Se connecterالفصل الثالث:
أنا لم أفعل شيئًا!»
«اصمتي!»
«لن أصمت!»
خرج صوت أميرة مرتفعًا، حتى التفت الجميع إليها.
كانت عيناها قد امتلأتا بالدموع، لكنها لم تسمح لها بالسقوط. لم تكن تريد أن تبكي أمامهم، ولا أن تمنح أمها فرصة لتعتبر دموعها اعترافًا بالذنب.
قالت بصوت مرتجف من شدة الغضب:
«لقد عدنا إلى هذا المنزل لأن أبي خسر عمله، ولأننا لم نعد نملك بيتنا كما كان من قبل. وأنا لم أعترض، ولم أشتكِ، ولم أطلب من أحد أن يعاملني معاملة خاصة. لكنني لن أقبل أن يتحول ما حدث لأبي إلى سبب يجعل الجميع يشك في أخلاقي!»
تجمد الأب في مكانه.
أما الجد، فقد أطرق رأسه لحظة، بينما شد العم فكه في انزعاج واضح.
لكن الأم لم تتراجع.
«وهل تظنين أنني أريد أن أسيء إليكِ؟ أنا أحاول حماية سمعتكِ! من الذي سيصدق قصتكِ إذا انتشر الخبر؟ من الذي سيصدق أن رجلًا غريبًا اقتحم غرفتكِ، وأنكِ لا تعرفينه؟ الناس لا ترحم أحدًا، وأنتِ تعرفين ذلك جيدًا!»
«إذن أنتِ خائفة من كلام الناس أكثر من خوفكِ عليَّ؟»
«لا تحاولي تحريف كلامي!»
«أنا لا أحرف شيئًا! أنتِ لم تسأليني إن كنت قد تأذيت، ولم تسأليني كيف دخل الرجل، ولم تحاولي حتى إبعاده عني! كل ما فعلته هو الصراخ واتهامي أمام الجميع!»
ارتفع صوت الأم مجددًا:
«لأنكِ وضعتني في هذا الموقف!»
«أنا لم أضعكِ في أي موقف!»
«بل فعلتِ! لقد جلبتِ العار إلى هذا المنزل!»
انحبس نفس أميرة في صدرها.
نظرت إلى أمها طويلًا، ثم التفتت إلى بقية أفراد العائلة، كأنها تبحث عن وجه واحد فقط لا ينظر إليها باعتبارها متهمة.
لكن ما رأته كان أسوأ مما توقعت.
همسات خافتة، ونظرات متبادلة، وعيون تراقبها بفضول لا يخلو من الشك. حتى أولئك الذين لم ينطقوا بكلمة بدوا وكأنهم ينتظرون منها اعترافًا، لا تفسيرًا.
وفي تلك اللحظة، شعرت أن شيئًا بداخلها قد انكسر.
لم يكن خوفها من الرجل الغريب وحده ما يؤلمها، بل اكتشافها أن أقرب الناس إليها يستطيعون التخلي عن حسن الظن بها بهذه السهولة.
اقتربت من والدها، وقالت بصوت خافت:
«أبي، أرجوك. قل لهم إنني لا يمكن أن أفعل شيئًا كهذا.»
نظر إليها، وقد بدت الحيرة واضحة في عينيه.
«أميرة...»
«أرجوك، أبي. أنت تعرفني. أنت تعرف أنني لم أكن لأدخل رجلًا غريبًا إلى غرفتي. قل لهم فقط إنك تصدقني.»
لم يستطع الإجابة على الفور.
وكان صمته كافيًا ليجعل عينيها تزدادان لمعانًا.
أما الأم، فقد استغلت اللحظة، ورفعت صوتها من جديد:
«لا تنظري إليه بهذه الطريقة! لا تحاولي أن تجعليه يشعر بالذنب! لو كنتِ حريصة على سمعتكِ وسمعة أبيكِ، لما حدث كل هذا من الأساس!»
استدارت أميرة إليها، وقد فقدت القدرة على تصديق ما تسمعه.
«حتى الآن، لا تزالين تتحدثين عن السمعة! أنا ابنتكِ يا أمي! أنا ابنتكِ التي يفترض أن تعرفيها أكثر من أي شخص هنا!»
«ولو كنتِ ابنتي التي أعرفها، لما وجدتُ رجلًا غريبًا في غرفتكِ!»
ارتفعت الأصوات في الغرفة مرة أخرى.
حاول الجد فرض النظام، بينما أخذ العم يتحدث مع الأب بصوت منخفض، وبدأت بعض النساء الواقفات في الممر يتبادلن الهمسات.
أما أميرة، فظلت واقفة في منتصف غرفتها، محاصرة بالوجوه والاتهامات، غير قادرة على استيعاب كيف تحولت لحظة واحدة من حياتها إلى محاكمة لم تمنحها حتى حق الدفاع عن نفسها.
ثم رفعت أمها يدها، وأشارت إليها أمام الجميع، وقالت بصوت اخترق أرجاء المنزل:
«اسمعوا جميعًا! هذه ابنتي التي كنت أظن أنني أحسنت تربيتها! لقد وجدتها مع رجل غريب في غرفتها، والآن تقف أمامنا وتنكر كل شيء! وأنا لن أستر عليها إذا كانت قد قررت أن تلطخ اسم عائلتها بيديها!»
شهقت إحدى النساء عند الباب، بينما ارتفع صوت رجل من خلف الجمع:
«يا إلهي! أحقًّا ما نسمعه؟»
ثم بدأت الهمسات تتحول إلى كلمات مسموعة.
«كيف حدث هذا؟»
«ألم يعودوا من السفر منذ أيام قليلة؟»
«يا لها من فضيحة!»
«وماذا سيقول الناس عن هذه العائلة؟»
سمعت أميرة كل كلمة، وشعرت بوجهها يحترق، بينما أخذت الدموع تتجمع في عينيها رغمًا عنها.
حاولت أن تتكلم، لكن صوتها اختنق.
ثم نظرت إلى الرجل الغريب، الذي ظل واقفًا في مكانه، وإلى أمها التي كانت تصرخ أمام الجميع، وإلى أفراد عائلتها الذين أحاطوا بها وكأنهم ينتظرون منها اعترافًا يريحهم من عناء التفكير.
وفي النهاية، لم تجد سوى أن تهز رأسها ببطء، وتقول بصوت خافت كاد يضيع وسط الضجيج:
«حسبي الله ونعم الوكيل.»
لكن أحدًا لم يسمعها.
فقد كانت الفضيحة قد خرجت من حدود الغرفة، وبدأت تنتشر في المنزل كله، بينما بقيت أميرة في منتصف العاصفة، عاجزة عن إيقاف سيل الاتهامات الذي انهمر فوق رأسها، قبل أن تمنحها عائلتها فرصة واحدة لتثبت براءتها.
الفصل التاسع: لم يكن الانتظار في المستشفى أمرًا يستطيع خالد احتماله طويلًا، ولا سيما حين يتعلق الأمر بجدته التي لم يعتد رؤيتها ضعيفة، أو عاجزة عن النهوض من مقعدها لتستقبله بابتسامتها الهادئة التي كانت تبدد غضبه مهما بلغ.ظل واقفًا أمام باب غرفة العناية، يذرع الممر ذهابًا وإيابًا بخطوات متوترة، وقد شبك ذراعيه أمام صدره محاولًا السيطرة على ذلك القلق الذي ينهش أعصابه منذ وصوله إلى المستشفى. لم يكن يعرف حتى الآن ما الذي أصابها على وجه الدقة، وكل ما سمعه من الطبيب أن حالتها تستدعي المراقبة والفحوصات، وأن الساعات المقبلة ستكون مهمة في تحديد مدى استقرارها.لكن تلك الكلمات لم تمنحه الطمأنينة التي كان يبحث عنها.بل جعلت خياله يذهب إلى احتمالات لم يكن يريد التفكير فيها.اقترب عمه منه للمرة الثالثة خلال دقائق، وكانت ملامحه قد فقدت شيئًا من صلابتها المعتادة، بينما راحت زوجته تجلس على أحد المقاعد القريبة، تراقب الباب بقلق متقطع، ثم ترفع عينيها إلى خالد بين الحين والآخر وكأنها تنتظر منه أن يتحدث أو يتخذ قرارًا.قال عمه بصوت خافت:— اجلس قليلًا يا خالد. الوقوف بهذه الطريقة لن يغير شيئًا، والطبيب أخ
الفصل الثامن: لا أحد يطلب منك الصمت. أنا أطلب منك أن تتوقفي عن إطلاق الاتهامات دون أن تعرفي ما حدث.»«لكنني أعرفها! أعرفها أكثر مما تتخيل!»«لا، أنتِ تعرفين ما تظنين أنك تعرفينه، وهذا فرق كبير.»ارتجفت شفتاها من شدة الغضب، ثم اقتربت منه أكثر، وخفضت صوتها كما لو أنها ستكشف له سرًّا خطيرًا.«اسمعني جيدًا يا خالد. أميرة ليست الفتاة البريئة التي تحاول أن تظهر أمامكم. إنها منفلتة، ولم نتمكن من ردعها، وكلما حاولنا نصحها، ازداد عنادها. وإذا استمررتم في الدفاع عنها، فستتسبب لكم في مصائب أكبر من هذه.»ظل خالد يحدق فيها، وقد بدأ صبره ينفد تمامًا.كان قلقه على جدته يحرق أعصابه، وانتظار أي خبر عنها يزيده توترًا، والمرأة أمامه لا تفعل سوى تكرار الاتهامات نفسها، وكأن وجودهما في المستشفى لم يكن كافيًا لتذكيرها بأن هناك أمرًا أهم من الخلافات العائلية.قال بصوت شديد الانخفاض:«انتهيتِ؟»لكنها تجاهلت نبرته، وأكملت:«وأنا لا أقول لك هذا من فراغ. إذا لم توقفوا أميرة عند حدها الآن، فسوف تسير على خطى عمتها تمامًا. أنت تعرف كيف كانت عمتها، وكيف انتهى بها الأمر...»«أغلقي فمكِ!»دوّى صوت خالد في الممر فجأة.
الفصل العاشر: لم يتوقف.— أكنتِ تفكرين في جدتي عندما فعلتِ ما فعلتِ؟! أكنتِ تفكرين في أبي، وفي جدي، وفي اسم هذه العائلة؟! أم أنكِ لم تفكري في أحد سوى نفسكِ؟!— أرجوك...!خرج صوتها مبحوحًا من شدة البكاء، لكنها لم تكمل جملة واحدة. كلما حاولت أن تستجمع أنفاسها، باغتها الخوف من جديد، فغطت وجهها بذراعيها وأخذت تتراجع حتى وجدت نفسها محاصرة بين الأريكة والطاولة القريبة.قال خالد، وهو يحدق فيها بعينين تقدحان بالغضب:— كنتِ تظنين أنكِ تستطيعين العودة إلى هذا المنزل وفعل ما تشائين، ثم يضطر الجميع إلى ابتلاع الأمر حفاظًا على سمعة الأسرة؟! كنتِ تظنين أن أحدًا لن يحاسبكِ؟هزت أميرة رأسها باكية، لا تأكيدًا ولا نفيًا، بل حركة مرتبكة خرجت منها دون وعي وهي تحاول حماية نفسها.صرخ فيها:— انظري إليّ!لم تستطع.— قلت انظري إليّ!رفعت وجهها أخيرًا، وقد انهمرت دموعها على وجنتيها، وبدت ملامحها شاحبة من الرعب. كانت تتنفس بصعوبة، وعيناها تتنقلان بين وجهه ويده، تترقب الحركة التالية دون أن تعرف كيف يمكن أن تتجنبها.توقف خالد لحظة، ثم أمسك بذراعها مجددًا وأجبرها على الوقوف في مواجهته.— اسمعيني جيدًا، لأنني لن
الفصل السابع: كانت رائحة المطهرات النفاذة تملأ أروقة المستشفى، مختلطة برائحة الأدوية والقهوة التي يحملها بعض المرافقين في أكواب ورقية صغيرة. وفي الخارج، كانت الشمس تميل نحو الغروب، تاركة خلف النوافذ الزجاجية خطوطًا ذهبية باهتة لا تستطيع تبديد البرودة التي تسللت إلى المكان، ولا القلق الذي استقر في صدور أفراد العائلة المتجمعين أمام غرفة الطوارئ.كان خالد يقف أمام الباب المغلق، وقد عقد ذراعيه أمام صدره، بينما استقرت عيناه على اللوحة المضيئة فوق المدخل.مرت دقائق منذ وصوله، لكنها بدت له أطول بكثير مما ينبغي.لم يكن يعرف ما الذي يحدث في الداخل، ولماذا تأخر الطبيب في الخروج إليهم، ولماذا لم يسمحوا له برؤية جدته حتى الآن. وكلما حاول أحد أفراد العائلة أن يطمئنه بكلمات مقتضبة، شعر بأن غضبه يزداد بدلًا من أن يهدأ.لم يكن الغضب موجهًا إلى شخص بعينه بقدر ما كان نابعًا من عجزه عن فعل أي شيء.جدته التي اعتادت أن تستقبله بابتسامتها، وأن تسأله عن عمله قبل أن تسمح له حتى بخلع سترته، أصبحت الآن خلف باب مغلق، بينما يقف هو في الخارج، عاجزًا عن معرفة ما إذا كانت تتألم أم أنها استعادت وعيها.مرر يده في شع
الفصل السادس؛ «أين هي الآن؟»«لقد نقلوها إلى المستشفى.»توقف خالد في مكانه.«ماذا؟!»خرج السؤال منه حادًّا، بينما انقبض وجهه بصورة مخيفة.«متى حدث ذلك؟ ولماذا لم يتصل بي أحد ليخبرني؟»لم يستطع الرجل الإجابة، فاكتفى بخفض رأسه.دفع خالد باب المنزل ودخل مسرعًا، فوجد والده واقفًا في غرفة الجلوس، يتحدث مع أحد أقاربه، بينما كانت زوجة عمه تجلس على الأريكة، تمسح عينيها بمنديل ورقي.ما إن رأته حتى نهضت.«خالد! أخيرًا وصلت!»لم يتوقف ليسألها عما تريد.توجه مباشرة إلى والده.«أين جدتي؟»استدار والده نحوه، وبدت على وجهه علامات الإرهاق والقلق.«لقد نقلناها إلى المستشفى قبل قليل.»«ماذا حدث لها؟»تنهد والده، ومسح وجهه بيده.«لقد سمعت الصراخ في الطابق العلوي، وحاولت معرفة ما يحدث. ثم ازدادت الأصوات، واحتدم الجدال، وفجأة شعرت بدوار شديد، ولم تستطع الوقوف. أسرعنا بمساعدتها، واتصلنا بالإسعاف، ثم نقلناها إلى المستشفى.»شعر خالد بأن قلبه يهبط إلى معدته.«هل كانت واعية عندما غادرت المنزل؟»«كانت تستجيب لنا، لكنها كانت شديدة الإرهاق. لم نرد المخاطرة ببقائها هنا.»«وأين المستشفى؟»أخبره والده باسم المستشفى
الفصل الخامس: ضغط خالد على الهاتف بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه.«وهل سألتِها كيف دخل الرجل إلى غرفتها؟»«بالطبع، وهي تقول إنه دخل من الشرفة!»«إذن، ما الذي يمنعكِ من احتمال أن تكون تقول الحقيقة؟»ارتفع صوتها في اعتراض واضح:«الحقيقة؟! أي حقيقة يا خالد؟! هل تريدني أن أصدق أن رجلًا غريبًا تسلق الشرفة ودخل غرفتها مصادفة؟ وهل تريدني أن أصدق أنها لم تعرفه قط، مع أنه كان يقف أمامها عندما دخلتُ؟!»رد عليها بصرامة:«أريدكِ أن تتوقفي عن اتهامها حتى تعرفي ما حدث فعلًا.»«أنت لا ترى ما رأيناه!»«وأنتِ لا تعرفين ما حدث، ومع ذلك أطلقتِ عليها وصفًا لا يليق حتى أن يخرج من فمكِ!»صمتت للحظة، قبل أن تقول بنبرة غاضبة:«أنت تدافع عنها الآن؟! بعد كل ما فعلته؟!»«أنا لا أدافع عن أحد، بل أرفض أن يتحول الاتهام إلى حقيقة لمجرد أنكِ تكررينه بصوت مرتفع.»«يا إلهي! أتعرف ما الذي حدث بعد ذلك؟! جدتك سمعت بالصراخ، وحاولت الوصول إلى الغرفة، والجميع اجتمعوا هناك! لقد أصبحت الفضيحة على ألسنة الموجودين في المنزل، ولا أحد يعرف كيف ينهي هذه المهزلة!»تغيرت ملامح خالد مجددًا.«جدتي؟ ماذا حدث لها؟ هل هي بخير؟»«إنها...»ت







