Se connecterشعرها الأشقر الطويل يتدلى على كتفيها كستارة ذهبية، وابتسامتها الباردة تلمع كسكين. اقتربت بخطوات واثقة حتى كادت تلامس آسيل، ثم رفعت شعرها الأشقر بيدها عمداً، كاشفة عن عنقها.
آثار حمراء واضحة... آثار قبلات وأسنان طازجة. قالت لين بتباهٍ مسموم يملأ المكان: «جواد كان يسهر على رعايتي خلال الأيام الماضية. لم يتركني لحظة واحدة.» اقتربت أكثر حتى لامست شفتاها تقريباً أذن آسيل، وهمست بصوت منخفض لا يسمعه أحد غيرهما، صوت مليء بالتهديد واللذة معاً: «حادثة مسحوق المانجو... وحادث السيارة... لم تكن صدفة أبداً. كل شيء كان مدبراً. وإذا لم تطلقيه... لا أضمن ما الذي سأفعله بعد ذلك.» تجمد الهواء داخل المتجر. رفعت آسيل يدها فجأة. صفعتها بقوة أمام الجميع. دوى صوت الصفعة كرصاصة في الصالة الهادئة، واهتزت كل الأنظار. احمرّ خد لين الأشقر فوراً، واتسعت عيناها من الصدمة. حاولت لين الصراخ والرد، لكن مساعدة آسيل تقدمت خطوة واحدة فقط، بوجه هادئ ومهني، ووقفت بينها وبين لين كجدار صامت. أخرجت آسيل من حقيبتها بطاقة سوداء لامعة، ودون أن تنظر إلى لين، أشارت إلى قطعة مجوهرات كانت تعاينها سابقاً ودفعت ثمنها. تجمد الحضور كله. انحنى موظفو المتجر باحترام عميق، كأنهم أمام أميرة لا أمام زبونة عادية. لم يسأل أحد عن اسمها، ولم يطلب أحد هوية. البطاقة السوداء كانت كافية. وصل الخبر إلى جواد خلال دقائق. كان جالساً في مكتبه الفسيح، بقامته الرياضية الممشوقة وكتفيه العريضين تحت قميص أبيض مشدود. وسامته الحادة كانت تبدو اليوم أكثر برودة، وعيناه السوداوان تلمعان بقلق لم يعرفه من قبل. رن هاتفه. كان مدير المتجر. قال الرجل بصوت مرتجف: «سيدي جواد... السيدة آسيل كانت هنا. صفعت السيدة لين أمام الجميع... ثم دفعت ببطاقة سوداء. بطاقة لا نعرف مصدرها، لكنها فتحت كل الأبواب.» صمت جواد ثوانٍ طويلة، ثم قال بصوت منخفض وخطير: «بطاقة سوداء؟ من أين جاءت بها؟» لم يجب المدير. أنهى جواد المكالمة ووقف فجأة، عضلات ذراعيه تتوتر تحت القميص. أمر مساعده الشخصي: «ابحث عن مصدر هذه البطاقة. أريد معرفة من يقف خلفها... الآن. قال المساعد بتردد: "سيدي... هل يمكن أن تكون البطاقة مزورة؟" رفع جواد نظره إليه ببرود، ثم هز رأسه ببطء. "لا. المتجر الذي دخلته لا يسمح حتى لكبار رجال الأعمال باستخدام بطاقة كهذه إلا بعد التحقق منها." سأل المساعد باستغراب: "لكن السيدة آسيل لم تكن تملك أي ثروة، أليس كذلك؟" قبض جواد على الهاتف بقوة حتى برزت عروق يده. "هذا ما كنت أظنه." صمت لثوانٍ، ثم قال بنبرة حادة: "أعد فحص كل شيء. ماضيها، دراستها، دار الأيتام، المستشفى الذي وُلدت فيه، وكل شخص عرفها قبل أن تلتقي بي. لا أريد تقريرًا ناقصًا." قال المساعد بسرعة: "مفهوم، سيدي." أوقفه جواد قبل أن يغادر: "وأمر آخر... لا تخبر لين بما يحدث." التفت المساعد بدهشة: "تقصد إخفاء الأمر عنها؟" أجابه جواد وهو يحدق في البطاقة السوداء التي أرسل المتجر صورتها: "حتى أعرف الحقيقة... لن يطلع أحد على ما اكتشفناه." من تلك اللحظة، جنّ جنون جواد. أرسل باقات ورد ثمينة، رسائل طويلة يعتذر فيها ويطلب الصلح، محامين يعرضون تسويات مالية سخية... لم يصلها شيء. كل شيء كان يُرفض أو يختفي في الفراغ. أمر فريق التحقيق الخاص به: «أريدها. فتشوا كل الفنادق الفاخرة، بيوت الضيافة، الشقق المفروشة، حتى الأماكن التي كانت تذهب إليها قديماً. لا أريد عذراً.» بعد ساعات، دخل عليه أحد المحققين بوجه شاحب. قال المحقق: «سيدي... لا أثر. لا حجز باسمها، لا رقم هاتف جديد، لا عنوان. كأنها تبخرت.» ضرب جواد الطاولة بقبضته القوية حتى اهتزت الأكواب. قال بصوت مختنق بالغضب والقلق: «ابحثوا تحت الأرض إن لزم الأمر. أريدها أمامي قبل نهاية هذا الأسبوع.» مرت أيام. القلق كان يأكل ملامحه الوسيمة. توقف عن حلق ذقنه لأيام، وصار يحدق في صورة قديمة لآسيل على هاتفه لساعات. عيناها الزرقاوان في الصورة كانت تبدو الآن أعمق وأبعد مما تخيل. في منتصف إحدى الليالي، رن هاتفه. كان الاتصال من رئيس فريق التحقيق. رفع جواد السماعة بوجه متوتر، عضلات فكه مشدودة. بعد لحظات قليلة من الاستماع، تغير كل شيء. تجمدت ملامحه الوسيمة تماماً. اتسعت عيناه، وشحب لونه كأن دمًا سُحب من وجهه. همس بصوت مبحوح لا يكاد يُسمع: «مستحيل...» سقط الهاتف من يده على السجادة الفاخرة. أدرك أخيراً الحقيقة التي قلبت الدنيا رأساً على عقب. آسيل لم تكن الفتاة الوحيدة اليتيمة بلا عائلة كما ظن طوال السنوات. آسيل هي الوريثة المفقودة لعائلة ثرية ونافذة جداً... العائلة التي بحثت عنها منذ طفولتها، والآن تقف خلفها بكل قوتها. ولأول مرة في حياته... شعر جواد بالخوف الحقيقي.دخل أمير والدم على قميصه. خلع سترته الملطخة ببطء وألقاها على الكرسي. جلس. صوته خرج بألم . — من هو جواد؟ أجابت بصوت مرتجف: — زوجي السابق... وأبو آدم. . ظل صامتاً طويلاً، ثم رفع رأسه ببطء ونظر إليها نظرة لم تعرفها من قبل — وآدم؟ هل يعلم؟ ردت بصوت مرتعش: — لا. وجواد عرف مؤخرًا فقط. صمت طويلاً. كان الصمت أثقل من أي كلام. ثم بدأ يتكلم بصوت منخفض، — فتح الصندوق. أخرج ملابسك الداخلية. رفعها إلى وجهه. استنشقها أمامي. قال لي إن جسدك كان يستجيب له. قال لي أشياء تجعلني أشعر أنني كنت أعيش في كذبة كبيرة. توقف. ارتجفت يداه. سقط الكوب من على الطاولة وتحطم. لم ينظر إليه. ضغط على الجرح في كتفه حتى نزف من جديد، ثم نهض فجأة واقترب منها. أمسك بوجهها بكلتا يديه بقوة ليست عنيفة لكنها لا تدع مجالاً للهروب، وجعلها تنظر إليه مباشرة في عينيه. — انظري إليّ. انظري جيداً. كيف استغبيتِني؟ كيف جعلتِني أبدو غبياً إلى هذا الحد؟ حاولت أن تشيح بوجهها، لكنه ثبتها. — كم مرة التقينا؟ جلسنا على طاولة واحدة وأنتِ بجانبي؟ صافحته وصافحني، وضحكتما، وتحدثتما عن العمل، وأنا أظنه شريك عمل فقط؟كنت أقف أمامه مثل الأبله.
تسحب أسيل نفسها لتبدو متماسكة أمام أمير الواقف ينتظر إجابتها. تقول في سرها: لن أخبره الحقيقة الآن، سيفتعل شجاراً مع جواد وهذا ما لا أريده أن يتورط فيه. تقول مرتجفة: -تعثّرتُ في الفيلا وأنا أتفقد بوابة الأمان، فانكسر الزجاج وجرحني. أدخلني أرجوك. يحملها أمير دون أن يجادل: -لا تتكلمي الآن. في داخله يفكر: من يتعثر تتناثر خدوشه على ركبتيه، أما هذا فقطع واحد عميق كأن قبضتها أُطبقت على شيء. ثم يلمح النافذة المقابلة مضاءة في الفيلا الأخرى. تساعدها ماريا على تغيير ثيابها. يركض آدم: -عمّو أمير! عدتَ! يضمه أمير ويخفي غضبه في شعر الطفل. بعد أن ينام آدم يجلس بجانب أسيل. يأخذ يدها المجروحة برفق، ينظف الجرح، يضمد إصبعها بعناية، ثم يرفع يدها ويقبل مكان الجرح ببطء. ينظر في عينيها ويقول بصوت منخفض دافئ: -لا تخافي. أنا هنا. لن أترككِ تؤلمين وحدك. نمِي الآن، سأبقى حتى تنامي. يظل جالساً يمسك يدها حتى تغفو. يخرج فوراً إلى الفيلا المقابلة. يخبره الحارس أن مستأجرها الجديد هو جواد. يصدم أمير. جواد هنا أيضاً؟ ما هذه الصدف الغريبة؟ في عيادة صغيرة قبيل الفجر يجلس جواد على السرير والدم
دخل جواد مكتبه، وأغلق الباب خلفه. جلس خلف المكتب الفخم، وأصابعه تداعب حافة كأس الويسكي. كان ينتظر. دقّ الباب مرتين، فدخلت رئيسة الخادمات الموثوقة، تحمل علبة كرتونية مغلقة بشريط لاصق، محفوظة بسرية تامة. تقدمت بخطوات حذرة، ومدت العلبة نحو سيدها: "سيدي، هذه الأشياء التي وجدناها في سلة مهملات الجناح... كما طلبت." أخذ جواد العلبة بصمت. فتح درج مكتبه، وأخرج رزمة ضخمة من الأوراق النقدية، ومدها نحوها. اتسعت عينا الخادمة، وارتبكت يداها: "سيدي... هذا كثير جداً، المهمة كانت بسيطة..." قاطعها بنبرة حادة: "خذيها واذهبي. ولا تخبري أحداً." انصرفت مسرعة. فتح العلبة ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة مشوهة. كان هناك عطرها المفضل، شريط شعر صغير، وملابسها الحريرية. رفع الشريط إلى أنفه، واستنشق بعمق، ثم همس بصوت متقطع: "الآن... سألعب اللعبة بالطريقة التي أحبها." أخذ العلبة، وخرج مسرعاً نحو الفيلا التي اشتراها، المقابلة تماماً لفيلا أسيل الجديدة في تلك الأثناء، أسيل تقف أمام المرآة الطويلة، ترتدي فستاناً صيفياً أصفر بلون عباد الشمس، بقصة أنيقة تكشف عن كتفيها الناعمين. تعدل أقراطها الذهبية، وتضع ال
في عتمة الليل وقف جواد على شرفة غرفته في المبنى المقابل تماماً لمنزل أسيل. النوافذ الزجاجية لغرفة أسيل مكشوفة. أمسك المنظار المكبر ووجهه نحو غرفتها. رآها تخرج من الحمام بعد انتهاء مكالمة أمير. ترتدي طقم نوم قصيراً جداً من الساتان الأسود: صدرية ضيقة تكشف أعلى صدرها وشورت قصير يلتصق بفخذيها. جلست على طرف السرير وأخرجت علبة كريم مرطب. بدأت توزعه على بشرتها ببطء. رفع المنظار أكثر. رآها تضع الكريم على عنقها أولاً، أصابعها تمر ببطء على الجلد الناعم. ثم نزلت يداها إلى صدرها، تدهن الجلد المكشوف فوق الصدرية، تضغط قليلاً ثم تمسح. انتقلت إلى ذراعيها ثم إلى ساقيها وقدميها. كل حركة بطيئة واضحة. عقل جواد يغلي. قال في داخله بصوت حاد: -تباً.. كم اشتقتُ لجسدكِ يا أسيل. بشرتكِ البيضاء هذه تكاد تحرق عيني. أريد أن أقبل عنقكِ، وصدركِ الصغير الذي كان ملكي يوماً. أريد قدميكِ الناعمتين تحت يدي الآن. شعر بحرارة تجتاح جسده. دقات قلبه تسارعت بعنف حتى كادت تدمع عيناه من فرط الهوس. عندما أدارت ظهرها رأى خصرها الضيق. همس لنفسه: -خصركِ أصبح صغيراً جداً.. فقدتِ الكثير من وزنكِ، أصبحتِ كالريشة التي أريد التق
استيقظت أسيل على رنين هاتفها المتواصل. الساعة السابعة صباحاً، والشمس تتسلل من النافذة لتلامس وجه آدم الصغير النائم في سريره بجوارها. مدّت يدها بتمهل، ورفعت الخط بصوت مثقل بالنعاس: "نادية؟ ما الأمر في هذا الوقت؟" جاءها صوت نادية مشحوناً بالتوتر: "سيدة أسيل، أعتذر على الإزعاج، لكن هناك أمر خطير يجب أن تعرفيه فوراً." جلست أسيل في سريرها، وقد تبدد النعاس تماماً: "ماذا حدث؟" قالت نادية بنبرة جادة: "راجعنا بنود عقد الصيانة والحماية الخاص بالمجمع السكني الذي اشتريتِ فيه المنزل. شركة الأمن المتعاقدة والمثبتة قانونياً لإدارة البوابات وكاميرات المجمع... مملوكة بالكامل لمجموعة جواد الاستثمارية." تجمّدت أسيل في مكانها. أصابعها تشبثت بالهاتف بقوة: "ماذا؟" تابعت نادية: "هذا يعني أنه يملك الحق القانوني في دخول المنطقة والمراقبة في أي وقت. العقود موقعة بهذا البند يا سيدة أسيل، ولا يمكن كسرها من طرف واحد." اشتعل الغضب في صدر أسيل. قالت بصوت حاد: "هذا السافل لن يهدأ! نادية، اتصلي فوراً بطاقم حراستنا الخاص القادم من لندن. أريد طرد كل حراس المجمع الواقفين حول أسوار منزلي فوراً، وقومي بتغيير رموز ال
كانت أسيل لا تزال محتضنة آدم الباكي، بينما وقف جواد أمامها بهدوء لا يليق بالموقف. أخرج من جيبه ورقة مطوية بعناية ووضعها على طاولة الصالة الزجاجية دون أن يقترب أكثر. قال بصوت هادئ مدروس: -هذه نتيجة تحليل الحمض النووي. مطابقة تامة. آدم ابني، وأنتِ تعرفين هذا جيداً. اشتد بكاء آدم من التوتر المحيط به وخبّأ وجهه في رقبة أمه. التفتت أسيل إلى ماريا بصوت متماسك رغماً عنها: -خذيه إلى غرفته الآن، وابقي معه. أخذت ماريا الطفل بسرعة واختفت في الممر. بقيت أسيل واقفة وحدها أمام جواد، مشت خطوتين جانباً ثم وقفت منتصبة، كأنها تحصّن جسدها. خطا جواد خطوة واحدة. صوته لا يزال هادئاً شبه متوسل: -دعيه يكبر بيننا يا أسيل. له أب وأم، ويستحق أن يجتمع بهما تحت سقف واحد. اتركي أمير، وارجعي إليّ. تغيّرتُ، أقسم لكِ أنني لستُ الرجل الذي عرفتيه. انفجرت أسيل ضاحكة ضحكة باردة لا فرح فيها. تقدمت خطوة نحوه لأول مرة منذ دخوله، ويداها مشدودتان إلى جانبيها. قالت: -تغيّرت؟ أين كان هذا التغيّر عندما كنتُ أنام جائعة في شقة صغيرة في لندن، وبطني يكبر كل يوم، ولا أحد يعرف اسمي هناك؟ أين كنتَ يا جواد عندما كنتُ أبكي ،







