FAZER LOGINكنتُ رسّامة، لكن حادث سيارةٍ سلبني عينيّ. وفي أشدّ ساعاتي انهيارًا، كان سامر الرفاعي، رفيق طفولتي، هو الذي ظلّ إلى جواري لا يبارحني. فصار هو النور الوحيد في حياتي. ثم تزوّجنا بعد ذلك. وبعد عامين، عثرتُ مصادفةً على تسجيلٍ صوتيّ في الحاسوب. "سامر، شكرًا لأنك أنقذتني، ولكنك أخفيتَ الأمر عن نادين، وانتزعتَ قرنيتَي عينيها لتُعطيني إياهما. فكيف ستشرح لها الأمر إذا استيقظت؟ وماذا لو ذهبت إلى الشرطة؟" "لن أدعها تعرف الحقيقة. لقد أصبحت لا ترى، وسأتزوّجها، وأُبقيها إلى جانبي تحت سيطرتي، ليان، إنني سأفعل أي شيء لأجلكِ". كأنّ إناءً من ماءٍ بارد أُريق عليّ بغتةً، فسرت القشعريرة في جسدي من رأسي إلى قدميّ. ذلك الخلاص الذي توهّمته، لم يكن منذ بدايته إلى نهايته إلا كذبةً محبوكة. وبعد أن نسختُ التسجيل إلى هاتفي، حجزتُ موعدًا في المستشفى لإجراء عملية إجهاض. وما دام الأمر كذلك، فلنفترق من هنا.
Ver maisخلال الفترة التي قضيتها في بلاد الجنوب، أنجزت كثيرًا من اللوحات.وكان بعضها قد أُرسل للمشاركة في مسابقات.وفي اليوم الذي عدت فيه إلى البلاد، كان موعد تسلّمي الجائزة.وقفتُ على منصة التكريم، وحدثتُ الحاضرين عن القصة الكامنة وراء لوحتي."لقد فقدتُ عينيّ ذات يوم. وحين أستعيد ذكريات تلك الفترة، أجدها شديدة التعقيد. خانني من أحببته يومًا، وخدعني، وعشتُ داخل كذبة الخلاص، كما شجعتُ نفسي في قلب الظلام.كل ما مررتُ به اجتمع في النهاية ليصنع هذه اللوحة. إنها ماضيّ، وهي أيضًا ميلادي الجديد".وحين انتهيت من الكلام، وسط تصفيقٍ ملأ القاعة، رأيت رجلًا واقفًا في زاويةٍ بعيدة يبكي في صمت.كان ذلك الرجل هو سامر.وفي نهاية الحفل، بيعت هذه اللوحة لمجموعة الرفاعي بأعلى سعرٍ في تلك الليلة.كنت أعرف أن ذلك كان محاولةً من سامر لتعويضي.لكنني لست ليان، ولا حاجة لي بهذه الأساليب.وحين هممت بالمغادرة، اعترض سامر طريقي.فلما رأى أنني أريد أن أستدير وأرحل، أسرع يشرح:"نادين، لم آتِ هذه المرة لأجبركِ على مسامحتي، ولا لأتوسل إليكِ أن تعودي إلى البيت.أنا حقًا لم أقصد أن أدع ليان تسرق لوحاتكِ. لقد وثقتُ بها أكثر
وفي الوقت نفسه، ذهب سامر إلى ليان وقال لها:"ليان، إعجابي بكِ صار شيئًا من الماضي. أنا لا أراكِ سوى صديقة الآن.اذهبي فورًا ووضحي الأمر على الإنترنت. إن الناس الآن كلهم يسبّون نادين."تبدّل وجه ليان في لحظة، حلت ملامح الغضب على وجهها، وفي صوتها شيءٌ من الحنق."إن الناس الآن في حالة هياج. إن خرجتُ لأوضح الأمر، فسيسبّونني أنا. أترضى أن تراني مُهانة؟ماذا تعني بأن حبك لي صار من الماضي؟ خلال هذين العامين، قضيتَ معي وقتًا أكثر مما قضيتَ مع نادين. كيف تقول الآن إنك أحببتها؟لا تنسَ أنك في البداية سلبتها عينيها من أجلي.أتظن أنها بعدما عرفت الحقيقة يمكن أن تغفر لك؟سامر، إن زواجك من نادين لم يكن إلا تمثيلية. فكيف صدّقت الدور إلى هذا الحد؟"نظر سامر إلى ليان الواقفة أمامه، وشعر فجأةً أن هذه المرأة صارت غريبةً عنه وكأنه لم يعرفه من قبل.بل إنه لم يعد يتذكر لماذا أحبها في البداية.وفي تلك اللحظة بالذات، ندم ندمًا عميقًا على كل ما فعله بي من أجل ليان.أخذت عيناه تبردان شيئًا فشيئًا، وصار في صوته ضيقٌ نافد الصبر."ما بيني ونادين لا شأن لكِ به.إنها زوجتي، وكان يجب عليّ منذ البداية أن أحميها.
لم أتعمد أن أتابع أخبارهما.لكن إشعارات الأخبار في هذه الأيام كانت كلها لا تكاد تخلو من اسمَي سامر وليان،لأن ليان طلّقت زوجها.وأعادوا نشر كل الأخبار القديمة التي كانت تتحدث عن الأموال الطائلة التي أنفقها سامر في شراء لوحات ليان خلال تلك السنوات.وقال روّاد الإنترنت إن هذه هي قصة حب رجل الأعمال المتسلّط والمرأة الموهوبة.بل ظن بعضهم أن طلاق ليان ربما كان لأن سامر نجح أخيرًا أن يفوز بمكانٍ إلى جانبها.ثم لم يلبث آخرون أن نبشوا خبر زواج سامر منذ زمن.حتى صوري أنا نُشرت على الإنترنت.وكانت تلك الصور من الفترة التي عميتُ فيها حديثًا، فكنت أبدو فيها منهكةً على نحوٍ مخيف.وتوالت تعليقات الناس يقولون إنني امرأة ذات جسد ناقص، ولا أليق بسامر.وقالوا إن سامر وليان يليق أحدهما بالآخر؛ رجلٌ وسيمٌ مقتدر، وامرأةٌ موهوبة جميلة.ولم أكن بحاجةٍ إلى التخمين لأعرف أن هذه الأخبار، وتلك الجيوش الإلكترونية، كلها من تدبير ليان، دفعت ثمنها من مالها.فعندما تزوجتُ سامر، لم تكن عائلة الرفاعي سوى عائلة بسيطة ومحدودة المكانة.أما ليان، فقد تزوجت آنذاك ابن عائلة ثرية حقًا.لكن الابن الثري ذاك صار اليوم لا يعرف
أما أنا، فكنت في الجهة الأخرى راقدةً في غرفة المرضى، بينما تلتف حول عينيّ قطعة الشاش.قال الطبيب إن عمليتي نجحت نجاحًا كبيرًا، وإنني ما دمت أتوخي الحذر في فترة التعافي بعد ذلك، فسأعود كأي إنسانٍ عادي.ولم أشعر بأي ألم في عينيّ إلا بعد أن استيقظت.وخزٌ مؤلم، وخوفٌ من الضوء، وعينان يصعُب عليّ فتحهما، وجسدٌ يملأه الضيق والتعب، لكنني لم أحزن.فإذا قيس هذا الألم بسنتين عشتهما في الظلام، فأي شيءٍ يكون؟!وبعد أسبوع، كانت عيناي قد عادتا تريان بوضوح.استأجرت غرفةً في بلاد الجنوب، وتهيأت لأن أبدأ هنا حياتي الجديدة.ثم أمسكت الريشة من جديد، وعدت إلى الرسم.كان انقطاع عامين عن الرسم قد جعل يدي غريبةً عنه بعض الشيء، لكن حبي للرسم لم ينقص عمّا كان عليه في الماضي.في النهار، كنت أعلّم الأطفال الرسم في المرسم.وفي الليل، كنت أرسم كل ما تقع عليه عيناي عند النهر، وفي الساحات، وبين الحقول.كانت هذه الحياة الحرة المضيئة لي منذ البداية.لكن أنانية سامر وليان هي التي سلبتني كل ذلك.وكان مستشفى بلاد الجنوب هو المكان الوحيد الذي استطعت التواصل معه ليُجري لي العملية على الفور.أما أقسام العيون في عدة مستشفي











