首頁 / التشويق / الإثارة / الجنرال الأول / الفصل الثامن: رحلة الي الجزيره

分享

الفصل الثامن: رحلة الي الجزيره

作者: الصياد
last update publish date: 2026-07-09 01:54:37

“عندي فكرة تنعش القلب” قال يونس في اجتماع الصباح، وعيناه تلمعان بمرح واضح. “نروح الجزيرة، ( الجزيره هي مكان سري لا يعلم عنه احد غيرهم مكانهم الخاص ). بجد محتاجين نتنفس بعد كل اللي حصل”

نظر حمزة إلى الجميع، فوجد الموافقة في كل عين. “فكرة كويسة. كلنا محتاجين راحة، وخلود تيجي معانا، مش عايزينها لوحدها لحد ما نفهم قصتها”

كانت الجزيرة على مسافة ساعتين بالقارب من ساحل أجيادا، جزيرة صغيرة اشتراها الستة منذ سنوات، محاطة بمياه فيروزية صافية ورمال بيضاء ناعمة، تحيط بها أشجار النخيل من كل جانب، ولا يعرف بوجودها أحد خارج دائرتهم المقربة. كانت أشعة الشمس تتراقص على سطح الماء وكأنها آلاف الماسات المتناثرة، والهواء يحمل رائحة الملح والياسمين البري الذي زرعته نجية بيديها منذ سنوات حول الفيلا الصغيرة.

حين اقترب القارب من الشاطئ، شعر الجميع بذلك الارتخاء المألوف يغزو أجسادهم المتعبة، تاركين خلفهم ضجيج المدينة ومعاركها. حتى صوت المحرك، الذي كان يقطع الصمت طوال الرحلة، بدا وكأنه يخفت تدريجيًا كلما اقتربوا من اليابسة، كأن الجزيرة نفسها تفرض هدوءها على كل من يقترب منها.

على متن القارب، جلست خلود بجانب نوران، وقد نشأت بينهما صداقة سريعة وعفوية، كأنهما تعرفان بعضهما منذ سنوات. تحدثتا عن كل شيء تقريبًا خلال الرحلة — عن العمل، عن الرجال الستة وطرافة كل واحد منهم، وعن حياة نوران كامرأة تدير شؤون إمبراطورية كاملة وسط ستة رجال يعتبرونها أختًا صغرى يحمونها بشدة.

“إزاي بتتعاملي مع الجدية المستمرة دي كل يوم؟” سألت خلود بضحكة، وهي تشير برأسها نحو حمزة الجالس في مقدمة القارب، ينظر إلى الأفق بصمته المعتاد.

“الصراحة، اتعودت عليها، بس إنتِ أول واحدة تنجح تكسريها في يوم واحد” ردت نوران بابتسامة معجبة. “عمري ما شفت حمزة يضحك زي ما بيضحك معاكِ”

ابتسمت خلود بفخر خفي، من غير أن تفهم تمامًا سبب هذا الشعور الغريب بالرضا الذي انتابها من هذه الملاحظة.

وصل الجميع إلى الفيلا الصيفية الصغيرة المبنية على الجزيرة، منزل خشبي بسيط لكنه مريح، بشرفة واسعة تواجه البحر مباشرة، وأثاث بسيط يحمل رائحة الخشب القديم والذكريات. بعد أن استقر الجميع في غرفهم، وبعد وجبة غداء خفيفة من الأسماك الطازجة التي أعدتها نجية بنفسها، اقترحت خلود، بحماس لا يهدأ، أن يبدأوا اليوم بمسابقة سباحة إلى صخرة بعيدة عن الشاطئ وعودة.

“مش هسبح” قال ليث بحزم هادئ، من غير أن يرفع عينيه عن الكتاب الذي بدأ يقرأه على كرسيه.

“طيب، هسيبك، بس اعرف إني هفضل أقول لكل الناس إن ليث خاف من مسابقة سباحة ضد دكتورة عيونها زرقاء” ردت خلود بابتسامة عريضة، وكأنها تلقي قنبلة صغيرة.

رفع ليث عينيه أخيرًا، بنظرة تجمع بين الاستغراب والتحدي. “عيوني عيون طبيعية، مالهاش علاقة بالموضوع”

“مين قال إن ليها علاقة؟ أنا بس بوصف الواقع” ردت خلود بابتسامة أوسع.

استمرت المشاجرة الودية لدقائق، بين إصرار ليث على الرفض ومحاولات خلود المتكررة للإقناع، حتى تدخل يونس، الذي كان يستمتع بالمشهد أكثر من أي شخص آخر: “يا ليث، لو رفضت، أنا شخصيًا هسبح بدالك وهقول للناس إنك ده اللي كسبني”

“ده تهديد فعلي” رد ليث بجفاف، لكنه نهض أخيرًا، مستسلمًا وسط ضحكات الجميع.

خسر ليث المسابقة أمام أدهم، الذي كان أسرع بكثير بفضل خفته المعتادة، لكنه فاز على الأقل على يونس، الذي أصر على أن “الخسارة كانت استراتيجية” لا ضعفًا حقيقيًا.

بعد المسابقة الأولى، انتقلت خلود إلى فكرتها التالية: بناء قلاع رملية في مسابقة جماعية، بقواعد من اختراعها الخاص، تتغير كل خمس دقائق حسب من يتقدم في المنافسة.

“القاعدة الجديدة، ممنوع استخدام اليد اليمين” أعلنت بجدية مصطنعة، بعد أن لاحظت أن قلعة أدم بدأت تتفوق على الباقي.

“ده ظلم واضح، أنا بستخدم إيدي اليمين من ساعة” احتج أدم بضحكة.

“الحياة ظالمة يا أدم، القاعدة قاعدة” ردت خلود بثقة، غير مهتمة بأي احتجاج.

نظر أدم إلى حمزة بطلب مساعدة صامت، لكن حمزة، الذي كان يجلس قريبًا، رفع كتفيه بلا مبالاة مصطنعة: “أنا مش هتدخل في قوانين اللعبة، خلود هي الحكم”

“شفت؟ حتى حمزة موافق” قالت خلود بفخر، وهي تشير إليه.

“حمزة موافق على أي حاجة تقوليها، ده مش دليل على عدالة القاعدة” رد أدم بضحكة، ملقيًا نظرة خاطفة نحو حمزة، الذي تجاهل التعليق بابتسامة خفيفة حاول كتمها.

استمرت المسابقة وسط ضحك متواصل، وانتهت أخيرًا بفوز يونس، الذي بنى قلعة صغيرة مشوهة الشكل تمامًا، لكنه أعلن نفسه بطلاً “لأنها الأكثر إبداعًا وأصالة”، وهو تفسير قبله الجميع فقط لتجنب مشاجرة أطول.

في وقت لاحق من بعد الظهر، وبينما كان الجميع يستريح تحت شجرة نخيل كبيرة، اقتربت خلود من حمزة، الذي كان يقرأ تقريرًا على هاتفه.

“سيب التقرير ده، إحنا في عطلة” قالت بجدية، وهي تحاول انتزاع الهاتف من يده بمرح.

“محتاج أطمن على شغل الشركات” رد حمزة، محاولًا الاحتفاظ بهاتفه.

“محتاج تطمن على نفسك الأول” ردت خلود، وبعد مشاجرة ودية قصيرة، نجحت أخيرًا في انتزاع الهاتف منه، وركضت به بعيدًا وسط ضحكة عالية، بينما وجد حمزة نفسه، لدهشته الشخصية، يركض خلفها على الرمال من غير أي تردد حقيقي، وكأن جزءًا منه كان يريد هذا المطاردة بقدر ما كان يتظاهر بالانزعاج منها.

“إنت فعلاً غريب” قال أدهم لأدم بضحكة، وهما يشاهدان المشهد من بعيد. “محدش يقدر يجبر حمزة على حاجة، وهي بتخليه يجري وراها زي طفل صغير”

“مش أول مرة ألاحظ ده” رد أدم بابتسامة عارفة. “في حاجة غريبة بتحصل، ومش متأكد إن حمزة نفسه واعي بيها لسه”

بعد أن استعاد حمزة هاتفه أخيرًا، وسط اتفاق غير رسمي بأن يتركه بعيدًا لبقية اليوم، أعلن يونس عن مسابقته الخاصة: مباراة كرة طائرة على الشاطئ، فريقين، كل فريق يضم ثلاثة، والفريق الفاشل يقوم بواجب “محرج” يحدده الفريق الفائز.

“أنا وحمزة وليث في فريق واحد” أعلنت خلود بثقة، من غير أن تسأل أحدًا.

“ليه بالظبط إحنا التلاتة؟” سأل ليث بحذر.

“لأن إنتوا الأكثر جدية، وأنا عايزة أشوفكم تخسروا وتنفذوا الواجب المحرج، ده هيكون أحلى جزء في اليوم” ردت خلود بصراحة تامة، وسط ضحكات أدم ويونس وأدهم في الفريق المنافس.

جرت المباراة وسط تشجيع صاخب وضحك متواصل، وانتهت، كما توقعت خلود ضمنيًا، بخسارة فريقها بفارق نقطتين، بعد أن أخطأ ليث في ضربة أخيرة كانت سهلة نسبيًا.

“طيب، الواجب المحرج” قال يونس بفرح شرير، وهو يتشاور مع أدم وأدهم للحظات قبل أن يعلن: “عايزين حمزة وليث يرقصوا رقصة كاملة على أغنية شعبية، من غير أي تردد”

“مستحيل” رد ليث بحزم فوري.

“القاعدة قاعدة” ردت خلود بجدية مصطنعة، وهي تضع يديها على خصرها بتحدٍ. “إنتوا اللي وافقتوا تلعبوا معايا، ودلوقتي عايزين تتنصلوا؟ ده مش عدل”

“إنتِ اللي حطيتنا في الفريق ده من غير استشارة” احتج حمزة.

“وإنت اللي وافقت من غير احتجاج وقتها، يعني موافقتك ضمنية” ردت خلود بسرعة بديهة أثارت ضحك الجميع.

استمرت المفاوضات لدقائق طويلة، بين رفض حمزة وليث القاطع، وإصرار خلود العنيد المصحوب بحجج منطقية غريبة لا يستطيع أحد الرد عليها بسهولة، حتى استسلم حمزة أخيرًا، بشكل فاجأ حتى نفسه: “خلاص، بس رقصة واحدة قصيرة، ومحدش يصور”

“موافقة! بس لو حد صور من غير قصد، هيبقي اخر يوم في عمره” ردت خلود بابتسامة ماكرة، وهي تخفي هاتفها بسرعة خلف ظهرها.

رقص حمزة وليث رقصة قصيرة مرتبكة على أنغام أغنية شعبية صاخبة، وسط ضحك هستيري من الجميع، وحتى نجية، التي انضمت للمشهد من الشرفة، لم تستطع كتم ضحكتها وهي تصفق مشجعة.

مع حلول المساء، جمعت خلود الجميع حول نار صغيرة أوقدوها على الشاطئ، الأمواج تتكسر بهدوء بعيدًا، والنجوم تبدأ في الظهور واحدة تلو الأخرى في سماء صافية تمامًا، بينما كانت رائحة السمك المشوي على النار تختلط برائحة البحر المالحة في مزيج يوقظ الحواس.

“عايزة نلعب لعبة” أعلنت خلود، وهي تجلس بجانب النار. “كل واحد يحكي حكاية حقيقية من حياته، أهم لحظة أو أطرف لحظة، أي حاجة، بس تكون حقيقية مية بالمية”

“أنا الأول” قال يونس بحماس فوري، غير منتظر موافقة أحد. “أول مرة قابلت حمزة، كان ده في السجن، وكنت فاكره واحد من الحراس بسبب هدوءه المرعب، فحاولت أعمل معاه علاقة كويسة، فجيبله أكل زيادة كنت خبيته، وقلتله ‘خد يا أستاذ، بس متحبسنيش أكتر من كده’”

انفجر الجميع ضاحكًا، حتى حمزة نفسه، الذي أضاف: “ولقيت نفسي واقف قدام واحد بيحاول يرشيني بأكل، فضحكت لأول مرة من شهور، ومن يومها بقينا أصحاب”

“يعني أنا سبب صداقتكم؟” سأل يونس بفخر.

“إنت سبب إننا ضحكنا على حالنا، ده مختلف” رد ليث بابتسامة، مضيفًا حكايته الخاصة: يوم قابل أدم أول مرة، حين تشاجرا على فراش واحد في الزنزانة المشتركة، قبل أن يكتشفا بعد ساعات من الصمت المتوتر أن كل واحد منهما كان يحمي الآخر من غير أن يقصد، حين هاجمهما سجناء آخرون في نفس الليلة.

حكى أدهم عن أول مهمة قنص له في الجيش، وكيف ارتجفت يداه لأول مرة في حياته، ليس من الخوف، بل من ثقل قرار أخذ حياة إنسان آخر، وكيف ساعده حمزة، الذي لم يكن يعرفه بعد وقتها، بعبارة واحدة سمعها بالصدفة عبر جهاز اللاسلكي: “الخوف قبل القرار علامة إنك إنسان، مش علامة ضعف”.

“ومن يومها، كل ما أحس بالتوتر قبل مهمة، بفتكر الجملة دي” أضاف أدهم بصوت هادئ، وهو ينظر إلى النار أمامه.

جاء دور أدم، الذي حكى عن ليلة، قبل سنوات من دخوله السجن، حين وجد كلبًا مصابًا مهجورًا على قارعة الطريق، وكيف حمله لأقرب عيادة بيطرية من غير أن يملك ثمن العلاج، فاضطر للعمل شهرًا كاملاً من غير أجر عند الطبيب البيطري لتسديد الدين، وكيف علّمه ذلك الكلب، الذي أسماه “وفا”، أول درس حقيقي في معنى الإخلاص من غير مقابل.

“ولسه عندي صورته لحد دلوقتي” قال أدم بابتسامة حنونة نادرة، وهو يخرج محفظته الجلدية القديمة ليعرض صورة صغيرة مهترئة الحواف لكلب بني اللون.

“يا أدم، ده أرق حاجة سمعتها منك في حياتي” قالت خلود بتأثر واضح، وهي تنظر إلى الصورة بعناية.

ضحك يوسف، الذي كان صامتًا معظم الوقت، وحكى عن أول مرة اخترق فيها نظامًا حكوميًا معقدًا وهو لا يزال في السادسة عشرة من عمره، ليس بدافع الشر، بل لمجرد إثبات لنفسه أنه قادر على ذلك، وكيف اكتشف الأمر ضابط شرطة كان يتابعه من غير علمه، وأعجب بمهارته لدرجة أنه أغلق الملف بشرط أن يتعلم يوسف استخدام موهبته في شيء بنّاء بدلاً من العبث.

“يمكن ده كان أول حد صدقني إني ممكن أستخدم عقلي في حاجة مفيدة، قبل ما أعرف حمزة والباقي” قال يوسف بصدق نادر.

استمعت خلود بصمت عميق لكل حكاية، عيناها تتسعان تارة بالضحك، وتتغير تارة بالتأثر، حتى حان دورها أخيرًا.

“مش عندي حكايات حرب زيكم” قالت بصوت أهدأ من المعتاد. “بس عندي حكاية إني كبرت في مؤسسة رعاية، من غير عائلة، ومن غير حد يعرف حاجة عن أصلي. كل سنة كنت بحتفل بعيد ميلادي في يوم مش متأكدة أصلاً إنه يومي الحقيقي، لأنهم لقوني طفلة رضيعة من غير أي ورقة تثبت تاريخ ميلادي الحقيقي”

ساد صمت مؤثر حول النار، حتى حمزة، الذي نظر إليها بتلك النظرة الغريبة نفسها التي لا يفهم مصدرها، قال بصدق: “إنتِ مش لوحدك في ده. إحنا الستة كلنا أيتام، وكل واحد فينا عنده قصة مشابهة بطريقته”

نظرت خلود إليه بامتنان صامت، وابتسمت أخيرًا: “يبقى إحنا كلنا عائلة واحدة من الغرباء اللي قرروا يبقوا مع بعض. ده أحلى نوع عائلة في رأيي”

ضحك الجميع بحرارة، واستمرت الليلة طويلاً وسط حكايات وذكريات وضحكات متجددة، والنار تتراقص أمامهم في الظلام، وصوت الأمواج يعزف لحنه الهادئ في الخلفية، وكأن الجزيرة كلها تشارك في هذه اللحظة النادرة من السكينة والانتماء. جلست نوران ونجية بجانب بعضهما، تتابعان المشهد بصمت مبتسم، تتبادلان نظرة واحدة تحمل نفس السؤال الذي بدأ يخطر في بال كل من في الجزيرة: هل حمزة، الرجل الذي لم يضحك بصدق منذ عشرين عامًا، بدأ يشعر بشيء أكبر من مجرد صبر غريب تجاه هذه الفتاة المشاغبة؟

في وقت متأخر من الليل، وبعد أن انصرف الجميع تدريجيًا إلى غرفهم، بقي حمزة وحده على الشاطئ لدقائق أخيرة، ينظر إلى النجوم المنعكسة على سطح البحر الهادئ. سمع خطوات خلفه، فاستدار ليجد خلود، التي عادت لتجلس بجانبه من غير استئذان، حاملة معها بطانية صغيرة وضعتها على كتفيها.

“مش نمتِ لسه؟” سألها بهدوء.

“مش قادرة، الليلة دي كانت حلوة أكتر من أي حاجة عايشتها من زمان” ردت خلود بصدق، وهي تنظر إلى البحر. “شكرًا إنك جبتني معاك، حتى لو لسه معرفش السبب الحقيقي”

نظر حمزة إليها بصمت طويل، وقال أخيرًا، بصوت أقرب للهمس: “ولا أنا عارف السبب بصراحة. بس مبسوط إنك هنا”

ابتسمت خلود في الظلام، من غير أن ترد بكلمة، وجلسا معًا في صمت مريح، يستمعان لصوت البحر، بينما كانت النجوم فوقهما تشهد على بداية شيء لم يكن أي منهما مستعدًا له تمامًا، لكنه بدأ يتشكل، ببطء وثبات، مثل الأمواج التي لا تكل من الاقتراب من الشاطئ، مرة بعد مرة، من غير أن تسأل عن السبب.

وحين عاد كل واحد منهما أخيرًا إلى غرفته تلك الليلة، حمل كل منهما معه، من غير أن يدري، بذرة صغيرة زُرعت بصمت تحت سماء الجزيرة الصافية، بذرة سيقرر الزمن وحده متى وكيف ستنبت.

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • الجنرال الأول   الفصل الثاني والعشرون: الرحلة إلى الماضي

    خلال الأيام التالية، عمل فريق ياسين بصمت وسرية تامة، يتحرى عن مصير الطفل المسجل في دار الأيتام البعيدة، يراجعون كل وثيقة متاحة بدقة متناهية خوفًا من تفويت أي تفصيلة قد تكون مهمة. تبين أن الدار نفسها أُغلقت منذ سنوات طويلة بعد تقاعد القائمين عليها، لكن سجلاتها انتقلت إلى أرشيف حكومي مركزي، حيث تمكن ياسين، بمساعدة علاقاته الواسعة وصبره المعتاد في تتبع التفاصيل، من الحصول على نسخة كاملة من ملف الطفل بعد أيام من المراسلات الرسمية.كشف الملف أن الطفل، الذي سُجل باسم “كريم” من غير أي لقب عائلة، أمضى سنوات طفولته في الدار قبل أن يتبناه رجل أعمال متوسط الحال من مدينة أخرى، واختفى أثره الرسمي بعدها، إذ لم تُحدَّث السجلات لاحقًا كما هو معتاد في مثل هذه الحالات القديمة.“عندنا اسم المتبني على الأقل” قال ياسين في اجتماع عاجل ضم حمزة وليث، وهو يعرض الملف على الشاشة الكبيرة. “لو قدرنا نوصله، ممكن نعرف مصير الولد دلوقتي، وهل لسه في نفس المدينة ولا انتقل لمكان تاني”نظر حمزة إلى الملف بصمت طويل، يقلب الصفحات القليلة ببطء، وكأنه يحاول أن يستشعر شيئًا من تفاصيلها الجافة، بحثًا عن أي أثر إنساني يخبره أن

  • الجنرال الأول   الفصل الحادي والعشرون: خيط جديد

    أقيم في القصر تلك الليلة احتفال عائلي بسيط، بعيد عن أي فخامة أو ضيوف من خارج الدائرة الضيقة، احتفالاً بلمّ شمل يوسف وخلود. أعدت نجية مائدة طعام دافئة بيديها، أطباقها المفضلة لكل واحد من أفراد العائلة، وجلس الجميع حول الطاولة الكبيرة، يتبادلون الحديث والضحك وسط فرح لا يزال طازجًا من صدمة الصباح السعيدة. “لازم نحتفل بطريقة تليق بالمناسبة” قال يونس، وهو يرفع كأس عصير عاليًا، واقفًا على كرسيه بمسرحية معتادة. “نخب يوسف وخلود، الأخ والأخت اللي التاريخ نفسه اتآمر عشان يجمعهم تاني، بعد رحلة كنز مزيفة وصورة قديمة وتحليل نسب، القصة دي تستاهل تتحول لفيلم” ضحك الجميع، ورفعوا أكوابهم معًا، بينما جلست خلود بجانب يوسف، لا تزال تشعر بذلك الدفء الغريب لوجود أخ حقيقي أخيرًا، تتبادل معه نظرات صامتة مليئة بالمعنى بين الحين والآخر، وكأنهما يعوضان بصمت سنوات من الغياب القسري. “عايزة أسألك حاجة” قالت خلود ليوسف بجدية هادئة وسط الاحتفال، صوتها يخفت قليلاً وسط ضجيج الفرح العام. “تعرف حاجة عن والدينا؟ عن سبب اختفائي وقت الولادة؟” هز يوسف رأسه بأسى، وجهه يحمل حزنًا خفيفًا وسط الفرح العام: “للأسف لأ. كل الل

  • الجنرال الأول   الفصل العشرون: العودة

    في صباح اليوم الأخير على الجزيرة، استيقظ الجميع على مزيج من الحزن الخفيف لانتهاء الرحلة، والترقب المتصاعد لما ينتظرهم عند العودة. جمعت خلود أغراضها بهدوء غير معتاد منها، عقلها لا يزال مشغولاً بالسؤال الذي رافقها منذ اكتشاف الصورة والاسم المشترك، من غير أن تتمكن من الاستمتاع بآخر لحظات المرح على الشاطئ كما فعلت في الأيام السابقة. جهز يونس، كعادته، حقيبته الضخمة من جديد، هذه المرة محملة بعينات من الرمال والأصداف التي جمعها كـ”تذكارات ضرورية”، وسط سخرية أدهم المعتادة التي لم تفلح في إثنائه عن جمع المزيد. وقف سامر وعائلته عند مرسى القارب، يودعون الجميع بعناق حار، وامتنان واضح على وجوه الجميع لأيام لن ينسوها بسهولة. اقترب فريد من نوران في لحظة أخيرة، وقال بصدق، صوته يحمل نضجًا غير متوقع من شاب في السابعة والعشرين: “مبسوط جدًا إني اتعرفت عليكِ، وحتى لو الظروف ما ساعدتش، محترم جدًا اللي حسيته، وهفضل صديق ليكي ولعيلتك دايمًا” ابتسمت نوران بامتنان، تدرك أن فريد لاحظ ما بينها وبين يوسف رغم عدم تصريحهما به لأي منهما حتى تلك اللحظة: “إنت شاب محترم بجد يا فريد، وأتمنى لك كل خير، وهفضل صديقة مق

  • الجنرال الأول   الفصل التاسع عشر: صورة قديمة وأسرار جديدة

    في صباح اليوم الثالث، وبينما كانت خلود تساعد حمزة في ترتيب بعض أغراضه المبعثرة على طاولة غرفته بعد يوم طويل من المسابقات، والشمس الصباحية تتسلل بلطف عبر النافذة المفتوحة على الشاطئ، سقطت محفظته الجلدية القديمة على الأرض، وانفتحت صدفة عند جزء صغير مخفي بداخلها لم تكن خلود تعرف بوجوده. انحنت لالتقاطها، فوقعت عيناها على صورة قديمة مطوية بعناية فائقة، حوافها مصفرة من قدمها، صورة طفلة صغيرة تبتسم بجانب زاوية شارع بسيط. جمدت خلود في مكانها، تحملق في الصورة بذهول متزايد، قلبها يتسارع بشكل لم تعتده. كانت ملامح الطفلة، رغم قدم الصورة واهتراء حوافها، أقرب ما يكون لملامحها هي نفسها في طفولتها، من صور قديمة نادرة كانت تحتفظ بها من أيام المؤسسة، صور قليلة جدًا لم تشاركها مع أحد من قبل. “ده… ده أنا؟” سألت بصوت مرتجف، وهي ترفع الصورة نحو حمزة الذي دخل الغرفة في تلك اللحظة، يداها ترتجفان بشكل ملحوظ. نظر حمزة إلى الصورة في يدها، ثم إليها، صمت طويل يخيم على وجهه وهو يحاول استيعاب ما يراه. “دي خلود، حب طفولتي اللي حكيت عنها امبارح. احتفظت بالصورة دي طول السنين دي، من غير ما أوريها لحد، حتى إخواتي”

  • الجنرال الأول   الفصل الثامن عشر: ليلة الصراحة

    استيقظ الجميع في اليوم الثاني على صوت خلود، التي كانت تجول بين الغرف تعلن عن “مسابقات اليوم الثاني” بحماس لم يقل عن اليوم السابق، حاملة قائمة طويلة كتبتها بنفسها في الليل. “النهاردة الكل بيشارك، من غير استثناءات” أعلنت بجدية، وهي تقف أمام الجميع في صالة الإفطار. “وأول استثناء هحذفه من القائمة هو حمزة، اللي عادةً بيهرب من أي مسابقة بحجة الشغل” نظر حمزة إليها بحيرة: “أنا مش بهرب، أنا بس عندي أولويات” “أولوياتك النهاردة هي المشاركة، ولو رفضت، هفعّل اتفاق ‘المسؤولية الرسمية’ اللي وقعته من زمان” ردت خلود بثقة، مشيرة إلى اتفاق قديم لم يكن حمزة قد نسيه بالكامل. ضحك سامر بصوت عالٍ من الطرف الآخر من الطاولة: “يا حمزة، إنت محاصر تمامًا، اقبل الهزيمة بشرف” “وإنت وسهر كمان هتشاركوا” أضافت خلود، ناظرة إلى سامر وزوجته بابتسامة عريضة. “مفيش استثناءات النهاردة” وافق سامر بحماس فوري، بينما ابتسمت سهر بخجل محبب، غير معتادة على هذا النوع من المرح الجماعي بعد سنوات من حياة اجتماعية رسمية صارمة. المسابقة الأولى: شد الحبل انقسم الجميع إلى فريقين، فريق يقوده أدهم وأدم، وفريق يقوده ليث وياس

  • الجنرال الأول   الفصل السابع عشر: جزيرة الأسرار

    استدعى حمزة سامر إلى مكتبه الخاص، وأغلق الباب بعناية قبل أن يبدأ الحديث. “عايزك تعرف سر مهم، سر عائلتنا الحقيقي، ومحتاج وعدك إنه ما يخرجش من بينا” نظر سامر إليه بجدية، يشعر بثقل اللحظة: “وعدني عائلة، وكلامي معاك زي كلامي مع نفسي” شرح له حمزة عن الجزيرة الجديدة، تلك التي بحث عنها ياسين منذ زمن بعيد بعد تحويل جزيرة العقرب لمشروع سكني، الملاذ الخاص الذي لا يعرف بوجوده أحد خارج الدائرة الضيقة للعائلة. “وعايزك تيجي معانا، إنت وسهر وفرح وفريد، أول عائلة برة دايرتنا الأساسية تشرفنا بزيارتها” أضاف حمزة بصدق. تأثر سامر بشدة بهذه الثقة، ووعد أن يحافظ على السر كأنه جزء من روحه. وصلت عائلة سامر إلى القصر في اليوم المحدد، واستقبلهم الجميع بحفاوة. كانت فرح، ابنة سامر، شابة في الثانية والعشرين، جمالها الهادئ وذكاؤها اللافت جعلا كل من قابلها ينتبه لها فورًا، لكن عينيها لم تتوقفا كثيرًا عند أي أحد سوى ليث، الذي كانت تسرقه نظرات خجولة متكررة كل ما تحدث بهدوئه المعتاد. “شفتوا إزاي بنت سامر بتبقى ساكتة كل ما ليث يتكلم؟” همست خلود لنوران بضحكة خبيثة، وهما يراقبان المشهد من بعيد. “وليث نفسه بقى يتل

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status