Startseite / التشويق / الإثارة / الجنرال الأول / الفصل السابع: سقوط الظل الأخير

Teilen

الفصل السابع: سقوط الظل الأخير

last update Veröffentlichungsdatum: 09.07.2026 01:54:28

بعد يومين من التحقيق المكثف، بدأ بعض الرجال المقبوض عليهم من شبكتي “الغراب” والجواسيس التابعين لكريم منصور بالانهيار تحت ضغط الاستجواب المتواصل، وبدأت الاعترافات تتدفق واحدًا تلو الآخر، كاشفة عن مقر رئيسي واحد يجمع الخيطين معًا — مبنى قديم على أطراف المدينة، كان يُستخدم كمخزن متروك قبل أن يتحول إلى قلعة حصينة لعمليات الغراب وشركائه، وأهم من ذلك كله: مكان تواجد الرجل الذي كان كريم منصور قد كلّفه بالإشراف المباشر على “الملف الشخصي” الخاص بمجموعة الصياد.

جلس حمزة في مكتبه يستمع إلى تسجيل أحد الاعترافات، وجهه يزداد صلابة مع كل كلمة يسمعها، حتى وصل الاعتراف إلى جزء ذكر فيه أحد الرجال، بصوت مرتجف من الخوف، أن “السيد كريم” كان قد طلب بشكل خاص التأكد من أن أي ضرر يصيب مجموعة الصياد يكون “شخصيًا، لا تجاريًا فقط”، وأن الرجل المسؤول عن تنفيذ هذا الجانب “الشخصي” كان يُدعى وحيد الرملي، أحد أقدم أعوان كريم منصور، ومن كان له دور مباشر في تلفيق التهم للستة قبل أكثر من عشرين عامًا.

أوقف حمزة التسجيل، ونظر إلى ليث الجالس أمامه بصمت طويل.

“وحيد الرملي” كرر حمزة الاسم بصوت منخفض يحمل ثقل سنوات من الانتظار. “فاكر الاسم ده كويس. هو اللي وقّع التقارير الكاذبة يوم المحاكمة”

“وعارف ده من زمان” رد ليث بهدوء. “بس دلوقتي عندنا مكان، وعندنا فرصة نقفل الملف ده بأنفسنا، مرة واحدة وللأبد”

نظر حمزة إلى النافذة بصمت لثوانٍ، ثم قال أخيرًا، بصوت لا يقبل النقاش: “هنزل بنفسي الليلة. الملف ده اسمه، وعشرين سنة من الانتظار خلاص وصلت لنهايتها الليلة”

استدعى حمزة الباقين، وأخبرهم بقراره. لم يعترض أحد.

تحرك الفريق عند حلول الظلام نحو المبنى المتروك، محاطًا بحذر شديد وتنسيق دقيق بين حمزة وليث وأدهم وأدم. كان المبنى محروسًا بعدد أكبر من المتوقع هذه المرة، فقد أدرك وحيد الرملي، بعد الضربات المتتالية التي وجهتها المجموعة، أن مقره الأخير مهدد، فحصّنه بأفضل ما استطاع من رجال مسلحين.

اشتبك الفريق مع الحراس عند المدخل الرئيسي، ودارت مواجهة أعنف من كل المواجهات السابقة، طلقات متبادلة وسط ممرات ضيقة، وأدهم يتقدم بخفة كاسرة كل خط دفاع أمامه، وأدم يحمي ظهر الجميع بثبات صخري لا يتزحزح.

كان حمزة، في قلب هذا كله، أشبه بقوة طبيعية لا تُردّ. تحرك بين الغرف بسرعة وحسم، يطرح كل من يقف في طريقه من غير أن يتوقف، عيناه لا تبحثان عن معركة عابرة، بل عن رجل واحد بعينه. كان كل من عرف حمزة في المعارك القديمة يعرف هذا الوجه بالذات — الوجه الذي يظهر فقط حين يتحول القتال من مهمة إلى قصاص شخصي، حين يكف الخصم عن كونه مجرد عدو ليصبح ديْنًا قديمًا يجب تحصيله.

وجده أخيرًا في الطابق العلوي، في غرفة مكتب مغلقة — وحيد الرملي، رجل في الستين تقريبًا، شاحب الوجه، يحاول عبثًا الوصول إلى مسدسه في الدرج قبل أن يدخل حمزة الغرفة ويوقفه بيد واحدة، محطمًا الدرج وما فيه بضربة واحدة.

تراجع الرملي إلى الحائط، عيناه تتسعان في رعب حقيقي بمجرد أن أدرك من يقف أمامه. “حمزة… أنت—”

“عشرين سنة يا وحيد” قال حمزة بصوت هادئ، أخطر من أي صراخ. “عشرين سنة وأنا باحمل اسمك وأنت واسمك اللي وقّع على كل الكذب ده. كل ليلة قعدت فيها في زنزانة، وكل يوم اضطريت فيه أبني حياتي من الصفر، كان اسمك موجود في كل حتة من الألم ده”

ارتجف الرجل أمامه، محاولًا الكلام: “أنا كنت بس بنفذ أوامر، كريم منصور هو اللي—”

“وأنت اللي وقّعت” قاطعه حمزة بصوت لم يرتفع، لكنه حمل كل الغضب المكبوت لعشرين عامًا. “وأنت اللي رحت وشهدت زور. مش هقتلك، رغم إنك تستاهل. بس هتقول كل حاجة تعرفها لفريق التحقيق، وهتشهد بالحق هذه المرة، حتى لو كان ضدك، وحتى لو كان ضد كريم منصور نفسه”

نظر الرملي إليه بذهول، غير متوقع لهذا القرار. “إنت… مش هتنتقم؟”

“الانتقام كان يريحني ساعة واحدة” رد حمزة بهدوء غريب. “لكن الحقيقة هتحرر ستة رجال من ماضي ظلمهم لعشرين سنة. وده أثمن بكتير من أي انتقام”

خرج حمزة من الغرفة، تاركًا الرجل مقيدًا خلفه، ووجهه يحمل شيئًا لم يره فيه أحد من قبل — ذلك الثقل الذي انزلق أخيرًا عن كتفيه بعد عشرين عامًا من الانتظار الصامت.

في الطابق السفلي، عثر الفريق على غرف محتجزات فيها فتيات، ضحايا شبكة الغراب في تجارة البشر. بدأوا بتحريرهن واحدة تلو الأخرى، لكن عند فتح غرفة أخيرة، منعزلة ومجهزة بشكل مختلف تمامًا عن باقي الغرف، توقف الجميع للحظة.

مقيدة إلى كرسي معدني، كانت تجلس امرأة شابة، عيناها تحملان غضبًا واضحًا أكثر من الخوف. لاحظ أدهم فورًا الفرق: “دي وحدة لوحدها في غرفة مجهزة، مش زي باقي البنات. حد كان مهتم بيها بشكل خاص”

فتح حمزة ملفًا رقيقًا على الطاولة القريبة، فوجد صورًا لها ومعلومات عن مكان عملها، وكأن أحدهم كان يراقبها بدقة قبل خطفها.

“دي مش ضحية عادية” قال حمزة، وهو ينظر إليها مباشرة. “إنتِ كويسة؟”

رفعت المرأة حاجبها بتحدٍ رغم كل ما مرت به: “كويسة؟ إنت شايفني مقيدة على كرسي وبتسألني كويسة؟ ده نوع جديد من الاستجمام يبدو”

قطع حمزة قيودها بسكين صغيرة. “اسمك إيه؟”

“خلود” ردت، وهي تفرك معصميها. “وقبل ما تسألني ليه أنا هنا لوحدي، معرفش. أنا طبيبة، مش جاسوسة”

نظر حمزة إليها بحيرة صامتة، شيء في وجهها، في نظرتها الجريئة، أثار في داخله ذلك الشعور الغريب بالألفة، شعور رجل يقابل غريبًا لكن قلبه يهمس له أنه يعرفه من زمن بعيد، من غير أن يستطيع تفسير السبب. هز رأسه بسرعة، طاردًا الفكرة، وقال بجفاف: “هنطلع من هنا الأول”

“يا رب بس ماتكونوش زي اللي خطفوني، الخطف بتاعكم أهدى شوية، ده تحسن ملحوظ” ردت خلود بابتسامة نصف ساخرة، وهي تتبعه نحو الخارج، غير مدركة أن هذا الرجل الصامت أمامها كان قد شعر تجاهها، للحظة عابرة، بشيء لم يشعر به منذ عشرين عامًا.

عاد الفريق إلى قصر المجموعة الكبير قرب الفجر، حاملين معهم الفتيات المحررات، ووحيد الرملي مقيدًا في سيارة منفصلة متجهة لمركز التحقيق. استقبل يونس الجميع عند البوابة، وقد وصله الخبر بالفعل، فرحًا بانتهاء المهمة بنجاح.

“يعني كده خلصنا من الشبح اللي كان قاعد على قلوبنا من عشرين سنة؟ يا جدعان، ده يستحق احتفال” قال يونس بحماس، قبل أن تلمحه عيناه امرأة غريبة تمشي بجانب حمزة. “ومين الجميلة دي؟ حمزة جاب معاه هدية من المهمة؟”

“يونس” حذّره أدهم بضحكة مكتومة.

“طيب، طيب، بس السؤال شرعي” رد يونس بابتسامة عريضة، وهو يقترب من خلود بأدب مصطنع. “أهلاً بيكِ يا ست الكل، أنا يونس، الوسيم الرسمي للمجموعة، ولو حد قال غير كده فهو كداب”

ضحكت خلود بصوت عالٍ لأول مرة منذ خطفها: “واضح إن في واحد بس عنده حس فكاهة هنا، الباقي شكلهم اتخانقوا مع الضحك من زمان”

“إنتِ فهمتيني من نظرة واحدة، ده مستوى ذكاء نادر” رد يونس بفخر.

“يونس، بلاش تبدأ من دلوقتي” قال أدم بجدية متصنعة، رغم ابتسامته الخفية.

“أنا مش بادئ حاجة، أنا بس بستقبل ضيفة جديدة بالود المعتاد” رد يونس، وهو يقود الجميع نحو باب القصر الكبير.

استقبلتهم السيدة نجية عند مدخل القصر، امرأة في الخمسينيات، ملامحها تحمل أثر سنوات من التعب والصبر، لكن عينيها تلمعان بحنان أم حقيقية. كانت قد دخلت حياة الستة في أيامهم الأولى، حين وجدها ليث وأدم تبكي بصمت أمام منزلها المتهالك، بعد أن فقدت زوجها وابنها الوحيد في حادث مأساوي. قرروا وقتها، بقلوب لم تنسَ فقدانها الخاص، أن تصبح أمهم الروحية، تعويضًا لها عن فقدها، وتعويضًا لهم عن أمهات لم يعرفوها، ومنذ ذلك اليوم لم يتخذ أحد منهم قرارًا مهمًا في حياته من غير أن يستشيرها أولاً، حتى وهم في قمة نفوذهم.

“الحمد لله على سلامتكم” قالت نجية، تعانق كل واحد منهم بدوره، ثم توقفت عند خلود بفضول ودود. “ومين الحبيبة دي؟”

“دكتورة خلود، أنقذناها الليلة” أجاب أدهم.

ابتسمت نجية، وأمسكت يدي خلود بحنان: “تعالي يا حبيبتي، هجهزلك غرفة وأكل سخن”

قبل أن تتبع نجية، توقفت خلود للحظة، ونظرت إلى حمزة بابتسامة ماكرة بدأت تتشكل على وجهها. “بالمناسبة، بما إنك أنقذتني وجايبني معاك للقصر الفخم ده، أظن إن ده يخليك مسؤول عني رسميًا، صح؟”

نظر حمزة إليها بحذر، يشعر أن سؤالها هذا فاتحة لشيء لا يحمل خيرًا. “إلى حد ما، أيوه”

“يعني لو حصل لي أي حاجة، إنت اللي هتتحاسب؟” سألت بجدية مصطنعة تمامًا.

“أيوه، طبعًا” رد حمزة بحذر متزايد.

ابتسمت خلود أخيرًا، وقالت: “تمام، محفوظة عندي الجملة دي. أول مرة أطلب حاجة وترفضها، هفكرك إنك مسؤول عني، وهتوافق فورًا”

نظرت خلود إليه بصمت طويل، بين الإعجاب رغم نفسه بذكائها الحاد، والقلق من أنه وقع بالفعل في فخ صغير من غير أن يشعر. سمع ضحكة يونس المكتومة من خلفه، ونظرة أدهم المتسائلة، وأدرك أن هذه المرأة، بذكائها ومقالبها المدروسة، لن تكون كأي شخص عابر مر بحياته من قبل.

لكن قبل أن تتبع نجية نحو الداخل، توقفت خلود مجددًا، وهذه المرة تغيرت ملامحها من المرح إلى جدية حقيقية. “بجد يا حمزة، محتاجة أفهم. أنقذتوني، تمام، وممنونة جدًا على ده. بس المفروض الخطوة الطبيعية بعد الإنقاذ إنكم تسيبوني عند الشرطة، أو ترجعوني لبيتي، مش تجيبوني قصر خاص بيكم. ده مش تصرف عادي، وإنت عارف ده كويس زيي”

نظر حمزة إليها بصمت، يقدّر صراحتها ودقة ملاحظتها. “صادقة معايا؟”

“دايمًا” ردت بجدية.

“الملف اللي لقيناه معاكِ، فيه معلومات دقيقة جدًا عن حياتك، أكتر بكتير من مجرد اختيار عشوائي لضحية. حد كان مركز عليكِ بشكل خاص، ولحد دلوقتي محدش فينا فاهم السبب” قال حمزة بصدق نادر. “ومش عايزين نسيبك لوحدك لحد ما نتأكد إنك آمنة، ونعرف السبب الحقيقي وراء ده”

جمدت خلود للحظة، وجهها يحمل مزيجًا من القلق والفضول: “يعني في حد كان بيراقبني قبل الخطف؟ ده أخطر بكتير مما كنت متخيلة”

“وده بالظبط اللي عايزين نفهمه” أضاف ليث، الذي اقترب في تلك اللحظة. “وأسرع طريقة نحميكِ بيها لحد ما نوصل للإجابة، هي إنك تفضلي هنا معانا”

فكرت خلود للحظة، ثم أومأت برأسها ببطء: “خلاص، هقبل التفسير ده مؤقتًا. بس اعرفوا إني هفضل أسأل لحد ما أعرف الحقيقة كاملة. مش نوع الناس اللي بتقبل الغموض بسهولة”

“متوقع منك كده” رد حمزة بابتسامة خفيفة، غير معتاد على الشعور بهذا القدر من الراحة في حديث مع شخص غريب.

سارت خلود بجانب نجية نحو داخل القصر، وبقي حمزة واقفًا في الفناء الخارجي لدقائق طويلة بعد انصراف الجميع، ينظر إلى الأبواب الكبيرة التي أُغلقت خلفها، وفي ذهنه ذلك السؤال الذي رفض أن يهدأ: لماذا هي بالذات؟ ولماذا يشعر تجاهها بهذا الإحساس الغريب بالألفة، كأنه يعرفها من زمن بعيد لا يستطيع تذكره؟

كانت تلك الليلة، التي بدأت بإغلاق ملف قديم دام عشرين عامًا من الظلم والانتظار، قد أغلقت فصلاً من ماضيهم بالفعل، لكنها في الوقت نفسه فتحت بابًا جديدًا كليًا، بابًا لم يكن أي واحد من الستة مستعدًا لما يخفيه خلفه، ولا لما سيغيره في حياتهم جميعًا خلال الأيام القادمة.

في الطابق العلوي، جلست خلود على حافة سريرها الجديد، تنظر حولها بحيرة لا تخلو من ابتسامة خفية، غير مستوعبة تمامًا كيف انتقلت في ليلة واحدة من عيادة صغيرة متواضعة إلى قصر يسكنه رجال تهابهم مدينة كاملة. فكرت في وجه حمزة الجاد، وفي تلك اللحظة العابرة التي لمحت فيها ارتباكًا غريبًا في عينيه وهو ينظر إليها، ارتباكًا لم يكن يشبه أي رد فعل توقعته من رجل بهذه الهيبة والصلابة.

ابتسمت لنفسها في الظلام، وهمست: “مقالبي لسه في أولها يا حمزة… استعد”

وفي الطابق الأسفل، وقف حمزة عند نافذة مكتبه، ينظر إلى ضوء غرفتها المنعكس من الخارج، يشعر بذلك السؤال العالق في صدره من غير إجابة، بينما كان يونس، في الغرفة المجاورة، يضحك بصوت عالٍ وهو يحكي لأدهم وأدم تفاصيل اليوم، غير عالم أن أخطر معركة قادمة على المجموعة لن تكون في الشوارع أو المصانع، بل داخل قلب رجل قرر منذ عشرين عامًا ألا يسمح لنفسه بالشعور بشيء من هذا القبيل مرة أخرى، معركة صامتة لن يعرف بها أحد، ولا حتى هو نفسه، إلا حين يصبح الأمر متأخرًا جدًا على التراجع.

نظرت خلود حولها بحيرة متزايدة، وسألت أخيرًا، بصوت فيه فضول حقيقي هذه المرة، من غير مزاح: “ممكن سؤال؟ إنتوا ليه بالظبط جايبينني للقصر ده؟ يعني، أنقذتوني، تمام، بس المفروض تسيبوني في المستشفى أو عند الشرطة، ليه هنا بالذات؟”

تبادل حمزة وليث نظرة صامتة. لم يكن لديهما إجابة واضحة يقدمانها، لأن الحقيقة نفسها كانت غامضة حتى عليهما.

“لسه بنحاول نفهم ليه حد كان مهتم بيكِ بالشكل ده” رد حمزة بصدق نادر. “ومش عايزين نسيبك لوحدك لحد ما نتأكد إنك آمنة تمامًا”

نظرت خلود إليه بتمعن، كأنها تحاول قراءة ما لا يُقال، ثم ابتسمت أخيرًا: “خلاص، هقبل التفسير ده مؤقتًا. بس اعرف إني هفضل أسأل لحد ما أعرف الحقيقة كاملة”

“متوقع منك كده” رد حمزة بابتسامة خفيفة، غير معتاد على الشعور بهذا القدر من الراحة في حديث مع شخص غريب.

سارت خلود بجانب نجية نحو داخل القصر، تاركة خلفها ستة رجال، كل واحد منهم، بطريقته الخاصة، بدأ يتساءل عن هذه الفتاة التي أنهت ليلة تصفية حساب عشرين عامًا، وفتحت في نفس الوقت بابًا جديدًا كليًا لم يكن أحد منهم مستعدًا له.

Lies dieses Buch weiterhin kostenlos
Code scannen, um die App herunterzuladen

Aktuellstes Kapitel

  • الجنرال الأول   الفصل الثاني والعشرون: الرحلة إلى الماضي

    خلال الأيام التالية، عمل فريق ياسين بصمت وسرية تامة، يتحرى عن مصير الطفل المسجل في دار الأيتام البعيدة، يراجعون كل وثيقة متاحة بدقة متناهية خوفًا من تفويت أي تفصيلة قد تكون مهمة. تبين أن الدار نفسها أُغلقت منذ سنوات طويلة بعد تقاعد القائمين عليها، لكن سجلاتها انتقلت إلى أرشيف حكومي مركزي، حيث تمكن ياسين، بمساعدة علاقاته الواسعة وصبره المعتاد في تتبع التفاصيل، من الحصول على نسخة كاملة من ملف الطفل بعد أيام من المراسلات الرسمية.كشف الملف أن الطفل، الذي سُجل باسم “كريم” من غير أي لقب عائلة، أمضى سنوات طفولته في الدار قبل أن يتبناه رجل أعمال متوسط الحال من مدينة أخرى، واختفى أثره الرسمي بعدها، إذ لم تُحدَّث السجلات لاحقًا كما هو معتاد في مثل هذه الحالات القديمة.“عندنا اسم المتبني على الأقل” قال ياسين في اجتماع عاجل ضم حمزة وليث، وهو يعرض الملف على الشاشة الكبيرة. “لو قدرنا نوصله، ممكن نعرف مصير الولد دلوقتي، وهل لسه في نفس المدينة ولا انتقل لمكان تاني”نظر حمزة إلى الملف بصمت طويل، يقلب الصفحات القليلة ببطء، وكأنه يحاول أن يستشعر شيئًا من تفاصيلها الجافة، بحثًا عن أي أثر إنساني يخبره أن

  • الجنرال الأول   الفصل الحادي والعشرون: خيط جديد

    أقيم في القصر تلك الليلة احتفال عائلي بسيط، بعيد عن أي فخامة أو ضيوف من خارج الدائرة الضيقة، احتفالاً بلمّ شمل يوسف وخلود. أعدت نجية مائدة طعام دافئة بيديها، أطباقها المفضلة لكل واحد من أفراد العائلة، وجلس الجميع حول الطاولة الكبيرة، يتبادلون الحديث والضحك وسط فرح لا يزال طازجًا من صدمة الصباح السعيدة. “لازم نحتفل بطريقة تليق بالمناسبة” قال يونس، وهو يرفع كأس عصير عاليًا، واقفًا على كرسيه بمسرحية معتادة. “نخب يوسف وخلود، الأخ والأخت اللي التاريخ نفسه اتآمر عشان يجمعهم تاني، بعد رحلة كنز مزيفة وصورة قديمة وتحليل نسب، القصة دي تستاهل تتحول لفيلم” ضحك الجميع، ورفعوا أكوابهم معًا، بينما جلست خلود بجانب يوسف، لا تزال تشعر بذلك الدفء الغريب لوجود أخ حقيقي أخيرًا، تتبادل معه نظرات صامتة مليئة بالمعنى بين الحين والآخر، وكأنهما يعوضان بصمت سنوات من الغياب القسري. “عايزة أسألك حاجة” قالت خلود ليوسف بجدية هادئة وسط الاحتفال، صوتها يخفت قليلاً وسط ضجيج الفرح العام. “تعرف حاجة عن والدينا؟ عن سبب اختفائي وقت الولادة؟” هز يوسف رأسه بأسى، وجهه يحمل حزنًا خفيفًا وسط الفرح العام: “للأسف لأ. كل الل

  • الجنرال الأول   الفصل العشرون: العودة

    في صباح اليوم الأخير على الجزيرة، استيقظ الجميع على مزيج من الحزن الخفيف لانتهاء الرحلة، والترقب المتصاعد لما ينتظرهم عند العودة. جمعت خلود أغراضها بهدوء غير معتاد منها، عقلها لا يزال مشغولاً بالسؤال الذي رافقها منذ اكتشاف الصورة والاسم المشترك، من غير أن تتمكن من الاستمتاع بآخر لحظات المرح على الشاطئ كما فعلت في الأيام السابقة. جهز يونس، كعادته، حقيبته الضخمة من جديد، هذه المرة محملة بعينات من الرمال والأصداف التي جمعها كـ”تذكارات ضرورية”، وسط سخرية أدهم المعتادة التي لم تفلح في إثنائه عن جمع المزيد. وقف سامر وعائلته عند مرسى القارب، يودعون الجميع بعناق حار، وامتنان واضح على وجوه الجميع لأيام لن ينسوها بسهولة. اقترب فريد من نوران في لحظة أخيرة، وقال بصدق، صوته يحمل نضجًا غير متوقع من شاب في السابعة والعشرين: “مبسوط جدًا إني اتعرفت عليكِ، وحتى لو الظروف ما ساعدتش، محترم جدًا اللي حسيته، وهفضل صديق ليكي ولعيلتك دايمًا” ابتسمت نوران بامتنان، تدرك أن فريد لاحظ ما بينها وبين يوسف رغم عدم تصريحهما به لأي منهما حتى تلك اللحظة: “إنت شاب محترم بجد يا فريد، وأتمنى لك كل خير، وهفضل صديقة مق

  • الجنرال الأول   الفصل التاسع عشر: صورة قديمة وأسرار جديدة

    في صباح اليوم الثالث، وبينما كانت خلود تساعد حمزة في ترتيب بعض أغراضه المبعثرة على طاولة غرفته بعد يوم طويل من المسابقات، والشمس الصباحية تتسلل بلطف عبر النافذة المفتوحة على الشاطئ، سقطت محفظته الجلدية القديمة على الأرض، وانفتحت صدفة عند جزء صغير مخفي بداخلها لم تكن خلود تعرف بوجوده. انحنت لالتقاطها، فوقعت عيناها على صورة قديمة مطوية بعناية فائقة، حوافها مصفرة من قدمها، صورة طفلة صغيرة تبتسم بجانب زاوية شارع بسيط. جمدت خلود في مكانها، تحملق في الصورة بذهول متزايد، قلبها يتسارع بشكل لم تعتده. كانت ملامح الطفلة، رغم قدم الصورة واهتراء حوافها، أقرب ما يكون لملامحها هي نفسها في طفولتها، من صور قديمة نادرة كانت تحتفظ بها من أيام المؤسسة، صور قليلة جدًا لم تشاركها مع أحد من قبل. “ده… ده أنا؟” سألت بصوت مرتجف، وهي ترفع الصورة نحو حمزة الذي دخل الغرفة في تلك اللحظة، يداها ترتجفان بشكل ملحوظ. نظر حمزة إلى الصورة في يدها، ثم إليها، صمت طويل يخيم على وجهه وهو يحاول استيعاب ما يراه. “دي خلود، حب طفولتي اللي حكيت عنها امبارح. احتفظت بالصورة دي طول السنين دي، من غير ما أوريها لحد، حتى إخواتي”

  • الجنرال الأول   الفصل الثامن عشر: ليلة الصراحة

    استيقظ الجميع في اليوم الثاني على صوت خلود، التي كانت تجول بين الغرف تعلن عن “مسابقات اليوم الثاني” بحماس لم يقل عن اليوم السابق، حاملة قائمة طويلة كتبتها بنفسها في الليل. “النهاردة الكل بيشارك، من غير استثناءات” أعلنت بجدية، وهي تقف أمام الجميع في صالة الإفطار. “وأول استثناء هحذفه من القائمة هو حمزة، اللي عادةً بيهرب من أي مسابقة بحجة الشغل” نظر حمزة إليها بحيرة: “أنا مش بهرب، أنا بس عندي أولويات” “أولوياتك النهاردة هي المشاركة، ولو رفضت، هفعّل اتفاق ‘المسؤولية الرسمية’ اللي وقعته من زمان” ردت خلود بثقة، مشيرة إلى اتفاق قديم لم يكن حمزة قد نسيه بالكامل. ضحك سامر بصوت عالٍ من الطرف الآخر من الطاولة: “يا حمزة، إنت محاصر تمامًا، اقبل الهزيمة بشرف” “وإنت وسهر كمان هتشاركوا” أضافت خلود، ناظرة إلى سامر وزوجته بابتسامة عريضة. “مفيش استثناءات النهاردة” وافق سامر بحماس فوري، بينما ابتسمت سهر بخجل محبب، غير معتادة على هذا النوع من المرح الجماعي بعد سنوات من حياة اجتماعية رسمية صارمة. المسابقة الأولى: شد الحبل انقسم الجميع إلى فريقين، فريق يقوده أدهم وأدم، وفريق يقوده ليث وياس

  • الجنرال الأول   الفصل السابع عشر: جزيرة الأسرار

    استدعى حمزة سامر إلى مكتبه الخاص، وأغلق الباب بعناية قبل أن يبدأ الحديث. “عايزك تعرف سر مهم، سر عائلتنا الحقيقي، ومحتاج وعدك إنه ما يخرجش من بينا” نظر سامر إليه بجدية، يشعر بثقل اللحظة: “وعدني عائلة، وكلامي معاك زي كلامي مع نفسي” شرح له حمزة عن الجزيرة الجديدة، تلك التي بحث عنها ياسين منذ زمن بعيد بعد تحويل جزيرة العقرب لمشروع سكني، الملاذ الخاص الذي لا يعرف بوجوده أحد خارج الدائرة الضيقة للعائلة. “وعايزك تيجي معانا، إنت وسهر وفرح وفريد، أول عائلة برة دايرتنا الأساسية تشرفنا بزيارتها” أضاف حمزة بصدق. تأثر سامر بشدة بهذه الثقة، ووعد أن يحافظ على السر كأنه جزء من روحه. وصلت عائلة سامر إلى القصر في اليوم المحدد، واستقبلهم الجميع بحفاوة. كانت فرح، ابنة سامر، شابة في الثانية والعشرين، جمالها الهادئ وذكاؤها اللافت جعلا كل من قابلها ينتبه لها فورًا، لكن عينيها لم تتوقفا كثيرًا عند أي أحد سوى ليث، الذي كانت تسرقه نظرات خجولة متكررة كل ما تحدث بهدوئه المعتاد. “شفتوا إزاي بنت سامر بتبقى ساكتة كل ما ليث يتكلم؟” همست خلود لنوران بضحكة خبيثة، وهما يراقبان المشهد من بعيد. “وليث نفسه بقى يتل

Weitere Kapitel
Entdecke und lies gute Romane kostenlos
Kostenloser Zugriff auf zahlreiche Romane in der GoodNovel-App. Lade deine Lieblingsbücher herunter und lies jederzeit und überall.
Bücher in der App kostenlos lesen
CODE SCANNEN, UM IN DER APP ZU LESEN
DMCA.com Protection Status