Home / الرومانسية / التوأم الرقمي / الفصل الخامس عشر: اختفاء مفاجئ

Share

الفصل الخامس عشر: اختفاء مفاجئ

last update publish date: 2026-09-28 20:13:27

مرّ أسبوعان كاملان دون أي إشارة من سليم. كانا أسبوعين ثقيلين على ياسمين، تمر ساعاتهما ببطء غريب، وكأن الزمن نفسه توقف عند اللحظة التي أرسلت فيها آخر رسالة له. حاولت ياسمين الاتصال به بكل الوسائل المتاحة: رسائل التطبيق، بريد إلكتروني قديم تبادلا فيه رسالتين فقط في بداية تعارفهما، وحتى محاولة البحث عن أي حساب آخر يحمل اسمه على منصات التواصل الاجتماعي. جربت أسماء مختلفة، وصورًا محتملة، وبحثت في كل زاوية تخيلت أنها قد تقودها إليه، لكنها لم تجد شيئًا؛ كأن الرجل الذي أمضت معه أشهرًا من حياتها العاطفية قد تبخّر فجأة، تاركًا خلفه فراغًا لا يمكن وصفه.

في محاولة أخيرة يائسة، فتحت التطبيق نفسه لتجد رسالة تلقائية تفيد بأن الحساب "تم إيقافه بناءً على طلب المستخدم". قرأت الجملة مرارًا وتكرارًا، وكأنها تنتظر أن تتغير كلماتها في كل مرة، أو أن تجد فيها تفسيرًا مختلفًا عمّا تعنيه فعلًا. لكن المعنى ظل ثابتًا لا يتغير: هو من اختار الرحيل، بإرادته الكاملة، دون أن يترك ولو كلمة وداع واحدة. شعرت بصدمة أعمق من أي وقت مضى؛ فالاختفاء المفاجئ لم يكن نتيجة ظرف طارئ كما اعتادت أن تُقنع نفسها في الأيام الأولى من صمته، بل كان قرارًا واعيًا اتخذه هو بنفسه، بعد أن علم بحملها مباشرة.

جلست أمام شاشة هاتفها لوقت طويل، عاجزة عن الحركة، وكأن جسدها قد تجمّد في مكانه. حاولت أن تستحضر أي تفسير آخر، أي احتمال بريء يفسر هذا الاختفاء، لكن التوقيت كان فاضحًا بما لا يدع مجالًا للشك: لحظة إخباره بالحمل كانت آخر رسالة وصلته منها، وبعدها لم يعد هناك أي أثر له. أدركت في تلك اللحظة أن كل الحب الذي ظنّته متبادلاً ربما لم يكن سوى وهم بنته وحدها في خيالها، وهمٌ غذّته كلمات جميلة ووعود لم يكن خلفها أي التزام حقيقي.

جلست في شقتها لساعات طويلة، تراجع كل محادثاتهما القديمة من أولها، تعيد قراءة كل رسالة بعين مختلفة تمامًا عن تلك التي قرأتها بها أول مرة. كانت تبحث عن أي دليل فاتها، أي تناقض تجاهلته عمدًا لأنها لم تُرد أن تراه في حينه، مفضلة أن تصدق الرواية الجميلة التي بنتها في خيالها على أن تواجه الشكوك الصغيرة التي كانت تلوح لها بين الحين والآخر.

لاحظت الآن، بعد فوات الأوان، كيف كانت إجاباته دائمًا غامضة حين تسأله عن تفاصيل حياته اليومية، عن مكان عمله بالتحديد، عن أصدقائه، عن عائلته، وكأنه كان يتحاشى بمهارة أي سؤال قد يكشف تفاصيل يمكن التحقق منها. لاحظت كيف كانت صوره قليلة ومتشابهة في الخلفية، دائمًا بزاوية تصوير مشابهة وإضاءة متقاربة، وكأنها التُقطت في جلسة واحدة أو من مصدر واحد ثابت. ولاحظت كيف كان صوته في المكالمات يحمل أحيانًا تشويشًا طفيفًا لم تنتبه له بجدية كافية، مبررة إياه في حينها بضعف الشبكة أو ظروف الاتصال، بينما كان ربما يخفي شيئًا آخر لم تكن تريد التفكير فيه.

كل هذه التفاصيل الصغيرة، التي بدت متناثرة وغير ذات أهمية حين وقعت، بدأت تتجمع الآن أمامها لتشكل صورة أكثر وضوحًا وأكثر إيلامًا، صورة لعلاقة ربما لم تكن أبدًا كما تخيلتها، أو على الأقل لم تكن بالصدق الذي منحته لها هي من طرفها وحدها.

اتصلت برغد في منتصف الليل، بصوت متهدج بالكامل، بالكاد استطاعت أن تنطق الكلمات وسط نشيجها: "اختفى يا رغد، مش راد عليا خالص من أسبوعين". لم تحتج رغد إلى سماع المزيد؛ فقد عرفت من نبرة صوت صديقتها وحدها أن الأمر بلغ ذروته. هرعت رغد إليها فورًا رغم الساعة المتأخرة، لم تفكر لحظة في تأجيل الأمر إلى الصباح، بل ارتدت أول ما وقعت عليه يدها من ملابس وخرجت مسرعة نحو شقة ياسمين.

وجدتها في حالة انهيار كامل، جالسة على أرضية غرفة معيشتها، محاطة بأوراق ورسائل مطبوعة كانت قد راجعتها طوال الليل، وعيناها منتفختان بشكل لافت من البكاء المتواصل. لم تحاول رغد هذه المرة تقديم أي نصيحة أو تحليل؛ فقد تعلّمت من التجربة السابقة أن مثل هذه اللحظات لا تحتاج إلى كلمات، بل إلى حضور صامت يمنح الشعور بالأمان دون أن يفرض تفسيرًا أو حلًا لم يحن وقته بعد.

اكتفت بالجلوس بجانبها بصمت، تمسك يدها بقوة، بينما كانت ياسمين تبكي بحرقة امرأة اكتشفت للتو أن العالم الذي بنته حول حلم جميل لم يكن سوى بناء هش انهار في لحظة واحدة، تاركًا إياها وحدها لمواجهة تبعاته. مرّت الساعات بينهما ببطء، صمت متقطع بنوبات بكاء، وكلمات مواساة قليلة لا تحاول أن تصلح ما لا يمكن إصلاحه في تلك الليلة، بل فقط أن تجعل الألم محتملًا لبضع ساعات إضافية.

مع اقتراب الفجر، بدأ نشيج ياسمين يهدأ تدريجيًا، وخيّم عليها إرهاق ثقيل بعد ليلة طويلة من البكاء والمراجعة المؤلمة. نظرت إلى رغد بعينين محمرّتين وقالت بصوت متعب: "مش عارفة أعمل إيه دلوقتي يا رغد". لم تملك رغد إجابة جاهزة، لكنها ضمت صديقتها إليها من جديد وقالت لها إنهما سيجدان طريقًا معًا، خطوة واحدة في كل مرة، وإن الليلة ليست الوقت المناسب لاتخاذ أي قرار، بل فقط للنجاة منها. وبقيتا معًا حتى بزغ ضوء الصباح الأول من النافذة، شاهدًا صامتًا على ليلة غيّرت فيها ياسمين نظرتها إلى نفسها وإلى الحب الذي ظنّته يومًا حقيقيًا بلا شك.

مع طلوع الشمس، نهضت رغد لتُعدّ كوبين من الشاي، محاولة أن تُدخل شيئًا من الدفء والروتين المعتاد إلى صباح ثقيل بكل هذا الألم. جلستا في المطبخ الصغير، صامتتين في البداية، حتى بدأت ياسمين تتحدث بصوت أهدأ مما كانت عليه طوال الليل، وكأن جسدها الذي أنهكه البكاء لم يعد يملك طاقة سوى للهدوء. قالت لرغد وهي تحدّق في كوب الشاي أمامها: "أنا لازم أواجه الموضوع ده لوحدي في يوم من الأيام، بس مش النهارده". أومأت رغد برأسها موافقة، مدركة أن صديقتها بدأت، رغم كل الانكسار، تستعيد بعض قوتها الداخلية.

تذكّرت ياسمين حينها موعد د. نادية المحدد بعد يومين، وشعرت بمزيج من الخوف والحاجة الملحّة للذهاب. أخبرت رغد أنها تريد أن تسأل الطبيبة عن هذا النمط المتكرر الذي أشارت إليه، عن تلك الحالات المشابهة التي وصلتها مؤخرًا، لعل في فهم السبب الأعمق وراء ما حدث لها بعض العزاء، أو على الأقل بعض الوضوح وسط كل هذا الغموض الذي يلف قصتها مع سليم.

قبل أن تغادر رغد الشقة صباحًا لتذهب إلى عملها، وعدت ياسمين بأن تتصل بها كل ساعتين للاطمئنان عليها، ووعدتها ياسمين بأن تحاول الخروج من الشقة ولو لبضع دقائق، أن تفتح الستائر أخيرًا وتسمح لضوء الصباح بالدخول إلى المكان الذي أصبح لأسابيع كهفًا مظلمًا حبست نفسها بداخله. وحين أغلقت الباب خلف صديقتها، وقفت ياسمين للحظة أمام النافذة، ونظرت إلى الشارع في الأسفل، حيث كانت الحياة تسير كالمعتاد وكأن شيئًا لم يحدث، تناقض غريب بين عالمها الداخلي المحطم وعالم خارجي لا يعرف عنها شيئًا، ثم مدّت يدها ببطء وفتحت الستائر، سامحة لأول خيط من ضوء الصباح أن يلامس وجهها بعد أسابيع من الظلام الاختياري الذي فرضته على نفسها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • التوأم الرقمي   الفصل الثامن عشر : اسم سليم

    لم تنم ياسمين تلك الليلة. جلست على أرضية غرفتها، وملف نادية مفتوح أمامها كجرح لا يُغلق، وهاتفها موضوع على بعد متر منها كأنه شيء ملوث. كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة فجرًا حين أطفأت أخيرًا مصباح القراءة، ليس لأنها نامت، بل لأنها لم تعد تحتمل النظر إلى تلك الصفحات التي تحمل تفاصيل حياتها موثقة بخط غريب بارد.في الصباح، وصلتها رسالة من رغد: «تعالي إلى المكتب. وجدنا شيئًا عن الاسم.»كانت رغد قد أمضت الليل كله تبحث، مستعينة بصديق يعمل في مجال حماية البيانات الرقمية، عن كل أثر يمكن أن يقود إلى حقيقة «سليم». لم تنم هي الأخرى، وحين وصلت ياسمين إلى المكتب الصغير الذي تستأجره رغد كمساحة عمل حرة، وجدتها محاطة بأكواب قهوة فارغة، تحدق في شاشة حاسوبها بوجه شاحب أنهكه السهر.«ماذا وجدتِ؟» سألت ياسمين وهي تخلع معطفها بحركة آلية، عقلها ما زال معلقًا بتلك الصفحة الفارغة التي رأتها الليلة الماضية في ملفها الخاص.أدارت رغد الشاشة نحوها ببطء، وكأنها تخشى أن يكون ما ستراه ياسمين ثقيلًا للغاية. كانت صفحة قديمة، محذوفة منذ سنوات لكن أرشيف الإنترنت احتفظ بنسخة باهتة منها: موقع تعريفي بسيط، بتصميم عفا عليه الزم

  • التوأم الرقمي   الفصل السابع عشر : الغرفة السابعة

    لم يكن أمام كريم إلا ثلاث دقائق.ثلاث دقائق بين دورية الحراسة الأولى والثانية، وثلاث دقائق قبل أن تتحول بطاقة الدخول القديمة في جيبه إلى قطعة بلاستيك بلا قيمة، حين يتنبه النظام أخيرًا إلى أن اسمه ما زال حيًا فيه.كان يقف عند الباب الخلفي للمبنى منذ الحادية عشرة والنصف، يراقب الحارس وهو يشرب الشاي ويقلب هاتفه. حين استدار الحارس أخيرًا نحو الواجهة الأمامية، تحرك كريم.مرّر البطاقة على القارئ الإلكتروني. ظل الضوء أحمر ثانيتين طويلتين، ثم صار أخضر.همس لنفسه: «الحمد لله أنهم لا يحذفون شيئًا.»دخل.كان الممر خاليًا، بارد الضوء، تفوح منه رائحة المكيفات والسجاد الجديد. تجاوز الغرف التسع التي قضى فيها شهورًا يعيش بأصوات لا تخصه، وتجاوز غرفة 9 دون أن ينظر إليها، وهو يعرف أن الجملة المكتوبة تحت المكتب ما زالت هناك.لا تحبها. إنهم يريدونك أن تحبها.لم يكن قد قال لأحد أنه يحفظها كما يحفظ الأدعية. كان يتلوها كل صباح في السيارة، قبل أن يصعد، ثم يتوقف عند اسم ياسمين ولا يكمل.نزل السلم الخلفي إلى الطابق الأرضي، ثم إلى الطابق الذي لا يظهر في لوحة المصعد. كان الهواء أثقل هناك، وأبرد، وكأن المبنى كله ي

  • التوأم الرقمي   الفصل 16 : الملف الذي لم يكن موجودًا

    لم تكن عيادة د. نادية تشبه العيادات.لا سماعة طبية على المكتب، ولا شهادات معلقة على الجدران، ولا رائحة مطهرات. كان فيها مصباح واحد مضاء، وثلاثة فناجين قهوة باردة، وملف كرتوني سميك وضعته نادية بين ياسمين ورغد كما توضع ورقة الحكم أمام المتهم.جلست ياسمين على حافة الكرسي، وكأنها تستعد للهرب. كان هاتفها في حقيبتها مطفأً منذ ساعتين، وكانت تشعر مع ذلك أنه يراقبها.قالت نادية دون مقدمات: «اختفى أحد عشر شخصًا في ثلاث سنوات. وأنتِ الثانية عشرة، إن لم نحسبك ناجية.»ابتلعت ياسمين ريقها.«أنا لم أختفِ. هو الذي اختفى.»«هذا بالضبط ما قالته الأخريات.»فتحت نادية الملف وبدأت تبسط الصفحات على الطاولة الواحدة تلو الأخرى: صور، لقطات شاشة، تواريخ، أرقام هواتف مشطوبة. كل صفحة تحمل اسمًا، وتحت الاسم عبارة واحدة مكتوبة بخط أحمر: «انقطع الاتصال».قالت رغد بصوت خافت: «كلهم كانوا على التطبيق؟»«كلهم. وكلهم كانوا على وشك الانتقال من الكلام إلى اللقاء. ثم ينقطع كل شيء دفعة واحدة، فلا رسائل ولا أرقام ولا حسابات. كأن الشخص الآخر لم يوجد أصلًا، وكأن هؤلاء النساء والرجال تخيلوا كل شيء.»«وكيف عرفتِ أنتِ؟»نظرت نادي

  • التوأم الرقمي   الفصل الخامس عشر: اختفاء مفاجئ

    مرّ أسبوعان كاملان دون أي إشارة من سليم. كانا أسبوعين ثقيلين على ياسمين، تمر ساعاتهما ببطء غريب، وكأن الزمن نفسه توقف عند اللحظة التي أرسلت فيها آخر رسالة له. حاولت ياسمين الاتصال به بكل الوسائل المتاحة: رسائل التطبيق، بريد إلكتروني قديم تبادلا فيه رسالتين فقط في بداية تعارفهما، وحتى محاولة البحث عن أي حساب آخر يحمل اسمه على منصات التواصل الاجتماعي. جربت أسماء مختلفة، وصورًا محتملة، وبحثت في كل زاوية تخيلت أنها قد تقودها إليه، لكنها لم تجد شيئًا؛ كأن الرجل الذي أمضت معه أشهرًا من حياتها العاطفية قد تبخّر فجأة، تاركًا خلفه فراغًا لا يمكن وصفه.في محاولة أخيرة يائسة، فتحت التطبيق نفسه لتجد رسالة تلقائية تفيد بأن الحساب "تم إيقافه بناءً على طلب المستخدم". قرأت الجملة مرارًا وتكرارًا، وكأنها تنتظر أن تتغير كلماتها في كل مرة، أو أن تجد فيها تفسيرًا مختلفًا عمّا تعنيه فعلًا. لكن المعنى ظل ثابتًا لا يتغير: هو من اختار الرحيل، بإرادته الكاملة، دون أن يترك ولو كلمة وداع واحدة. شعرت بصدمة أعمق من أي وقت مضى؛ فالاختفاء المفاجئ لم يكن نتيجة ظرف طارئ كما اعتادت أن تُقنع نفسها في الأيام الأولى من ص

  • التوأم الرقمي   الفصل الرابع عشر: زيارة الأب

    في يوم عطلته الأسبوعية، ذهب كريم كعادته لزيارة لينا في دار الحضانة. كان الطريق إلى هناك قد أصبح جزءًا ثابتًا من أسبوعه، يعرف كل منعطف فيه، وكل إشارة مرور، وكأن سيارته تسير به وحدها دون أن يحتاج إلى التفكير. لكن رغم اعتياده على هذا الطريق، لم تخفّ العقدة التي تتشكل في صدره كل مرة يقترب فيها من الدار، عقدة مزيج من الشوق والذنب، شوق لرؤية ابنته وذنب لأنه لم يعد الشخص الذي يحتضنها كل يوم كما كان يفعل قبل الطلاق.كانت ابنته قد بدأت تعتاد على النظام الجديد لحياتها، تلعب مع أطفال آخرين، وتتعلم كلمات جديدة كل أسبوع، وأصبحت أكثر استقلالية مما كانت عليه قبل أشهر قليلة. لاحظ كريم هذا التغيّر بمزيج من الفخر والحزن، فخر لأن ابنته تتأقلم وتنمو بشكل جيد، وحزن لأن جزءًا كبيرًا من هذا النمو يحدث بعيدًا عنه، في مكان لا يشاركها فيه يومياتها الصغيرة. لكن نظراتها حين ترى والدها تحمل دائمًا سؤالاً صامتًا: "هترجع تعيش معايا إمتى؟". لم يكن لدى كريم إجابة يقينية يقدمها لها، فاكتفى، كعادته، بأن يحتضنها بقوة ويعدها بأنه "قريب جدًا هيكون كل حاجة تمام".جلس معها في حديقة الدار الصغيرة، يراقبها وهي ترسم بألوان زاه

  • التوأم الرقمي   الفصل الثالث عشر: مواجهة الحقيقة

    لاحظت رغد شحوب وجه ياسمين وتراجع نشاطها خلال الأسابيع التالية، فقررت أن تزورها دون سابق إنذار. لم تكن هذه أول مرة تشعر فيها رغد بأن شيئًا ما يتغيّر في صديقتها المقربة، فقد بدأت تلاحظ منذ أسبوعين أن ياسمين تتأخر في الرد على رسائلها، وأن حماسها المعتاد للحديث عن تفاصيل يومها قد خفت تمامًا، وكأن شخصًا آخر حلّ محلها. اتصلت بها مرتين في ذلك الصباح دون جواب، فقررت أن تذهب إليها مباشرة بعد انتهاء دوامها، متجاهلة صوتًا داخليًا كان يخبرها أنها ربما تتدخل فيما لا يعنيها.وجدتها جالسة في شقتها بملابس النوم في منتصف النهار، والستائر مغلقة تمامًا وكأنها تختبئ من الضوء ذاته. كانت الشقة التي اعتادت رغد أن تراها مرتبة ومليئة بالحياة، قد تحوّلت إلى مكان كئيب، أكواب قهوة باردة متناثرة على الطاولة، وأوراق مبعثرة، ورائحة خفيفة لغرفة لم تُفتح نوافذها منذ أيام. وقفت رغد عند الباب للحظة، تتأمل المشهد بحزن، قبل أن تتقدم بهدوء وتجلس بجانب صديقتها.جلست بجانبها بصمت طويل، تمسك يدها دون أن تقول شيئًا، تاركة للصمت نفسه أن يفعل ما لا تستطيع الكلمات فعله. مرّت دقائق ثقيلة قبل أن تسألها بلطف غير معتاد: "فيه إيه يا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status