LOGIN
كانت الليلة شديدة البرودة، والرياح تعصف بعنف خارج جدران ذلك الكوخ النائي الواقع عند أطراف أراضي القطيع. في الداخل، لم يكن هناك سوى صوت أنفاس "إيلارا" المتلاحقة واللاهثة، وهي تقبض بأصابعها المرتجفة على حواف الفراش الخشبي المهترئ.كل دفقة ألم كانت تمزق جسدها، لكن الألم الأكبر كان يكمن في صدرها. لم تكن هناك طبيبة، ولم تكن هناك رعاية تليق بزوجة قائد العشيرة، بل فقط قابلة عجوز أرسلها القطيع كنوع من تأدية الواجب لامرأة "بشرية" ولدت بلا روح ذئب، وعاشت بينهم كوصمة عار.مع الصرخة الأخيرة التي شقت صمت الغرفة الباردة،
اندفع صوت بكاء حاد ملأ الأرجاء. تراجعت القابلة خطوة إلى الوراء، وتغيرت ملامح وجهها العجوز من البرود إلى الصدمة والذهول وهي تتأمل الرضيع، ثم همست بنبرة مرتعشة: "إنه ذكر... ومقدس! هالة الألفا تتدفق في عروقه كالشلال!" بين دموع تعبها الشديد، ابتسمت إيلارا بضعف مدّت ذراعيها المنهكتين لتأخذ طفلها. في تلك اللحظة، ظنت غافلة أن هذا الصغير سيكون طوق نجاتها، وأنه سيجلب لها أخيراً التقبل الذي حُرمت منه، والحب الذي انتظرته طويلًا من الرجل الذي يحتل قلبها. لكن الأوهام لا تعيش طويلاً في عالم المستذئبين.فجأة، انفتح الباب الخشبي بعنف، ليدخل الألفا "كاسيان" بهيبته الطاغية وجسده الفارع الذي سدّ الأفق. كانت رائحة المطر والغابة العميقة تفوح منه، وهالته المرعبة تجعل الجدران تكاد تهتز. لكن عينيه الحادتين كالصقر لم تنظرا إلى إيلارا المستلقية بضعف على الفراش. لم يتقدم ليطمس على رأسها أو يمسح عرقها.بل تجاوزها ببرود قاتل، وانحنى ليرفع الرضيع من بين يدي القابلة.تأمل كاسيان ملامح طفله، وارتسمت على شفتيه ابتسامة فخر جافة ومتغطرسة، ثم التفت بنظراته الباردة نحو إيلارا وقال بصوت رخيم وصارم كأنه يلقي حكماً عسكرياً:— "لقد قمتِ بواجبكِ تجاه القطيع بنجاح يا إيلارا، ووفرتِ لنا الوريث الشرعي. لكن... لا تتأملي منا أكثر من ذلك. مكانتكِ هنا لن تتغير." وقبل أن تستوعب إيلارا صفعة كلماته التي حطمت قلبها، ظهر خيال أنثوي عند عتبة الباب. دلفت "سيرافينا" بخطوات واثقة، مرتدية فستاناً من الحرير يتناقض تماماً مع بؤس الغرفة، وعلى وجهها ابتسامة نصر خبيثة. تقدمت "سيرافينا" من كاسيان بكل وقاحة، تمد ذراعيها لتأخذ الرضيع وهي تقول بنعومة الأفاعي:— "كم هو جميل يا كاسيان... إنه يشبهك تماماً. والآن، دعني أساعدك في العناية بـوريثنا." ما إن رأت إيلارا يدي سيرافينا تقتربان من طفلها، حتى اشتعلت داخلها غريزة أمومة مرعبة تغلبت على كل آلام جسدها المنهك. وبحركة فجائية اندفعت من فوق الفراش البارد، وصرخت بنبرة مبحوحة ومليئة بالذعر: "ابتعدي عنه! لا تلمسيه!" حاولت إيلارا بكل ما تبقّى لها من قوة أن تجذب طفلها وتنتزعه من بين يديهما، متجاهلة الدوار الذي يعصف برأسها. لكن كاسيان بمجرد حركة واحدة من ذراعه الصلبة، دفعها ببرود لتسقط عائدة على الفراش بضعف. نظر إليها من الأعلى بعيون خالية من أي رحمة، وقال بنبرة حادة وصارمة كالسيف: "الزمي حدّكِ يا إيلارا. سيرافينا ستشرف على تربية الوريث ليكون قادراً على قيادة القطيع، فامرأة بشرية بلا روح ذئب مثلكِ لن تصنع منه ألفا." لم يفعل كاسيان شيئاً لمنع سيرافينا، بل سمح لها بأخذ الطفل والخروج من الغرفة وهي تبتسم بانتصار. بقيت إيلارا وحدها في الظلام، تنظر إلى ذراعيها الفارغتين، ودموع الصدمة والانكسار تحرق وجنتيها.في تلك الليلة، وعلى ذلك الفراش البارد، وبينما كان صوت بكاء طفلها يبتعد، وُلد شيء آخر داخل إيلارا... وُلدت الرغبة العارمة في التحرر من قيد الألفا، واستعادة طفلها مهما كلفها الثمن.عند الحدود الشمالية المتاخمه للغابة المحرمة، ساد هدوء مريب انقطع فجأة باضطراب حاد في الطقس. بدأت الرياح تدور في حلقات عنيفة، واهتزت أوراق الأشجار العملاقة رغماً عن سكون الجو في المناطق المجاورة. كانت "ليرا" تقف في الظلام خلف حافة الضباب الكثيف، تقود فرقة صغيرة من نخبة محاربي اللايكان. وبناءً على الرسالة السحرية التي تلقتها من إيلارا عبر القلادة، رفعت ليرا يدها وأعطت إشارتها للجنود. لم يتقدم المحاربون خطوة واحدة نحو أراضي المستذئبين، ولم يظهروا أجسادهم، بل أطلقوا بالتزامن نبضات طاقة جسدية مكثفة وموجهة نحو خط الحدود، محدثين دويًا صامتاً تسبب في اهتزاز الأرض بشكل خفيف ومتواصل تصاعدت معه الأتربة في الهواء.في القصر الملكي، ارتجفت النوافذ الزجاجية فجأة، ودقت طبول الطوارئ بعنف شق صمت المساء. اندفعت مجموعات الحراس في الردهات، واصطدمت الأبواب رعباً من هذا التهديد المجهول. في مكتبه، انتفض الألفا "كاسيان" فور سماعه تقارير الحراس المرعوبين؛ فالمستذئبون لم يشعروا طوال تاريخهم بمثل هذه القوة المباغتة والمقلقة عند حدودهم. وبدافع غريزته القيادية لحماية قطيعه وأراضيه من أي غزو محتمل، أصدر كاسيان أمر
انتصفت ليلة القطيع، وغرق القصر الملكي في سكون مطبق لم يقطعه سوى صفير الرياح الجافة عبر الممرات الحجرية. تأكدت "إيلارا" من نوم طفلها "ليو" بعمق، ثم نهضت من فراشها البسيط بخطوات صامتة كخيال مألوف. لم تكن بحاجة لإشعال أي ضوء؛ فتدريباتها في أرض اللايكان جعلت عينيها ترى تفاصيل العتمة بوضوح. تسللت عبر المخرج الخلفي لجناحها، متفادية مسارات الحرس بدقة مستغلة معرفتها القديمة بجدول نوباتهم.كان هدفها واضحاً: الجناح الخاص بـ "سيرافينا". نجحت في التسلل عبر شرفة الجناح الجانبية المستترة بالظلال، ودلفت إلى الداخل مستغلة غياب سيرافينا التي كانت تجلس مع بعض نساء القطيع في القاعة السفلية. بدأت إيلارا تفتش الأدراج الخشبية الفخمة وخلف الستائر بهدوء تام دون ترك أي أثر يدل على وجودها. خلف لوحة معلقة في زاوية الغرفة، عثرت على تجويف سري صغير يحتوي على زجاجة قاتمة مغلقة بإحكام.فتحت الزجاجة بحذر، واشتمت رائحتها بحواسها الحادة.لم تكن رائحة سم عادي، بل كانت خليطاً نفاذاً من رماد نبات "المورغانا" المحرم والأعشاب السامة المخلوطة بدماء فاسدة. تذكرت فوراً كتابات السحر الملكية التي قرأتها في مكتبة والدتها؛ هذا ال
لم يكن العيش داخل جدران قصر الألفا كاسيان يعني الاستسلام، بل كان بمثابة مراقبة الصياد لفرائسه من داخل عرينهم. ومع إشراقة صباح اليوم الأول، رفض الألفا كاسيان بروح ثائرة كبريائه أن تأكل رفيقته وابنه وريث الدم من طعام القصر العادي أو الخدم، فأمر الطهاة بإعداد أفخم أنواع اللحوم والمأكولات الملكية الطازجة، وتوجه بنفسه يحمل الأطباق نحو غرفتها القديمة الباردة، مدفوعاً بلهفة الأب وجحيم الندم الذي يحرق وجدانه ويريد كسب رضا طفله بأي طريقة.دلف كاسيان إلى الغرفة بهيبته الطاغية ورائحة الغابة والمطر تفوح منه، ووضع الأطباق الفخمة المذهبة فوق الطاولة الخشبية البسيطة. التفت نحو الصغير "ليو" الذي كان يجلس بهدوء فوق مقعد صغير، وجثا الألفا على ركبتيه ليكون بمستوى طوله، ومد يده المرتجفة بقطعة من اللحم الناضج يحاول إطعام ابنه بنفسه، وعيناه الرماديتان تلمعان ببريق عاطفي باَكٍ وهو يقول بنبرة رخيمة دافئة خافتة: "ليو.. يا بني الصغير.. خذ هذا الطعام من يد والدك. لقد حُرمتُ من رؤيتك لعامين، وجسدك الصغير يحتاج القوة ليعوض أيام الحرمان والبرد. ارجوك.. اقترب مني."لكن رد فعل الطفل جاء صاعقاً وممزقاً لروح الألف
وقفت إيلارا على حافة الغابة المحرمة، تتأمل الضباب الكثيف الذي يفصل بين عالمين؛ عالم مملكة اللايكان الفخمة التي احتضنتها وصنعت منها ملكة، وعالم قطيع المستذئبين الظالم الذي ذاقت فيه الويلات. لم تكن ترتدي درعها الفضي المصقول، ولا عباءتها الحريرية الزرقاء. بدلاً من ذلك، كانت ترتدي ثوباً قديماً وبسيطاً، رمادي اللون وممزق الحواف، تعمدت اختياره بعناية لخداع أعدائها. لقد أخفت هالتها الفضية والذهبية بالكامل خلف حواجز سحرية ملكية، لتبدو أمام الجميع مجرد امرأة بشرية منكسرة، منهكة، وجائعة، عادت لتستجدي العطف العائلي .بجوارها، كانت والدتها الملكة تقف بهيبتها الطاغية، وعيناها الذهبيتان تلمعان بدموع الفراق والقلق. ربتت الملكة على كتف ابنتها وهمست بنبرة دافئة ممتلئة بالحب: "إيلارا.. يا قلب أمكِ. روحي ترتعد خوفاً من عودتكِ إلى ذلك الوكر اللعين، حتى وإن كانت هذه خطتكِ. تذكري أن جيشنا بقيادة ليرا يعسكر الآن في الخفاء التام خلف حدود هذا الضباب. بـإشارة واحدة من قلادتكِ، سنحرق حدود قطيعهم ونقلب قصرهم رأساً على عقب لحمايتكِ." ابتسمت إيلارا ابتسامة غامضة وهادئة، ونظرت إلى والدتها بثقة مفرطة قائلة
على الجانب الآخر من الغابة المحرمة، حيث تقبع مملكة اللايكان المخفية تحت حماية تعاويذ الإخفاء القديمة، كانت الأجواء مختلفة تماماً. لم يكن هناك شحوب أو ضعف، بل كانت الساحة الملكية الكبرى للقصر الفضي تنبض بالطاقة العسكرية المهيبة. كانت شمس الصباح تعكس بريقها فوق الدروع الفضية للمحاربين الذين اصطفوا باحترام تام على جوانب الساحة، تملأ قلوبهم الهيبة وهم يراقبون القتال العنيف الدائر في المنتصف.في وسط الساحة، كانت هناك امرأة تتحرك بخفة خارقة وبسرعة لا يمكن لعين بشرية أو حتى ذئب عادي ملاحقتها. كانت ترتدي درعاً فضياً مصقولاً بعناية يحمل شعار "الذئب ذو الأجنحة"، وتتطاير خلفها عباءة من الحرير الأزرق الملكي الداكن. وبحركة التوائية ذكية، تفادت ضربة سيف قادمة من أعتى قادة حرس اللايكان، واستدارت بسرعة مرعبة لتسدد له ركلة قوية في صدره دفعت بجسده الضخم ليتهاوى أرضاً وسط غبار الساحة، مسببة صوتاً مدوياً أتبعه صمت مذهول من الحاضرين.تنفست الصعداء، وغمدت سيفها الفضي الطويل بخفة واحترافية عالية، ثم التفتت نحو المرآة الكبيرة الموضوعة عند حافة ساحة التدريب لتتأمل انعكاس صورتها. لم تكن هذه المرأة سوى "إيلارا
مر عامانعامان كاملان على تلك الليلة العاصفة التي اهتزت فيها أركان القصر الملكي. عامان كاملان والبحث لم يتوقف لثانية واحدة، وعامان ورابطة الرفيق المكسورة تنهش في روح الألفا وجسده كالنار المستعرة التي لا تنطفئ. لم تعد أراضي القطيع كما كانت في السابق؛ فقد خيّم عليها الشحوب والضعف، وباتت الهيبة التي تميز بها القطيع مجرد ذكريات رمادية تحيط بقائد تحول إلى نسخة مظلمة ومحطمة من نفسه. لقد أعلن الحرب، واستنفر الجيوش، وقلب المحاربون الأرض حجراً بحجر، فتشوا الكهوف والوديان، وعبروا مسارات الغابات المحرمة، لكن كل جهودهم باءت بالفشل الذريع، وكأن إيلارا وطفلها قد تبخرا في الهواء ولم يتركا خلفهما ذرة أثر واحدةداخل مكتبه الواسع ذي الجدران الخشبية الداكنة، كان الألفا "كاسيان" يجلس خلف مكتبه الضخم. ملامحه الحادة والصارمة التي كانت ترعب الأعداء في الماضي غطاها الشحوب التام والهزال، وعيناه الرماديتان اللتان كانتا تشعان بالسطوة والكبرياء أصبحتا غائرتين يملؤهما السواد وجحيم السهر المستمركان الطاولة أمامه مغطاة بالكامل بتقارير البحث الفاشلة، والخرائط الممزقة عند الحواف من فرط نوبات غضبه العارم التي كان