ログインكان سيف الدرويش مثالًا للوقار ونبل الخلق، بعيد المنال، وطبيبًا وسيمًا ينتظره ألمع مستقبل بين أطباء مدينة السرو. في اليوم الذي خسر فيه حبيبته، عرّفه أستاذه الذي يكن له أعمق الاحترام إلى امرأة عادية للغاية. وبعد شهر، تزوجها سيف. مضى عام على زواجهما، والجميع يقولون إن ندى مراد لا تليق به. امرأة عادية جاءت من بلدة صغيرة، ومعها أم مصابة بورم في الدماغ، فكانت في نظرهم أكبر وصمة في حياته. وأخيرًا، في اليوم الذي اكتشفت فيه عقمها، أرسلت إليه رسالة: "لننفصل". أجبرتها عائلة الدرويش على توقيع اتفاق الطلاق، فجمعت أغراضها وغادرت بيت الزوجية مثقلة بالحزن. في تلك الأثناء، كان سيف يحلق في السماء، قاطعًا آلاف الكيلومترات ليعيد حبيبته الأولى رنا السعدي. أدركت ندى حقيقة وضعها، فلم تبك ولم تفتعل شجارًا، بل أخذت أمها ومضت بعيدًا، حرة من كل ما يثقلها. أما سيف، فظن أنها نوبة غضب عابرة، وظل يلح عليها كل يوم أن تعود. "لن يفيدك هذا العناد. لن أتخلى عن رنا". أجابته ندى بفتور: "دكتور سيف، أرسلت إليك رسالة أطلب فيها الطلاق منذ وقت طويل. تفضل واقرأها". واتضح أن من لا يحب الآخر بينهما لم يكن إلا هي. … لاحقًا، حين رأى إلى جانب ندى رجلًا دمثًا، هادئًا ورزينًا، فقد سيف هدوءه. "ندى، هل تعرفين منذ كم سنة أحبك؟" … منذ اللحظة التي علم فيها باسل المنصور بعزم ندى على الانفصال عن سيف، قرر أن يفوز بقلبها، ولو اضطر إلى استخدام كل الوسائل. قال باسل: "سيف، عرفت ندوش قبلك". فرد سيف: "لعل هذا ما لا تعرفه يا باسل. أنا عرفتها أولًا". باسل: "بل أنا".
もっと見る"سيف…""ظننت أنك خرساء".صدمتها عبارته الفظة، فتوقفت نصف ثانية، واشتد ألمها.كان هذا الرجل كسكين منفلتة، لا تعرف متى تجرحها من جديد.لم تفهم كيف لرجل نشأ في أسرة مثقفة إلى هذا الحد أن يخصها بكل ما فيه من أذى.وهما على وشك الطلاق، فهل هناك حاجة إلى كل هذا؟زواجهما يحتضر. ألا يستطيعان إنهاءه بسلام؟دفعها سيف إلى السيارة.وأغلق الباب بعنف.أوجعت الضربة أذني ندى، وأخذ قلبها يدق بعنف واضطراب.صعد سيف وشغل التدفئة.أصابها الانتقال المفاجئ من البرد إلى الدفء بدوار، وبدأ جلدها يسخن.ولما رأت السيارة تبتعد أكثر فأكثر عن المستشفى، سألته على عجل: "إلى أين تأخذني؟ أريد العودة إلى المستشفى".قبض سيف على المقود بوجه مشدود، وبدت ملامحه الجانبية حادة كأنها منحوتة.قال ببرود وصوت شديد الانخفاض: "إلى الفندق. إن لم ترتاحي، فكيف تعتنين بأمك؟""أريد العودة إلى المستشفى"."تريدين أن تمرضي أنت أيضًا، ثم أتولى رعايتك ورعاية أمك؟"كادت ندى تضحك.أحقًا يظن أن هناك من تبلغ به الوقاحة إلى هذا الحد، ولا يفهم أنه غير مرغوب فيه؟"سيف، اطمئن. اذهب إلى شؤونك، فأنا وأمي لا نحتاج إليك".تجاهلها، ولم يوقف السيارة.كأنه ي
"من الطريقة التي حماها بها، ظننتها حبيبته أو عشيقة مدللة عنده".اقترح أحدهم: "ينبغي أن نخبر سيف، أليس كذلك؟"كانت ندى شديدة الجوع. وما إن شمت عبير الطعام الساخن حتى أخذت تأكل لقمًا كبيرة أمام باسل.أما هو، فلم يكد يمس طعامه، بل راقبها باهتمام.كانت تلتهم الطعام بنهم، وفيها بقية براءة طفولية، لطيفة كأرنب صغير يأكل.عرفت أنها خرجت عن تحفظها، فابتسمت بخجل."باسل، لعلني تصرفت بتلقائية أكثر مما ينبغي؟"ملأ لها طبقًا من حساء الشعيرية ووضعه قرب يدها."شهيتك للطعام واضحة. تمهلي كيلا تختنقي".انتفخ خداها بالطعام، وتقوست عيناها مبتسمتين."باسل، أطباق الشمال هنا بطعم ما نصنعه في بلدتي تمامًا. إنها أصيلة جدًا"."حقًا؟ لعل الطاهي من الشمال أيضًا".وبمجرد ذكر موطنها، انطلقت ندى في الحديث، وتذكرت حكايات طريفة كثيرة.قال لها باسل: "زرت منطقتكم. مدينة حدودية شديدة البرد. في الشتاء تقل حرارتها عن السرو بخمس عشرة إلى عشرين درجة".فوجئت: "كيف عرفت أن بلدتي حدودية؟ أخبرك الأستاذ؟"وكاد باسل يجيب، لكن سيف وصل.كان يراقبهما منذ قليل من مكان غير بعيد، وهما يتبادلان الحديث والضحك.تتكلم ندى وتلوح بيديها، حيوية
عرف سيف أنها رأت الاسم.لكنه لم يفسر شيئًا."لا يسمح بمرافقة الأهل أثناء مراقبة النشاط الكهربائي للدماغ. عودي إلى الفندق، ونأتي غدًا لنأخذ أمك".هزت ندى رأسها: "لا داعي. سأبقى هنا قرب أمي".لم يكن سيف ينوي البقاء طويلًا."إذن سأذهب"."اذهب".تابعته يبتعد مسرعًا، ويجيب بصوت رقيق مناديًا "رنا"، فلوت شفتيها.جلست على مقعد الممر بملامح هادئة، لكن طعم المرارة بلغ فمها.يستطيع أن يكلم رنا برقة، وأن يكون مهذبًا مع المرضى، بل مع غريب يمر بجواره.وحدها كان يقسو عليها بالكلمات، ليجعلها تشعر بنفوره.من يحب أن يُعامل هكذا؟ لم تولد لتحتمل الإهانة. الأفضل ألا يلتقيا مجددًا.لم يُغلق باب غرفة الأجهزة تمامًا، فسمعت طبيبًا في الداخل يقول بدهشة: "تقول إن هذه زوجة سيف؟ وإن المريضة في غرفة المراقبة… حماته؟""نعم"."كيف؟ ألم يكن سيف ورنا معًا لسنوات طويلة؟ إن تزوج، فسيتزوج رنا!""هذه أخبار قديمة جدًا. حين تزوج هذه المرأة، لم يفهم أساتذتنا وزملاؤنا الأمر أيضًا"."بماذا كان يفكر؟ هذه عادية جدًا مقارنة برنا"."ولا يقتصر الأمر على أنها لا تضاهي رنا. سمعت أنها لا تنجب أيضًا…"قطبت ندى حاجبيها.كيف وصل خبر عقمها
"حسنًا. أمر عليك غدًا مساء ونذهب معًا".أومأت ندى: "اتفقنا".حددا الموعد، متجاهلين سيف تمامًا.وعند إغلاق الباب، نظر باسل إليه.ومن وجهة نظر سيف، حملت تلك النظرة تحديًا خفيًا من رجل نال ما أراد.ظل عابسًا طوال الطريق إلى المستشفى.ولم يجب إلا بكلمات قليلة حين تحدثه آمال، مع أنها كانت شديدة الرغبة في أن تشارك زوج ابنتها كل ما في بالها.جلست ندى بجواره، وتركت بينهما مساحة كبيرة.كم أرادت أن تقول لأمها: لا يرغب في مجاراتك. ألا تكفين عن الحديث معه؟حين نزلوا، فتحت آمال مظلة صغيرة لنفسها، وأعطت ندى مظلة تتسع لاثنين لتستخدمها مع سيف.حاولت ندى الإمساك بأمها، لكنها لم تلحق بها."أمي، أعطي مظلتك لسيف، ونستخدم نحن هذه معًا".كان صوت المطر شديدًا، فواصلت آمال سيرها نحو المستشفى كأنها لم تسمع."أمي!"عندها أخذ سيف المظلة الواسعة من يد ندى وفتحها باستياء."لماذا هذا العناد؟"أطلقت ندى زفرة مكتومة ولم تجبه.قال: "لن تأتي؟"تجهم وجهها، فلم تعد تحتمل كلماته الباردة اللاذعة.وحين رآها لا تتحرك، لم ينتظر، بل مضى بخطوات واسعة وحده.تابعت ندى ظهر أمها وظهر سيف عبر ستار المطر الكثيف، وشعرت بتعب شديد ووحدة





