Share

الفصل 7

Author: ريو - Rio
last update publish date: 2026-07-06 17:47:21

​مرت أسابيع قاسية وثقيلة، تغيرت فيها معالم الشقة المتواضعة لتشهد على تناقضٍ صارخ ومؤلم بين عالمين. على جانب، كانت "رندة" تعيش حالة من الرفاهية المفاجئة التي لم تعهدها يوماً. امتلأت خزانة ملابسها بقطع حريرية مغرية، وتلال من الملابس الداخلية المثيرة باهظة الثمن، واصطفت على طاولة المرآة العشرات من زجاجات العطور الفاخرة، ومساحيق التجميل، ومنتجات العناية بالبشرة والجسم. أصبحت رندة تعتني بجسدها بهوسٍ واضح، فقد أدركت أنه رأس مالها الوحيد في هذه المدينة القاسية، والسلاح الذي تنتزع به الحياة.

​وعلى الجانب الآخر، كانت "نور" تعيش جحيماً يومياً. التزمت بقرارها العنيد واستمرت في البحث حتى وجدت عملاً كعاملة نظافة وترتيب في سوبر ماركت كبير. كانت تقضي أكثر من اثنتي عشرة ساعة يومياً، تجر ممسحة الأرضيات الثقيلة، وترص المنتجات على الأرفف العالية حتى تتورم قدماها وتتشقق يداها الناعمتان. وكل هذا الجهد المنهك، كان يقابله في نهاية الأسبوع حفنة ضئيلة من النقود بالكاد تكفي لشراء فتات خبز يسد جوعها الكافر.

​كانت ترفض التنازل، وتتحمل الإهانات المستمرة من الزبائن والمديرين، وتعود كل ليلة لتسقط على سريرها كجثة هامدة، بينما تتأمل رندة وهي تضع عطرها الفاخر قبل الخروج لـ "عملها".

​لكن، وفي إحدى الأمسيات الرمادية الكئيبة، جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير.

​كانت نور تمسح الأرضية في الممر الخلفي المعتم للمتجر، حين اقترب منها صاحب السوبر ماركت. كان رجلاً بديناً بنظرات لزجة، ذكّرها بقذارة زوجها الجزار "منصور" الذي قتلتْه. رمى لها أجرها الزهيد على الأرض بدلاً من أن يعطيها إياه في يدها. وعندما انحنت نور لتلتقطه بانكسار، امتدت يده الخشنة لتتحسس جسدها بوقاحة مقززة، هامساً في أذنها بعرضٍ دنيء ومساومة رخيصة؛ إما أن تخضع لرغباته في المخزن الخلفي وتحصل على مكافأة، أو تُطرد للشارع.

​في تلك اللحظة، تجمدت الدماء في عروق نور. دفعت الرجل بقوة جعلته يترنح، ورمت الممسحة في وجهه، وركضت خارجة من المتجر. هربت تحت المطر الغزير، والدموع تحرق عينيها العسليتين. كانت تركض بلا هدى، وقد تبخر آخر أمل لها في النجاة بشرف. لقد رسخ هذا الموقف قناعتها السوداوية بأن عالم الرجال كله مبني على استغلالها، ولا مجال للنجاة بشرف. استغلال جسدها سيحدث في كل الأحوال، سواء بمسح الأرضيات مقابل الفتات، أو على السرير.

​عادت نور إلى الشقة منهكة، مبللة بالمطر، جائعة، ومحطمة الكبرياء، لتجد "رندة" تجلس أمام المرآة تتناول طعاماً دافئاً وتعيش برفاهية نسبية بفضل عملها الجديد. نظرت نور إلى الطعام، ثم إلى يديها المتشققتين من سوائل التنظيف.

​هنا، سقط جدار المقاومة الأخير تحت وطأة الجوع واليأس.

​جلست نور على الأرض، وبدأت تلتهم الطعام بشراهة ودموع القهر تنزلق على خديها. وعندما أنهت آخر لقمة، مسحت فمها، ورفعت عينيها نحو رندة بنظرة خالية من الحياة.

"أريد العمل معكِ." قالتها نور بصوت خافت لكنه حاسم. وتعلِن استسلامها وموافقتها على عرض "رندة". لكن هذا الرضوخ لا يعني تخليها عن كراهيتها، بل على العكس، تتوهج الكراهية بداخلها وتقرر أن تبيع جسدها كأداة للبقاء فقط، مع احتقار مطلق لمن سيدفعون الثمن.

​في مساء اليوم التالي، قادت رندة صديقتها إلى نادٍ ليلي صاخب للقاء القواد "شوقي". كان يجلس في غرفة خلفية فخمة، ينفث دخان سيجاره الكوبي. بمجرد أن دخلت نور، تجمد شوقي في مكانه وسقط السيجار من بين شفتيه. اتسعت عيناه وهو يتأمل ملامحها الملائكية، وبشرتها البيضاء، وقوامها الأنثوي الطاغي رغم ملابسها البسيطة. التمعت عيناه بجشع واضح؛ لقد انبهر بجمال "نور" الصارخ وأدرك أنه عثر على كنزٍ سيجلب له ثروة طائلة. رحب بها بحرارة مبالغ فيها، وعاملها كملكة متوجة، وتم الاتفاق على أن يحضر أول زبون لها الليلة.

​عادت الفتاتان للاستعداد. في غرفتهما، فتحت رندة خزانتها وبدأت في مشهد تجهيز "رندة" لصديقتها (وضع مساحيق التجميل، اختيار ملابس تبرز مفاتنها الملائكية وتخفي انكسار روحها). أعارتها فستاناً حريرياً قصيراً بلون أسود قاتم، يعانق منحنيات جسدها بدقة متناهية ويبرز فتنتها الصارخة. أجبرتها على ارتداء ملابس داخلية من الدانتيل الأحمر المثير، ثم أجلستها أمام المرآة. بدأت رندة بوضع مساحيق التجميل لصديقتها؛ أحمر شفاه صارخ، وكحل أسود زاد من اتساع وسحر عينيها العسليتين. كانت رندة تصنع من نور تحفة فنية للإغراء، بينما كانت نور تنظر لانعكاسها في المرآة وكأنها ترى امرأة غريبة... شيطانة ترتدي قناع ملاك.

​بعد ساعات، وقفت نور في الممر الخافت والمفروش بالسجاد الأحمر لأحد الفنادق الفاخرة. كان الهواء بارداً، لكن برودة قلبها كانت أشد. وقفت أمام الباب الخشبي الضخم لغرفة زبونها الأول.

​أغمضت عينيها لثانية، وابتلعت ريقها. ثم فتحتهما، ورفعت يدها ببطء نحو الباب. ودعت آخر ذرة كبرياء لها وهي تضع يدها المرتجفة على مقبض الباب، ترسم على وجهها قناع الغواية المزيف والابتسامة الباردة، بينما يغلي بداخلها بركان من الاشمئزاز والكراهية للرجل الذي ينتظرها بالداخل.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الأرملة السوداء   النهاية

    إلى قرائي الأعزاء، رفاق هذه الرحلة المظلمة.. ​أعلم أن هذه النهاية الصادمة تركت في قلوبكم غصة، وربما كان الكثير منكم يبحث عن نهاية سعيدة تريح "أدهم" و"نور" وتُتوّج حبهما. ​لكن دعونا نتحدث بصراحة؛ الحياة لا تضمن لنا النهايات السعيدة دائماً. الواقع ليس ناصع البياض، بل هو مزيج معقد من الأبيض والأسود، الخير والشر، الفرح والحزن، الخطيئة والتوبة. ​لو نجيا معاً وتجاهلنا كل تلك الدماء، لكانت قصة مستهلكة تُنسى بمجرد إغلاق الشاشة. أدهم كان يجب أن يدفع ثمن تضحيته، ونور كان يجب أن تدفع ثمن ماضيها المظلم رغم صدق توبتها. هذه هي عدالة الكون التي تجعل القصة واقعية، لتظل محفورة في ذاكرتكم للأبد. أتمنى أن تسامحوني على تحطيم قلوبكم! ​والآن، دعونا نطوي "الملف الأزرق"، وندخل في مغامرة جديدة! أدعوكم جميعاً للذهاب فوراً لقراءة الفصل الثاني من روايتكم "خطيئة بريئة" الذي بدأنا بنشره حديثاً، لنستكمل معاً رحلة جديدة من التشويق. ​وليس هذا فحسب.. أعدكم بـ رواية جديدة كلياً تُطبخ الآن على نار هادئة، قادمة قريباً جداً لتتلاعب بعقولكم ومشاعركم بطرق لم تتخيلوها.. فاستعدوا! ​شكراً لكل تعليق، لكل توقع، ولكل

  • الأرملة السوداء   الفصل 105

    اخترقت أضواء سيارات الشرطة الحمراء والزرقاء خشب الكوخ المتهالك، فحولته من ملاذ دافئ إلى مصيدة موت محكمة. في الخارج، كانت قوات الشرطة الخاصة تطوق المكان بالكامل، والأسلحة الآلية مصوبة نحو الباب والنافذة، بينما تردد صدى مكبر الصوت مجدداً يمزق سكون الغابة: "المقدم أدهم.. لا تحاول المقاومة! المكان محاصر بالكامل، سلم نفسك وسلم المتهمة ولن يتعرض أحد للأذى!" ​داخل الكوخ، كان أدهم يقف كالجبل الشامخ، مسدسه في يده اليمنى، وعيناه تلتمعان ببريق وحش ثائر وقرر أن يقاتل حتى آخر قطرة من دمه. ​نظرت نور إليه بانهيار، واقتربت منه تمسك بذراعه وهي تبكي بهستيريا: "أدهم، أرجوك! ضع السلاح! سأسلم نفسي، لا تقتلهم ولا تدعهم يقتلونك.. لقد انتهى كل شيء!" ​التفت أدهم نحوها، ولم تكن ملامحه تحمل أي ذرة من الاستسلام. أمسكها من كتفيها بقوة، ودفعها نحو الباب الخلفي الصغير للكوخ والذي يطل مباشرة على عمق الغابة المتشابكة والمظلمة. ​"اسمعيني جيداً يا نور!" قال أدهم بصوت حازم وسريع كطلقات الرصاص: "ستخرجين من هذا الباب الآن! اركضي بأقصى سرعتك بين الأشجار، لا تنظري خلفكِ، ولا تتوقفي مهما سمعتِ من أصوات! الظلام والغ

  • الأرملة السوداء   الفصل 104

    ​بعد ساعات طويلة من القيادة الجنونية المتواصلة، بدأ الفجر ينسج خيوطه الرمادية الكئيبة. توقفت سيارة أدهم أخيراً في أطراف بلدة نائية تقع على الحدود تماماً، حيث تمتد غابة شاسعة وموحشة تفصل بين البلدين، وتُعرف بأنها الملاذ الأخير للمطاردين، وطريق المهربين السري نحو المجهول. ​ترك أدهم سيارته مخبأة خلف كثبان رملية، وقاد نور عبر مسارات وعرة حتى وصلا إلى كوخ خشبي متهالك يقبع على حافة الغابة الكثيفة. هناك، التقى أدهم بـ "المهرب"، رجل ذو ملامح قاسية وعينين لا تعرفان سوى لغة المال. ​دفع أدهم للمهرب مبلغاً كبيراً من مدخراته، واتفق معه على كل التفاصيل. دفع أيضاً مبلغاً إضافياً لمزور محترف يعمل مع الشبكة، ليقوم باستخراج هويات وجوازات سفر مزورة لهما بأسماء جديدة كلياً؛ كان أدهم يدرك أن "قضية الأرملة السوداء" قد تصدرت الأخبار، وأن اسميهما سيُدرجان في قوائم الإنتربول، لذا كان طمس هويتهما القديمة هو أملهما الوحيد في بدء حياة جديدة كلاجئين في بلد غريب. ​"الرحلة لن تنطلق اليوم،" قال المهرب وهو يَعُد رزم المال ببرود: "نحن لا نتحرك بشخصين فقط، هذا خطر وغير مجدٍ. انتظروا في هذا الكوخ لثلاثة أيام حتى ت

  • الأرملة السوداء   الفصل 103

    ​كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل، حين توقفت سيارة "أدهم" ذات الدفع الرباعي في الزقاق الخلفي المظلم والملاصق لأسوار السجن المركزي. ارتدى سترته الجلدية السوداء، وتفقد مسدسه في حزامه، ثم سحب نفساً عميقاً من هواء الليل البارد، وتوجه نحو الباب الجانبي المخصص لدخول الضباط. ​بصفته مقدماً في المباحث الجنائية، كان يحق له الدخول في أي وقت لتفقد السجناء ذوي الأهمية القصوى. دخل أدهم وتوجه مباشرة نحو مكتب ضباط الحراسة الليلية. اصطنع الهدوء التام، وتحدث مع الضابطين المناوبين بحجة مراجعة بعض الأوراق الخاصة بنقل "نور" لمستشفى السجن غداً لإجراء فحص روتيني قبل تنفيذ الإعدام. وأثناء انشغال الضابطين بمراجعة الملفات وتجهيز القهوة في الغرفة المجاورة، تسللت يد أدهم بخفة وسرعة ليلتقط "المفتاح الرئيسي" لجناح الإعدام من لوحة المفاتيح المعلقة على الجدار، ودسه في جيبه. ​انسحب أدهم من المكتب بحجة تفقد الجناح بنفسه. مشى في الممرات المعتمة كشبح لا يصدر صوتاً، مستغلاً معرفته الدقيقة بأماكن الكاميرات وتوقيت دوريات الحراس المتراخية في هذا الوقت المتأخر. ​وصل إلى الزنزانة الانفرادية الأخيرة. أدخل الم

  • الأرملة السوداء   الفصل 102

    ​مرت أيام ثقيلة على زيارة حازم، ولم يتبقَّ على موعد تنفيذ حكم الإعدام في "نور" سوى سبعة أيام فقط. ​في ذلك الصباح الكئيب، عاد "أدهم" إلى عمله في مديرية الأمن لسبب في نفسه لا يعلم به أحد؛ بصفته مقدم مباحث، يمتلك تصريحاً أمنياً يتيح له دخول جناح المحكومين بالإعدام في السجن المركزي دون إثارة الشبهات. ​مشى أدهم في الممر الطويل والمظلم، حيث تردد صدى خطوات حذائه العسكري على الأرضية الأسمنتية الباردة كدقات ساعة الموت. كان الهواء ثقيلاً، مشبعاً برائحة اليأس والنهايات. توقف أمام الزنزانة الانفرادية الأخيرة، وأومأ للحارس بصمت ليفتح الباب الخارجي ويتركهما بمفردهما خلف القضبان الحديدية الداخلية. ​رفع أدهم نظره نحو داخل الزنزانة، وشعر بقلبه يُنتزع من بين ضلوعه. ​كانت نور تجلس على حافة السرير المعدني، ترتدي تلك البدلة الحمراء التي كانت تبدو واسعة جداً على جسدها النحيل. كان شعرها الأسود الفاحم منسدلاً، ووجهها الخالي من مساحيق التجميل يبدو شاحباً كالقمر، لكنه يحمل سكينة غريبة لا تمت بصلة للمكان الذي تقبع فيه. ​عندما سمعت نور صوته، رفعت رأسها. اتسعت عيناها العسليتان، ولمعت فيهما دموع الشوق وا

  • الأرملة السوداء   الفصل 101

    قبل أسبوعين من موعد تنفيذ الحكم، وفي ساعة من ساعات الظهيرة الهادئة داخل السجن المركزي، أُبلغت "نور" بأن لديها زائراً استثنائياً سمحت له الإدارة بالدخول نظراً لحالته الصحية الحرجة. ​مشت نور بخطوات ثقيلة خلف الحارس نحو غرفة الزيارات الفردية الخاصة. وعندما فُتح الباب، تجمدت قدماها على العتبة، وتجمعت الدموع فوراً في عينيها. ​كان يجلس خلف الطاولة الخشبية الفاصلة رجلٌ مألوف، لكنه بدا كشبح لنفسه القديمة. إنه "حازم".. ذلك الشاب الوسيم، الخجول، والمهذب، الذي اصطحبها ذات ليلة للعشاء والسينما دون أن يجرؤ على لمس يدها، والذي تحولت شقته الدافئة لاحقاً إلى ملاذها النفسي الوحيد للهروب من قذارة عالمها. ​لكن حازم اليوم لم يكن يرتدي تلك الملابس الأنيقة التي عرفته بها، ولم تكن ملامحه تضج بالشباب. كان جسده نحيلاً بدرجة مرعبة، ووجهه شاحباً كالموتى، وقد تساقط شعره بالكامل، وغطت الهالات السوداء العميقة محيط عينيه اللتين فقدتا الكثير من بريقهما. ​"حازم..." همست نور بنبرة يكسوها الذهول والحزن، وهي تتقدم ببطء نحو الطاولة. ​رفع حازم رأسه بتثاقل، وارتسمت على شفتيه الذابلتين ابتسامة حنونة وصادقة، وقال ب

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status