Masukظللت أنا وحبيبي في علاقة عن بُعد لثلاثة أعوام. وبعد شهر كامل من العمل الإضافي، استطعت أخيرًا أن أوفّر بعض الوقت لزيارته، فإذا به ينقطع عني ولا أجد سبيلًا للاتصال به. انتظرته وحدي في مدينة غريبة عشر ساعات، ثم ردّ عليّ أخيرًا في برود. وجاءني عبر الهاتف صوت ياسمين عزام، أعز صديقاتي، وهي تضحك في مرح: "فرح سامر، أليست مفاجأة رائعة؟ لقد جبتُ مدينة الصفصاف قبلكِ، وكانت الرحلة ممتعة بجنون! إن ريان الكيلاني، مرشد سياحي من الطراز الأول بحق!" وظلت تثرثر في حماسة، تقصّ عليّ المواقف الطريفة التي صادفتها، كأنها لم ترَ على شاشة هاتف ريان ثلاثين مكالمة فائتة مني. أنصتُّ إليها في صمت، حتى قالت إنها تكاد تتجمد من شدة البرد. عندئذ أخذ ريان الهاتف منها، وقال في كلمات مقتضبة: "سأوصلها أولًا إلى الفندق، فانتظريني قليلًا بعد". وما إن فرغ من كلامه حتى سألته فجأة: "أتعرف كم مضى عليّ وأنا أنتظرك؟" صمت ريان لحظة، ثم أجابني بنبرة خالطها الجفاء: "إنها أعز صديقاتك، أتريدين أن تفتعلي مشكلة بسببها أيضًا؟" وأمام نبرة اللوم الواضحة في صوته، انطفأت رغبتي في الحديث. أغلقت الهاتف، وفي تلك اللحظة وصلت السيارة التي حجزتها عبر تطبيق مشاركة الرحلات لتعيدني إلى العاصمة. نظر إليّ السائق، ثم قال: "يا ابنتي، لقد تجاوزت الساعة منتصف الليل، وهذه المنطقة مضطربة وغير آمنة. كيف طاوع قلب أهلكِ أن يتركوك وحدكِ هنا؟" نظرت إلى حذائي الذي ابتلّ بماء الثلج، وقلت في صوت خافت: "صدقت". ثم ابتسمت وأضفت: "لكن هذا لن يحدث مرة أخرى. لن يحدث أبدًا".
Lihat lebih banyakرفع ريان رأسه إليّ، وقد شحب وجهه.ودارت به الدنيا لحظة، فظل وقتًا طويلًا يحاول استعادة توازنه قبل أن يستطيع الوقوف.قال: "سأحترم قراركِ، ولن آتي لإزعاجكِ بعد اليوم".ثم أضاف: "لكنني سأظل أنتظركِ".ورأيت على وجهه ذلك العناد الذي أعرفه جيدًا.قطبت حاجبيّ، وهممت أن أنصحه بأن يكف عن هذا الوهم.لكنه لم يمنحني فرصة أخرى للكلام، واستدار وفتح الباب، ثم خرج.كان طويل القامة عريض المنكبين، لكنه بدا في ليلته تلك وحيدًا كئيبًا، يحمل على ظهره ثقل خيبته.وخلال فترة إقامتي في فلاريا، كان ريان قد وفى بوعده، فلم يأتِ للبحث عني مرة أخرى.أما ياسمين، فقد اتصلت بي بعد شهر، وما إن أجبت حتى صاحت: "ماذا قلتِ له بالضبط؟"كان صوتها يفيض بغضب وهياج لم أعهدهما فيها.وقالت: "لماذا حظرني وغيّر عنوانه؟ لقد تخليتِ عنه، فلماذا لا تتركينني وشأني؟"وفي آخر كلامها، انخفض صوتها، ثم أخذت تبكي.قالت: "أنا أحبه حقًا".لكن ما شأني أنا بذلك كله؟قلت: "أنتِ التي جنيتِ على نفسكِ، ولا علاقة لي بالأمر".قالت مسرعة: "لا!"التقطت أنفاسها، وقالت بنبرة امتزج فيها الأمر بالاستعطاف: "اتصلي به، واطلبي منه أن يجيب عن مكالماتي. إنه يصغي إ
كان إيقاع الحياة في فلاريا أبطأ مما تصورت.فباستثناء ساعات العمل، التي كانت تمضي على عجل وتزدحم بالمهام، كان وقت الراحة ملكًا لي، أفعل فيه ما أشاء.واستغللت العطلات في التجول بين مدن إيلاريا، وتعرفت إلى عدد من الأصدقاء.وعلى الرغم مما بيننا من اختلاف في الثقافة والعادات، كانوا جميعًا ودودين متحمسين، وأخذوا يساعدونني بحماسة على تحسين قدرتي على التحدث باللغة الفلارية.وذات يوم، قالت لي فتاة فلارية تُدعى ديانا نصيف: "إن أردتِ أن تتقني اللغة الفلارية بسرعة، فعليكِ أن تجدي لنفسكِ حبيبًا فلاريًا".وما كادت تتم كلامها حتى بادر شاب كان يجلس إلى جوارنا، وقال: "فرح! أنا مستعد".فضحك الجميع من مزحته، أما أنا فتظاهرت بالتفكير، وقلت: "سأفكر في الأمر".لكن القدر على ما يبدو، لم يشأ أن يدع لي فرحتي طويلًا.فحين عدت إلى منزلي في مساء اليوم نفسه، وجدت ريان قابعًا أمام بابي ينتظرني.بدا كأنه أمضى هناك وقتًا طويلًا؛ إذ نهض حين رآني، فترنحت ساقاه بضع خطوات قبل أن يستعيد توازنه.قال: "لقد عدتِ".ثم مدّ يده ليحمل الحقيبة التي أحملها على كتفي.لم يكن ذاك شيئًا قد فعله لي من قبل.لم أرفض وتقدمت في صمت، وفتحت
"فرح! أين ذهبتِ؟ ولماذا تقول صاحبة المنزل إنكِ تركتِ الشقة؟ إلى أين انتقلتِ؟ ولماذا لم تنتظريني؟ لقد وقفت أنتظركِ ثلاث ساعات كاملة، أتعرفين ذلك؟"كان صوته يفيض بالظلم، ويتنازعه الغضب والسخط.انتظرت حتى فرغ مما في صدره، ثم قلت فجأة: "ريان! أتذكر ذلك اليوم الذي انتظرتك فيه عشر ساعات؟ اتصلت بك ثلاثين مرة، وكنت واقفة وسط الثلج والبرد حتى تجمدت قدماي وأصبت بقَضْمَة الصقيع. هل تعرف بماذا شعرت يومها؟"انقطع صوت ريان، ولم يبقَ في الهاتف سوى أنفاسه المتلاحقة.نظرت إلى شوارع فلاريا، وشددت معطفي حول جسدي.ثم قلت: "وفي طريق عودتي، أخبرني السائق أن هناك جريمة اغتصاب وقعت عند تلك المحطة قبل ذلك بيومين. كنت في المدينة نفسها، فلا يعقل أنك لم تسمع بحادثة أثارت ذعر أهل المدينة جميعًا".وما إن تذكرت ما شعرت به آنذاك حتى ترقرقت الدموع في عينيّ.ثم أكملت: "لكنك بالرغم من ذلك تركتني هناك وحدي عشر ساعات. ظننت أن مكروهًا قد أصابك، وكدت أبلغ الشرطة. لكن حين جاءني الرد أخيرًا، لم أسمع إلا صوتك وصوت ياسمين تتضاحكان وتتسامران. شعرت يومها أنني أذللت نفسي من أجلك إلى حدٍ يثير الشفقة".قال ريان بصوت مختنق بالبكاء: "
تجمدت ياسمين في مكانها.وارتسم على وجهها حرج شديد، كأنها لم تتوقع أن أطرح المجاملة جانبًا وأواجهها بتلك الصراحة.قطب ريان حاجبيه، وسأل: "هل تشاجرتما؟ ومتى حدث ذلك؟"نظرت إليه، وقلت: "منذ أربعة أيام، حين أرادت أن تأتي معي لزيارتك، فرفضت".لذلك لم تحتمل ياسمين رفضي، وسبقتني إليه انتقامًا مني.قال ريان، ولا تزال الدهشة نفسها تعلو وجهه: "أمن أجل هذا فقط؟"لكن الأمر لم يقتصر على تلك الحادثة.فطوال العام الماضي، لم تدخر ياسمين جهدًا لكي تفسد كل وقت أحاول أن أنفرد فيه بريان.كلما هممت بالسفر لزيارته، تعلقت بي؛ فتطلب مني مرة أن أصحبها في رحلة، وتدّعي مرة أخرى أنها مريضة وتحتاج إلى مساعدتي.وحتى حين اشتريت خاتمين متطابقين لي ولريان، سارعت إلى شراء خاتم شبيه بهما ووضعته في إصبعها.لم أكن حمقاء، ولذلك قطعت علاقتي بها في هدوء، وحفظت لها ما بقي من كرامتها.لكنني لم أتخيل أن يبلغ بها انعدام الحياء لهذا الحد. نهضت ياسمين على مهل، وترقرقت الدموع في عينيها، وقالت بصوت خافت: "أنا آسفة، سأرحل إذًا".دوى صوت ارتطام مفاجئ.فقد نهض ريان بعنف، وأسقط الكرسي من شدة حركته.ثم وقف أمام ياسمين يحجبها عني، وقال بص





