Share

....

last update publish date: 2026-10-11 00:20:41

​لم تكن مرّت سوى أسبوع واحد على ليلة زيارة السيد جهاد المنشاوي التاريخية، حتى انقلبت موازين الأمور رأساً على عقب في مستشفى "المتطورة". التوجيهات الرئاسية وصلت بشكل رسمي وفوري؛ تدفق الملايين لتطوير البنية التحتية، شراء أحدث الأجهزة والمعدات الطبية الحديثة، وتجهيز غرف العمليات بأفضل المعايير العالمية.

​لكن التغيير الأهم لم يكن في الحجارة والأجهزة، بل في نفوس العاملين. أصبح اسم "الدكتور لينغ" و"الدكتورة مريم" يتردد في كل زاوية باحترام وإجلال بالغين. أما الدكتور رؤوف، فقد تم تحويله إلى مهام إدارية بحتة بعيداً عن غرف الطوارئ والعلاج، بعد أن تبيّن لجان التحقيق مدى تقصيره وإهماله المستمر.

​في صباح يوم مشمس وهادئ، كانت مريم تقف في أروقة القسم الجديد الذي تم تجديده بالكامل، تنظر بابتسامة فخورة إلى اليافطة الكبيرة التي علقت على باب وحدة الطب الميداني الدقيق. سمعت خطوات مألوفة تقترب منها ببطء وثبات.

​التفتت لتجد لينغ يقف هناك، مرتدياً معطفه الأبيض الجديد الفاخر، الذي زاد من هيبته وغموضه الجذاب، بينما كانت عيناه السوداوان تبتسمان بدفء خفي.

​قالت مريم بابتسامة عريضة ونبرة مشاكسة:

​"من يراك اليوم يا دكتور لينغ لا تصدق أبداً أنك كنت قبل أيام قليلة تقف بصمت في الزاوية وترتدي ملابس بسيطة تتهرب من الأضواء!"

​ابتسم لينغ خفيفًا، ووقف بجانبها ناظراً إلى الممر المزدحم بالمرضى الذين أصبح بإمكانهم العلاج مجانًا وبأعلى كفاءة، وقال بصوت هادئ ومميز:

​"الأضواء وحدها لا تصنع شفاء يا مريم... ما أضاء هذا المكان حقاً ليس المعطف الأبيض، بل النقاء والإخلاص الذي رأيته في عينيكِ منذ اليوم الأول."

​خفق قلب مريم بقوة عند سماع كلماته الصادقة، وتوردت وجنتاها بخجل جميل لم تستطع إخفاءه. ساد بينهما صمت دافئ يعبر عن كل معاني التقارب والتفاهم العميق الذي نشأ بينهما وسط أتون العمل الإنساني والمعارك الطبية.

​لكن هذا الهدوء الجميل لم يستمر طويلاً؛ ففي نهاية الممر، ظهر وجه غريب ومريب لم يكن من أطقم المستشفى ولا من أهالي الحي. كان شخصًا يرتدي بدلة غالية، يراقب لينغ ومريم من بعيد بنظرات حادة ومليئة بالشر، ويجري مكالمة هاتفية سرية بصوت هامس:

​"نعم... لقد وجدته. إنه يتخفى في هذا المستشفى الشعبي بالمحافظة، ويبدو أنه أسس قاعدة قوية هنا... ماذا نأمر يا سيادة المعلم؟"​كان الغريب يستند إلى العمود الرخامي قرب مدخل الاستقبال، يثبّت عينيه كالصقر على لينغ ومريم وهما يتحدثان بدفء. كان يحمل في يده هاتفًا ذكيًا من أحدث طراز، وفي أذنه سماعة لاسلكية خفية، يرسل من خلالها بثًا مباشرًا وصورًا عالية الدقة عبر الشفرات المشفرة إلى الجانب الآخر من العالم... إلى شنغهاي.

​جاءه الصوت عبر السماعة حادًا، ممتلئًا بالسلطة والتعالي، صوتًا يعرفه لينغ جديًا لو سمعه: إنه الصوت الآمر لـ "وي تشانغ"، المساعد الأول لعميد عائلة "تشين" والخصم اللدود لـ لينغ في صراعات الطب والمال.

​قال الصوت عبر السماعة بصرامة:

​"هل أنت متأكد من أنه هو؟ هل تأكدت من أسلوب استخدامه للإبر الذهبية في عملية رئيس الأمناء؟"

​أجاب الجاسوس بصوت خفيض ونبرة يسودها الحذر:

​"لا يوجد أدنى شك يا سيدي. لقد اطلعنا على التقارير السرية وشهادات الطاقم الطبي. التقنية التي استخدمها لا يتقنها في العالم كله سوى الشاب لينغ... إنه يدمج تدفق الطاقة مع الجراحة الحديثة بطريقة معجزة، وقد نجح في تأسيس نفوذ قوي هنا بفضل دعم مستثمر صحي كبير."

​ساد صمت ثقيل عبر الخط من جهة شنغهاي، يتخلله صوت أنفاس غاضبة، قبل أن يرد "وي تشانغ" بنبرة خبيثة تحمل الوعيد:

​"هذا الفتى يشكل خطرًا داهمًا على شركتنا وعلى نفوذ العائلة إن عاد ليتصدر المشهد الإعلامي أو الطبي... لن نردعه بالتهديدات العادية؛ يجب أن نضرب نقطة ضعفه. ادرس جميع المقربين منه في ذلك المستشفى البائس، وخصوصًا تلك الطبيبة التي تقف بجانبه."

​أغلق الجاسوس الهاتف، وبسمة باردة تطوف على شفتيه، بينما كانت مريم ولينغ يقفان في الطرف الآخر من الممر.

​في تلك اللحظة، شعر لينغ برغبة مفاجئة في الالتفات؛ وكأن حساسية طبيب الطب التقليدي والوعي الداخلي بالخطر قد نبهت حواسه الحادة. التفت ببطء نحو المخرج، لكن الجاسوس كان قد اندمج ببراعة وسط الزحام واختفى كالسراب.

​قالت مريم بفضول وهي تلاحظ تشتت ذهنه المفاجئ:

​"لينغ؟ هل هناك خطأ ما؟ تبدو مشدودًا فجأة."

​التفت إليها لينغ، ومسح علامات القلق من وجهه سريعًا، مبتسمًا برقة كي لا يفزعها، وقال بنبرة دافئة:

​"لا شيء يا مريم... مجرد شعور عابر بالمسؤولية تجاه هذا المكان. ما رأيكِ أن نمر على غرفة العناية المتقدمة لنتأكد من جاهزية أجهزة الشفط الجديدة؟"

​ابتسمت مريم ووافقت فورًا، ومشت بجانبه بخطوات ملؤها الأمل والثقة، دون أن تدري أن الغيوم السوداء بدأت تتجمع بالفعل فوق سماء حبهما الناشئ.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الطبيب المعجزة المتخفي   .....

    ​كانت السيارة السوداء الفاخرة تشق طريقها بسرعة وسط الشوارع الجانبية المظلمة والمقفرة للحي الصناعي القديم، بعيدًا عن أضواء المدينة وصخبها. وفي داخلها، كانت مريم مستلقية في المقعد الخلفي، غائبة عن الوعي بالكامل بفعل المخدر القوي الذي زرعه الجاسوس في جسدها.​أما في المقدمة، فكان الجاسوس يقود السيارة بيد واحدة، بينما يمسك بهاتفه ليجري مكالمة مشفرة مع وي تشانغ في شنغهاي، متحدثًا بصوت يملؤه الغرور:​"سيدي، لقد تم إنجاز المهمة بنجاح تام. الطبيبة أصبحت بحوزتنا الآن، وهي الورقة الرابحة التي ستجبر لينغ على الاستسلام والركوع دون أن نضطر لخوض معركة مباشرة."​جاءه صوت وي تشانغ البارد والساخر عبر السماعة:​"ممتاز. أحضرها فورًا إلى المستودع المهجور في المنطقة الصناعية السابعة، وسأرتب طائرة خاصة لنقلها وإياه إلى الصين في أقرب وقت. إياك أن ترتكب أي حماقة وتسمح له بتعقبكم."​"لا تقلق يا سيدي، لقد قطعت كل مسارات... أوه!"​لم يكمل الجاسوس جملته؛ ففي تلك اللحظة بالذات، وبدون أي إنذار مسبق، اهتزت السيارة بعنف شديد وكأنها اصطدمت بجدار إسعافي ضخم، وتوقف محركها فجأة وسط صرير إطارات مزعج على الإسفلت المظلم!​ف

  • الطبيب المعجزة المتخفي   .....

    ​مرت الأيام التالية في مستشفى "المتطورة" بوتيرة متسارعة مليئة بالإنجازات. بفضل دعم السيد جهاد المنشاوي وإشراف لينغ ومريم المشترك، تحولت الوحدة الصحية البسيطة إلى مركز طب ميداني متطور يخدم مئات المرضى يوميًا مجانًا. ورغم كل ضغوط العمل الشاق، كانت الساعات التي يقضيها لينغ ومريم معًا في مراجعة الحالات وتجهيز المناهج الطبية هي أجمل لحظات يومهما.​لكن في أعماق الليل، كان الجاسوس الذي أرسلته عائلة "تشين" يدرس كل تفصيلة صغيرة عن حياة لينغ في ذلك الحي الشعبي الهادئ. لقد أدرك أن مواجهة لينغ وجهًا لوجه أو اختراق الحراسات المشددة للمستشفى باتت أمرًا مستحيلًا، فقرر اللجوء إلى الخطة البديلة: ضربه في أثمن ما يملك... مريم.​كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، وكان الهدوء قد خيم على أرجاء المستشفى بعد يوم شاق. كانت مريم جالسة بمفردها في مكتبها الفسيح، تراجع بعض التقارير والملفات الطبية الجديدة وتدون الملاحظات، بينما كان ضوء المصباح الخافت ينعكس على وجهها المجهد الجميل.​أما لينغ، فقد كان في الغرفة الطبية المجاورة يفحص أحدث الأجهزة المستوردة للتأكد من جاهزيتها التامة لصباح اليوم التالي.​فجأة، انقطع ال

  • الطبيب المعجزة المتخفي   ....

    ​لم تكن مرّت سوى أسبوع واحد على ليلة زيارة السيد جهاد المنشاوي التاريخية، حتى انقلبت موازين الأمور رأساً على عقب في مستشفى "المتطورة". التوجيهات الرئاسية وصلت بشكل رسمي وفوري؛ تدفق الملايين لتطوير البنية التحتية، شراء أحدث الأجهزة والمعدات الطبية الحديثة، وتجهيز غرف العمليات بأفضل المعايير العالمية.​لكن التغيير الأهم لم يكن في الحجارة والأجهزة، بل في نفوس العاملين. أصبح اسم "الدكتور لينغ" و"الدكتورة مريم" يتردد في كل زاوية باحترام وإجلال بالغين. أما الدكتور رؤوف، فقد تم تحويله إلى مهام إدارية بحتة بعيداً عن غرف الطوارئ والعلاج، بعد أن تبيّن لجان التحقيق مدى تقصيره وإهماله المستمر.​في صباح يوم مشمس وهادئ، كانت مريم تقف في أروقة القسم الجديد الذي تم تجديده بالكامل، تنظر بابتسامة فخورة إلى اليافطة الكبيرة التي علقت على باب وحدة الطب الميداني الدقيق. سمعت خطوات مألوفة تقترب منها ببطء وثبات.​التفتت لتجد لينغ يقف هناك، مرتدياً معطفه الأبيض الجديد الفاخر، الذي زاد من هيبته وغموضه الجذاب، بينما كانت عيناه السوداوان تبتسمان بدفء خفي.​قالت مريم بابتسامة عريضة ونبرة مشاكسة:​"من يراك اليوم ي

  • الطبيب المعجزة المتخفي   ...

    ساد في غرفة الطوارئ صمت رهيب ومفرغ من الهواء، كأن الزمن توقف فجأة عن الدوران. كان الجمع يراقبون بجسد متصلب تلك الإبر الذهبية الثلاث التي انغرست في جسد السيد جهاد المنشاوي، رئيس مجلس أمناء الصحة، بينما كان ينعكس ضوء الفلورسنت الخافت على سيقانها المعدنية الدقيقة.​أغلق لينغ عينيه لثانية واحدة، وأمسك بطرف الإبرة الرئيسية الغارسة قرب الترقوة بأطراف أصابعه. أدارها بحركة ميكروئية لا تكاد تُرى بالعين المجردة، مستخدماً تقنية "الاهتزاز الصدري الموجه" لإعادة تنظيم التدفق الكهربائي الخافق في الشرايين التاجية للمريض.​وفجأة...​شهق السيد جهاد شهقة حادة وعميقة هزت القفص الصدري بأكمله! فتح عينيه الغائبتين بتشوش، واستعاد القدرة على سحب الهواء بكثافة داخل رئتيه. وفي الوقت نفسه، تحول الصوت المتصلب المزعج على شاشة المراقبة من خطر الصفر إلى دقات متوازنة ورزينة: (بييب... بييب... بييب...)، ومعها ارتفعت نسبة الأكسجين في الدم من مستوى الانهيار القاتل إلى النسبة الآمنة وسط ذهول صعق كل من في الغرفة.​تراجع المساعد الأنيق خطوات إلى الخلف، وسقطت حقيبته الجلدية من يده، متمتماً بصدمة:​"هذا... هذا غير معقول! لقد

  • الطبيب المعجزة المتخفي   ....

    ​بعد انتهاء تلك المواجهة المشحونة مع الدكتور رؤوف، شعرت مريم برغبة عارمة في الابتعاد عن صخب قسم الطوارئ ورائحة المعقمات المزعجة لفترة قصيرة. سحبت نفساً عميقاً والتفتت لتجد لينغ يقف على مقربة منها، وكأنه كان يقرأ أفكارها.​أشار لها برأسه بهدوء نحو الممر الخلفي المؤدي إلى شرفة صغيرة مهملة خلف المستشفى، حيث لا يرتادها أحد إلا نادراً. تبعته مريم بخطوات مترددة، وهناك... كان الهواء نقيًا وخارج دائرة الضغط المستمر.​استند لينغ بيديه على سور الشرفة الحجري، ناظراً إلى أضواء الحي البعيدة التي تتلألأ في عتمة الليل، وقال بصوت خافت تكسوه نبرة حنين غامضة:​"في موطني القديم... كانت الشرفات عالية جدًا، تطل على ناطحات سحاب لا تنام في شنغهاي. لكن الهواء هناك... كان ثقيلاً، مشبعاً برائحة المنافسة، الطمع، والصراع على النفوذ بين عائلات الطب الكبرى."​التفتت مريم إليه، ووقفت إلى جانبه على مسافة قريبة، عيناها معلقتان بملامحه الهادئة التي يحار فيها الفهم، وقالت بصوت دافئ:​"لماذا اخترت هذا المكان إذن؟ مدينة صغيرة، مستشفى متواضع، وظروف صعبة تكاد تقتل طموح أي طبيب عادي؟"​ابتسم لينغ ابتسامة خفيفة، والتفت ليقاب

  • الطبيب المعجزة المتخفي   ....

    ​دخلت غرفة العمليات الصغيرة في مستشفى "المتطورة" وكأنها حلبة صراع مع الموت. لم تكن الغرفة مجهزة بأحدث التقنيات الطبية الموجودة في مستشفيات شنغهاي الفارهة التي اعتاد عليها لينغ، ولم تكن تحتوي على أجهزة المراقبة المتطورة التي تريح أعصاب الجراحين. كانت مجرد جدران متهالكة، وإضاءة صفراء باهتة، وأدوات جراحية تقليدية تكاد تكون مهترئة.​لكن بالنسبة لـ "سيد الإبر الذهبية"، لم تكن الأجهزة هي ما يصنع المعجزة، بل المهارة المطلقة والتحكم الكامل في الجسد والطاقة.​وقفت مريم بجانبه ترتدي قفازاتها المعقمة، وكانت يدها ترتجف قليلاً من رهبة الموقف، ليس خوفًا على نفسها، بل خوفًا على الشاب الراقد أمامها والذي يعتمد مصيره الآن على رجل غامض ظهر فجأة في حياتها. نظر إليها لينغ بنظرة هادئة ومطمئنة، وقال بصوت خافت وسط أزيز الأجهزة:​"خذي عميقًا يا مريم. أنامله الآن تحت إمرتكِ، ونحن نعمل كفريق واحد."​تنفست مريم بعمق، وشعرت أن صوت هدوئه وثقته تسرب إلى عروقها فبدد رجفتها. هزت رأسها بثبات وقالت:​"أنا جاهزة، أين نبدأ؟"​"الإبر التي غرستها حول قفصه الصدري ستمنحنا بالضبط خمس عشرة دقيقة لا تتسع للخطأ، لقد جمدت النزيف

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status