Masukالفصل الرابع:
كان خالد يجلس في صدر طاولة الاجتماعات الطويلة، محاطًا بعدد من مديري الأقسام ورؤساء الإدارات، بينما كانت شاشة العرض المثبتة على الجدار خلفه تعرض مجموعة من الأرقام والرسوم البيانية المتعلقة بالمشروع الجديد الذي تعمل عليه الشركة منذ عدة أشهر.
ارتدى بذلة سوداء أنيقة، نسقها مع قميص أبيض وساعة فضية استقرت حول معصمه الأيسر، بينما كان يقلب صفحات الملف الموضوع أمامه بتركيز شديد. بدت ملامحه جامدة كعادتها، وعيناه تنتقلان بين الأوراق والوجوه المقابلة له، متابعًا تفاصيل المناقشة دون أن يسمح لشيء بأن يصرف انتباهه عن العمل.
«إذن، هل انتهيتم من مراجعة التكاليف النهائية؟»
رفع خالد رأسه نحو مدير الإدارة المالية الجالس إلى يمينه، ثم أضاف بنبرة عملية حازمة:
«لقد طلبت التقرير المعدل منذ يومين، ولا أريد أن أخرج من هذا الاجتماع دون أرقام دقيقة يمكن الاعتماد عليها. نحن لا نتحدث عن مشروع صغير يمكننا تحمل أخطائه، وأي تقدير غير محسوب قد يكلف الشركة مبالغ لا داعي لخسارتها.»
أجاب الرجل وهو يفتح الملف أمامه:
«لقد انتهينا من المراجعة صباح اليوم، أستاذ خالد، وأجرينا تعديلات على البنود التي أشرت إليها في الاجتماع السابق. الأرقام الجديدة توضح انخفاضًا في التكلفة الإجمالية بنسبة سبعة في المائة، مع الحفاظ على المواصفات المتفق عليها.»
مد خالد يده نحو الملف، وبدأ يتفحص الصفحات بعناية، ثم رفع عينيه إليه مجددًا.
«جيد. أريد نسخة إلكترونية من التقرير قبل نهاية اليوم، وأريد من قسم المشتريات أن يراجع العقود مرة أخرى. لن أوافق على توقيع أي عقد قبل التأكد من أن كل بند واضح ولا يحتمل أكثر من تفسير.»
«بالطبع.»
أومأ خالد برأسه، ثم أغلق الملف أمامه.
«فلننتقل إلى النقطة التالية.»
وفي اللحظة نفسها، اهتز هاتفه الموضوع بجوار يده.
لم يلتفت إليه.
واصل أحد المديرين حديثه عن الجدول الزمني للتنفيذ، بينما ظل خالد يصغي إليه، مدونًا بعض الملاحظات على الورقة الموجودة أمامه. لكن الهاتف اهتز مرة أخرى، ثم ثالثة، ثم أخذ يهتز بإلحاح متواصل، حتى جذب انتباه الرجل الجالس إلى جواره.
ألقى خالد نظرة عابرة على الشاشة.
كانت زوجة عمه.
عقد حاجبيه في ضيق، ثم قلب الهاتف على وجهه، متجاهلًا الاتصال تمامًا.
لم يكن معتادًا على استقبال المكالمات الشخصية أثناء الاجتماعات، كما أنه لم يكن يرغب في الدخول في نقاشات عائلية طويلة في منتصف يوم عمل مزدحم. وزوجة عمه تحديدًا كانت من الأشخاص الذين يستطيعون تحويل مكالمة لا تتجاوز دقيقة واحدة إلى ساعة كاملة من الشكوى والتعليقات التي لا تنتهي.
إذا كان الأمر مهمًّا، فبإمكانها إرسال رسالة.
أما إذا كان مجرد سؤال عابر أو حديث عن إحدى قريباتها، فسيعاود الاتصال بها عندما ينتهي.
هكذا قرر، ثم أشار إلى المدير الجالس أمامه كي يستكمل حديثه.
غير أن الهاتف لم يمنحه فرصة للهدوء.
اهتز مجددًا، ثم توقف للحظات، قبل أن يبدأ في الاهتزاز مرة أخرى.
تنفس خالد ببطء، وأطبق أصابعه حول القلم الذي يحمله، محاولًا كبح انزعاجه.
لماذا لا تتوقف؟
رفع عينيه إلى الحاضرين، وقال بنبرة مقتضبة:
«أكملوا من فضلكم.»
ثم عاد إلى الملف، محاولًا تجاهل الصوت الذي بات يثير أعصابه، حتى اهتز الهاتف مرة أخرى، هذه المرة بصورة متواصلة وكأن المتصلة قررت ألا تتركه وشأنه مهما حدث.
رفع رأسه فجأة.
«أعتذر منكم للحظة.»
دفع كرسيه إلى الخلف ونهض، ثم حمل هاتفه وخرج من غرفة الاجتماعات، وأغلق الباب خلفه قبل أن يجيب عن الاتصال بنبرة لم يحاول إخفاء ضيقها:
«نعم، ماذا هناك؟»
جاءه صوت زوجة عمه متوترًا، متداخلًا مع أنفاس سريعة، وكأنها كانت تنتظر أن تسمع صوته حتى تطلق كل ما في صدرها دفعة واحدة.
«أخيرًا رددت! أين كنت طوال هذا الوقت يا خالد؟ أتصل بك منذ دقائق طويلة، وأنت لا تكلف نفسك حتى عناء الإجابة!»
أغمض عينيه للحظة، ثم قال وهو يتجه نحو النافذة الزجاجية المطلة على الشارع:
«أنا في اجتماع، كما تعلمين. هل هناك أمر مهم؟»
«وهل هناك أهم من الذي يحدث في منزل جدتك؟!»
تغيرت ملامحه قليلًا.
استقام في وقفته، وأبعد الهاتف عن أذنه لحظة قبل أن يعيده إليها.
«ماذا حدث في منزل جدتي؟ هل هي بخير؟»
لكنها لم تجبه مباشرة، بل أخذت تتحدث بسرعة، وكأنها لم تكن تنتظر منه سؤالًا بقدر ما كانت تنتظر أذنًا تصب فيها غضبها.
«لقد وقعت مصيبة! مصيبة حقيقية يا خالد! لم أعد أعرف كيف أتصرف، ولا كيف أرفع رأسي أمام الناس بعد الذي حدث!»
اشتد انقباض حاجبيه.
«تحدثي بوضوح. ما الذي حدث؟»
جاءها صوته أكثر حدة، لكنها بدت وكأنها لم تلاحظ ذلك.
«ابنة عمك... تلك العاهرة!»
توقف خالد عن الحركة.
ساد صمت قصير بينهما، لم يُسمع خلاله سوى أنفاسها المتسارعة، قبل أن يتكلم بصوت منخفض على نحو مخيف:
«ماذا قلتِ؟»
لم تتراجع المرأة، بل واصلت حديثها بانفعال أشد:
«نعم، قلت العاهرة! ماذا أسمي فتاة تجلب رجلًا غريبًا إلى غرفتها، ثم تدعي أنها لا تعرفه؟! لقد فضحتنا جميعًا يا خالد! جلبت رجلًا إلى غرفتها، وأمسكنا بها معه، والآن تنكر كل شيء وكأننا نحن الذين نتهمها ظلمًا!»
ظل خالد صامتًا لثوانٍ، وعيناه معلقتان بنقطة ثابتة على الزجاج.
لم يكن قد فهم الصورة كاملة بعد، لكنه فهم شيئًا واحدًا؛ أن زوجة عمه تتحدث عن أميرة، وأنها تصفها بهذه الكلمة القذرة بكل سهولة، كما لو أنها تحكم عليها في محكمة أصدرت حكمها بالفعل.
قال أخيرًا:
«أعيدي ما قلتِه.»
«ماذا؟»
«قلت لكِ أعيدي ما قلتِه عن أميرة.»
ارتبكت المرأة قليلًا، لكن سرعان ما عاد الغضب إلى صوتها.
«أنا أقول لك إن ابنة عمك فضحتنا، وأحضرت رجلًا غريبًا إلى غرفتها، ونحن لا نعرف من أين جاء ولا ما الذي يربطه بها! تخيل أن يجدها أحد رجال العائلة معه! هل تعرف ماذا يعني ذلك؟ هل تدرك حجم الفضيحة التي تسببت بها؟!»
الفصل السابع: كانت رائحة المطهرات النفاذة تملأ أروقة المستشفى، مختلطة برائحة الأدوية والقهوة التي يحملها بعض المرافقين في أكواب ورقية صغيرة. وفي الخارج، كانت الشمس تميل نحو الغروب، تاركة خلف النوافذ الزجاجية خطوطًا ذهبية باهتة لا تستطيع تبديد البرودة التي تسللت إلى المكان، ولا القلق الذي استقر في صدور أفراد العائلة المتجمعين أمام غرفة الطوارئ.كان خالد يقف أمام الباب المغلق، وقد عقد ذراعيه أمام صدره، بينما استقرت عيناه على اللوحة المضيئة فوق المدخل.مرت دقائق منذ وصوله، لكنها بدت له أطول بكثير مما ينبغي.لم يكن يعرف ما الذي يحدث في الداخل، ولماذا تأخر الطبيب في الخروج إليهم، ولماذا لم يسمحوا له برؤية جدته حتى الآن. وكلما حاول أحد أفراد العائلة أن يطمئنه بكلمات مقتضبة، شعر بأن غضبه يزداد بدلًا من أن يهدأ.لم يكن الغضب موجهًا إلى شخص بعينه بقدر ما كان نابعًا من عجزه عن فعل أي شيء.جدته التي اعتادت أن تستقبله بابتسامتها، وأن تسأله عن عمله قبل أن تسمح له حتى بخلع سترته، أصبحت الآن خلف باب مغلق، بينما يقف هو في الخارج، عاجزًا عن معرفة ما إذا كانت تتألم أم أنها استعادت وعيها.مرر يده في شع
الفصل السادس؛ «أين هي الآن؟»«لقد نقلوها إلى المستشفى.»توقف خالد في مكانه.«ماذا؟!»خرج السؤال منه حادًّا، بينما انقبض وجهه بصورة مخيفة.«متى حدث ذلك؟ ولماذا لم يتصل بي أحد ليخبرني؟»لم يستطع الرجل الإجابة، فاكتفى بخفض رأسه.دفع خالد باب المنزل ودخل مسرعًا، فوجد والده واقفًا في غرفة الجلوس، يتحدث مع أحد أقاربه، بينما كانت زوجة عمه تجلس على الأريكة، تمسح عينيها بمنديل ورقي.ما إن رأته حتى نهضت.«خالد! أخيرًا وصلت!»لم يتوقف ليسألها عما تريد.توجه مباشرة إلى والده.«أين جدتي؟»استدار والده نحوه، وبدت على وجهه علامات الإرهاق والقلق.«لقد نقلناها إلى المستشفى قبل قليل.»«ماذا حدث لها؟»تنهد والده، ومسح وجهه بيده.«لقد سمعت الصراخ في الطابق العلوي، وحاولت معرفة ما يحدث. ثم ازدادت الأصوات، واحتدم الجدال، وفجأة شعرت بدوار شديد، ولم تستطع الوقوف. أسرعنا بمساعدتها، واتصلنا بالإسعاف، ثم نقلناها إلى المستشفى.»شعر خالد بأن قلبه يهبط إلى معدته.«هل كانت واعية عندما غادرت المنزل؟»«كانت تستجيب لنا، لكنها كانت شديدة الإرهاق. لم نرد المخاطرة ببقائها هنا.»«وأين المستشفى؟»أخبره والده باسم المستشفى
الفصل الخامس: ضغط خالد على الهاتف بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه.«وهل سألتِها كيف دخل الرجل إلى غرفتها؟»«بالطبع، وهي تقول إنه دخل من الشرفة!»«إذن، ما الذي يمنعكِ من احتمال أن تكون تقول الحقيقة؟»ارتفع صوتها في اعتراض واضح:«الحقيقة؟! أي حقيقة يا خالد؟! هل تريدني أن أصدق أن رجلًا غريبًا تسلق الشرفة ودخل غرفتها مصادفة؟ وهل تريدني أن أصدق أنها لم تعرفه قط، مع أنه كان يقف أمامها عندما دخلتُ؟!»رد عليها بصرامة:«أريدكِ أن تتوقفي عن اتهامها حتى تعرفي ما حدث فعلًا.»«أنت لا ترى ما رأيناه!»«وأنتِ لا تعرفين ما حدث، ومع ذلك أطلقتِ عليها وصفًا لا يليق حتى أن يخرج من فمكِ!»صمتت للحظة، قبل أن تقول بنبرة غاضبة:«أنت تدافع عنها الآن؟! بعد كل ما فعلته؟!»«أنا لا أدافع عن أحد، بل أرفض أن يتحول الاتهام إلى حقيقة لمجرد أنكِ تكررينه بصوت مرتفع.»«يا إلهي! أتعرف ما الذي حدث بعد ذلك؟! جدتك سمعت بالصراخ، وحاولت الوصول إلى الغرفة، والجميع اجتمعوا هناك! لقد أصبحت الفضيحة على ألسنة الموجودين في المنزل، ولا أحد يعرف كيف ينهي هذه المهزلة!»تغيرت ملامح خالد مجددًا.«جدتي؟ ماذا حدث لها؟ هل هي بخير؟»«إنها...»ت
الفصل الرابع: كان خالد يجلس في صدر طاولة الاجتماعات الطويلة، محاطًا بعدد من مديري الأقسام ورؤساء الإدارات، بينما كانت شاشة العرض المثبتة على الجدار خلفه تعرض مجموعة من الأرقام والرسوم البيانية المتعلقة بالمشروع الجديد الذي تعمل عليه الشركة منذ عدة أشهر.ارتدى بذلة سوداء أنيقة، نسقها مع قميص أبيض وساعة فضية استقرت حول معصمه الأيسر، بينما كان يقلب صفحات الملف الموضوع أمامه بتركيز شديد. بدت ملامحه جامدة كعادتها، وعيناه تنتقلان بين الأوراق والوجوه المقابلة له، متابعًا تفاصيل المناقشة دون أن يسمح لشيء بأن يصرف انتباهه عن العمل.«إذن، هل انتهيتم من مراجعة التكاليف النهائية؟»رفع خالد رأسه نحو مدير الإدارة المالية الجالس إلى يمينه، ثم أضاف بنبرة عملية حازمة:«لقد طلبت التقرير المعدل منذ يومين، ولا أريد أن أخرج من هذا الاجتماع دون أرقام دقيقة يمكن الاعتماد عليها. نحن لا نتحدث عن مشروع صغير يمكننا تحمل أخطائه، وأي تقدير غير محسوب قد يكلف الشركة مبالغ لا داعي لخسارتها.»أجاب الرجل وهو يفتح الملف أمامه:«لقد انتهينا من المراجعة صباح اليوم، أستاذ خالد، وأجرينا تعديلات على البنود التي أشرت إليها
الفصل الثالث: أنا لم أفعل شيئًا!»«اصمتي!»«لن أصمت!»خرج صوت أميرة مرتفعًا، حتى التفت الجميع إليها.كانت عيناها قد امتلأتا بالدموع، لكنها لم تسمح لها بالسقوط. لم تكن تريد أن تبكي أمامهم، ولا أن تمنح أمها فرصة لتعتبر دموعها اعترافًا بالذنب.قالت بصوت مرتجف من شدة الغضب:«لقد عدنا إلى هذا المنزل لأن أبي خسر عمله، ولأننا لم نعد نملك بيتنا كما كان من قبل. وأنا لم أعترض، ولم أشتكِ، ولم أطلب من أحد أن يعاملني معاملة خاصة. لكنني لن أقبل أن يتحول ما حدث لأبي إلى سبب يجعل الجميع يشك في أخلاقي!»تجمد الأب في مكانه.أما الجد، فقد أطرق رأسه لحظة، بينما شد العم فكه في انزعاج واضح.لكن الأم لم تتراجع.«وهل تظنين أنني أريد أن أسيء إليكِ؟ أنا أحاول حماية سمعتكِ! من الذي سيصدق قصتكِ إذا انتشر الخبر؟ من الذي سيصدق أن رجلًا غريبًا اقتحم غرفتكِ، وأنكِ لا تعرفينه؟ الناس لا ترحم أحدًا، وأنتِ تعرفين ذلك جيدًا!»«إذن أنتِ خائفة من كلام الناس أكثر من خوفكِ عليَّ؟»«لا تحاولي تحريف كلامي!»«أنا لا أحرف شيئًا! أنتِ لم تسأليني إن كنت قد تأذيت، ولم تسأليني كيف دخل الرجل، ولم تحاولي حتى إبعاده عني! كل ما فعلته ه
الفصل الثاني: اقتربت من أمها، ومدت يدها نحوها، لكن الأخيرة تراجعت عنها وكأن ابنتها أصبحت شخصًا لا تريد الاقتراب منه.«لا تلمسيني! لا تقتربي مني! كيف تجرؤين على فعل هذا في بيت جدكِ؟ كيف تسمحين لرجل غريب أن يكون معكِ في غرفتكِ، ثم تقفين أمامي بكل هذه الجرأة؟!»«لكنه اقتحم الغرفة! أقسم لكِ أنني لا أعرفه!»«تقولين إنه اقتحم الغرفة؟!»ارتفع صوت الأم أكثر، حتى صار يتردد في الممر.«ومن أين دخل إذن؟ من النافذة؟ هل تظنينني غبية إلى هذا الحد؟!»«نعم! دخل من الشرفة! لقد رأيته بنفسي! كنت أرسم، وفجأة وجدته أمامي، ثم أمسك بي ومنعني من الصراخ!»«كفى! لا أريد سماع المزيد من أكاذيبكِ!»«إنها ليست أكاذيب! لماذا لا تصدقينني؟!»«لأنني أرى بعينيَّ ما يحدث أمامي! أرى رجلًا غريبًا في غرفتكِ، وأراكِ تقفين معه وحدكما، ثم تأتين لتخبريني بقصة لا يصدقها طفل صغير!»شعرت أميرة بأن الدم انسحب من وجهها.لم تكن تتخيل أن تكون أمها أول من يتهمها بدلًا من أن يسألها إن كانت بخير. لم تكن تنتظر منها معجزة، بل مجرد لحظة واحدة من حسن الظن، أو حتى سؤال بسيط يمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها.لكن أمها كانت قد اتخذت قرارها.استدارت







