LOGIN«ليست كل الحكايات التي لم تكتمل حكاياتٍ فاشلة، بعضها كان أكبر من أن تحتمله الحياة.» المقدمة: إلى الحياة التي لم أعشها لم أكن أريد حياةً استثنائية، ولا كنت أحلم بأن أكون بطلة حكاية يتناقلها الناس. كل ما أردته كان بسيطًا إلى حدّ السذاجة؛ بيتًا لا أخشى فيه الأصوات المرتفعة، ووجهًا أعود إليه حين يثقل العالم على كتفي، وقلبًا لا أضطر إلى تعليمه كيف يبقى. لكن الحياة، فيما يبدو، لم تكن معنيةً كثيرًا بما أريد. كبرتُ قبل أواني، وتعلّمت أن بعض الغياب لا تعوّضه السنوات، وأن الذين نحبهم ليسوا دائمًا أولئك الذين نستطيع الاحتفاظ بهم. تعلّمت أن الإنسان قد يشتاق إلى أشياء لم يمتلكها أصلًا، ويحزن على مستقبل لم يحدث، ويبكي أحيانًا على نسخةٍ منه لم تتح لها الفرصة كي تولد. كنت أظن أن النجاة تعني أن أتجاوز كل ما حدث، حتى أدركت أن بعض الأشياء لا نتجاوزها، بل نتعلم كيف نحملها دون أن نسمح لها بسحقنا. كتبتُ كثيرًا ولم أرسل شيئًا. أحببتُ بصمت، واعتذرتُ عن أشياء لم تكن ذنبي، وطرقتُ أبوابًا كان عليّ أن أغادرها منذ البداية. وبين كل ذلك، كنت أحاول ألّا أفقد الجزء الصغير الذي ما زال يؤمن بأن في هذا العالم متسعًا لشيء جميل. هذه ليست حكاية فتاةٍ مكسورة، ولا قصة انتقام من حياة لم تنصفها. إنها حكاية فتاةٍ ظلّت تبحث عن نفسها في وجوه الراحلين، وفي الطرق التي لم تسلكها، وفي الأدعية التي أخفتها عن الجميع. وربما، في نهاية المطاف، لم تكن تبحث عن حياة أخرى... بل كانت تحاول أن تتصالح مع الحياة التي كُتبت لها. إلى كل حياةٍ تخيّلناها، وأحببناها، وانتظرناها طويلًا... ثم لم تأتِ. وأريد أن تكون الجملة الأولى في الفصل الأول: «في طفولتي، كنت أظن أن الكبار يعرفون إلى أين يذهبون، حتى كبرت واكتشفت أنهم فقط يجيدون إخفاء ضياعهم.»
View Moreالفصل الأول: الفتاة التي كبرت في وقتٍ مبكر
لم تكن طفلة تعيسة بالمعنى الذي يفهمه الناس، ولم تكن سعيدة بما يكفي لتعيش طفولتها كما ينبغي. كانت فقط طفلة تراقب أكثر مما تتكلم، وتفهم أشياء لم يكن من المفترض أن تفهمها في ذلك العمر. في السادسة، اكتشفت أن البيوت لا تحمي ساكنيها دائمًا، وأن الأشخاص الذين يُفترض أن يكونوا مصدر الأمان قد يصبحون أحيانًا مصدر الخوف. لم تفهم يومها معنى الفراق، لكنها رأت كيف يمكن للحب أن يتحول إلى خصام، وكيف تستطيع لحظة واحدة أن تغيّر شكل العالم في عيني طفل. كبرت قليلًا، واكتشفت أن بعض الغيابات لا تحتاج إلى وداع؛ يكفي أن يمضي العمر دون أن يأتي أحد. كانت هناك أمّ، لكن المسافة إليها لم تكن تُقاس بالكيلومترات. كانت مسافة من نوع آخر، لا تقطعها الطرق ولا تختصرها الرسائل. وحين أدركت معنى الفقد، كان الوقت قد سبقها بسنوات. حتى إن الطريق إلى قبر أمها لم يُفتح لها إلا بعد زمن طويل. ومنذ ذلك الحين، صار لديها ميل غريب إلى تأجيل الأشياء التي تخشى نهايتها، كأنها تحاول أن تمنح اللحظات عمرًا أطول مما كُتب لها. لم تكن تحب الشفقة. كانت تراها نظرة طويلة إلى جرح لا تريد لأحد أن يلمسه. لذلك تعلّمت أن تبدو بخير، لا لأنها كانت كذلك، بل لأنها لم تكن تعرف ماذا تفعل إن توقفت عن التظاهر. ومع مرور السنوات، لم تصبح أقسى كما ظن الآخرون، بل أصبحت أكثر انتقائية في إظهار ما تشعر به. كان بداخلها عالم مزدحم، بينما تبدو من الخارج فتاة عادية، تدرس، تضحك أحيانًا، وتختفي حين يثقل عليها كل شيء. كانت تؤمن بالله، وتعود إليه كلما ضاقت بها نفسها، وإن لم تكن دائمًا بالصورة التي تتمنى أن تكون عليها. كانت تخاف أن تفسد نواياها، وأن تختلط عبادتها برغبتها في أن يراها الآخرون، وكانت تسأل نفسها كثيرًا: هل يكفي أن أحاول، حتى حين أفشل في المحاولة؟ ثم عرفت الحب. ولم يكن الحب هذه المرة مجرد شعور عابر، بل حكاية وضعتها أمام سؤال لم تستطع الإجابة عنه بسهولة: ماذا يفعل المرء حين يجد في قلبه شيئًا يتمناه، لكنه لا يريد الوصول إليه بالطريقة التي يستطيعها؟ كانت تستطيع التمسك، لكنها اختارت المسافة. تستطيع الكلام، لكنها اختارت الصمت. ولم يكن ذلك دليلًا على أن قلبها قد شُفي، بل ربما كان دليلًا على أنها بدأت تفهم أن بعض الرغبات لا ينبغي أن تقود أصحابها. ومع ذلك، كانت تشتاق. فالإنسان لا يصبح زاهدًا في الشيء لمجرد أنه قرر الابتعاد عنه. في إحدى الليالي، جلست وحدها أمام نافذتها. لم يكن هناك حدث استثنائي، ولا رسالة منتظرة، ولا خبر سيئ. كان كل شيء هادئًا على نحو يثير الريبة. فتحت دفترًا قديمًا، وكتبت في الصفحة الأولى: «لا أعرف متى بدأت حكايتي، ولا إن كنت أنا بطلتها أم مجرد شاهدة على ما حدث لي. لكنني أعرف أنني أمضيت سنوات أحاول أن أفهم لماذا أخذت الحياة مني أشياء لم أكن أعرف حتى كيف أطلبها. وربما كان عليّ أن أتوقف عن سؤالها. فأنا لا أريد حياةً لم تخذلني قط، بل أريد قلبًا لا يفقد نفسه كلما خذلته الحياة.» أغلقت الدفتر. ولأول مرة منذ وقت طويل، لم تحاول أن تكتب تتمة. كانت تلك بداية الحكاية. ولم تكن تعرف بعد أن أصعب ما سيواجهها ليس ما فقدته، بل ما ستكتشفه عن نفسها وهي تحاول النجاة.الفصل الثامن: الذين أحببناهم على حساب أنفسنا لم تكن المشكلة أنها أحبت كثيرًا، بل أنها لم تكن تعرف أين تنتهي حدود الحب وأين تبدأ حدودها هي. كانت تظن أن المحبة تعني أن تجد للآخر عذرًا كلما أخطأ، وأن تفهم صمته كلما عجز عن الكلام، وأن تتحمل غيابه لأن وراءه ظروفًا لا تعرفها. كانت تخشى أن تكون قاسية، فتسامح قبل أن تفهم، وتتراجع قبل أن تعترض، وتبتلع كلماتها كي لا تجرح أحدًا. ولم تنتبه إلى أنها، في كل مرة كانت تحاول فيها ألّا تؤذي أحدًا، كانت تترك نفسها تتأذى قليلًا. كانت هناك حكاية لم تخبر بها أحدًا كاملة. حكاية بدأت بكلمات بسيطة، ثم امتدت حتى صارت جزءًا من يومها. لم يكن صاحبها حاضرًا في حياتها كما يحضر الناس عادة؛ لم تكن بينهما مقاعد مشتركة، ولا لقاءات عابرة، ولا تفاصيل يومية يمكن الاحتفاظ بها في الصور. كان حاضرًا بالكلمات. وكانت الكلمات، على الرغم من خفتها الظاهرة، قادرة على بناء عالم كامل في مخيلة إنسان. لم تكن تجهل أن المسافة بين العالم المتخيّل والحياة الحقيقية واسعة، لكنها كانت تأمل أن يأتي يوم تُختصر فيه تلك المسافة بخطوة صادقة. وحين لم تأتِ الخطوة، بقيت الأمنيات معل
الفصل السابع: المرأة التي لم تعرفها من قبل لم تكن تعرف أن الإنسان قد يشتاق إلى نفسه. ليس إلى ملامحه القديمة، ولا إلى صوته في تسجيل عابر، بل إلى تلك النسخة التي كان يمكن أن يصبحها لو أن الحياة سارت على نحو مختلف؛ النسخة التي لم تضطر إلى النضج مبكرًا، ولم تتعلم الحذر قبل الطمأنينة، ولم تعرف معنى أن يرحل أحد قبل أن تتعلم كيف تحتفظ به. كانت تشتاق إلى فتاة لم تعشها. وفي ذلك الصباح، راودتها فكرة غريبة: ماذا لو لم يحدث شيء مما حدث؟ ماذا لو بقي البيت كما كان، ولم تتسع المسافات، ولم تعرف الفقد، ولم تضطر إلى أن تصبح قوية؟ كيف كانت ستبدو؟ هل كانت ستضحك أكثر؟ هل كانت ستثق بسهولة؟ هل كانت ستنام دون أن تراجع أحداث يومها عشرات المرات بحثًا عن كلمة أخطأت في قولها، أو موقف كان ينبغي أن تتصرف فيه بصورة مختلفة؟ لم تجد جوابًا. وربما لم يكن هناك جواب أصلًا. في الجامعة، أعادت ترتيب ملاحظاتها القديمة. كانت تكره الفوضى في دفاترها، لكنها لم تكن تمانعها كثيرًا في حياتها. رتبت المحاضرات حسب المواد، وضعت علامات على النقاط المهمة، وأعادت كتابة بعض الصفحات التي لم تعد تفهم خطها فيها. توقفت عند ورقة صغير
الفصل السادس: عودة الأشياء التي لم تنتهِلم تكن تخاف عودة الماضي، بقدر ما كانت تخاف أن تجده في داخلها على الهيئة نفسها التي تركته عليها.فثمة أشياء نظن أننا تجاوزناها لمجرد أننا توقفنا عن الحديث عنها، ونظن أننا نسيناها لأننا لم نعد نبكي كلما تذكرناها. لكن الذاكرة لا تعمل وفق رغباتنا، ولا تستأذننا حين تقرر إعادة فتح أبواب ظننا أنها أُغلقت.في ذلك الصباح، كان كل شيء عاديًا إلى حدّ مريب.استيقظت متأخرة قليلًا، رتبت فراشها، وغسلت وجهها، ثم جلست أمام مكتبها تحاول مراجعة محاضراتها. كانت قد وعدت نفسها أن تمنح دراستها وقتًا أكبر، وأن تكفّ عن إهدار ساعاتها في التفكير بأشياء لا تملك تغييرها.لكن الهاتف أضاء.رسالة جديدة.لم يكن الاسم غريبًا، ولم تكن الكلمات مفاجئة تمامًا، ومع ذلك شعرت بأن الغرفة ضاقت فجأة.لم تفتحها.تأملته طويلًا، ثم أعادت الهاتف إلى مكانه، كأنها تخشى أن تلمسه فتعود معها أشياء كثيرة.كانت تعرف هذا الشعور؛ أن يقف الماضي أمامك في هيئة إشعار صغير، بينما يحتاج قلبك إلى وقت طويل كي يستوعب ما حدث.بعد ساعة، فتحت الرسالة.لم تكن تحمل اعتذارًا واضحًا، ولا طلبًا صريحًا بالعودة. كانت مج
الفصل الخامس: ما تبقّى من الذين رحلوا ثمة أشخاص لا يغادرون حياتنا دفعة واحدة؛ يرحلون عن أيامنا، ثم عن أحاديثنا، ثم عن تفاصيلنا الصغيرة، لكنهم ينسون شيئًا في الداخل، شيئًا لا نعرف كيف نعيده إليهم، ولا كيف نتخلص منه. ولعل أصعب ما في الفقد أن تتعلم العيش بعده، ثم تكتشف أنك لم تعد الشخص الذي كان يعيش قبله. في صباح ذلك اليوم، استيقظت على شعور غريب بالحنين. لم يكن حنينًا إلى شخص بعينه، بل إلى زمن كانت فيه الأشياء أقل تعقيدًا، أو لعلها كانت أقل وضوحًا فحسب. أعدّت فطورها، وجلست قرب النافذة. كانت الشمس تتسلل إلى الغرفة بخفة، بينما راحت تقلب صورًا قديمة في هاتفها. توقفت عند صورة لمكان تعرفه جيدًا. لم يكن المكان جميلًا، ولم تكن فيه ذكرى سعيدة على وجه الخصوص، لكنه أعاد إليها شيئًا من طفولتها؛ طفلة لم تكن تعرف أن بعض الأسئلة سترافقها حتى تكبر، وأن بعض الإجابات لن تأتي مهما طال الانتظار. أغلقت الهاتف. كانت قد أمضت وقتًا طويلًا تحاول أن تفهم الماضي، كأن فهمه سيمنحها القدرة على تغييره. لكنها بدأت تدرك أن المعرفة لا تعيد ما مضى، وأن تفسير الجرح لا يعني بالضرورة زوال ألمه. في الجامعة، جلست في
reviews