت تحاول أن تشرح لها بطريقة بسيطة. "نور، أنس سافر إلى باريس. باريس بعيدة. لكنه سيعود. قريباً." "لماذا؟ لماذا راح؟ لماذا تركني؟" "لأنه يريد أن يتعلم الرسم. يريد أن يصبح فناناً مشهوراً. مثل ماما." "لكنني أريده هنا. أريده أن يرسم معي. أريده أن يلعب معي. أريده أن يكون هنا." "سيعود. وسيرسم معك. وسيلعب معك. وسيكون هنا. فقط انتظري قليلاً." "كم قليلاً؟" "قليلاً جداً. وسنزوره في باريس. سنرى برج إيفل. وسنأكل الكرواسان. وسنضحك معاً." "وعد؟" "وعد." هدأت نور. لم تفهم تماماً، لكنها شعرت بالطمأنينة. كانت تعلم أن ماما ليال لا تكذب. كانت تعلم أن أنس سيعود. كانت تعلم أن الحب سيبقى. احتضنت ليال نور. شعرت بدفئها. شعرت بحبها. شعرت بأن الحياة تستمر. وأن الفراق مؤقت. وأن اللقاء قادم. --- ناديا وكمال كانا يتعاملان مع الغياب بطريقتهما الخاصة. ناديا كانت تقضي وقتاً أطول في غرفة أن
مرت الأيام الأولى بعد سفر أنس كأنها سنوات. القصر كان هادئاً، فارغاً، مختلفاً. لم تعد ضحكات أنس الخجولة تملأ الممرات، ولم تعد خطواته الخفيفة تسمع على الدرج، ولم تعد ألوانه تنتشر على الطاولات والجدران. كانت غرفته لا تزال كما تركها: سرير مرتب، ودفتر رسم مفتوح على آخر صفحة رسمها، وألوان مصفوفة بدقة، ورائحة الزيت والورق التي كانت تفوح منه دائماً. كل شيء كان في مكانه، لكن صاحبه لم يعد هناك. كان الفراغ مؤلماً، صامتاً، ثقيلاً. ليال كانت تشعر به أكثر من أي شخص آخر. كانت تدخل غرفة أنس كل صباح، تجلس على سريره، تلمس وسادته، تنظر من نافذته التي تطل على الحديقة. كانت تتخيله جالساً على كرسيه، يرسم، يبتسم، يرفع عينيه إليها ليقول: "صباح الخير يا ماما." لكن الكرسي كان فارغاً، والابتسامة كانت غائبة، والصوت لم يعد يملأ الغرفة. في اليوم الثالث بعد سفره، جلست ليال على كرسي أنس، وأخذت دفتره المفتوح. كانت تنظر إلى الرسمة الأخيرة التي رسمها قبل أن يسافر. كانت رسمة للعائلة كلها: أب وأم وثلاثة أطفال، وجد وجدة، وكلهم يبتسمون. وكان مكتوباً تحت الرسمة بخطه الجميل: "سأعود. دائماً." بكت ليال. بكت بحرية هذه المرة.
استيقظ آدم على وقع شيء ناعم على صدره. لم يفتح عينيه مباشرة. ظن للحظة أنه لا يزال في الحلم. ذلك الحلم القديم حيث كانت سيلين لا تزال بجانبه، حيث القصر لم يتحول إلى سجن، حيث كان يضحك كالبشر. لكن الرائحة كانت مختلفة. لا عطر سيلين الفرنسي الثقيل. كانت رائحة ياسمين وخبز طازج وشيء أشبه بدفء الشمس على
ثلاثة أسابيع. هذا كل ما مضى على دخول ليال قصر آدم. لكنها شعرت وكأنها عاشت هناك عمراً كاملاً. تعلمت خلالها شيئاً واحداً مؤكداً: هذا البيت ليس حجراً وجدراناً. هذا البيت وحش حي يتنفس الأسرار. كل صباح، كانت تستيقظ قبل الجميع. ليس لأنها مجبرة، بل لأن غرفتها كانت تفيض بالضوء من نافذتها الشرقية قبل
الفصل السابع: الضيف غير المرحب لم تكن ليال تنام جيداً منذ ليلة المذكرات. كلما أغمضت عينيها، رأت صور سيلين متناثرة على مكتب آدم. رأت ابتسامته عندما كان يتحدث معها عبر الهاتف. رأت تلك اللمسة الخفيفة التي مسح بها دمعة من خدها، ثم انسحب كأن يده احترقت. كان الصباح الخامس بعد ليلة الانهيار. نهضت ل
كان العطر أول من خانها. ليال لم تكن تبحث عن شيء. في الحقيقة، كانت تحاول جاهدة ألا تبحث. جلست في غرفتها بعد يوم طويل مع عمر، تحدق في السقف، تتذكر لمسة آدم على خدها قبل أن ينسحب كاللص. قالت لنفسها: "كان مجرد لمسة عابرة. لا تعني شيئاً." لكن خدها كان لا يزال دافئاً بعد ساعات. الآن، كانت تقف في م







