Share

الفصل 3

last update publish date: 2026-05-19 12:55:34

فتحت الباب.

لكن الغرفة التي دخلتها لم تكن غرفة طفل عادية.

كانت مكتبة.

جدران خشبية داكنة تمتد إلى سقف مرتفع، مملوءة بالكتب صفوفاً متراصة كجنود صامتين. لم تكن كتب أطفال ملونة، بل مجلدات ثقيلة، عناوينها بالفارسية والإنكليزية والعربية القديمة. في الزاوية، كرسي هزاز من الخشب العتيق، وبجانبه طاولة صغيرة عليها كوب ماء وعلبة مناديل.

وفي المنتصف، واقفاً أمام نافذة كبيرة تُطل على حديقة مغلقة، كان الطفل.

عمر.

لم يلتفت إليها. كان يحمل كتاباً سميكاً بيديه الصغيرتين، يقلب صفحاته بتركيز يفوق عمره. يبدو في السابعة أو الثامنة، لكن عينيه.. عندما نظرت إليه أخيراً بعد صمت طويل.. كانت عينيه عيون رجل عجوز تعب من الحياة.

نظر إليها.

فقط نظرة واحدة سريعة.

ثم عاد إلى كتابه.

لم يقل: "من أنتِ؟" لم يقل: "ألم أقل لكِ ارحلي؟" لم يبكِ، لم يصرخ، لم يهرب.

كان صمته أقسى من أي صراخ.

دخل آدم خلفها. أغلق الباب بهدوء. وقف بجانبها، ووجهه الآن لا يحمل غضباً، بل شيئاً آخر.

شيئاً يشبه التعب.

"عمر،" قال بصوت ناعم لم تسمعه منه من قبل، "هذه ليال. ستعيش معنا من الآن فصاعداً. سألت أن تكون هنا. تفضلت بالموافقة."

لا رد.

الطفل واصل قراءته. لكن إصبعيه توقفا للحظة على حافة الصفحة. ثم استمرا في التقليب.

آمد أنفاسه بصوت مسموع. التفت إلى ليال.

"هذا هو ابني. لا يتكلم. لا يتفاعل. لا يريد أحداً. الأطباء قالوا إنه اختار الصمت. اختيارياً. يعني أنه قادر على الكلام لكنه يرفض استخدامه."

تذكرت الهمس الذي سمعته البارحة.

"لكنه تكلم معي."

ارتجفت عضلة وجه آدم.

"نعم. يفعل ذلك أحياناً. عندما يريد تخويف الناس وإبعادهم. يعرف كلمات مخيفة، يهمس بها، ثم لا ينبس بحرف لأسابيع."

نظرت إلى الطفل مجدداً. كان لا يزال يشاهد الكتاب، لكن عينيه كانتا مرتفعتين قليلاً، تراقبها من فوق الصفحة.

عينان زرقاوان، مثل عيون والده، لكنهما أكثر عمقاً، أكثر ألماً، كبحيرة جبلية لا أحد يجرؤ على السباحة فيها.

خطت ليال خطوة إلى الأمام.

لا تفهم شيئاً في طب الأطفال. لا تعرف كيف تتعامل مع الصامتين. لكنها تعرف شيئاً واحداً جيداً جداً:

تعرف كيف تشعر بالوحدة.

جلست على الأرض. ليس على الكرسي الهزاز، ولا على السرير القريب. على الأرض، أمامه مباشرة، بحيث تصبح عيناها في مستوى عينيه.

"مرحباً عمر،" قالت بهدوء، "أنا ليال. لم أنم الليلة الماضية لأنني كنت خائفة جداً في هذا البيت الكبير. هل تصدق؟ أنا خائفة والكل يظن أني شجاعة."

لم يرفع عينيه عن الكتاب.

لكنه لم يبتعد.

تابعت: "وأيضاً.. أنا لا أريد أن أكون أمك. أعرف أنك لا تريد أماً جديدة. أنا فقط.. سأكون هنا. بجانبك. إن أردت. وإن لم ترد، سأكون بعيدة. لكنني لن أؤذيك أبداً. هذا وعد."

لم ينظر إليها.

لكن إصبعيه الصغيرتين توقفتا عن تقليب الصفحات.

لحظة صمت. طويلة. عميقة. كأن الغرفة كلها تتنفس معها.

ثم سمعت صوتاً.

ليس من عمر.

من آدم.

كان وراءها، لكنها سمعت شهيقه يتغير. كمن يحبس شيئاً في صدره.

التفتت إليه.

كان ينظر إليها بطريقة مختلفة تماماً. نظرة لم تكن موجودة قبل خمس دقائق. نظرة تقول: "كيف عرفتِ الطريق الصحيح؟ كيف فعلتها دون أن تتعلمي؟"

لكنه أدار وجهه بسرعة. كمن يغلق باباً على مشاعره.

"حسناً،" قال بصوت جاف مجدداً، "هذه هي الغرفة. ستحضرين له طعامه هنا، وتساعدينه في دروسه، وتمشين معه في الحديقة ساعة يومياً. لا تدخلي معلمين جدد، ولا تغيري روتينه. وهذا كل شيء."

"وهذا كل شيء؟" كررت ليال بسخرية هادئة.

"نعم. مهامك واضحة."

نهضت من الأرض. مسحت غبار السجادة عن فستانها.

"حسناً، سيد آدم. سأبدأ فوراً. الآن، أرجو أن تخرج."

توقف.

"ماذا؟"

"أخرج من الغرفة. أريد أن أتحدث معه وحدي. أنت مشتت للانتباه."

لم يصدق أذنيه. هل تجرؤ خادمة بالأمس أن تطلب منه الخروج من غرفة ابنه؟

فتح فمه ليقول شيئاً، لكنه أغلقه مجدداً.

نظر إلى عمر. الطفل كان لا يزال يقرأ. لكن كان هناك شيء مختلف في جلسته. صار أكثر استرخاءً. كما لو أن وجود ليال لم يزعجه كثيراً.

غادر آدم الغرفة دون كلمة.

لكنه وقف خلف الباب. لم يبتعد. تسمع خطواته تتردد، كأسد يحرس كهفه.

---

بقي صمت طويل بينها وبين عمر.

كانت تجلس على الأرض، وهو على كرسيه الصغير، يفصل بينهما كتاب ثقيل وجدار من الخوف القديم.

تذكرت نصائح الجدة الوحيدة التي أحبتها في طفولتها: "إذا أردت أن تحظى بثقة حيوان خائف، لا تنظر في عينيه، اجلسي على الأرض، وانتظري."

نظرت إلى كتابه.

كان عنوانه: "أساطير بلاد الرافدين."

"هل تحب الأساطير؟" سألته.

لا رد.

"أنا أحب أسطورة جلجامش. هل تعرفها؟ عن الرجل الذي بحث عن الخلود فوجد أن الخلود الحقيقي هو أن تترك أثراً طيباً في قلوب الآخرين."

لا رد.

"لكني أفضل الأساطير التي تتحدث عن الحراس. تلك الكائنات التي تقف على أبواب المعابد ولا تسمح لأحد بالدخول. هل تعرف لماذا؟ لأنها خائفة مما يوجد داخل المعبد. وليست شريرة كما يظن الناس."

صمت طويل.

ثم همسة. بالكاد مسموعة.

"وأنا لست شريراً."

ارتفع قلب ليال إلى حنجرتها.

كلماته الأولى. وأول مرة تعترف بأنه ليس شريراً.

لم تنظر إليه مباشرة. اكتفت بالنظر إلى حائط الغرفة.

"أنا لم أقل إنك شرير، عمر. أنت قلت ذلك عن نفسك."

لحظة صمت.

ثم فاجأها: غطى وجهه بيديه الصغيرتين. وبدأ يبكي.

بكاء صامتاً. كتم الكتفين. نفس البكاء الذي كانت تبكيه ليال في غرفتها المظلمة كل ليلة، عندما كانت تخبئ رأسها تحت الوسادة كي لا يسمعها أحد.

زحفت إليه على ركبتيها.

لم تلمسه. لم تعانقه. فقط جلست بجانبه.

وقالت: "أنا أيضاً كنت أبكي هكذا. بصمت. لأنني كنت أعتقد أنه لا أحد يريد سماع بكائي. لكن صدقني.. البكاء المسموع أفضل. يريح القلب."

رفع وجهه عن يديه.

عيناه الزرقاوان كانتا حمراء، دامعة. نظر إليها كمن يرى شخصاً يفهم لغته السرية.

فتح فمه ليقول شيئاً.

لكن الباب فتح فجأة.

وقف آدم هناك. ليس خلفه هذه المرة، بل داخلاً، غاضباً، عيناه تحترقان.

"ماذا فعلتِ به؟" زمجر.

كان يرتجف. ليس من البرد. من الغضب. من الخوف.

تقدم نحوها كمن يريد أن يمسك بها.

لكن حدث شيء لم يتوقعه أحد.

عمر صرخ.

ليس كلاماً. كان صرخة حادة، عالية، كصراخ طائر جريح. قفز من كرسيه وأمسك بيد ليال. واقفاً أمامها. يحميها.

من والده.

توقف آدم في مكانه كمن صعق بصاعقة.

نظر إلى ابنه الصغير الواقف كحارس أمام امرأة غريبة لم يمضِ على لقائهما سوى عشر دقائق.

شعر ليال بالطفل يرتجف تحت يدها. لكنه كان ثابتاً. لم يتراجع.

رفعت يدها الحرة ببطء، ووضعتها على رأس عمر.

"لا تخف،" همست له، "أنا بخير. ولن يحدث لي شيء."

ثم نظرت إلى آدم بعينيها البنيتين الكبيرتين. للمرة الأولى، لم تكن فيهما خوف.

كان فيهما تحدٍ هادئ يقول:

"أنا هنا لأبقى. سواء أردت أم أبيت."

تراجع آدم خطوتين.

نظر إليهما: الطفل يحمي المرأة. المرأة تحمي الطفل.

وكان هو، صاحب القصر وأغنى رجال المدينة، واقفاً وحيداً في منتصف الغرفة. بلا حامٍ، بلا حماية. فقط قلبه المجروح القديم ينزف بصمت.

"اخرج من الغرفة،" قالها آدم بصوت انكسر في منتصفه.

لم يعرف إن كان يخاطبها أم يخاطب نفسه.

خرج.

مرة أخرى، أغلق الباب. لكن هذه المرة، لم يبق خلفه ليسمع.

بل سار في الممر الطويل. دخل غرفته. أغلق الباب بقوة. وأسند جبينه على الخشب البارد.

لم يبكِ منذ عشر سنوات.

لكن عينيه كانتا حارتين جداً الآن.

تمتم لنفسه:

"سيلين.. ماذا تفعل بي هذه المرأة؟"

لم يرد عليه أحد.

فقط صدى اسم زوجته السابقة ارتد في الغرفة الفارغة، كجرح لم يلتئم قط.

---

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • اشتراها لتكون ظلاً في قصره.. فتحولت إلى شمس لا يطيق فراقها   فصل خاص 2

    سمعوا صوتاً من بعيد. "جدتي! جدتي!" كان أحد الأحفاد يركض نحوها. كان آدم الصغير، حفيدها البكر، في السابعة من عمره. كان يشبه جده كثيراً: عيناه زرقاوان، وشعره أسود مجعد، وابتسامته عريضة. كان يحمل في يده ورقة مبللة بالألوان. "جدتي! انظري! لقد رسمت لكِ شيئاً!" أخذت ليال الورقة. كانت رسمة لامرأة عجوز، وشعرها أبيض، وعيناها بنيتان، وابتسامتها دافئة. وكانت جالسة تحت شجرة كبيرة، ومكتوباً تحتها بخط طفل متعثر: "جدتي الحبيبة." بكت ليال. بكت لأنها شعرت بالحب. بكت لأنها شعرت بالاستمرارية. بكت لأنها شعرت بأن الحياة تستمر. وأن الأجيال تتوالى. وأن الحب لا يموت. "شكراً لك يا حبيبي. هذه أجمل هدية." "هل ستعلميني كيف أرسم مثل أنس؟" "سأعلمك. سأعلمك كل شيء." احتضنته. شعرت بدفئه. شعرت بحبه. شعرت بأن الحياة كانت جميلة. وأنها كانت تستحق العيش. في المساء، اجتمعت العائلة بأكملها في الصالة الكبرى. كانت الطاولة ممتلئة بالأطباق الشهية التي أعدها كمال الصغير (حفيد عمر الذي سمي على اسم كمال الأكبر). كمال الأكبر كان قد توفي قبل خمس سنوات، بعد حياة طويلة مليئة بالحب والعطاء. لكن روحه كانت لا تزال حاضرة في كل ز

  • اشتراها لتكون ظلاً في قصره.. فتحولت إلى شمس لا يطيق فراقها   فصل خاص 1

    مرت عشرون عاماً على تلك الليلة التي جلست فيها ليال على سطح القصر، وتأملت النجوم مع آدم، ووعدا بعضهما بالحب إلى الأبد. عشرون عاماً من الضحكات والدموع، من النجاحات والإخفاقات، من الولادات والوفيات، من البدايات والنهايات. عشرون عاماً حولت ليال من امرأة شابة خائفة إلى سيدة عجوز حكيمة، حولت آدم من رجل جليدي إلى جد حنون، حولت الأطفال إلى رجال ونساء، وجعلت القصر بيتاً للأجيال. الآن، كانت ليال تجلس تحت شجرة الزيتون في الحديقة. كانت شجرة الزيتون نفسها التي جلست تحتها في أول يوم لها في القصر، عندما كانت خائفة، وحيدة، مكسورة. كبرت الشجرة، وكبرت هي. أصبحت جذورها أعمق، وأغصانها أكثر امتداداً، وثمارها أكثر وفرة. وكانت هي أيضاً أصبحت جذورها أعمق في هذه الأرض، في هذه العائلة، في هذا الحب. كان شعرها أبيض بالكامل الآن، لكن عينيها كانتا لا تزالان بنيتين كبيرتين، تلمعان بالحياة والحكمة. كانت ترتدي ثوباً أبيض بسيطاً، وقلادة اللؤلؤ التي لم تفارق عنقها منذ أن أهداها إياها آدم قبل عقود. كانت يداها لا تزالان ترسمان، وإن كانتا أبطأ قليلاً، وأكثر حذراً. كانت تبتسم. كانت تنظر إلى الحديقة المليئة بالأحفاد. كان

  • اشتراها لتكون ظلاً في قصره.. فتحولت إلى شمس لا يطيق فراقها   النهاية 152

    كانت لوحة جميلة. كانت امرأة تجلس تحت شجرة زيتون، ترسم على قماش أبيض. كانت السماء زرقاء، والبحر هادئاً، والورود تزهر حولها. وكانت المرأة تبتسم. كانت مبتسمة وكأنها تعلم أنها مرت بكل شيء، وأنها انتصرت. وكان مكتوباً تحت اللوحة بخط أنس الجميل: "ليال. أمي. معلمتي. حبيبتي." بكت ليال. بكت بحرية. بكت لأنها شعرت بالحب. بكت لأنها شعرت بالفخر. بكت لأنها شعرت بأن كل الألم كان ثمناً صغيراً مقابل هذه اللحظة. "أنس... هذه أجمل هدية في حياتي." "أنتِ أجمل أم في العالم." احتضنته. احتضنته بقوة. شعرت بدفئه. شعرت بحبه. شعرت بأنها وصلت أخيراً. آدم وقف. مشى نحو ليال. أمسك يدها. نظر إلى العائلة. "ليال، لدي شيء لكِ أيضاً." "ماذا؟" أخرج من جيبه علبة صغيرة. فتحها. كان بداخلها خاتم. خاتم من الألماس الأزرق. لون البحر. لون عينيها. لون الحب. "هذا الخاتم كان لأمي. أعطته لي قبل أن تموت. قالت: 'أعطه لمن تستحق. لمن أحببت بصدق. لمن بقيت.' وها أنا أعطيه لكِ. لأنكِ تستحقين. لأنني أحببتكِ بصدق. لأنكِ بقيتِ." "آدم... أنت..." "ليال، أنتِ لم تكوني مجرد زوجة. أنتِ لم تكوني مجرد أم. أنتِ لم تكوني مجرد فنانة.

  • اشتراها لتكون ظلاً في قصره.. فتحولت إلى شمس لا يطيق فراقها   الفصل 151

    في المطار، كانت العائلة بأكملها تنتظر. آدم كان واقفاً بجانب ليال، يمسك يدها. كان يرتدي بدلة زرقاء أنيقة، وشعره ممشوطاً بعناية، وابتسامته لا تفارق وجهه. كان متحمساً مثلها. كان يريد رؤية ابنه. كان يريد احتضانه. كان يريد التأكد أنه بخير. عمر كان يقفز من الفرح. كان يرتدي قميصاً كتب عليه "أنا الأخ الأكبر"، ويحمل لافتة كبيرة كتب عليها: "أهلاً بعودة الفنان العالمي أنس". كان قد خطط لهذه اللافتة منذ أسابيع، ورفض أن يخبر أحداً بها. كان يريد أن يفاجئ أنس. نور كانت في حضن ناديا. كانت ترتدي فستاناً زرقاء فاتحاً، وشعرها الأسود مصففاً في ضفيرتين صغيرتين، وعيناها الزرقاوان تبحثان عن أنس بين الحشود. كانت تكرر: "أنس! أنس! أين أنس؟" ناديا كانت تبتسم. كانت تبكي. كانت تفعل الأمرين معاً. كانت ترتدي ثوباً رمادياً أنيقاً، وشعرها الأبيض مصففاً بعناية، وقلادة من اللؤلؤ أهداها إياها آدم في عيد ميلادها الأخير. كانت فخورة. كانت سعيدة. كانت تنتظر حفيدها. وفجأة، رأوه. أنس. كان يمشي نحوهم بخطى واثقة. كان قد كبر. أصبح أطول، وأكثر وسامة، وأكثر ثقة. كان يرتدي سترة زرقاء داكنة، وسروالاً رمادياً، وحذاءً أنيقاً. كا

  • اشتراها لتكون ظلاً في قصره.. فتحولت إلى شمس لا يطيق فراقها   الفصل 150

    نور كانت أصعبهم. لم تكن تفهم سبب غياب أنس. كانت تفتح باب غرفته كل صباح، تبحث عنه، تناديه: "أنس! أنس!" لكنها كانت تجد الغرفة فارغة. كانت تبكي. كانت تصرخ. كانت ترمي ألعابها. في أحد الأيام، جلست ليال بجانبها على الأرض. كانت تحاول أن تشرح لها بطريقة بسيطة. "نور، أنس سافر إلى باريس. باريس بعيدة. لكنه سيعود. قريباً." "لماذا؟ لماذا راح؟ لماذا تركني؟" "لأنه يريد أن يتعلم الرسم. يريد أن يصبح فناناً مشهوراً. مثل ماما." "لكنني أريده هنا. أريده أن يرسم معي. أريده أن يلعب معي. أريده أن يكون هنا." "سيعود. وسيرسم معك. وسيلعب معك. وسيكون هنا. فقط انتظري قليلاً." "كم قليلاً؟" "قليلاً جداً. وسنزوره في باريس. سنرى برج إيفل. وسنأكل الكرواسان. وسنضحك معاً." "وعد؟" "وعد." هدأت نور. لم تفهم تماماً، لكنها شعرت بالطمأنينة. كانت تعلم أن ماما ليال لا تكذب. كانت تعلم أن أنس سيعود. كانت تعلم أن الحب سيبقى. احتضنت ليال نور. شعرت بدفئها. شعرت بحبها. شعرت بأن الحياة تستمر. وأن الفراق مؤقت. وأن اللقاء قادم. --- ناديا وكمال كانا يتعاملان مع الغياب بطريقتهما الخاصة. ناديا كانت تقضي وقتاً أطول في غرفة أن

  • اشتراها لتكون ظلاً في قصره.. فتحولت إلى شمس لا يطيق فراقها   الفصل 149

    مرت الأيام الأولى بعد سفر أنس كأنها سنوات. القصر كان هادئاً، فارغاً، مختلفاً. لم تعد ضحكات أنس الخجولة تملأ الممرات، ولم تعد خطواته الخفيفة تسمع على الدرج، ولم تعد ألوانه تنتشر على الطاولات والجدران. كانت غرفته لا تزال كما تركها: سرير مرتب، ودفتر رسم مفتوح على آخر صفحة رسمها، وألوان مصفوفة بدقة، ورائحة الزيت والورق التي كانت تفوح منه دائماً. كل شيء كان في مكانه، لكن صاحبه لم يعد هناك. كان الفراغ مؤلماً، صامتاً، ثقيلاً. ليال كانت تشعر به أكثر من أي شخص آخر. كانت تدخل غرفة أنس كل صباح، تجلس على سريره، تلمس وسادته، تنظر من نافذته التي تطل على الحديقة. كانت تتخيله جالساً على كرسيه، يرسم، يبتسم، يرفع عينيه إليها ليقول: "صباح الخير يا ماما." لكن الكرسي كان فارغاً، والابتسامة كانت غائبة، والصوت لم يعد يملأ الغرفة. في اليوم الثالث بعد سفره، جلست ليال على كرسي أنس، وأخذت دفتره المفتوح. كانت تنظر إلى الرسمة الأخيرة التي رسمها قبل أن يسافر. كانت رسمة للعائلة كلها: أب وأم وثلاثة أطفال، وجد وجدة، وكلهم يبتسمون. وكان مكتوباً تحت الرسمة بخطه الجميل: "سأعود. دائماً." بكت ليال. بكت بحرية هذه المرة.

  • اشتراها لتكون ظلاً في قصره.. فتحولت إلى شمس لا يطيق فراقها   الفصل 5

    استيقظ آدم على وقع شيء ناعم على صدره. لم يفتح عينيه مباشرة. ظن للحظة أنه لا يزال في الحلم. ذلك الحلم القديم حيث كانت سيلين لا تزال بجانبه، حيث القصر لم يتحول إلى سجن، حيث كان يضحك كالبشر. لكن الرائحة كانت مختلفة. لا عطر سيلين الفرنسي الثقيل. كانت رائحة ياسمين وخبز طازج وشيء أشبه بدفء الشمس على

  • اشتراها لتكون ظلاً في قصره.. فتحولت إلى شمس لا يطيق فراقها   الفصل 4

    ثلاثة أسابيع. هذا كل ما مضى على دخول ليال قصر آدم. لكنها شعرت وكأنها عاشت هناك عمراً كاملاً. تعلمت خلالها شيئاً واحداً مؤكداً: هذا البيت ليس حجراً وجدراناً. هذا البيت وحش حي يتنفس الأسرار. كل صباح، كانت تستيقظ قبل الجميع. ليس لأنها مجبرة، بل لأن غرفتها كانت تفيض بالضوء من نافذتها الشرقية قبل

  • اشتراها لتكون ظلاً في قصره.. فتحولت إلى شمس لا يطيق فراقها   الفصل 2

    لم تنم ليال تلك الليلة. لا لأن القصر كان مخيفاً، ولا لأن سريرها الجديد كان غريباً عليها. بل لأنها بقيت تحدق في ذلك الظل الصغير تحت باب غرفتها، تنتظر أن يتحرك، أن يتكلم مجدداً، أن يفسر لها ما قاله. لكن الطفل اختفى بهدوء. فجأة، وكأنه لم يكن هناك أصلاً. وكأن الهمس الذي سمعته كان وليد خيالها، أو ل

  • اشتراها لتكون ظلاً في قصره.. فتحولت إلى شمس لا يطيق فراقها   الفصل 1

    صوت المفاتيح كان أول ما سمعته ليال. ليس دقات الطبول، ولا همس الضيوف، ولا حتى إعلان المأذون. كان صوت مفاتيح كبيرة، حديدية، تُدار في قفل ثقيل خلف باب لم تره بعد. وقفت في منتصف صالة القصر الرئيسية، فستانها الأبيض يجر على الرخام البارد ككفن حي. كانت تعلم أنها لن تسمع "مبروك" واحدة حقيقية في هذا اليو

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status