LOGINفي مملكة يحكمها الظلم والطبقية، تُجبر سيلا، الفتاة الفقيرة ذات الشخصية المتمردة، على دخول قصر المملكة كخادمة للملكة. لكن خلف الجدران الفاخرة، تجد نفسها عالقة في لعبة خطيرة تتشابك فيها السلطة والأسرار والرغبة والنجاة، خاصة حين يلفت انتباه الملك نفسه. وبين قسوة القصر وخفايا الماضي، تبدأ حياة سيلا في الانقلاب بطريقة لم تتخيلها يومًا..
View Moreيا إلهي... إنها السادسة صباحًا!
انتفضت من فراشي أحدّق في عقرب الساعة بعينين متسعتين، وشعور بارد من الذعر ينساب في أطرافي. لقد تأخرت مجددًا... وهذا يعني مزيدًا من التعب، ومزيدًا من التوبيخ، ويومًا آخر يبدأ بالجحيم. "سيلااا!" مزّق صوت أمي أفكاري كالسوط. أغمضت عيني بقوة وأنا أزفر بضيق. رائع... ها قد بدأ الأمر. بقيّة يومي تحوّلت إلى خراب قبل أن أنهض من فراشي حتى. سمعت وقع خطواتها الثقيلة يقترب من الغرفة، متزامنًا مع صراخها باسمي، ولم أجد مهربًا سوى أن أسحب اللحاف فوق رأسي. آخر ما أود رؤيته هذا الصباح هو وجهها العابس، ونظراتها الحادة التي تجعلني أشعر وكأن الجحيم نفسه يحدّق بي. لم يدم اختبائي طويلًا. اقتربت من فراشي، وسحبت اللحاف بعنف حتى كدت أسقط أرضًا، ثم صاحت وهي تلعن: "تبا لكِ من كسولة! لقد أضعتِ ساعتين كاملتين! الأعمال تراكمت، وصاحب المحل سيجنّ إذا تأخرتِ عليه في إيصال الملابس!" عضضت على شفتي كي لا أجيبها. في الحقيقة، لم أتأخر سوى ساعة واحدة، لا ساعتين، لكن لا فائدة من التوضيح. ذلك الرجل البغيض سيوبخني سواء وصلت باكرًا أم متأخرة، وكأن الأمر هوايته المفضلة. قفزت من الفراش أبحث عن فستاني بارتباك، أرتديه على عجل وأنا أتفادى النظر إلى أمي. كنت أكره رؤيتها في تلك الحالة؛ حين تغضب، تتحول ملامحها إلى شيء قاسٍ، شيء يجعلني أرتجف من الداخل رغم اعتيادي عليه. خرجت من الغرفة مسرعة، والتقطت سلة الملابس التي أنهت أمي خياطتها ليلة أمس، ثم اندفعت نحو الباب متجاوزة الأواني المبعثرة وخيوط النسيج الملقاة هنا وهناك. لكن ما إن تجاوزت عتبة المنزل حتى تباطأت خطواتي شيئًا فشيئًا. الحقيقة أنني لم أكن أركض خوفًا من التأخر... بل هربًا من نظرات أمي فقط. الآن، وقد ابتعدت عن صراخها، عاد الكسل يزحف إلى جسدي من جديد، وعدت أسير على مهل، أجرّ قدمي فوق الطريق الترابي الضيق وكأنني أجرّ حياتي كلها خلفي. منذ خمس سنوات وأنا أسلك هذا الطريق ذاته نحو محل الملابس الجاهزة وسط المدينة. خمس سنوات من الصباحات المتشابهة، من السلال الثقيلة، ومن ذلك الرجل الخشن الذي يشتري من أمي ثيابها الصوفية مقابل قروش تافهة، ثم يتصرف وكأنه يمنّ علينا بالحياة. أعيش في هذه الأحياء البائسة منذ ولادتي، مع أمي وجدتي. أما أبي... فقد مات منذ عامين في شجار مع جنود المملكة، تاركًا خلفه بيتًا أكثر قسوة، وأمًا صارت تنظر إليّ وكأنني السبب في كل ما حدث. في الحقيقة، لم تكن أمي لطيفة معي يومًا. لكن بعد وفاة أبي، صار في صوتها شيء أكثر مرارة، وفي عينيها شيء يشبه العداء. وحدها جدتي كانت النور الوحيد في هذا البيت. امرأة في السبعين، لكن ملامحها لا تزال دافئة على نحو يبعث الطمأنينة. كانت حنونة إلى حد يجعلني أحيانًا أتمنى لو أنها أمي الحقيقية. يقول الجميع إنني نسخة عنها؛ بشرتي البيضاء التي تكسوها حمرة خفيفة، شعري الأسود، عيناي الواسعتان، قامتي القصيرة، وحتى الغمازة الصغيرة التي تظهر حين أبتسم. وربما... ربما كان هذا هو السبب الذي جعل أمي لا تنظر إليّ يومًا بعين الرضا. تنهدت وأنا أشد السلة بين ذراعي. عندما أنظر إلى حياتي، لا أرى فيها شيئًا يستحق الأمل. مجرد أيام متشابهة، ووجوه عابسة، وطريق طويل ينتهي دائمًا عند الرجل نفسه والمحل نفسه والمهانة نفسها. "تبا!" انتفضت على صوت خشن قطع أفكاري، فرفعت رأسي لأجد صاحب المحل واقفًا عند الباب، عابس الوجه كعادته. اقتربت منه على مضض ومددت السلة نحوه. "هذه قطع اليوم." تأملها بازدراء ثم رفع حاجبًا ساخرًا. "هذه فقط؟ يبدو أن الكمية تتناقص... والجودة أيضًا." رفعت ذقني ونظرت إليه ببرود. "هذه قطع اليوم. أعطني المال، ليس لدي وقت أضيعه هنا." ضحك بسخرية وهو يخرج بعض القطع النقدية. "خذي يا صغيرة... يبدو أن لسانك يحتاج إلى قص." انتزعت المال من يده بقرف، واستدرت مغادرة دون أن أكلّف نفسي عناء الرد. لكن صوته أوقفني قبل أن أخطو بعيدًا. "انتظري... هناك طلبية خاصة من القصر." تجمدت قدماي في مكاني. القصر؟انفتح الباب ببطء. "تفضلي." قالها أحد الحارسين وهو يفسح لي الطريق. قبضت على الصينية الفضية بقوة، ثم دخلت بخطوات هادئة. لم يكن هذا أول دخول لي إلى جناح الملك... لكنه كان أول مرة أدخله وأنا أحمل كل تلك الأسئلة. أغلقت الباب خلفي برفق. رفعت بصري قليلًا. كان الملك يقف إلى جوار الطاولة، يتصفح مجموعة من الوثائق بعناية، بينما استقرت إلى جانبه عدة رسائل مختومة بالشمع الملكي. لم يلتفت إليّ فورًا. بدا منشغلًا تمامًا بما بين يديه. تقدمت حتى بلغت الطاولة الصغيرة المخصصة لتقديم الطعام. ثم وضعت صحن الحلوى فوقها بحذر، حتى لا يصدر أي صوت. من المفترض أن أغادر الآن... لكن قدميّ بقيتا ثابتتين مكانهما. كانت عيناي تراقبانه دون قصد. أهو حقًا الرجل نفسه الذي سمعت حديث الملكة عنه قبل قليل؟ ذلك الرجل الذي لا يكاد يزور جناح زوجته... ولا يمنحها حتى فرصة لتنجب الوريث الذي تنتظره المملكة بأسرها؟ لم أعد أعرف. فكل ما أراه أمامي رجل هادئ، غارق في أوراقه، لا يبدو عليه شيء مما سمعته. طوى إحدى الرسائل، ثم رفع رأسه نحوي. "هل وضعتِ الحلوى؟" انتفضت على صوته. "نعم... يا جلالة ا
خرجتُ من غرفة الجواري مع أول خيوط الصباح، بينما كان القصر يستيقظ ببطء من سكون الليل. كان الهواء البارد يتسلل عبر النوافذ الحجرية العالية، فيحمل معه رائحة الحدائق المبتلة بندى الفجر. بدأت أصوات الخدم تتعالى شيئًا فشيئًا، وأخذت الممرات تمتلئ بحركة لا تهدأ؛ بعضهم يحمل سلال الغسيل، وآخرون يجرون عربات الطعام، بينما كانت أوامر المشرفات تتردد في كل زاوية. وضعت يدي فوق صدري دون وعي. كان الدفتر ما يزال مخبأً تحت ثوبي. شعرت بثقله رغم أنه لم يكن كبيرًا. ربما لأن ما يحمله أثقل من وزنه بكثير. توقفت لحظة عند نهاية الممر. أغمضت عيني. "سأعيده." همست لنفسي وكأنني أحاول إقناعها. لم أعد أريد أن أحتفظ بشيء لا يخصني. منذ الأمس وأنا أعيش في خوف لا ينتهي. كلما مر أحد بقربي، ظننت أنه اكتشف أمري. كلما نادتني كايلا، شعرت أن كل شيء انتهى. لا... يجب أن يعود الدفتر إلى مكانه. قبل أن يبتلعني فضولي أكثر. سرت بخطوات ثابتة نحو جناح الملكة. كانت الحركة في ذلك الجناح أقل من بقية القصر، فالملكة عادت متأخرة في الليلة الماضية، لذلك لم يكن يسمح لأحد بالدخول أو إزعاجها إلا بإذن. اقتربت من الباب، وأخذت أتل
خرجتُ من جناح الملكة بخطوات سريعة، لكنني أجبرت نفسي على التمهل ما إن بلغت الممر الرئيسي. لا... لا يجب أن أركض. الخادمة التي تركض دون سبب تلفت الأنظار، وأنا آخر ما أريده الآن أن يلتفت إليّ أحد. خفضت رأسي، واندمجت بين الخدم الذين يملؤون أروقة القصر جيئة وذهابًا، وكأنني جزء من هذه الفوضى التي عمّت المكان. في الخارج، تعالت أصوات الأبواق الملكية. تبعها صوت عجلات العربات وهي تعبر البوابة الضخمة. رفعت رأسي دون وعي. من خلال النوافذ العالية لمحت جزءًا من الموكب الملكي يدخل باحة القصر. خيول مزينة، وحراس مصطفون على الجانبين، وخدم ينحنون في صفوف طويلة. لم أرَ الملكة... لكن حضورها كان كافيًا ليغيّر القصر كله. ازدادت حركة الخدم، وارتفعت الأوامر في كل مكان. "أسرعن!" "انقلوا هذه الصناديق!" "لا تتركوا شيئًا في الممرات!" وسط كل تلك الفوضى... وضعت يدي بخفة فوق صدري. الدفتر... ما زال في مكانه. شعرت بدقات قلبي تتسارع من جديد. لو فتشتني كايلا الآن... لو سقط الدفتر من ثوبي... لا... لا أريد حتى أن أتخيل ما سيحدث. "سيلا!" انتفضت على صوت كايلا. التفتُّ إليه
كان الصباح مختلفًا عن غيره في القصر. ليس لأنه هادئ... بل لأن الهدوء نفسه كان يبدو متوترًا، كأن الجدران تخفي شيئًا لا تريد أن يظهر في وضح النهار. منذ ساعات، بدأ الخدم يتحركون بسرعة أكبر من المعتاد، الهمسات تتنقل بين الممرات، والأبواب تُفتح وتُغلق دون تفسير واضح. "الملكة ستعود اليوم..." جملة واحدة كانت كافية لتغيير إيقاع القصر بالكامل. لم يسأل أحد عن التفاصيل. لكن الجميع كان يتصرف وكأن هناك أمرًا غير معلن يجب الاستعداد له. وقفتُ للحظة في الممر الطويل، أراقب الحركة من بعيد، ثم شددتُ على أطراف ثوبي قبل أن أواصل طريقي. كان عليّ أن أتمم عملي كعادتي. جناح الملكة. ذلك المكان الذي بدا دائمًا هادئًا أكثر مما يجب... وكأنه يخفي ما لا يُقال. دفعتُ الباب ثم دخلتُ جناح الملكة ببطء، وكأنني أخشى أن يفضحني صوت خطواتي. كان المكان كما تركته آخر مرة، مرتبًا بشكل مبالغ فيه، هادئًا لدرجة غير طبيعية. لكن هذه المرة... لم يكن الهدوء مطمئنًا. أغلقت الباب خلفي، ثم وقفت للحظة أستمع. لا شيء. فقط صمت ثقيل يملأ الغرفة. تنفست ببطء وبدأت عملي، لكن ليس كالمعتاد. هذه المرة لم أكن أنظف فقط... كنت أبح
reviews