Home / الرومانسية / التوأم الرقمي / الفصل السابع عشر : الغرفة السابعة

Share

الفصل السابع عشر : الغرفة السابعة

last update publish date: 2026-09-29 01:22:10

لم يكن أمام كريم إلا ثلاث دقائق.

ثلاث دقائق بين دورية الحراسة الأولى والثانية، وثلاث دقائق قبل أن تتحول بطاقة الدخول القديمة في جيبه إلى قطعة بلاستيك بلا قيمة، حين يتنبه النظام أخيرًا إلى أن اسمه ما زال حيًا فيه.

كان يقف عند الباب الخلفي للمبنى منذ الحادية عشرة والنصف، يراقب الحارس وهو يشرب الشاي ويقلب هاتفه. حين استدار الحارس أخيرًا نحو الواجهة الأمامية، تحرك كريم.

مرّر البطاقة على القارئ الإلكتروني. ظل الضوء أحمر ثانيتين طويلتين، ثم صار أخضر.

همس لنفسه: «الحمد لله أنهم لا يحذفون شيئًا.»

دخل.

كان الممر خاليًا، بارد الضوء، تفوح منه رائحة المكيفات والسجاد الجديد. تجاوز الغرف التسع التي قضى فيها شهورًا يعيش بأصوات لا تخصه، وتجاوز غرفة 9 دون أن ينظر إليها، وهو يعرف أن الجملة المكتوبة تحت المكتب ما زالت هناك.

لا تحبها. إنهم يريدونك أن تحبها.

لم يكن قد قال لأحد أنه يحفظها كما يحفظ الأدعية. كان يتلوها كل صباح في السيارة، قبل أن يصعد، ثم يتوقف عند اسم ياسمين ولا يكمل.

نزل السلم الخلفي إلى الطابق الأرضي، ثم إلى الطابق الذي لا يظهر في لوحة المصعد. كان الهواء أثقل هناك، وأبرد، وكأن المبنى كله يخفي أنفاسه.

في نهاية الممر باب حديدي لم يفتحه أحد أمامه قط. كان عليه رقم 7 بطلاء باهت، وتحته لوحة رقمية صغيرة تضيء بلون أزرق ضعيف.

تذكر ما قاله عماد في آخر مكالمة بينهما، بصوت مبتل بالخوف: «الرقم هو تاريخ ميلاد الطفلة التي لا يعرفون أنها موجودة.»

لم يفهم وقتها. ظن أنه هذيان رجل متعب.

لكنه فهم الآن، وكان الفهم مؤلمًا كطعنة بطيئة.

لينا. الطفلة التي لم يذكرها في أي استمارة توظيف، ولا في أي عقد، ولا في أي مكالمة مع الشركة. الطفلة التي هددوه بها دون أن يسمّوها.

إذن كانوا يعرفون. كانوا يعرفون منذ اليوم الأول.

كتب ثلاثة أرقام، ثم رقمين، ثم توقف وأصابعه معلقة فوق اللوحة. يوم ميلاد لينا. الرقم الذي لم يخطر في باله يومًا أنه سيدخل به إلى جحيم.

ضغط الزر.

أضاء الضوء الأخضر، وانفتح الباب بصوت مكتوم.

لم يكن مخزنًا.

كانت غرفة طويلة مبطنة بالإسفنج الرمادي، وفيها ثلاثة عشر مقعدًا في صفين، على كل مقعد رجل أو امرأة بسماعات على الأذنين. أمام كل واحد ميكروفون صغير ولوحة تعرض جملًا تتغير كل بضع ثوانٍ.

كانوا يقرأون بصوت خافت، بنبرة واحدة، دون أن يرفع أحد رأسه:

«لن أتركك تنامين وحدك الليلة.»

«أنا هنا، حتى لو لم يكن أحد هنا.»

«لا أحد يفهمني مثلك.»

وقف كريم في مكانه لا يستطيع أن يتنفس. كانت الجمل تخرج من أفواههم كما تخرج المياه من أنبوب قديم: بلا روح، لكن بغزارة.

اقترب من الصف الأول ببطء. امرأة في الأربعين، عيناها غائرتان، تقرأ جملة حب ثم تمسح دمعة بظهر يدها دون أن تتوقف عن القراءة. بجوارها شاب لا يتجاوز الخامسة والعشرين، يهز رأسه مع كل كلمة كأنه يقاوم النوم.

لا أحد ينظر إلى أحد. كل واحد منهم عالق في جزيرة صغيرة، يكتب الحب لغرباء لن يلتقيهم أبدًا، ويسمع أصواتهم تحبه من بعيد.

فكر كريم في المئات من الرسائل التي كتبها بنفسه في غرفة 9. كم واحدة منها خرجت من صوت رجل مثل هذا؟ وكم امرأة أحبت عماد دون أن تعرف اسمه؟

هؤلاء هم المختفون.

لم يُقتلوا، ولم يُخطفوا، ولم يهربوا. كانوا هنا، أحياء، يعملون. أحد عشر إنسانًا وضعتهم الشركة في غرفة تحت الأرض، وجعلت من أصواتهم أشباحًا ترسل الحب إلى غرباء.

في آخر الصف الثاني رأى وجهًا يعرفه. كان عماد أنحف بكثير، أشحب، ولحيته الخفيفة صارت بيضاء عند الذقن، كأن ثلاث سنوات مرت عليه في ثلاثة أشهر. مشى إليه كريم بخطوات حذرة، ووضع يده على كتفه.

رفع عماد رأسه ببطء، ونظر إليه كمن يرى شخصًا في حلم قديم.

سحب السماعة عن أذنه، وقال بصوت مبحوح:

«جئت.»

«ماذا يحدث هنا؟ ما هذا المكان؟»

ابتسم عماد ابتسامة صغيرة وحزينة.

«لم يختفِ أحد يا كريم. نحن لم نُمحَ، نحن نُؤرشَف.»

«تؤرشفون؟»

أشار عماد إلى الميكروفون أمامه.

«كل جملة نقولها تدخل النموذج. صوتنا ونبرتنا وطريقتنا حين نكذب لنبدو صادقين. وحين يكتمل الصوت، لا يحتاجون إلى المشغّل بعد ذلك. يحتاجون إلى نسخته فقط.»

«وأنتم؟»

«نحن الباقي. نوقّع عقودًا نظنها استقالة، ثم نكتشف أنها عقود بقاء. وحين نحاول الاعتراض يذكّروننا بأسمائنا وبعناوين من نحب.»

تذكر كريم العقد الذي وقّعه في يوم التعيين، بلا قراءة، وهو ممتن لأنهم قبلوه بعد أن خسر عمله وزواجه. كانت الورقة الأخيرة فيه بلا عنوان. سألهم عنها فضحك المدير وقال إنها إجراء روتيني.

الآن فقط صار للضحكة معنى.

تراجع كريم خطوة.

«ولماذا لا تهربون؟»

نظر إليه عماد نظرة طويلة، ثم مدّ يده إلى لوحة صغيرة على الجدار وضغط زرًا.

بدأ تسجيل قديم في السماعات المعلقة على الحائط. صوت رجل يتحدث بحرارة كاذبة، ينادي امرأة باسمها ويعدها بأنه سيكون هناك دائمًا، وأنه لن يؤذيها أبدًا، وأنها الأولى والأخيرة.

قال عماد: «اسمع جيدًا.»

اقشعر جلد كريم. عرف النبرة قبل أن يعرف الكلمات. عرف الرنة الصغيرة في نهاية الجملة، وتلك التنهيدة التي تسبق كل وعد.

كانت النبرة نبرته هو.

قال بصوت ليس صوته: «أنا لم أسجل هذا.»

«بلى، سجلته في أسبوعك الأول. قالوا لك إنه اختبار جودة.»

«لا أذكر...»

«لا أحد يذكر. هكذا يعملون. يعطونك نصًا وتقرؤه، فتظن أنه تدريب. ثم تكتشف بعد شهور أن صوتك يحب أحدًا لم تلتقِ به.»

أطفأ عماد التسجيل، ثم أضاف بصوت أخفض، وهو ينظر خلفه إلى الباب:

«والآن اسمع الجزء الأهم: كريم الذي يتكلم في هذا التسجيل لم يكن يتحدث إلى ياسمين. كان يتحدث إلى امرأة أخرى، منذ أكثر من ثلاث سنوات.»

«أي امرأة؟»

«لا أعرف اسمها. لكنني سمعت هذا التسجيل يُشغَّل مرارًا في الاجتماعات المغلقة، ومعه اسم واحد كانوا يكررونه بحذر شديد: الحالة صفر.»

شعر كريم بأن الأرض تنسحب من تحت قدميه. الحالة صفر. ثلاث سنوات. امرأة أخرى. وصوته.

فكر في هالة، وفي بداية علاقتهما قبل ثلاث سنوات تقريبًا. كانت الفترة نفسها. الشهور نفسها. وتلك الصدفة الجميلة التي جمعتهما في طابور مكتب حكومي، وما زال يرويها لنفسه كلما ضاق صدره.

هل كانت صدفة فعلًا؟ أم أنه كان يتلو نصًا كُتب له قبل أن يعرف أنه ممثل؟

أراد أن يسأل عماد المزيد، أن يمسك بكتفيه ويهزه حتى يتذكر كل ما سمعه، لكن الوقت كان يجري ضدهما، وكل ثانية تمر كانت تحمل خطوات حراس تقترب من الباب.

وقبل أن ينطق بكلمة، انطفأت الغرفة فجأة، وارتفع صوت إنذار قصير حاد، ثم تحول الظلام الدامس إلى وميض أحمر يدور على الجدران.

صرخ عماد وهو يدفعه نحو الباب: «اخرج! الآن! إنهم يعرفون أنك هنا!»

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • التوأم الرقمي   الفصل الثامن عشر : اسم سليم

    لم تنم ياسمين تلك الليلة. جلست على أرضية غرفتها، وملف نادية مفتوح أمامها كجرح لا يُغلق، وهاتفها موضوع على بعد متر منها كأنه شيء ملوث. كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة فجرًا حين أطفأت أخيرًا مصباح القراءة، ليس لأنها نامت، بل لأنها لم تعد تحتمل النظر إلى تلك الصفحات التي تحمل تفاصيل حياتها موثقة بخط غريب بارد.في الصباح، وصلتها رسالة من رغد: «تعالي إلى المكتب. وجدنا شيئًا عن الاسم.»كانت رغد قد أمضت الليل كله تبحث، مستعينة بصديق يعمل في مجال حماية البيانات الرقمية، عن كل أثر يمكن أن يقود إلى حقيقة «سليم». لم تنم هي الأخرى، وحين وصلت ياسمين إلى المكتب الصغير الذي تستأجره رغد كمساحة عمل حرة، وجدتها محاطة بأكواب قهوة فارغة، تحدق في شاشة حاسوبها بوجه شاحب أنهكه السهر.«ماذا وجدتِ؟» سألت ياسمين وهي تخلع معطفها بحركة آلية، عقلها ما زال معلقًا بتلك الصفحة الفارغة التي رأتها الليلة الماضية في ملفها الخاص.أدارت رغد الشاشة نحوها ببطء، وكأنها تخشى أن يكون ما ستراه ياسمين ثقيلًا للغاية. كانت صفحة قديمة، محذوفة منذ سنوات لكن أرشيف الإنترنت احتفظ بنسخة باهتة منها: موقع تعريفي بسيط، بتصميم عفا عليه الزم

  • التوأم الرقمي   الفصل السابع عشر : الغرفة السابعة

    لم يكن أمام كريم إلا ثلاث دقائق.ثلاث دقائق بين دورية الحراسة الأولى والثانية، وثلاث دقائق قبل أن تتحول بطاقة الدخول القديمة في جيبه إلى قطعة بلاستيك بلا قيمة، حين يتنبه النظام أخيرًا إلى أن اسمه ما زال حيًا فيه.كان يقف عند الباب الخلفي للمبنى منذ الحادية عشرة والنصف، يراقب الحارس وهو يشرب الشاي ويقلب هاتفه. حين استدار الحارس أخيرًا نحو الواجهة الأمامية، تحرك كريم.مرّر البطاقة على القارئ الإلكتروني. ظل الضوء أحمر ثانيتين طويلتين، ثم صار أخضر.همس لنفسه: «الحمد لله أنهم لا يحذفون شيئًا.»دخل.كان الممر خاليًا، بارد الضوء، تفوح منه رائحة المكيفات والسجاد الجديد. تجاوز الغرف التسع التي قضى فيها شهورًا يعيش بأصوات لا تخصه، وتجاوز غرفة 9 دون أن ينظر إليها، وهو يعرف أن الجملة المكتوبة تحت المكتب ما زالت هناك.لا تحبها. إنهم يريدونك أن تحبها.لم يكن قد قال لأحد أنه يحفظها كما يحفظ الأدعية. كان يتلوها كل صباح في السيارة، قبل أن يصعد، ثم يتوقف عند اسم ياسمين ولا يكمل.نزل السلم الخلفي إلى الطابق الأرضي، ثم إلى الطابق الذي لا يظهر في لوحة المصعد. كان الهواء أثقل هناك، وأبرد، وكأن المبنى كله ي

  • التوأم الرقمي   الفصل 16 : الملف الذي لم يكن موجودًا

    لم تكن عيادة د. نادية تشبه العيادات.لا سماعة طبية على المكتب، ولا شهادات معلقة على الجدران، ولا رائحة مطهرات. كان فيها مصباح واحد مضاء، وثلاثة فناجين قهوة باردة، وملف كرتوني سميك وضعته نادية بين ياسمين ورغد كما توضع ورقة الحكم أمام المتهم.جلست ياسمين على حافة الكرسي، وكأنها تستعد للهرب. كان هاتفها في حقيبتها مطفأً منذ ساعتين، وكانت تشعر مع ذلك أنه يراقبها.قالت نادية دون مقدمات: «اختفى أحد عشر شخصًا في ثلاث سنوات. وأنتِ الثانية عشرة، إن لم نحسبك ناجية.»ابتلعت ياسمين ريقها.«أنا لم أختفِ. هو الذي اختفى.»«هذا بالضبط ما قالته الأخريات.»فتحت نادية الملف وبدأت تبسط الصفحات على الطاولة الواحدة تلو الأخرى: صور، لقطات شاشة، تواريخ، أرقام هواتف مشطوبة. كل صفحة تحمل اسمًا، وتحت الاسم عبارة واحدة مكتوبة بخط أحمر: «انقطع الاتصال».قالت رغد بصوت خافت: «كلهم كانوا على التطبيق؟»«كلهم. وكلهم كانوا على وشك الانتقال من الكلام إلى اللقاء. ثم ينقطع كل شيء دفعة واحدة، فلا رسائل ولا أرقام ولا حسابات. كأن الشخص الآخر لم يوجد أصلًا، وكأن هؤلاء النساء والرجال تخيلوا كل شيء.»«وكيف عرفتِ أنتِ؟»نظرت نادي

  • التوأم الرقمي   الفصل الخامس عشر: اختفاء مفاجئ

    مرّ أسبوعان كاملان دون أي إشارة من سليم. كانا أسبوعين ثقيلين على ياسمين، تمر ساعاتهما ببطء غريب، وكأن الزمن نفسه توقف عند اللحظة التي أرسلت فيها آخر رسالة له. حاولت ياسمين الاتصال به بكل الوسائل المتاحة: رسائل التطبيق، بريد إلكتروني قديم تبادلا فيه رسالتين فقط في بداية تعارفهما، وحتى محاولة البحث عن أي حساب آخر يحمل اسمه على منصات التواصل الاجتماعي. جربت أسماء مختلفة، وصورًا محتملة، وبحثت في كل زاوية تخيلت أنها قد تقودها إليه، لكنها لم تجد شيئًا؛ كأن الرجل الذي أمضت معه أشهرًا من حياتها العاطفية قد تبخّر فجأة، تاركًا خلفه فراغًا لا يمكن وصفه.في محاولة أخيرة يائسة، فتحت التطبيق نفسه لتجد رسالة تلقائية تفيد بأن الحساب "تم إيقافه بناءً على طلب المستخدم". قرأت الجملة مرارًا وتكرارًا، وكأنها تنتظر أن تتغير كلماتها في كل مرة، أو أن تجد فيها تفسيرًا مختلفًا عمّا تعنيه فعلًا. لكن المعنى ظل ثابتًا لا يتغير: هو من اختار الرحيل، بإرادته الكاملة، دون أن يترك ولو كلمة وداع واحدة. شعرت بصدمة أعمق من أي وقت مضى؛ فالاختفاء المفاجئ لم يكن نتيجة ظرف طارئ كما اعتادت أن تُقنع نفسها في الأيام الأولى من ص

  • التوأم الرقمي   الفصل الرابع عشر: زيارة الأب

    في يوم عطلته الأسبوعية، ذهب كريم كعادته لزيارة لينا في دار الحضانة. كان الطريق إلى هناك قد أصبح جزءًا ثابتًا من أسبوعه، يعرف كل منعطف فيه، وكل إشارة مرور، وكأن سيارته تسير به وحدها دون أن يحتاج إلى التفكير. لكن رغم اعتياده على هذا الطريق، لم تخفّ العقدة التي تتشكل في صدره كل مرة يقترب فيها من الدار، عقدة مزيج من الشوق والذنب، شوق لرؤية ابنته وذنب لأنه لم يعد الشخص الذي يحتضنها كل يوم كما كان يفعل قبل الطلاق.كانت ابنته قد بدأت تعتاد على النظام الجديد لحياتها، تلعب مع أطفال آخرين، وتتعلم كلمات جديدة كل أسبوع، وأصبحت أكثر استقلالية مما كانت عليه قبل أشهر قليلة. لاحظ كريم هذا التغيّر بمزيج من الفخر والحزن، فخر لأن ابنته تتأقلم وتنمو بشكل جيد، وحزن لأن جزءًا كبيرًا من هذا النمو يحدث بعيدًا عنه، في مكان لا يشاركها فيه يومياتها الصغيرة. لكن نظراتها حين ترى والدها تحمل دائمًا سؤالاً صامتًا: "هترجع تعيش معايا إمتى؟". لم يكن لدى كريم إجابة يقينية يقدمها لها، فاكتفى، كعادته، بأن يحتضنها بقوة ويعدها بأنه "قريب جدًا هيكون كل حاجة تمام".جلس معها في حديقة الدار الصغيرة، يراقبها وهي ترسم بألوان زاه

  • التوأم الرقمي   الفصل الثالث عشر: مواجهة الحقيقة

    لاحظت رغد شحوب وجه ياسمين وتراجع نشاطها خلال الأسابيع التالية، فقررت أن تزورها دون سابق إنذار. لم تكن هذه أول مرة تشعر فيها رغد بأن شيئًا ما يتغيّر في صديقتها المقربة، فقد بدأت تلاحظ منذ أسبوعين أن ياسمين تتأخر في الرد على رسائلها، وأن حماسها المعتاد للحديث عن تفاصيل يومها قد خفت تمامًا، وكأن شخصًا آخر حلّ محلها. اتصلت بها مرتين في ذلك الصباح دون جواب، فقررت أن تذهب إليها مباشرة بعد انتهاء دوامها، متجاهلة صوتًا داخليًا كان يخبرها أنها ربما تتدخل فيما لا يعنيها.وجدتها جالسة في شقتها بملابس النوم في منتصف النهار، والستائر مغلقة تمامًا وكأنها تختبئ من الضوء ذاته. كانت الشقة التي اعتادت رغد أن تراها مرتبة ومليئة بالحياة، قد تحوّلت إلى مكان كئيب، أكواب قهوة باردة متناثرة على الطاولة، وأوراق مبعثرة، ورائحة خفيفة لغرفة لم تُفتح نوافذها منذ أيام. وقفت رغد عند الباب للحظة، تتأمل المشهد بحزن، قبل أن تتقدم بهدوء وتجلس بجانب صديقتها.جلست بجانبها بصمت طويل، تمسك يدها دون أن تقول شيئًا، تاركة للصمت نفسه أن يفعل ما لا تستطيع الكلمات فعله. مرّت دقائق ثقيلة قبل أن تسألها بلطف غير معتاد: "فيه إيه يا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status