Home / التشويق / الإثارة / السر المدفون / الجزء الثامن: السر المدفون تحت الشجرة

Share

الجزء الثامن: السر المدفون تحت الشجرة

Author: Frank
last update publish date: 2026-08-02 21:46:39

لم يغمض لي جفن طوال تلك الليلة.

كنت أقلب القلادة الفضية بين يدي، وأتأمل النقش الصغير الذي يحمل صورة شجرة ورقم 17. كلما أعدت النظر إليها، ازدادت قناعتي بأن والدي ترك هذا الأثر عمدًا، وكأنه كان يعلم أنني سأعود يومًا لأكمل ما بدأه.

في صباح اليوم التالي، أخبرت ياسر بما تذكرته من طفولتي.

قلت له:

"هناك شجرة بلوط ضخمة تقع في آخر الوادي، كان والدي يمنعني من الاقتراب منها كلما رافقته إلى هناك. كنت أظن أنه يخشى عليّ من السقوط، لكنني الآن أدرك أن الأمر كان أكبر من ذلك."

أخرج ياسر الخريطة التي وجدناها في السرداب، وبعد دقائق من التدقيق، ابتسم وقال:

"انظر يا أبي... هنا علامة صغيرة تشبه الشجرة تمامًا، لكنها بعيدة عن بقية الرموز، وكأن من رسم الخريطة أراد إخفاءها."

انطلقنا بعد الظهيرة نحو الوادي، واخترنا طريقًا جانبيًا حتى لا يلاحظنا أحد.

كان المكان موحشًا، تغطيه الأعشاب اليابسة، وتحيط به الصخور من كل جانب. وبعد مسير دام أكثر من ساعة، ظهرت أمامنا شجرة بلوط عملاقة، بدت أقدم من كل ما حولها.

تقدمت نحو جذعها، وما إن لمست لحاءها حتى لاحظت وجود نقش قديم بالكاد يظهر.

كان الرقم...

نظر إليّ ياسر وقال بحماس:

"إنها الشجرة."

بدأنا نفتش الأرض المحيطة بها، لكننا لم نجد شيئًا.

وبينما كنت أضرب بعصا خشبية حول الجذع، صدر صوت مختلف في إحدى الجهات، كأن الأرض أسفلها مجوفة.

أزلنا طبقة من التراب، فظهرت صفيحة حجرية مربعة، يتوسطها تجويف صغير.

أخرجت القلادة الفضية، ثم نزعت منها القطعة المعدنية التي تشبه المفتاح.

أدخلتها في التجويف.

استدارت بسهولة.

وفجأة...

صدر صوت احتكاك قوي، وتحركت الصفيحة الحجرية ببطء، كاشفة عن صندوق حديدي صغير.

ساعدني ياسر على إخراجه.

كان ثقيلًا، وقد أكل الصدأ أطرافه.

فتحناه بصعوبة، فإذا بداخله ملف جلدي محكم الإغلاق، وعدة صور قديمة، ورسالة مختومة باسم والدي.

ترددت للحظة، ثم فتحت الرسالة.

كان خط والدي واضحًا، رغم أن الورق اصفرّ من مرور الزمن.

"إلى ابني سالم...

إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أتمكن من كشف الحقيقة بنفسي.

لقد اكتشفت مع أربعة رجال شبكة تهريب للآثار، لكن أخطر أفرادها لم يكن من الغرباء، بل كان يعيش بيننا ويكسب ثقة الجميع.

كنت أملك الأدلة الكافية لفضحه. جمعتُها خلال خمس سنوات، ورقة ورقة، وأنا أجلس معهم وأشرب الشاي وأبتسم في وجوههم. كانت أصعب خمس سنوات في حياتي، ولذلك أصبحت هدفًا لهم.

إذا أردت إنهاء هذه القضية، فلا تبحث عن الرجل الذي ينفذ الأوامر، بل ابحث عن الرجل الذي يصدرها.

ستجد اسمه داخل الملف الجلدي.

احذر... فهو لا يزال يراقب كل شيء."

أغلقت الرسالة ببطء، بينما خيم الصمت بيني وبين ياسر.

فتحت الملف الجلدي.

كان يحتوي على عقود بيع، وصور لقطع أثرية، وسجلات مالية، وأسماء أشخاص تعاملوا مع الشبكة على مدار سنوات.

وفي الصفحة الأخيرة...

وجدت صورة لرجل أنيق في الخمسين من عمره.

أسفلها كُتب بخط واضح:

"نادر السيوفي... العقل المدبر."

توقفت عند الاسم طويلًا.

نادر.

وفي دفتر السرداب: ناصر.

حرف واحد يفصل بينهما، لكن الوجهين مختلفان تمامًا، والفارق بينهما جيل كامل.

لم أعرف الاسم، لكنني شعرت أنه سيكون أخطر شخص واجهته في حياتي.

وفجأة، سمع ياسر صوت محرك سيارة يقترب.

أغلق الملف بسرعة، وأعدناه إلى الحقيبة.

اختبأنا خلف الصخور.

توقفت سيارة سوداء على بعد أمتار من الشجرة.

ترجل منها ثلاثة رجال، كان أحدهم يحمل جهازًا يشبه جهاز كشف المعادن.

قال أحدهم:

"فتشوا المكان جيدًا... لا بد أنهم وصلوا إلى الصندوق."

حبسنا أنفاسنا.

اقترب أحد الرجال من الصخرة التي نختبئ خلفها، ولم يعد يفصل بينه وبيننا سوى خطوات قليلة.

وفجأة، رن هاتفه.

ابتعد قليلًا وأجاب بسرعة:

"نعم... ماذا؟"

ساد صمت قصير، ثم تغيرت ملامحه وقال:

"هل أنت متأكد؟ كان معكم في المزرعة البيضاء منذ ساعتين!"

صمت لحظة أخرى، ثم قال بغضب:

"إذن عبد الرحمن لم يهرب من القرية... لقد هرب منكم أنتم."

تبادل الرجال النظرات بقلق، ثم عادوا إلى السيارة وغادروا المكان مسرعين.

انتظرنا حتى اختفى صوت المحرك، ثم خرجنا من مخبئنا.

نظر إليّ ياسر وقال:

"إذن عبد الرحمن لم يغادر القرية هربًا منا في تلك الليلة... بل ذهب إليهم."

أومأت برأسي وأنا أحدق في الملف الجلدي.

قلت بصوت حازم:

"وذهب إليهم لأنه ظن أنهم سيحمونه. واليوم اكتشف أنهم كانوا يحتفظون به إلى أن ينتهي دوره."

وفي تلك اللحظة، لم أكن أعلم أن عبد الرحمن لم يهرب خوفًا منهم فقط...

بل لأنه يحمل سرًا أخطر من جميع الوثائق التي عثرنا عليها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • السر المدفون   الفصل الرابع عشر — دفتر التواريخ

    عدنا إلى بيت محمود بعد شروق الشمس بساعتين.كنت أعرف أنه لن يكون هناك، وكنت أعرف أيضًا أنني لم أنتهِ من غرفته الخلفية.الرجل الذي يترك خزانة مليئة بصور عائلتي، يتركها لأنه يريدني أن أراها. والرجل الذي يُري خصمه شيئًا، يخفي شيئًا آخر في المكان نفسه.وقفت أمام الجدار مرة أخرى.عشرات الصور، مرتبة بعناية موظف، كل واحدة عليها تاريخ بخط صغير في الخلف.قال ياسر من خلفي:"لماذا عدنا؟ لقد رأينا كل شيء."قلت:"رأينا الصور. ولم نقرأ الترتيب."بدأت أنزعها واحدة واحدة، وأصفّها على السرير حسب تواريخها.أقدمها قبل أربعة عشر عامًا. وأحدثها قبل أسبوع، أمام باب بيتي.لكن بينهما فجوة.سنة كاملة لا توجد فيها صورة واحدة.قلت لسليم:"السنة التي مات فيها ناصر السيوفي."رفع رأسه ببطء."تسع سنوات.""تسع سنوات بالضبط. توقف عن تصويرنا سنة كاملة، ثم عاد."جلس سليم على طرف السرير، وأخذ نفسًا طويلًا."لأنه في تلك السنة لم يكن يعمل لأحد. كان يقرر من سيرث."نظرت إلى الجدار الفارغ الذي تركته الصور المنزوعة.رجل قضى سنة كاملة يوزّع شبكة رجل ميت على ورثته، ثم عاد إلى مزرعتي يحمل دلو الأعلاف.قلت:"إذن نادر ليس رئيسه. نا

  • السر المدفون   الفصل الثالث عشر — الرجل الذي فتح لنا كل الأبواب

    وصلنا إلى المستشفى قبل الفجر بساعة. كان الممر خاليًا إلا من ممرضة شابة تجلس خلف مكتب الاستقبال، وأمامها سجل مفتوح لم يُغلق منذ ساعات. قلت لها: "الغرفة 17." رفعت رأسها. "سبق أن أخبرتك على الهاتف يا سيدي. غادر المريض مع ابنه." "أريد أن أرى ما وقّعه." ترددت، ثم أدارت السجل نحوي. كان الخط منتظمًا، هادئًا، بلا ارتجاف. قرأت الاسم: "محمود بن العربي... صفة القرابة: ابن." شعرت بشيء بارد ينزل في ظهري. سألتها: "وهل رأيتِه؟" "نعم. رجل في الأربعين، طويل، قليل الكلام. كان مهذبًا جدًا. حتى إنه شكرنا واحدًا واحدًا قبل أن يخرج." قال ياسر بصوت خافت: "محمود؟" لم أجب. كنت أفكر في شيء آخر. الرجل الذي يخطف مريضًا من مستشفى لا يقف ليشكر الممرضات. إلا إذا كان لا يخاف من أن يتذكره أحد. طلبت تسجيل كاميرا المدخل. بعد نصف ساعة من الجدال، جلسنا الثلاثة أمام شاشة صغيرة في غرفة الحراسة. الساعة 11:42 مساءً. يدخل رجل من الباب الرئيسي، يمشي بخطوات هادئة، لا يلتفت يمينًا ولا يسارًا. يعرف أين يذهب. بعد إحدى عشرة دقيقة، يخرج وهو يدفع كرسيًا متحركًا، وفوقه الشيخ ملفوفًا ببطانية. ثم يفعل شيئًا لم

  • السر المدفون   الفصل الثاني عشر — نصف الحقيقة الآخر

    لم أُنزل مسدسي. وقف سليم أمامي، وبندقية الصيد لا تزال في يده، بينما كان الدخان يتصاعد من نوافذ منزلي خلفنا، وأصوات الكلاب تملأ الليل. قلت له وأنا أصوّب نحو صدره: "خمسة وعشرون عامًا وأنت ميت. ثم تظهر فجأة في الليلة التي يحاول فيها أربعة رجال قتلي. هذه ليست صدفة." ابتسم ابتسامة متعبة، ثم وضع بندقيته على الأرض ببطء، ورفع يديه. قال: "لو كنت معهم، لما أطلقت النار على أحدهم أمام عينيك." قال ياسر وهو يمسح الدخان عن وجهه: "أو أنك أطلقت النار عليه لتكسب ثقتنا." نظر إليه سليم طويلًا، ثم قال: "ابنك يفكر مثلك تمامًا... هذا جيد. ستحتاجان إلى ذلك." لم نبقَ في المنزل. كان الضابط يعرف عنواني، ونادر يملك صورًا لبابي، ولم يعد للجدران معنى. أخذنا الحاسوب والملف الجلدي، وسرنا في الظلام قرابة نصف ساعة حتى وصلنا إلى المنزل المهجور الذي احتمينا فيه من قبل. أشعل ياسر شمعة قصيرة، ووضعها على الأرض، فامتدت ظلالنا الثلاثة على الجدار. جلس سليم مقابلي، وقال: "اسأل." قلت: "من هو الحاج؟" فوجئ بالسؤال. ثم قال ببطء: "من أخبرك بهذا الاسم؟" "رجل مسن قابلته في المقبرة، وأصيب برصاصة أمامي." صمت سليم

  • السر المدفون   الجزء الحادي عشر: الخيانة الكبرى

    وقفت أحدق في سحابة الغبار التي خلفتها سيارة نادر السيوفي، بينما كانت صفارات الشرطة تقترب من المستودع. قال ياسر وهو يلهث: "لقد هرب مرة أخرى." أجبته وأنا أحمل الحاسوب المحمول: "لا يهم... هذه المرة ترك خلفه ما هو أخطر من وجوده." وصل رجال الشرطة بعد دقائق، وطلب الضابط المسؤول معرفة ما حدث. قدمت له رواية مختصرة، متجنبًا الحديث عن الحاسوب والملفات. لم أعد أميز بين من يمكن الوثوق به ومن يعمل لصالح نادر. عدنا إلى المنزل قبل غروب الشمس. كان البيت خاليًا منذ سافرت زوجتي إلى المدينة، ولأول مرة شعرت بالامتنان لذلك القرار. أغلقنا الأبواب والنوافذ، ثم وضع ياسر الحاسوب على الطاولة. قال وهو يبتسم: "أتمنى ألا يكون محميًا بكلمة مرور." ضغط زر التشغيل. ظهرت الشاشة... ثم ظهرت نافذة تطلب كلمة السر. حاول ياسر عدة كلمات، لكن جميع المحاولات فشلت. جلست أفكر في كل ما مررنا به خلال الأيام الماضية. ثم تذكرت العبارة المنقوشة على القلادة، والرقم المحفور في جذع الشجرة. قلت لياسر: "جرّب الرقم سبعة عشر." كتب الرقم. فشلت المحاولة. قلت له: "ابتعد." جلست مكانه. "الأرقام وحدها لن تنفع. هؤلاء لا يكت

  • السر المدفون   الجزء العاشر: المستودع القديم

    وقفت للحظات أحدق في وجه عبد الرحمن، وقد فارق الحياة وهو يحمل في صدره أسرارًا كثيرة لم يمهله القدر ليكشفها كاملة. أغمضت عينيه بيدي، ثم وقفت بصمت. قال ياسر بصوت يملؤه الحزن: "رحل قبل أن يخبرنا بكل شيء." أجبته وأنا أضم مفتاح السيارة في قبضتي: "لكنه ترك لنا خيطًا جديدًا... ويجب ألا نضيعه." بعد وصول الشرطة، أدليت بإفادة مختصرة، وتعمدت إخفاء أمر المفتاح والملف الجلدي. لم أكن أشك في نزاهة الجميع، لكنني لم أعد أستطيع الوثوق بأي شخص قبل أن تنكشف الحقيقة كاملة. وفي صباح اليوم التالي، انطلقت أنا وياسر إلى المستودع القديم الذي ذكره عبد الرحمن. كان يقع في منطقة نائية، تحيط به الأشجار من كل جانب، ويبدو مهجورًا منذ سنوات. اقتربنا بحذر. كان الباب الحديدي الضخم موصدًا بسلسلة غليظة. أخرجت المفتاح الذي سلمني إياه عبد الرحمن، فإذا به يفتح القفل بسهولة. تبادلنا النظرات. ثم دفعنا الباب. أصدر صريرًا حادًا، وانفتح ببطء. دخلنا إلى الداخل. كان المستودع واسعًا، تغطي الغبار معظم محتوياته، وتنتشر فيه سيارات قديمة وآلات زراعية مهترئة. لكن في الزاوية البعيدة، كانت تقف سيارة رباعية الدفع سوداء، مغطاة

  • السر المدفون   الجزء التاسع: الشاهد الهارب

    عدنا إلى المنزل قبل غروب الشمس، وأخفيت الملف الجلدي والرسالة في مكان لا يمكن لأحد الوصول إليه. كنت أعلم أن ما أصبح بحوزتنا كافٍ لإسقاط شبكة كاملة، لكنني كنت أفتقد العنصر الأهم... الشاهد الذي يعرف الحقيقة من بدايتها. ذلك الشاهد كان عبد الرحمن. جلس ياسر أمامي وقال: "إذا كان عبد الرحمن قد هرب منهم، فلماذا لا يسلم نفسه للشرطة؟" أجبته بعد لحظة من التفكير: "لأنه يعلم أن الشبكة تمتد إلى أشخاص نافذين. ربما لم يعد يثق بأحد، أو ربما يخشى أن يُقتل قبل أن يدلي بشهادته." وفي تلك اللحظة، رن هاتفي. كان رقمًا مجهولًا. ترددت في الرد، ثم ضغطت زر الإجابة. جاءني صوت خافت ومضطرب: "سالم... لا وقت لدي." عرفت الصوت فورًا. "عبد الرحمن!" قال وهو يلهث: "إنهم يطاردونني منذ يومين. أخطأت عندما تعاونت معهم، لكنني لم أشارك في قتل والدك، أقسم بذلك." قلت بحزم: "أين أنت؟" ساد صمت قصير، ثم قال: "الليلة... بعد صلاة العشاء... عند الطاحونة القديمة." وقبل أن أسأله أي سؤال آخر، انقطع الاتصال. نظر إليّ ياسر وقال: "سنذهب معًا." أومأت برأسي، لكنني كنت أشعر أن الأمر لن يكون بهذه السهولة. مع حلول الليل، توجه

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status