Home / المذؤوب / التحرر من قيد الألفا / الردما الذي يسبق الاعصار

Share

الردما الذي يسبق الاعصار

last update publish date: 2026-07-24 03:09:21

لم يكن قرار الهروب وليد اللحظة، بل كان نتيجة ثلاثة أسابيع من الجحيم الصامت.

ثلاثة أسابيع تعمدت فيها "إيلارا" إظهار الاستسلام المطلق؛ تنفذ الأوامر بصمت، وتتحمل النظرات الشامتة من أفراد القطيع الذين رأوا فيها مجرد "وعاء بشرى" انتهت مهمته بمجرد ولادة الوريث.

في الصباح الذي سبق ليلة الرحيل، كانت إيلارا تجلس في ركن الغرفة الباردة، وذراعاها ترتجفان شوقاً لضم طفلها. انفتح الباب فجأة، ودخلت "سيرافينا" مرتدية فستاناً من الحرير الفاخر، وتحمل الرضيع بين يديها بتعمد واضح لإثارة قهرها

.تقدمت سيرافينا ووقفت أمام إيلارا، ثم قالت بنبرة باردة ومليئة بالغطرسة:—

"لقد سمحتُ لكِ برؤيته لنصف ساعة فقط اليوم يا إيلارا. تذكري جيداً، كاسيان منحني الحق الكامل في إدارة شؤون هذا الطفل. أنتِ لستِ مؤهلة لتربية ألفا مستقبلي بمشاعركِ البشرية الضعيفة."

اخذت إيلارا طفلها برفق ممزوج بالخوف، وضمته إلى صدرها تشم رائحته وتبكي بصمت، بينما كانت سيرافينا تراقبها بابتسامة نصر خبيثة قبل أن تلتفت وتغادر الغرفة تاركة خلفها غصة تخنق أنفاس الأم.في المساء، حاولت إيلارا المحاولة الأخيرة. توجهت إلى مكتب الألفا "كاسيان" لعل وعسى تجد في قلبه بقايا الرحمة التي أقسم عليها يوماً. عندما دخلت، كان كاسيان يجلس بهيبته الطاغية ورائحة الغابة تفوح منه، لكن عينيه الرماديتين كانتا باهتتين، تكسوهما غشاوة مظلمة خالية من الروح كأنه يتحرك بلا إرادة كاملة.وقفت إيلارا أمامه وقالت بنبرة مبحوحة:

"كاسيان.. أرجوك. إنه طفلي.. لا تحرمني منه وتتركه لسيرافينا."

لم ينظر إليها كاسيان حتى. أجابها بصوت جاف ورخيم، يحمل نبرة طاعة مريبة لسيرافينا التي كانت تقف في الظل خلف مقعده:

"القرار صُدر يا إيلارا، وسيرافينا هي الأنسب لقيادة شؤون وريث القطيع. عودي إلى غرفتكِ والزمي حدودكِ."

في تلك اللحظة، عندما رأت إيلارا الغشاوة في عينيه وانصياعه الأعمى لسيرافينا، أدركت أن الرجل الذي أحبته قد مات، وأن بقاءها هنا يعني تدميرها وتدمير ابنها.خرجت من المكتب بخطوات حاسمة لترتطم بـ "ليرا" في الممر المظلم

. كانت ليرا، الفتاة اليتيمة المنبوذة مثلها، تنتظرها بعيون تشع بالذكاء والجرأة. سحبتها ليرا إلى الزاوية وهمست بصوت منخفض:

"رأيتُ كل شيء.. الليلة هي الفرصة المثالية يا إيلارا. الحراس سينشغلون بمراسم تجديد الولاء عند الشلال الشمالي بعد منتصف الليل، والقصر سيكون شبه فارغ. هل أنتِ مستعدة؟"

مسحت إيلارا دموعها بقوة، وتحول انكسارها إلى صلابة مرعبة وقالت:

مستعدة يا ليرا. لن أقضي ليلة أخرى تحت هذا السقف اللعين.

ومع حلول منتصف الليل، انفتحت أبواب السماء بغيث مرعب، وصوت الرعد غطى على كل حركة داخل القصر. تحركت الصديقتان كالأشباح؛ قادت ليرا الطريق بخفة مستغلة معرفتها الدقيقة بزوايا الحراسة، حتى وصلتا إلى غرفة الرضيع. استغلت ليرا انشغال الحارس الأخير وتسللت لتأمين الممر الخلفي، بينما اندفعت إيلارا إلى الداخل وحملت طفلها النائم، وضمتّه إلى صدرها وكأنها تغلق عليه ضلوعها.التفتت إلى ليرا وأومأت برأسها:

"لقد أخذته.. لننطلق."

تسللت الصديقتان نحو المخرج السري، ومنه إلى الغابة المظلمة حيث كانت الرياح تلطم وجوههن ببرودة قاسية. كانت الأرض الموحلة تعيق خطوات إيلارا الضعيفة بسبب الولادة، لكن ليرا كانت تسندها بقوة تحمل كل معاني الأخوة، وتدفعها للأمام وسط أشجار الصنوبر العملاقة.نظرت إيلارا خلفها لمرة أخيرة نحو أضواء القصر البعيدة، وهمست في سرها والدموع تختلط بماء المطر:

"وداعاً يا كاسيان.. اليوم أتحرر من قيدك، ويوم نلتقي مجدداً، ستدفع ثمن كل قطرة دموع سقطت من عيني."

وغابت الفتاتان داخل ضباب الغابة المحرمة، تاركتين خلفهما قطيعاً سيستيقظ بعد ساعات على زلزال اختفاء الوريث.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • التحرر من قيد الألفا   مناورات في الظل

    عند الحدود الشمالية المتاخمه للغابة المحرمة، ساد هدوء مريب انقطع فجأة باضطراب حاد في الطقس. بدأت الرياح تدور في حلقات عنيفة، واهتزت أوراق الأشجار العملاقة رغماً عن سكون الجو في المناطق المجاورة. كانت "ليرا" تقف في الظلام خلف حافة الضباب الكثيف، تقود فرقة صغيرة من نخبة محاربي اللايكان. وبناءً على الرسالة السحرية التي تلقتها من إيلارا عبر القلادة، رفعت ليرا يدها وأعطت إشارتها للجنود. لم يتقدم المحاربون خطوة واحدة نحو أراضي المستذئبين، ولم يظهروا أجسادهم، بل أطلقوا بالتزامن نبضات طاقة جسدية مكثفة وموجهة نحو خط الحدود، محدثين دويًا صامتاً تسبب في اهتزاز الأرض بشكل خفيف ومتواصل تصاعدت معه الأتربة في الهواء.في القصر الملكي، ارتجفت النوافذ الزجاجية فجأة، ودقت طبول الطوارئ بعنف شق صمت المساء. اندفعت مجموعات الحراس في الردهات، واصطدمت الأبواب رعباً من هذا التهديد المجهول. في مكتبه، انتفض الألفا "كاسيان" فور سماعه تقارير الحراس المرعوبين؛ فالمستذئبون لم يشعروا طوال تاريخهم بمثل هذه القوة المباغتة والمقلقة عند حدودهم. وبدافع غريزته القيادية لحماية قطيعه وأراضيه من أي غزو محتمل، أصدر كاسيان أمر

  • التحرر من قيد الألفا   رماد الخديعة

    انتصفت ليلة القطيع، وغرق القصر الملكي في سكون مطبق لم يقطعه سوى صفير الرياح الجافة عبر الممرات الحجرية. تأكدت "إيلارا" من نوم طفلها "ليو" بعمق، ثم نهضت من فراشها البسيط بخطوات صامتة كخيال مألوف. لم تكن بحاجة لإشعال أي ضوء؛ فتدريباتها في أرض اللايكان جعلت عينيها ترى تفاصيل العتمة بوضوح. تسللت عبر المخرج الخلفي لجناحها، متفادية مسارات الحرس بدقة مستغلة معرفتها القديمة بجدول نوباتهم.كان هدفها واضحاً: الجناح الخاص بـ "سيرافينا". نجحت في التسلل عبر شرفة الجناح الجانبية المستترة بالظلال، ودلفت إلى الداخل مستغلة غياب سيرافينا التي كانت تجلس مع بعض نساء القطيع في القاعة السفلية. بدأت إيلارا تفتش الأدراج الخشبية الفخمة وخلف الستائر بهدوء تام دون ترك أي أثر يدل على وجودها. خلف لوحة معلقة في زاوية الغرفة، عثرت على تجويف سري صغير يحتوي على زجاجة قاتمة مغلقة بإحكام.فتحت الزجاجة بحذر، واشتمت رائحتها بحواسها الحادة.لم تكن رائحة سم عادي، بل كانت خليطاً نفاذاً من رماد نبات "المورغانا" المحرم والأعشاب السامة المخلوطة بدماء فاسدة. تذكرت فوراً كتابات السحر الملكية التي قرأتها في مكتبة والدتها؛ هذا ال

  • التحرر من قيد الألفا   غشاوة الرماد وعين الهجين

    لم يكن العيش داخل جدران قصر الألفا كاسيان يعني الاستسلام، بل كان بمثابة مراقبة الصياد لفرائسه من داخل عرينهم. ومع إشراقة صباح اليوم الأول، رفض الألفا كاسيان بروح ثائرة كبريائه أن تأكل رفيقته وابنه وريث الدم من طعام القصر العادي أو الخدم، فأمر الطهاة بإعداد أفخم أنواع اللحوم والمأكولات الملكية الطازجة، وتوجه بنفسه يحمل الأطباق نحو غرفتها القديمة الباردة، مدفوعاً بلهفة الأب وجحيم الندم الذي يحرق وجدانه ويريد كسب رضا طفله بأي طريقة.دلف كاسيان إلى الغرفة بهيبته الطاغية ورائحة الغابة والمطر تفوح منه، ووضع الأطباق الفخمة المذهبة فوق الطاولة الخشبية البسيطة. التفت نحو الصغير "ليو" الذي كان يجلس بهدوء فوق مقعد صغير، وجثا الألفا على ركبتيه ليكون بمستوى طوله، ومد يده المرتجفة بقطعة من اللحم الناضج يحاول إطعام ابنه بنفسه، وعيناه الرماديتان تلمعان ببريق عاطفي باَكٍ وهو يقول بنبرة رخيمة دافئة خافتة: "ليو.. يا بني الصغير.. خذ هذا الطعام من يد والدك. لقد حُرمتُ من رؤيتك لعامين، وجسدك الصغير يحتاج القوة ليعوض أيام الحرمان والبرد. ارجوك.. اقترب مني."لكن رد فعل الطفل جاء صاعقاً وممزقاً لروح الألف

  • التحرر من قيد الألفا   حصار طرواده الفضي

    وقفت إيلارا على حافة الغابة المحرمة، تتأمل الضباب الكثيف الذي يفصل بين عالمين؛ عالم مملكة اللايكان الفخمة التي احتضنتها وصنعت منها ملكة، وعالم قطيع المستذئبين الظالم الذي ذاقت فيه الويلات. لم تكن ترتدي درعها الفضي المصقول، ولا عباءتها الحريرية الزرقاء. بدلاً من ذلك، كانت ترتدي ثوباً قديماً وبسيطاً، رمادي اللون وممزق الحواف، تعمدت اختياره بعناية لخداع أعدائها. لقد أخفت هالتها الفضية والذهبية بالكامل خلف حواجز سحرية ملكية، لتبدو أمام الجميع مجرد امرأة بشرية منكسرة، منهكة، وجائعة، عادت لتستجدي العطف العائلي .بجوارها، كانت والدتها الملكة تقف بهيبتها الطاغية، وعيناها الذهبيتان تلمعان بدموع الفراق والقلق. ربتت الملكة على كتف ابنتها وهمست بنبرة دافئة ممتلئة بالحب: "إيلارا.. يا قلب أمكِ. روحي ترتعد خوفاً من عودتكِ إلى ذلك الوكر اللعين، حتى وإن كانت هذه خطتكِ. تذكري أن جيشنا بقيادة ليرا يعسكر الآن في الخفاء التام خلف حدود هذا الضباب. بـإشارة واحدة من قلادتكِ، سنحرق حدود قطيعهم ونقلب قصرهم رأساً على عقب لحمايتكِ." ابتسمت إيلارا ابتسامة غامضة وهادئة، ونظرت إلى والدتها بثقة مفرطة قائلة

  • التحرر من قيد الألفا   ولاده ملكه

    على الجانب الآخر من الغابة المحرمة، حيث تقبع مملكة اللايكان المخفية تحت حماية تعاويذ الإخفاء القديمة، كانت الأجواء مختلفة تماماً. لم يكن هناك شحوب أو ضعف، بل كانت الساحة الملكية الكبرى للقصر الفضي تنبض بالطاقة العسكرية المهيبة. كانت شمس الصباح تعكس بريقها فوق الدروع الفضية للمحاربين الذين اصطفوا باحترام تام على جوانب الساحة، تملأ قلوبهم الهيبة وهم يراقبون القتال العنيف الدائر في المنتصف.في وسط الساحة، كانت هناك امرأة تتحرك بخفة خارقة وبسرعة لا يمكن لعين بشرية أو حتى ذئب عادي ملاحقتها. كانت ترتدي درعاً فضياً مصقولاً بعناية يحمل شعار "الذئب ذو الأجنحة"، وتتطاير خلفها عباءة من الحرير الأزرق الملكي الداكن. وبحركة التوائية ذكية، تفادت ضربة سيف قادمة من أعتى قادة حرس اللايكان، واستدارت بسرعة مرعبة لتسدد له ركلة قوية في صدره دفعت بجسده الضخم ليتهاوى أرضاً وسط غبار الساحة، مسببة صوتاً مدوياً أتبعه صمت مذهول من الحاضرين.تنفست الصعداء، وغمدت سيفها الفضي الطويل بخفة واحترافية عالية، ثم التفتت نحو المرآة الكبيرة الموضوعة عند حافة ساحة التدريب لتتأمل انعكاس صورتها. لم تكن هذه المرأة سوى "إيلارا

  • التحرر من قيد الألفا   رماد السنين و جحيم الندم

    مر عامانعامان كاملان على تلك الليلة العاصفة التي اهتزت فيها أركان القصر الملكي. عامان كاملان والبحث لم يتوقف لثانية واحدة، وعامان ورابطة الرفيق المكسورة تنهش في روح الألفا وجسده كالنار المستعرة التي لا تنطفئ. لم تعد أراضي القطيع كما كانت في السابق؛ فقد خيّم عليها الشحوب والضعف، وباتت الهيبة التي تميز بها القطيع مجرد ذكريات رمادية تحيط بقائد تحول إلى نسخة مظلمة ومحطمة من نفسه. لقد أعلن الحرب، واستنفر الجيوش، وقلب المحاربون الأرض حجراً بحجر، فتشوا الكهوف والوديان، وعبروا مسارات الغابات المحرمة، لكن كل جهودهم باءت بالفشل الذريع، وكأن إيلارا وطفلها قد تبخرا في الهواء ولم يتركا خلفهما ذرة أثر واحدةداخل مكتبه الواسع ذي الجدران الخشبية الداكنة، كان الألفا "كاسيان" يجلس خلف مكتبه الضخم. ملامحه الحادة والصارمة التي كانت ترعب الأعداء في الماضي غطاها الشحوب التام والهزال، وعيناه الرماديتان اللتان كانتا تشعان بالسطوة والكبرياء أصبحتا غائرتين يملؤهما السواد وجحيم السهر المستمركان الطاولة أمامه مغطاة بالكامل بتقارير البحث الفاشلة، والخرائط الممزقة عند الحواف من فرط نوبات غضبه العارم التي كان

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status