بيت / التشويق / الإثارة / الجنرال الأول / الفصل التاسع: القوة النسائية

مشاركة

الفصل التاسع: القوة النسائية

مؤلف: الصياد
last update تاريخ النشر: 2026-07-09 01:54:44

في صباح اليوم التالي، وبينما كان الجميع لا يزال يتناول فطوره على شرفة الفيلا، وسط رائحة القهوة الطازجة وضوء الشمس الذهبي المنعكس على البحر، دخل يونس وخلود معًا، بابتسامتين متطابقتين لا تبشران بخير، حاملين خريطة صغيرة للجزيرة مرسومة بخط يد يونس المتعرج، وعليها علامات وأسهم وصلبان غامضة الغرض.

“عندنا خطة جديدة” أعلن يونس بحماس، وهو يفرش الخريطة على الطاولة بحركة مسرحية. “رحلة تخييم في الغابة اللي في نص الجزيرة، ليلة كاملة، خيام، نار، صيد، كل حاجة”

نظر أدم إليه بحذر: “غابة؟ إحنا جايين نستريح، مش نعمل مغامرة كشافه”

“بالضبط ده اللي محتاجينه، مغامرة حقيقية بعيد عن الفيلا المريحة دي” ردت خلود بثقة، وهي تجلس على حافة الطاولة، تتجاهل تمامًا تعبيرات القلق على وجوه الرجال.

“أنا مرتاح في مكاني، مش عايز أنقل خيامي لغابة فيها ناموس وحشرات” قال ليث بجدية، من غير أن يرفع عينيه عن فطوره.

“وأنا موافق مع ليث في ده” أضاف يوسف بسرعة. “عندي أجهزة حساسة مش هتتحمل رطوبة الغابة”

“اجهزتك تقعد في الفيلا، إنت اللي تيجي معانا” ردت خلود بجدية، غير مقبولة الرفض.

“وأنا كمان مش متحمس” قال أدهم، وهو يشرب قهوته بهدوء. “الغابة دي فيها حاجات محدش يعرفها بالضبط، وأنا بحب أعرف اللي حواليا”

“ده كلام غريب من شخص لقبه الفهد، أول من المفروض يحب استكشاف غابة” ردت خلود بضحكة، مشيرة إلى نقطة ضعف في حجته.

استمر النقاش لدقائق، بين رفض واضح من أدم وليث ويوسف وأدهم، وحجج متتالية من خلود ويونس، كل واحد منهما يحاول من زاوية مختلفة، حتى تدخلت نوران، التي كانت قد انضمت للمحادثة بهدوء، وقالت بصوت حاسم غير معتاد منها: “سمعتوا، إحنا التلاتة — أنا وخلود ونجية — قررنا. والقرار مش للمفاوضة”

نظر الجميع إليها باستغراب، غير معتادين على هذا النوع من الحزم من نوران، التي عادة ما تدير الأمور بدبلوماسية هادئة.

“يعني بقى عندنا تحالف نسائي رسمي دلوقتي؟” سأل أدهم بضحكة مستغربة.

“بالإضافة لعضو فخري واحد” قال يونس بفخر، مشيرًا إلى نفسه. “أنا الذكر الوحيد اللي فاهم قيمة المغامرة الحقيقية”

“إنت مش عضو فخري، إنت المُحرّض الأساسي” رد أدم بجفاف.

خرجت نجية من المطبخ في تلك اللحظة، تحمل صينية شاي، وقالت بصوتها الهادئ الذي لا يُرد له طلب: “يا شباب، الرحلة دي هتفيدكم، صدقوني. زمان، قبل ما تكونوا مين إنتوا دلوقتي، كنتوا بتحبوا المغامرة دي، خليكم شوية ولاد صغيرين تاني، حتى لو ليوم واحد بس”

كانت هذه الكلمات كافية لإسقاط كل الاحتجاجات المتبقية. استسلم أدم وليث ويوسف وأدهم واحدًا تلو الآخر، وسط ابتسامات النساء الثلاثة المنتصرة.

بقي حمزة الوحيد الذي لم يعلن موقفه بعد، جالسًا بصمته المعتاد، يراقب المشهد كله من غير تعليق، يشرب قهوته بهدوء تام كأن النقاش الدائر حوله لا يخصه على الإطلاق. اقتربت خلود منه أخيرًا، وجلست بجانبه بابتسامة ماكرة واضحة.

“وإنت؟” سألته بمباشرة.

“أنا هفضل هنا، حد لازم يتابع شغل الشركات حتى في العطلة” رد حمزة بجدية، من غير أن يرفع عينيه عن كوب القهوة.

“متوقعة الرد ده” قالت خلود بهدوء، وابتسامة بدأت تتشكل على وجهها ببطء، من نوع الابتسامات التي تعرف بها المجموعة أن مقلبًا كبيرًا على وشك الحدوث.

نظر إليها ليث بحذر من مكانه: “خلود، الابتسامة دي مخيفة”

“مالها الابتسامة، ده وجهي الطبيعي” ردت خلود بجدية مصطنعة، قبل أن تستدير نحو حمزة من جديد وتضيف فجأة، بصوت مرتفع قليلاً وموجه للجميع: “بالمناسبة، فاكرين إحنا اتفقنا إمبارح إن حمزة مسؤول عني رسميًا؟ وإن لو طلبت حاجة ورفضها، يبقى مش امين ؟”

نظر حمزة إليها بذهول، متذكرًا فجأة تلك المحادثة التي بدت وقتها مجرد مزاح عابر ليلة إنقاذها. “ده كان كلام هزار”

“مكتوب عندي إنه كلام رسمي” ردت خلود بجدية مصطنعة تامة، وهي تشير إلى هاتفها كأن هناك عقدًا موقعًا بالفعل، رغم أن الشاشة كانت مغلقة تمامًا. “وطلبي دلوقتي إنك تيجي معانا الرحلة، وأي رفض هيعتبر تقصير رسمي في المسؤولية”

ضحك يونس بصوت عالٍ من الطرف الآخر: “يا حمزة، إنت محاصر، اعترف بالهزيمة بشرف”

“إنتِ فعلاً بتلعبي بذكاء غير عادل” قال حمزة، محاولًا إيجاد مخرج منطقي من الفخ الذي وقع فيه بنفسه.

“الذكاء مش له قواعد عدل يا حمزة، ده بيفوز بس” ردت خلود بثقة، وهي تعبر ذراعيها منتظرة قراره.

نظر حمزة إلى الجميع، الذين كانوا يتابعون المشهد بصمت مبتسم، ثم إلى خلود، التي كانت تنظر إليه بابتسامة لا تقبل الرفض، وأخيرًا، بتنهيدة استسلام غير معتادة منه، قال: “خلاص. هيجي”

صفقت خلود بفرح صغير، وقالت لنوران بصوت منتصر: “شفتِ؟ قولتلك التكتيك ده هينجح”

“إنتِ فعلاً خطيرة” ردت نوران بضحكة، تهز رأسها بإعجاب مازج بالاستغراب.

انطلقت المجموعة بعد ساعة، محملين بالخيام والمعدات، عبر ممر ضيق يتوسط الجزيرة، محاطين بأشجار كثيفة تحجب أغلب ضوء الشمس، وأصوات الطيور تتردد من كل جانب، وأوراق الشجر تحت أقدامهم تصدر خشخشة هادئة مع كل خطوة. كان يونس، طوال الطريق، يحاول إثارة الجميع بقصص مبالغ فيها عن “أساطير” الغابة، معظمها من نسج خياله الخاص بشكل واضح.

“سمعت إن في وحش قديم عايش في نص الغابة دي، بيظهر بس لما يحس إن في حد جبان معاه” قال يونس بصوت خافت مصطنع الرعب.

“يعني هيظهرلك إنت أولاً” رد أدهم بضحكة.

“دي إشاعة كاذبة، أنا أشجع واحد هنا” رد يونس بجدية مصطنعة، رغم أنه كان أول من اقترب من المجموعة بمجرد أن سمع صوت حفيف غريب بين الأشجار.

وصلوا بعد نصف ساعة من المشي إلى منطقة مفتوحة قرب نهر صغير يجري عبر الغابة، مياهه صافية تعكس ضوء الشمس المتسرب من بين الأوراق، مكانًا مثاليًا لنصب الخيام.

بدأ الجميع في تجهيز المخيم، كل واحد بمهمته: أدم وأدهم يثبتان الخيام بخبرة عسكرية سريعة ودقيقة، بينما حاول يونس وخلود “المساعدة”، وانتهى الأمر بخيمة مائلة بشكل يثير الضحك، أعمدتها متشابكة بطريقة تدافيت عن كل منطق، اضطر أدهم لإعادة تركيبها بالكامل من الصفر بعد أن نظر إليها لدقيقة كاملة بصمت مستغرب.

“مساعدتكم كانت كارثة حقيقية” قال أدهم بضحكة، وهو ينظر إلى الخيمة المنهارة.

“ده مش فشل، ده أسلوب فني بديل” ردت خلود بثقة، من غير أي أثر لخجل حقيقي.

“أسلوب فني هيسقط علينا في نصف الليل” رد أدهم، وهو يبدأ في إعادة التركيب بصبر واضح.

بعد نصب المخيم، أعلن أدم أنه وقت تعليم الصيد، فأخذ قضبان صيد بسيطة صنعها بنفسه من فروع الأشجار وخيوط رفيعة، ووزعها على الجميع، بينما أخذ أدهم على عاتقه مهمة تعليم يوسف كيفية تتبع آثار الحيوانات الصغيرة على الأرض الطرية قرب النهر، مهارة قديمة تعلمها في أيام تعقبه للفرائس، وأثارت اهتمام يوسف الفضولي بشكل واضح.

“الصيد محتاج صبر، مش قوة” قال أدم، وهو يعلّم خلود كيفية ربط الطعم بحركات هادئة ودقيقة. “لازم تفضلي ساكتة وتستني، السمكة بتحس بأي حركة زيادة”

“الصبر مش من نقاط قوتي، بس هحاول” ردت خلود، وهي تحاول تقليد حركاته بجدية غير معتادة منها.

بينما كان أدم يعلّم خلود أصول الصيد بالقضيب، كان أدهم قد أخذ يوسف إلى الجانب الآخر من الضفة، حيث الأرض الطرية المغطاة بالطمي، وبدأ يشير إلى آثار صغيرة منقوشة في التربة.

“شوف هنا، ده أثر أرنب بري، عدى من هنا قبل شوية” قال أدهم، وهو يشير إلى علامات دقيقة بالكاد يمكن ملاحظتها. “واتجاه الأصابع بيقولك إنه كان بيجري، مش بيمشي عادي”

نظر يوسف بفضول حقيقي، منحنيًا لفحص الأثر بدقة تقنية اعتاد عليها في عمله: “يعني ده نوع من قراءة البيانات، بس بشكل طبيعي بدل الأرقام”

“تقريبًا، بس هنا مفيش مجال للغلط، الغابة مبتسامحش زي الشاشة اللي بتقدر تراجع فيها” رد أدهم بجدية هادئة.

استمر أدهم في تعليم يوسف قراءة العلامات الصغيرة لنصف ساعة، وشعر يوسف بمتعة غريبة في هذا النوع من التعلم البدائي البسيط، بعيدًا كليًا عن عالم الشاشات والأكواد الذي يعيش فيه معظم وقته.

جلس الجميع على ضفة النهر بعد ذلك، صامتين نسبيًا لأول مرة منذ الصباح، منتظرين أي حركة في الماء. بعد دقائق طويلة من الصمت النادر، شعرت خلود بشيء يجذب خيطها بقوة، فصرخت بحماس مفاجئ: “في حاجة! في حاجة ماسكة!”

قفزت واقفة بحماس زائد، فقدت توازنها، وسقطت مباشرة في النهر وسط صرخة قصيرة، بينما انفجر الجميع ضاحكًا، حتى ليث الذي نادرًا ما يضحك بصوت عالٍ.

خرجت خلود من الماء مبللة تمامًا، تحمل تعبيرًا بين الغضب والضحك على نفسها، بينما مد لها حمزة يده لمساعدتها على الخروج، محاولًا كتم ابتسامته من غير جدوى كبيرة.

“لو ضحكت، هغرقك أنت كمان” هددته خلود، وهي تمسك يده بقوة لتنهض.

“مش بضحك” رد حمزة، رغم أن ابتسامته كانت واضحة تمامًا في تلك اللحظة، أول ابتسامة عريضة صريحة يراها أي منهم عليه منذ سنوات طويلة.

“إنت أسوأ كداب قابلته في حياتي” ردت خلود، وهي تعصر شعرها المبلل، لكنها لم تستطع كتم ضحكتها الخاصة أيضًا.

مع حلول المساء، وبعد وجبة عشاء من الأسماك التي نجحوا في صيدها بالفعل (بفضل صبر أدم وأدهم أكثر من أي شخص آخر)، جلس الجميع حول نار المخيم، متعبين لكن سعداء بذلك التعب الجميل الذي يترك ابتسامة على الوجه. كانت أصوات الغابة الليلية تتصاعد من حولهم — حفيف أوراق، صوت حشرات متناثر، وهسهسة النهر القريب — وكأن الطبيعة نفسها تعزف موسيقى خاصة لتلك الليلة.

“يوم غريب، لكنه من أحلى الأيام اللي عيشتها من زمان” قال أدم بصدق، وهو ينظر إلى النار.

“وده كل ده بفضل القوة النسائية اللي هددتنا الصبح” أضاف يوسف بضحكة، ناظرًا إلى خلود ونوران ونجية.

“وبفضل عضوها الفخري” قال يونس بفخر، مشيرًا إلى نفسه من جديد.

“العضو الفخري ده كان أول من هرب لما سمع صوت في الشجر” رد أدهم بضحكة، فاحمر وجه يونس خفيفًا وسط ضحك الجميع.

“ده كان تصرف استراتيجي، مش هروب” رد يونس بجدية مصطنعة، محاولًا استعادة كرامته من غير جدوى كبيرة.

نظرت نجية إلى الجميع بحنان، وقالت بصوتها الهادئ: “مبسوطة إني شفتكم كده الليلة، مبسوطين وسعداء. ده اللي كنت محتاجة أشوفه من زمان”

“وإنتِ سبب كل ده يا أمي” قال حمزة بصدق، وهو ينظر إليها بمحبة واضحة. “لو ماكنتيش أنتِ اللي ضغطتِ علينا الصبح، محدش كان هيغير رأيه”

ابتسمت نجية بتأثر خفيف، ونظرت خلود إلى حمزة، الذي كان يجلس بجانبها، شعرها لا يزال رطبًا قليلاً من سقوطها في النهر، وقال بصدق نادر: “شكرًا إنك ضغطتِ عليا أجي”

“ده أول اعتراف منك بأني كنت صح” ردت خلود بابتسامة منتصرة، وهي تنظر إليه في ضوء النار المتراقص. “احتفظ بالجملة دي، هفتكرها كتير”

“متأكد إنك هتفتكريها في أول فرصة تحرجيني فيها” رد حمزة بابتسامة خفيفة.

“طبعًا، ده جزء من الخدمة” ردت خلود بضحكة، وهي تقترب أكثر من النار لتتدفأ.

جلس الجميع في صمت مريح بعد ذلك، يستمعون لأصوات الغابة من حولهم، كل واحد منهم غارق في أفكاره الخاصة، لكن جميعهم يشتركون في نفس الشعور الهادئ بالرضا والانتماء، شعور نادرًا ما يجدون له وقتًا وسط ضجيج معاركهم المستمرة في أجيادا.

بعد أن انصرف الجميع تدريجيًا إلى خيامهم، بقي حمزة وخلود وحدهما قرب النار الخابية، يتشاركان صمتًا مريحًا لم يعد يحتاج كلامًا لتفسيره. نظرت خلود إلى السماء الصافية أعلاهما، حيث بدت النجوم أكثر وضوحًا وسط ظلام الغابة الكامل، بعيدًا عن أي ضوء صناعي.

“مش فاكرة آخر مرة شفت نجوم بالشكل ده” قالت بصوت هادئ، مختلف تمامًا عن نبرتها المرحة المعتادة.

“ولا أنا” رد حمزة بصدق، وهو ينظر إلى السماء بجانبها.

“يمكن ده لأن حياتنا الاتنين مليانة ضجيج زيادة عن اللزوم” أضافت خلود بتأمل هادئ.

نظر حمزة إليها بصمت طويل، شعوره الغريب بالألفة يعود مجددًا، أقوى من أي وقت سابق، من غير أن يجد له تفسيرًا منطقيًا واحدًا. “يمكن” رد أخيرًا، بصوت منخفض، تاركًا الكلمة معلقة في هواء الليل الهادئ، بينما استمرت النار في الخبو ببطء، والغابة من حولهما تحتفظ بأسرارها في صمت، كما احتفظت لسنوات طويلة بسر هذه المرأة التي لم يكن أحد يعرف بعد كم من الأقدار تنتظرها.

وفي تلك اللحظة الهادئة، تحت سماء مليئة بالنجوم وبعيدًا عن كل ضجيج المدينة ومعاركها، بدا كأن الزمن نفسه توقف قليلاً، ليمنح رجلاً حمل ثقل الماضي لسنوات طويلة، ولحظة نادرة من السكينة الحقيقية، قبل أن تستدعيهم الحياة، لا محالة، إلى معاركها القادمة، معارك لم يكن أي منهم يعرف بعد أنها ستكون أصعب وأعمق من أي شيء واجهوه من قبل، لأنها هذه المرة لن تُخاض بالسلاح، بل بالقلب.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • الجنرال الأول   الفصل الثاني والعشرون: الرحلة إلى الماضي

    خلال الأيام التالية، عمل فريق ياسين بصمت وسرية تامة، يتحرى عن مصير الطفل المسجل في دار الأيتام البعيدة، يراجعون كل وثيقة متاحة بدقة متناهية خوفًا من تفويت أي تفصيلة قد تكون مهمة. تبين أن الدار نفسها أُغلقت منذ سنوات طويلة بعد تقاعد القائمين عليها، لكن سجلاتها انتقلت إلى أرشيف حكومي مركزي، حيث تمكن ياسين، بمساعدة علاقاته الواسعة وصبره المعتاد في تتبع التفاصيل، من الحصول على نسخة كاملة من ملف الطفل بعد أيام من المراسلات الرسمية.كشف الملف أن الطفل، الذي سُجل باسم “كريم” من غير أي لقب عائلة، أمضى سنوات طفولته في الدار قبل أن يتبناه رجل أعمال متوسط الحال من مدينة أخرى، واختفى أثره الرسمي بعدها، إذ لم تُحدَّث السجلات لاحقًا كما هو معتاد في مثل هذه الحالات القديمة.“عندنا اسم المتبني على الأقل” قال ياسين في اجتماع عاجل ضم حمزة وليث، وهو يعرض الملف على الشاشة الكبيرة. “لو قدرنا نوصله، ممكن نعرف مصير الولد دلوقتي، وهل لسه في نفس المدينة ولا انتقل لمكان تاني”نظر حمزة إلى الملف بصمت طويل، يقلب الصفحات القليلة ببطء، وكأنه يحاول أن يستشعر شيئًا من تفاصيلها الجافة، بحثًا عن أي أثر إنساني يخبره أن

  • الجنرال الأول   الفصل الحادي والعشرون: خيط جديد

    أقيم في القصر تلك الليلة احتفال عائلي بسيط، بعيد عن أي فخامة أو ضيوف من خارج الدائرة الضيقة، احتفالاً بلمّ شمل يوسف وخلود. أعدت نجية مائدة طعام دافئة بيديها، أطباقها المفضلة لكل واحد من أفراد العائلة، وجلس الجميع حول الطاولة الكبيرة، يتبادلون الحديث والضحك وسط فرح لا يزال طازجًا من صدمة الصباح السعيدة. “لازم نحتفل بطريقة تليق بالمناسبة” قال يونس، وهو يرفع كأس عصير عاليًا، واقفًا على كرسيه بمسرحية معتادة. “نخب يوسف وخلود، الأخ والأخت اللي التاريخ نفسه اتآمر عشان يجمعهم تاني، بعد رحلة كنز مزيفة وصورة قديمة وتحليل نسب، القصة دي تستاهل تتحول لفيلم” ضحك الجميع، ورفعوا أكوابهم معًا، بينما جلست خلود بجانب يوسف، لا تزال تشعر بذلك الدفء الغريب لوجود أخ حقيقي أخيرًا، تتبادل معه نظرات صامتة مليئة بالمعنى بين الحين والآخر، وكأنهما يعوضان بصمت سنوات من الغياب القسري. “عايزة أسألك حاجة” قالت خلود ليوسف بجدية هادئة وسط الاحتفال، صوتها يخفت قليلاً وسط ضجيج الفرح العام. “تعرف حاجة عن والدينا؟ عن سبب اختفائي وقت الولادة؟” هز يوسف رأسه بأسى، وجهه يحمل حزنًا خفيفًا وسط الفرح العام: “للأسف لأ. كل الل

  • الجنرال الأول   الفصل العشرون: العودة

    في صباح اليوم الأخير على الجزيرة، استيقظ الجميع على مزيج من الحزن الخفيف لانتهاء الرحلة، والترقب المتصاعد لما ينتظرهم عند العودة. جمعت خلود أغراضها بهدوء غير معتاد منها، عقلها لا يزال مشغولاً بالسؤال الذي رافقها منذ اكتشاف الصورة والاسم المشترك، من غير أن تتمكن من الاستمتاع بآخر لحظات المرح على الشاطئ كما فعلت في الأيام السابقة. جهز يونس، كعادته، حقيبته الضخمة من جديد، هذه المرة محملة بعينات من الرمال والأصداف التي جمعها كـ”تذكارات ضرورية”، وسط سخرية أدهم المعتادة التي لم تفلح في إثنائه عن جمع المزيد. وقف سامر وعائلته عند مرسى القارب، يودعون الجميع بعناق حار، وامتنان واضح على وجوه الجميع لأيام لن ينسوها بسهولة. اقترب فريد من نوران في لحظة أخيرة، وقال بصدق، صوته يحمل نضجًا غير متوقع من شاب في السابعة والعشرين: “مبسوط جدًا إني اتعرفت عليكِ، وحتى لو الظروف ما ساعدتش، محترم جدًا اللي حسيته، وهفضل صديق ليكي ولعيلتك دايمًا” ابتسمت نوران بامتنان، تدرك أن فريد لاحظ ما بينها وبين يوسف رغم عدم تصريحهما به لأي منهما حتى تلك اللحظة: “إنت شاب محترم بجد يا فريد، وأتمنى لك كل خير، وهفضل صديقة مق

  • الجنرال الأول   الفصل التاسع عشر: صورة قديمة وأسرار جديدة

    في صباح اليوم الثالث، وبينما كانت خلود تساعد حمزة في ترتيب بعض أغراضه المبعثرة على طاولة غرفته بعد يوم طويل من المسابقات، والشمس الصباحية تتسلل بلطف عبر النافذة المفتوحة على الشاطئ، سقطت محفظته الجلدية القديمة على الأرض، وانفتحت صدفة عند جزء صغير مخفي بداخلها لم تكن خلود تعرف بوجوده. انحنت لالتقاطها، فوقعت عيناها على صورة قديمة مطوية بعناية فائقة، حوافها مصفرة من قدمها، صورة طفلة صغيرة تبتسم بجانب زاوية شارع بسيط. جمدت خلود في مكانها، تحملق في الصورة بذهول متزايد، قلبها يتسارع بشكل لم تعتده. كانت ملامح الطفلة، رغم قدم الصورة واهتراء حوافها، أقرب ما يكون لملامحها هي نفسها في طفولتها، من صور قديمة نادرة كانت تحتفظ بها من أيام المؤسسة، صور قليلة جدًا لم تشاركها مع أحد من قبل. “ده… ده أنا؟” سألت بصوت مرتجف، وهي ترفع الصورة نحو حمزة الذي دخل الغرفة في تلك اللحظة، يداها ترتجفان بشكل ملحوظ. نظر حمزة إلى الصورة في يدها، ثم إليها، صمت طويل يخيم على وجهه وهو يحاول استيعاب ما يراه. “دي خلود، حب طفولتي اللي حكيت عنها امبارح. احتفظت بالصورة دي طول السنين دي، من غير ما أوريها لحد، حتى إخواتي”

  • الجنرال الأول   الفصل الثامن عشر: ليلة الصراحة

    استيقظ الجميع في اليوم الثاني على صوت خلود، التي كانت تجول بين الغرف تعلن عن “مسابقات اليوم الثاني” بحماس لم يقل عن اليوم السابق، حاملة قائمة طويلة كتبتها بنفسها في الليل. “النهاردة الكل بيشارك، من غير استثناءات” أعلنت بجدية، وهي تقف أمام الجميع في صالة الإفطار. “وأول استثناء هحذفه من القائمة هو حمزة، اللي عادةً بيهرب من أي مسابقة بحجة الشغل” نظر حمزة إليها بحيرة: “أنا مش بهرب، أنا بس عندي أولويات” “أولوياتك النهاردة هي المشاركة، ولو رفضت، هفعّل اتفاق ‘المسؤولية الرسمية’ اللي وقعته من زمان” ردت خلود بثقة، مشيرة إلى اتفاق قديم لم يكن حمزة قد نسيه بالكامل. ضحك سامر بصوت عالٍ من الطرف الآخر من الطاولة: “يا حمزة، إنت محاصر تمامًا، اقبل الهزيمة بشرف” “وإنت وسهر كمان هتشاركوا” أضافت خلود، ناظرة إلى سامر وزوجته بابتسامة عريضة. “مفيش استثناءات النهاردة” وافق سامر بحماس فوري، بينما ابتسمت سهر بخجل محبب، غير معتادة على هذا النوع من المرح الجماعي بعد سنوات من حياة اجتماعية رسمية صارمة. المسابقة الأولى: شد الحبل انقسم الجميع إلى فريقين، فريق يقوده أدهم وأدم، وفريق يقوده ليث وياس

  • الجنرال الأول   الفصل السابع عشر: جزيرة الأسرار

    استدعى حمزة سامر إلى مكتبه الخاص، وأغلق الباب بعناية قبل أن يبدأ الحديث. “عايزك تعرف سر مهم، سر عائلتنا الحقيقي، ومحتاج وعدك إنه ما يخرجش من بينا” نظر سامر إليه بجدية، يشعر بثقل اللحظة: “وعدني عائلة، وكلامي معاك زي كلامي مع نفسي” شرح له حمزة عن الجزيرة الجديدة، تلك التي بحث عنها ياسين منذ زمن بعيد بعد تحويل جزيرة العقرب لمشروع سكني، الملاذ الخاص الذي لا يعرف بوجوده أحد خارج الدائرة الضيقة للعائلة. “وعايزك تيجي معانا، إنت وسهر وفرح وفريد، أول عائلة برة دايرتنا الأساسية تشرفنا بزيارتها” أضاف حمزة بصدق. تأثر سامر بشدة بهذه الثقة، ووعد أن يحافظ على السر كأنه جزء من روحه. وصلت عائلة سامر إلى القصر في اليوم المحدد، واستقبلهم الجميع بحفاوة. كانت فرح، ابنة سامر، شابة في الثانية والعشرين، جمالها الهادئ وذكاؤها اللافت جعلا كل من قابلها ينتبه لها فورًا، لكن عينيها لم تتوقفا كثيرًا عند أي أحد سوى ليث، الذي كانت تسرقه نظرات خجولة متكررة كل ما تحدث بهدوئه المعتاد. “شفتوا إزاي بنت سامر بتبقى ساكتة كل ما ليث يتكلم؟” همست خلود لنوران بضحكة خبيثة، وهما يراقبان المشهد من بعيد. “وليث نفسه بقى يتل

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status