Home / الرومانسية / التوأم الرقمي / الفصل الرابع عشر: زيارة الأب

Share

الفصل الرابع عشر: زيارة الأب

last update publish date: 2026-09-28 20:12:05

في يوم عطلته الأسبوعية، ذهب كريم كعادته لزيارة لينا في دار الحضانة. كان الطريق إلى هناك قد أصبح جزءًا ثابتًا من أسبوعه، يعرف كل منعطف فيه، وكل إشارة مرور، وكأن سيارته تسير به وحدها دون أن يحتاج إلى التفكير. لكن رغم اعتياده على هذا الطريق، لم تخفّ العقدة التي تتشكل في صدره كل مرة يقترب فيها من الدار، عقدة مزيج من الشوق والذنب، شوق لرؤية ابنته وذنب لأنه لم يعد الشخص الذي يحتضنها كل يوم كما كان يفعل قبل الطلاق.

كانت ابنته قد بدأت تعتاد على النظام الجديد لحياتها، تلعب مع أطفال آخرين، وتتعلم كلمات جديدة كل أسبوع، وأصبحت أكثر استقلالية مما كانت عليه قبل أشهر قليلة. لاحظ كريم هذا التغيّر بمزيج من الفخر والحزن، فخر لأن ابنته تتأقلم وتنمو بشكل جيد، وحزن لأن جزءًا كبيرًا من هذا النمو يحدث بعيدًا عنه، في مكان لا يشاركها فيه يومياتها الصغيرة. لكن نظراتها حين ترى والدها تحمل دائمًا سؤالاً صامتًا: "هترجع تعيش معايا إمتى؟". لم يكن لدى كريم إجابة يقينية يقدمها لها، فاكتفى، كعادته، بأن يحتضنها بقوة ويعدها بأنه "قريب جدًا هيكون كل حاجة تمام".

جلس معها في حديقة الدار الصغيرة، يراقبها وهي ترسم بألوان زاهية على ورقة كبيرة، رسمًا غير مفهوم لطفلة في عمرها، خطوط متشابكة من الأحمر والأصفر والأزرق، لكنه بدا له أجمل لوحة رآها في حياته. سألها عمّا رسمته، فأجابته بثقة الأطفال المعهودة: "ده بيتنا يا بابا، وده إنت وده أنا"، مشيرة إلى شكلين متقاربين في أحد أطراف الورقة. شعر كريم بغصة في حلقه، وابتسم لها محاولًا ألا تلاحظ التأثر الذي بدأ يعلو وجهه، ثم انحنى وقبّل رأسها بحنان.

سألته المشرفة عن موعد سداد الرسوم المتأخرة، فشعر بالحرج المعتاد الذي رافقه في كل زيارة مؤخرًا. لم تكن هذه المرة الأولى التي يُطرح فيها هذا السؤال، وكل مرة كان يشعر فيها بثقل إضافي يُضاف إلى الأعباء التي يحملها. أخبرها أن راتب مشروعه الجديد سيصل قريبًا، وأنه سيسدد كل المتأخرات فور استلامه، محاولًا أن يبدو واثقًا رغم أن قلبه كان يعتصر من الداخل وهو يفكر في طبيعة العمل الذي يحصل منه على هذا المال.

بعد انتهاء الزيارة، ودّع لينا بحضن طويل، ووعدها أن يعود قريبًا، ثم غادر الدار وهو يحمل في صدره ذلك الثقل المعتاد الذي يرافقه دائمًا في طريق العودة. في طريق عودته، اتصلت به هالة لتطمئن على الزيارة، وتحدثا لأول مرة منذ الطلاق بنبرة أقرب إلى الود منها إلى التوتر المعتاد. كان صوتها هادئًا، خاليًا من تلك الحدة التي اعتاد سماعها في مكالماتهما الأخيرة، وكأن الزمن بدأ يخفف من حدة الجراح القديمة بينهما.

سألته عن عمله الجديد، فحاول أن يشرح لها بشكل مبهم طبيعة المشروع، متجنبًا الخوض في التفاصيل التي بدأت تثقل ضميره. لم يكن يريد أن يكذب عليها مباشرة، لكنه أيضًا لم يكن مستعدًا لمواجهتها، أو مواجهة نفسه، بحقيقة أنه أصبح يشارك في صناعة شخصيات رقمية تتحدث مع نساء وحيدات وتُشعرهن بمشاعر ليست حقيقية بالضرورة. اكتفى بأن يقول لها إنه "يعمل في مجال التكنولوجيا وتطوير التطبيقات"، وهي إجابة صحيحة تقنيًا لكنها بعيدة كل البعد عن الحقيقة الكاملة.

قالت له هالة فجأة، بنبرة تأملية بدت وكأنها تستعيد ذكرى عزيزة عليها رغم كل ما حدث بينهما: "تعرف، أنا لسه فاكرة أول رسالة بعتهالي أيام التطبيق بتاعنا، كانت حلوة أوي، حسيتها صادقة جدًا وقتها". توقفت للحظة، وكأنها تستحضر تلك الأيام البعيدة حين كانت العلاقة بينهما لا تزال في بدايتها المفعمة بالأمل، قبل أن تُضيف: "كنت حاسة إن حد بيفهمني فعلاً، مش بس بيرد عليا".

لم يعلّق كريم، لكن كلامها أثار في داخله سؤالاً قديمًا لم يجد له إجابة بعد. شعر بجسده يتصلب قليلًا خلف مقود السيارة، وبقلبه يخفق بسرعة غير معتادة. أنهى المكالمة بكلمات مقتضبة، وواعدها بالاتصال قريبًا بخصوص ترتيبات الزيارة القادمة، ثم أغلق الهاتف وترك صمتًا ثقيلًا يخيم على السيارة.

بعد انتهاء المكالمة، جلس كريم في سيارته لدقائق طويلة، لم يحرك السيارة رغم أن الإشارة تحولت إلى اللون الأخضر أكثر من مرة، منتظرًا حتى يهدأ اضطرابه الداخلي. كان يستعيد شريط ذكرياته مع هالة منذ بداية تعارفهما، محاولًا أن يتذكر بدقة كيف بدأت تلك الرسائل الأولى، وماذا كانت تحمل من كلمات. تذكّر كيف كانت رسائلها الأولى تبدو مثالية بشكل غريب، تعرف بالضبط ما يريد سماعه، وتجيب على أسئلته بعمق يفوق ما كان يتوقعه من شخص التقاه لتوّه، وكيف تغيّر أسلوبها تدريجيًا بعد أسابيع قليلة من التواصل المباشر، حين أصبحت أكثر طبيعية وأقل "كمالًا".

لم يفكر في الأمر بجدية حينها، فقد اعتبره مجرد توافق نادر بينهما، حظًا جميلًا وقع عليه دون أن يستحقه ربما. لكنه الآن، بعد أن أصبح جزءًا من صناعة "الشخصيات الرقمية التفاعلية"، وبعد أن رأى بأم عينه كيف تُصمم تلك الرسائل الأولى لتكون مثالية بعناية مدروسة، تُحاكي بالضبط ما يبحث عنه كل شخص من دفء وفهم وقبول، بدأ يشعر بقشعريرة حقيقية وهو يتساءل: هل كانت البداية نفسها التي عاشها مع هالة نتاج آلية مشابهة لتلك التي يساهم الآن في برمجتها لأشخاص آخرين؟ هل كان هناك من صمم تلك الكلمات الأولى بعناية، أم أن ما جمعه بهالة كان حقيقيًا خالصًا لم تمسسه يد التكنولوجيا؟

ظل هذا السؤال يدور في رأسه طوال الطريق إلى المنزل، يتحول إلى شك يتسلل ببطء إلى كل ذكرى جميلة جمعته بها، مهددًا أن يعيد كتابة تاريخ علاقتهما بأكملها من منظور مختلف تمامًا، منظور لم يكن مستعدًا لمواجهته بعد.

حين وصل أخيرًا إلى شقته الصغيرة، جلس على حافة السرير دون أن يخلع ملابسه، غارقًا في تفكير عميق. أخرج هاتفه وبدأ يتصفح صور لينا التي التقطها في زيارته الأخيرة، محاولًا أن يستعيد شعورًا بسيطًا وصادقًا وسط كل هذا الاضطراب الذي يعتمل بداخله. توقف عند صورة رسمتها ابنته لهما معًا، وابتسم رغم كل شيء، متذكرًا أن هذه اللحظة على الأقل كانت حقيقية بلا أدنى شك.

في اليوم التالي، ذهب كريم إلى مقر الشركة التي يعمل بها، ذلك المكتب الصغير المطل على شارع هادئ، حيث يقضي ساعات طويلة أمام الشاشة يكتب حوارات لشخصيات رقمية مصممة لتبدو إنسانية قدر الإمكان. جلس أمام حاسوبه كعادته، لكنه هذه المرة لم يستطع الانخراط في العمل بنفس الحياد الذي اعتاد عليه. كان يراجع نصوص المحادثات الافتتاحية التي يكتبها لشخصية "سامر"، إحدى الشخصيات الرقمية الأكثر نجاحًا في المنصة، ويجد نفسه يقارن، دون قصد، بين هذه الجمل المصممة بعناية وبين ما يتذكره من أولى رسائل هالة له.

استوقفته إحدى العبارات التي كتبها بنفسه قبل أشهر ضمن "دليل الردود الأولى"، عبارة تهدف إلى خلق شعور فوري بالفهم العميق لدى المستخدمة، عبارة تشبه إلى حد مثير للقلق أسلوب هالة في رسائلها الأولى له. شعر بقشعريرة حقيقية تسري في جسده، وبدأ يتساءل بجدية أكبر مما سمح لنفسه من قبل: هل كانت هالة تتحدث معه فعلًا في تلك الأيام الأولى، أم كانت تتحدث مع نظام آلي صُمم لجذبها والإيقاع بها في علاقة، قبل أن يتولى شخص حقيقي المحادثة لاحقًا؟ كان الاحتمال مرعبًا بما يكفي ليجعله يغلق الحاسوب فجأة ويخرج من مكتبه ليتنفس هواءً نقيًا، محاولًا تهدئة اضطرابه الداخلي الذي بدأ يتصاعد بشكل لم يعتده من قبل.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • التوأم الرقمي   الفصل الثامن عشر : اسم سليم

    لم تنم ياسمين تلك الليلة. جلست على أرضية غرفتها، وملف نادية مفتوح أمامها كجرح لا يُغلق، وهاتفها موضوع على بعد متر منها كأنه شيء ملوث. كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة فجرًا حين أطفأت أخيرًا مصباح القراءة، ليس لأنها نامت، بل لأنها لم تعد تحتمل النظر إلى تلك الصفحات التي تحمل تفاصيل حياتها موثقة بخط غريب بارد.في الصباح، وصلتها رسالة من رغد: «تعالي إلى المكتب. وجدنا شيئًا عن الاسم.»كانت رغد قد أمضت الليل كله تبحث، مستعينة بصديق يعمل في مجال حماية البيانات الرقمية، عن كل أثر يمكن أن يقود إلى حقيقة «سليم». لم تنم هي الأخرى، وحين وصلت ياسمين إلى المكتب الصغير الذي تستأجره رغد كمساحة عمل حرة، وجدتها محاطة بأكواب قهوة فارغة، تحدق في شاشة حاسوبها بوجه شاحب أنهكه السهر.«ماذا وجدتِ؟» سألت ياسمين وهي تخلع معطفها بحركة آلية، عقلها ما زال معلقًا بتلك الصفحة الفارغة التي رأتها الليلة الماضية في ملفها الخاص.أدارت رغد الشاشة نحوها ببطء، وكأنها تخشى أن يكون ما ستراه ياسمين ثقيلًا للغاية. كانت صفحة قديمة، محذوفة منذ سنوات لكن أرشيف الإنترنت احتفظ بنسخة باهتة منها: موقع تعريفي بسيط، بتصميم عفا عليه الزم

  • التوأم الرقمي   الفصل السابع عشر : الغرفة السابعة

    لم يكن أمام كريم إلا ثلاث دقائق.ثلاث دقائق بين دورية الحراسة الأولى والثانية، وثلاث دقائق قبل أن تتحول بطاقة الدخول القديمة في جيبه إلى قطعة بلاستيك بلا قيمة، حين يتنبه النظام أخيرًا إلى أن اسمه ما زال حيًا فيه.كان يقف عند الباب الخلفي للمبنى منذ الحادية عشرة والنصف، يراقب الحارس وهو يشرب الشاي ويقلب هاتفه. حين استدار الحارس أخيرًا نحو الواجهة الأمامية، تحرك كريم.مرّر البطاقة على القارئ الإلكتروني. ظل الضوء أحمر ثانيتين طويلتين، ثم صار أخضر.همس لنفسه: «الحمد لله أنهم لا يحذفون شيئًا.»دخل.كان الممر خاليًا، بارد الضوء، تفوح منه رائحة المكيفات والسجاد الجديد. تجاوز الغرف التسع التي قضى فيها شهورًا يعيش بأصوات لا تخصه، وتجاوز غرفة 9 دون أن ينظر إليها، وهو يعرف أن الجملة المكتوبة تحت المكتب ما زالت هناك.لا تحبها. إنهم يريدونك أن تحبها.لم يكن قد قال لأحد أنه يحفظها كما يحفظ الأدعية. كان يتلوها كل صباح في السيارة، قبل أن يصعد، ثم يتوقف عند اسم ياسمين ولا يكمل.نزل السلم الخلفي إلى الطابق الأرضي، ثم إلى الطابق الذي لا يظهر في لوحة المصعد. كان الهواء أثقل هناك، وأبرد، وكأن المبنى كله ي

  • التوأم الرقمي   الفصل 16 : الملف الذي لم يكن موجودًا

    لم تكن عيادة د. نادية تشبه العيادات.لا سماعة طبية على المكتب، ولا شهادات معلقة على الجدران، ولا رائحة مطهرات. كان فيها مصباح واحد مضاء، وثلاثة فناجين قهوة باردة، وملف كرتوني سميك وضعته نادية بين ياسمين ورغد كما توضع ورقة الحكم أمام المتهم.جلست ياسمين على حافة الكرسي، وكأنها تستعد للهرب. كان هاتفها في حقيبتها مطفأً منذ ساعتين، وكانت تشعر مع ذلك أنه يراقبها.قالت نادية دون مقدمات: «اختفى أحد عشر شخصًا في ثلاث سنوات. وأنتِ الثانية عشرة، إن لم نحسبك ناجية.»ابتلعت ياسمين ريقها.«أنا لم أختفِ. هو الذي اختفى.»«هذا بالضبط ما قالته الأخريات.»فتحت نادية الملف وبدأت تبسط الصفحات على الطاولة الواحدة تلو الأخرى: صور، لقطات شاشة، تواريخ، أرقام هواتف مشطوبة. كل صفحة تحمل اسمًا، وتحت الاسم عبارة واحدة مكتوبة بخط أحمر: «انقطع الاتصال».قالت رغد بصوت خافت: «كلهم كانوا على التطبيق؟»«كلهم. وكلهم كانوا على وشك الانتقال من الكلام إلى اللقاء. ثم ينقطع كل شيء دفعة واحدة، فلا رسائل ولا أرقام ولا حسابات. كأن الشخص الآخر لم يوجد أصلًا، وكأن هؤلاء النساء والرجال تخيلوا كل شيء.»«وكيف عرفتِ أنتِ؟»نظرت نادي

  • التوأم الرقمي   الفصل الخامس عشر: اختفاء مفاجئ

    مرّ أسبوعان كاملان دون أي إشارة من سليم. كانا أسبوعين ثقيلين على ياسمين، تمر ساعاتهما ببطء غريب، وكأن الزمن نفسه توقف عند اللحظة التي أرسلت فيها آخر رسالة له. حاولت ياسمين الاتصال به بكل الوسائل المتاحة: رسائل التطبيق، بريد إلكتروني قديم تبادلا فيه رسالتين فقط في بداية تعارفهما، وحتى محاولة البحث عن أي حساب آخر يحمل اسمه على منصات التواصل الاجتماعي. جربت أسماء مختلفة، وصورًا محتملة، وبحثت في كل زاوية تخيلت أنها قد تقودها إليه، لكنها لم تجد شيئًا؛ كأن الرجل الذي أمضت معه أشهرًا من حياتها العاطفية قد تبخّر فجأة، تاركًا خلفه فراغًا لا يمكن وصفه.في محاولة أخيرة يائسة، فتحت التطبيق نفسه لتجد رسالة تلقائية تفيد بأن الحساب "تم إيقافه بناءً على طلب المستخدم". قرأت الجملة مرارًا وتكرارًا، وكأنها تنتظر أن تتغير كلماتها في كل مرة، أو أن تجد فيها تفسيرًا مختلفًا عمّا تعنيه فعلًا. لكن المعنى ظل ثابتًا لا يتغير: هو من اختار الرحيل، بإرادته الكاملة، دون أن يترك ولو كلمة وداع واحدة. شعرت بصدمة أعمق من أي وقت مضى؛ فالاختفاء المفاجئ لم يكن نتيجة ظرف طارئ كما اعتادت أن تُقنع نفسها في الأيام الأولى من ص

  • التوأم الرقمي   الفصل الرابع عشر: زيارة الأب

    في يوم عطلته الأسبوعية، ذهب كريم كعادته لزيارة لينا في دار الحضانة. كان الطريق إلى هناك قد أصبح جزءًا ثابتًا من أسبوعه، يعرف كل منعطف فيه، وكل إشارة مرور، وكأن سيارته تسير به وحدها دون أن يحتاج إلى التفكير. لكن رغم اعتياده على هذا الطريق، لم تخفّ العقدة التي تتشكل في صدره كل مرة يقترب فيها من الدار، عقدة مزيج من الشوق والذنب، شوق لرؤية ابنته وذنب لأنه لم يعد الشخص الذي يحتضنها كل يوم كما كان يفعل قبل الطلاق.كانت ابنته قد بدأت تعتاد على النظام الجديد لحياتها، تلعب مع أطفال آخرين، وتتعلم كلمات جديدة كل أسبوع، وأصبحت أكثر استقلالية مما كانت عليه قبل أشهر قليلة. لاحظ كريم هذا التغيّر بمزيج من الفخر والحزن، فخر لأن ابنته تتأقلم وتنمو بشكل جيد، وحزن لأن جزءًا كبيرًا من هذا النمو يحدث بعيدًا عنه، في مكان لا يشاركها فيه يومياتها الصغيرة. لكن نظراتها حين ترى والدها تحمل دائمًا سؤالاً صامتًا: "هترجع تعيش معايا إمتى؟". لم يكن لدى كريم إجابة يقينية يقدمها لها، فاكتفى، كعادته، بأن يحتضنها بقوة ويعدها بأنه "قريب جدًا هيكون كل حاجة تمام".جلس معها في حديقة الدار الصغيرة، يراقبها وهي ترسم بألوان زاه

  • التوأم الرقمي   الفصل الثالث عشر: مواجهة الحقيقة

    لاحظت رغد شحوب وجه ياسمين وتراجع نشاطها خلال الأسابيع التالية، فقررت أن تزورها دون سابق إنذار. لم تكن هذه أول مرة تشعر فيها رغد بأن شيئًا ما يتغيّر في صديقتها المقربة، فقد بدأت تلاحظ منذ أسبوعين أن ياسمين تتأخر في الرد على رسائلها، وأن حماسها المعتاد للحديث عن تفاصيل يومها قد خفت تمامًا، وكأن شخصًا آخر حلّ محلها. اتصلت بها مرتين في ذلك الصباح دون جواب، فقررت أن تذهب إليها مباشرة بعد انتهاء دوامها، متجاهلة صوتًا داخليًا كان يخبرها أنها ربما تتدخل فيما لا يعنيها.وجدتها جالسة في شقتها بملابس النوم في منتصف النهار، والستائر مغلقة تمامًا وكأنها تختبئ من الضوء ذاته. كانت الشقة التي اعتادت رغد أن تراها مرتبة ومليئة بالحياة، قد تحوّلت إلى مكان كئيب، أكواب قهوة باردة متناثرة على الطاولة، وأوراق مبعثرة، ورائحة خفيفة لغرفة لم تُفتح نوافذها منذ أيام. وقفت رغد عند الباب للحظة، تتأمل المشهد بحزن، قبل أن تتقدم بهدوء وتجلس بجانب صديقتها.جلست بجانبها بصمت طويل، تمسك يدها دون أن تقول شيئًا، تاركة للصمت نفسه أن يفعل ما لا تستطيع الكلمات فعله. مرّت دقائق ثقيلة قبل أن تسألها بلطف غير معتاد: "فيه إيه يا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status