LOGINحلّ الليل، وساد الصمت أرجاء القرية، إلا من صوت الرياح التي كانت تعصف بين الأشجار العتيقة. نظرت إلى ياسر وقلت بحزم:
"ستبقى هنا." اعترض فورًا: "مستحيل يا أبي. لقد حاولوا قتلك أكثر من مرة، ولن أتركك تذهب وحدك." ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت: "لهذا السبب تحديدًا يجب أن تبقى. إذا كان الأمر فخًا، فلا أريد أن نقع فيه معًا." بعد نقاش طويل، وافق على مضض، لكنني كنت أعلم أنه لن يلتزم بكلامي. حملت مصباحًا صغيرًا، وأخفيت مسدسي القديم الذي احتفظت به منذ سنوات عملي في الشرطة بعد حصولي على ترخيص قانوني، ثم انطلقت نحو المقبرة القديمة. كانت تقع فوق تلة مرتفعة، بعيدة عن البيوت، يحيط بها سور حجري متهالك، وتنتشر بين قبورها أشجار السرو العالية. وصلت قبل الموعد بعشر دقائق. مرّت الدقائق ببطء، حتى سمعت وقع خطوات خلفي. استدرت بسرعة، موجهًا ضوء المصباح نحو القادم. كان رجلًا مسنًا، تجاوز السبعين من عمره، يرتدي عباءة داكنة، ويستند إلى عصا خشبية. قال بصوت هادئ: "أطفئ المصباح... فهناك من يراقبنا." نفذت طلبه، ثم اقتربت منه بحذر. سألته: "أنت من أرسل الرسالة؟" أجاب: "نعم... لأن الوقت حان لتعرف الحقيقة." جلس على صخرة قديمة، ثم أشار إليّ أن أجلس بجواره. قال بعد لحظة صمت: "كنت واحدًا من الرجال الخمسة الذين اكتشفوا السرداب مع والدك." شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. أكمل الرجل: "كان والدك أشرفنا جميعًا، لكنه لم يكن يعلم أن أحدنا كان يعمل سرًا مع عصابة متخصصة في تهريب الآثار." سألته بسرعة: "من هو؟" نظر حوله بحذر، ثم قال: "لم أكن أعرف اسمه الحقيقي... كنا نناديه بـ(الحاج)." تجمدت في مكاني. لم يسبق أن سمعت هذا الاسم من قبل. تابع الرجل حديثه: "بعد اكتشاف السرداب، أراد والدك إبلاغ السلطات، لكن الحاج رفض، لأنه كان يربح ثروة من بيع القطع الأثرية في السوق السوداء." سألته: "وهل قتل والدي بسبب ذلك؟" أطرق رأسه بحزن. ثم قال: "نعم... لكنه لم يمت في الحادث كما قيل للناس." شعرت أن الأرض تميد بي. كل ما عرفته طوال حياتي كان كذبة. وقبل أن أطرح سؤالًا آخر، دوى صوت طلقة نارية. سقط الرجل المسن على الأرض وهو يمسك كتفه، بينما ارتد صدى الرصاصة بين القبور. ارتميت خلف شاهد قبر، وسحبت مسدسي. سمعت صوت محرك سيارة يقترب، ثم توقفت سيارة سوداء عند مدخل المقبرة. ترجل منها رجلان ملثمان. أحدهما صاح: "اقتلوا الشيخ... ولا تدعوا سالم يهرب!" أطلقت رصاصة باتجاههما لإجبارهما على الاحتماء، ثم زحفت نحو الشيخ. كان ينزف بشدة. قال بصوت متقطع: "خذ... هذا..." وأخرج من جيبه قلادة فضية قديمة، تتدلى منها قطعة معدنية صغيرة على شكل مفتاح. ناولني إياها وهو يهمس: "ستعرف... مكانه... عندما ترى... الشجرة..." ثم أغمض عينيه وفقد وعيه. في تلك اللحظة، انطلقت سيارة أخرى بسرعة نحو المقبرة. ظننت أنها تابعة للمهاجمين، لكن المفاجأة كانت أن ياسر قفز منها وهو يصرخ: "أبي... انخفض!" اندفع بسيارته مباشرة نحو المسلحين، مما أجبرهما على الابتعاد والاحتماء، واستغللت الفوضى لسحب الشيخ إلى مكان آمن. لكن الرجلين تمكنا من الفرار قبل أن نتمكن من الإمساك بهما. حملنا الشيخ إلى المستشفى، وبعد أن انتهى الأطباء من إسعافه، خرج الطبيب ليخبرنا: "لقد نجا بأعجوبة... لكن الرصاصة كانت قريبة جدًا من القلب." تنفست الصعداء. وبينما كنت أجلس في ممر المستشفى، أتأمل القلادة الفضية، لاحظت نقشًا صغيرًا لم أنتبه إليه من قبل. كان عبارة عن شجرة كبيرة، وأسفلها رقم: 17 وفي اللحظة نفسها، تذكرت شيئًا من طفولتي... شجرة بلوط ضخمة كانت تقف وحدها في طرف الوادي، وكان والدي يمنع أي أحد من الاقتراب منها، ويقول دائمًا: "سيأتي يوم تعرف فيه لماذا يجب أن تبقى هذه الشجرة واقفة." عندها أدركت أن السر التالي... لم يعد في السرداب. بل مدفون تحت الشجرة رقم 17.وقفت أحدق في سحابة الغبار التي خلفتها سيارة نادر السيوفي، بينما كانت صفارات الشرطة تقترب من المستودع.قال ياسر وهو يلهث:"لقد هرب مرة أخرى."أجبته وأنا أحمل الحاسوب المحمول:"لا يهم... هذه المرة ترك خلفه ما هو أخطر من وجوده."وصل رجال الشرطة بعد دقائق، وطلب الضابط المسؤول معرفة ما حدث.قدمت له رواية مختصرة، متجنبًا الحديث عن الحاسوب والملفات. لم أعد أميز بين من يمكن الوثوق به ومن يعمل لصالح نادر.عدنا إلى المنزل قبل غروب الشمس.أغلقنا الأبواب والنوافذ، ثم وضع ياسر الحاسوب على الطاولة.قال وهو يبتسم:"أتمنى ألا يكون محميًا بكلمة مرور."ضغط زر التشغيل.ظهرت الشاشة...ثم ظهرت نافذة تطلب كلمة السر.حاول ياسر عدة كلمات، لكن جميع المحاولات فشلت.جلست أفكر في كل ما مررنا به خلال الأيام الماضية.ثم تذكرت عبارة كانت مكتوبة في رسالة والدي:"الشجرة 17."قلت لياسر:"جرّب الرقم سبعة عشر."كتب الرقم.فشلت المحاولة.ثم كتبت بنفسي:Tree17فُتح الحاسوب مباشرة.نظر إليّ ياسر بدهشة.قلت مبتسمًا:"المجرمون يتركون أخطاءهم دائمًا... ولو كانت صغيرة."بدأنا نستعرض الملفات.كانت هناك صور لعشرات القطع الأثرية،
وقفت للحظات أحدق في وجه عبد الرحمن، وقد فارق الحياة وهو يحمل في صدره أسرارًا كثيرة لم يمهله القدر ليكشفها كاملة.أغمضت عينيه بيدي، ثم وقفت بصمت.قال ياسر بصوت يملؤه الحزن:"رحل قبل أن يخبرنا بكل شيء."أجبته وأنا أضم مفتاح السيارة في قبضتي:"لكنه ترك لنا خيطًا جديدًا... ويجب ألا نضيعه."بعد وصول الشرطة، أدليت بإفادة مختصرة، وتعمدت إخفاء أمر المفتاح والملف الجلدي. لم أكن أشك في نزاهة الجميع، لكنني لم أعد أستطيع الوثوق بأي شخص قبل أن تنكشف الحقيقة كاملة.وفي صباح اليوم التالي، انطلقت أنا وياسر إلى المستودع القديم الذي ذكره عبد الرحمن.كان يقع في منطقة نائية، تحيط به الأشجار من كل جانب، ويبدو مهجورًا منذ سنوات.اقتربنا بحذر.كان الباب الحديدي الضخم موصدًا بسلسلة غليظة.أخرجت المفتاح الذي سلمني إياه عبد الرحمن، فإذا به يفتح القفل بسهولة.تبادلنا النظرات.ثم دفعنا الباب.أصدر صريرًا حادًا، وانفتح ببطء.دخلنا إلى الداخل.كان المستودع واسعًا، تغطي الغبار معظم محتوياته، وتنتشر فيه سيارات قديمة وآلات زراعية مهترئة.لكن في الزاوية البعيدة، كانت تقف سيارة رباعية الدفع سوداء، مغطاة بغطاء رمادي.قا
عدنا إلى المنزل قبل غروب الشمس، وأخفيت الملف الجلدي والرسالة في مكان لا يمكن لأحد الوصول إليه. كنت أعلم أن ما أصبح بحوزتنا كافٍ لإسقاط شبكة كاملة، لكنني كنت أفتقد العنصر الأهم... الشاهد الذي يعرف الحقيقة من بدايتها.ذلك الشاهد كان عبد الرحمن.جلس ياسر أمامي وقال:"إذا كان عبد الرحمن قد هرب منهم، فلماذا لا يسلم نفسه للشرطة؟"أجبته بعد لحظة من التفكير:"لأنه يعلم أن الشبكة تمتد إلى أشخاص نافذين. ربما لم يعد يثق بأحد، أو ربما يخشى أن يُقتل قبل أن يدلي بشهادته."وفي تلك اللحظة، رن هاتفي.كان رقمًا مجهولًا.ترددت في الرد، ثم ضغطت زر الإجابة.جاءني صوت خافت ومضطرب:"سالم... لا وقت لدي."عرفت الصوت فورًا."عبد الرحمن!"قال وهو يلهث:"إنهم يطاردونني منذ يومين. أخطأت عندما تعاونت معهم، لكنني لم أشارك في قتل والدك، أقسم بذلك."قلت بحزم:"أين أنت؟"ساد صمت قصير، ثم قال:"الليلة... بعد صلاة العشاء... عند المطحنة القديمة."وقبل أن أسأله أي سؤال آخر، انقطع الاتصال.نظر إليّ ياسر وقال:"سنذهب معًا."أومأت برأسي، لكنني كنت أشعر أن الأمر لن يكون بهذه السهولة.مع حلول الليل، توجهنا إلى المطحنة القديمة.
لم يغمض لي جفن طوال تلك الليلة.كنت أقلب القلادة الفضية بين يدي، وأتأمل النقش الصغير الذي يحمل صورة شجرة ورقم 17. كلما أعدت النظر إليها، ازدادت قناعتي بأن والدي ترك هذا الأثر عمدًا، وكأنه كان يعلم أنني سأعود يومًا لأكمل ما بدأه.في صباح اليوم التالي، أخبرت ياسر بما تذكرته من طفولتي.قلت له:"هناك شجرة بلوط ضخمة تقع في آخر الوادي، كان والدي يمنعني من الاقتراب منها كلما رافقته إلى هناك. كنت أظن أنه يخشى عليّ من السقوط، لكنني الآن أدرك أن الأمر كان أكبر من ذلك."أخرج ياسر الخريطة التي وجدناها في السرداب، وبعد دقائق من التدقيق، ابتسم وقال:"انظر يا أبي... هنا علامة صغيرة تشبه الشجرة تمامًا، لكنها بعيدة عن بقية الرموز، وكأن من رسم الخريطة أراد إخفاءها."انطلقنا بعد الظهيرة نحو الوادي، واخترنا طريقًا جانبيًا حتى لا يلاحظنا أحد.كان المكان موحشًا، تغطيه الأعشاب اليابسة، وتحيط به الصخور من كل جانب. وبعد مسير دام أكثر من ساعة، ظهرت أمامنا شجرة بلوط عملاقة، بدت أقدم من كل ما حولها.تقدمت نحو جذعها، وما إن لمست لحاءها حتى لاحظت وجود نقش قديم بالكاد يظهر.كان الرقم...17.نظر إليّ ياسر وقال بحماس
حلّ الليل، وساد الصمت أرجاء القرية، إلا من صوت الرياح التي كانت تعصف بين الأشجار العتيقة. نظرت إلى ياسر وقلت بحزم:"ستبقى هنا."اعترض فورًا:"مستحيل يا أبي. لقد حاولوا قتلك أكثر من مرة، ولن أتركك تذهب وحدك."ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت:"لهذا السبب تحديدًا يجب أن تبقى. إذا كان الأمر فخًا، فلا أريد أن نقع فيه معًا."بعد نقاش طويل، وافق على مضض، لكنني كنت أعلم أنه لن يلتزم بكلامي.حملت مصباحًا صغيرًا، وأخفيت مسدسي القديم الذي احتفظت به منذ سنوات عملي في الشرطة بعد حصولي على ترخيص قانوني، ثم انطلقت نحو المقبرة القديمة.كانت تقع فوق تلة مرتفعة، بعيدة عن البيوت، يحيط بها سور حجري متهالك، وتنتشر بين قبورها أشجار السرو العالية.وصلت قبل الموعد بعشر دقائق.مرّت الدقائق ببطء، حتى سمعت وقع خطوات خلفي.استدرت بسرعة، موجهًا ضوء المصباح نحو القادم.كان رجلًا مسنًا، تجاوز السبعين من عمره، يرتدي عباءة داكنة، ويستند إلى عصا خشبية.قال بصوت هادئ:"أطفئ المصباح... فهناك من يراقبنا."نفذت طلبه، ثم اقتربت منه بحذر.سألته:"أنت من أرسل الرسالة؟"أجاب:"نعم... لأن الوقت حان لتعرف الحقيقة."جلس على صخرة قديمة
ارتفعت سحابة الغبار حتى كادت تخنق أنفاسنا، بينما أخذت الحجارة تتساقط من سقف السرداب.أمسكت بذراع ياسر وصرخت:"ابتعد عن المدخل... قد ينهار بالكامل!"تراجعنا إلى الغرفة الحجرية، ولم تمضِ لحظات حتى سقطت آخر الصخور، فأغلقت الممر الوحيد الذي دخلنا منه.نظر إليّ ياسر بقلق وقال:"لقد انتهى الأمر... نحن محاصرون."وضعت يدي على كتفه وقلت بثبات:"لا يا بني. طوال سنوات عملي تعلمت أن من يخطط لمخبأ سري، لا يكتفي بمخرج واحد."أخذنا نفتش الغرفة بدقة.كانت تضم الطاولة الحجرية، والحقيبة الجلدية، وعدة صناديق قديمة، إضافة إلى رفوف مليئة بالأوراق التي أتلفتها الرطوبة.وبينما كنت أقلب الملفات، وجدت خريطة مرسومة يدويًا للسرداب.لم تكن واضحة بالكامل، لكن في أحد أركانها كُتب بخط أحمر:"مخرج الطوارئ... خلف البئر القديمة."قلت لياسر:"إذن هناك طريق آخر."أكملنا تفتيش الغرفة حتى لاحظ ياسر حجرًا بارزًا عن بقية الجدار.ضغط عليه بحذر.في البداية لم يحدث شيء.ثم سُمع صوت احتكاك ميكانيكي خافت، وبدأ جزء من الجدار يتحرك ببطء، كاشفًا عن نفق ضيق لا يتجاوز عرضه مترًا واحدًا.دخلناه بحذر، وكانت رائحة الهواء فيه أقل رطوبة،







