Mag-log in
وووووووووو
مزّقت صفارات الإنذار سكون قرية فيرينوفا حتى بدا الشتاء نفسه يرتجف. تجمّدت إيلينا آل دوبو في مكانها. كانت تحمل قطعة خبز صغيرة قسّمتها للتو بين عائلتها، فسقطت من أصابعها المرتخية على الأرض. رفع ميخائيل رأسه مذعوراً: — «إيلي… ماذا يحدث؟» لم تجب. قلبها كان يخفق بعنف بينما اهتزت النافذة مع الصفارة الثانية والثالثة. في الخارج صرخ رجل يركض بين البيوت: — «الطائرات الألمانية! إلى الملجأ… بسرعة!» أسرعت إيلينا إلى والدتها ماريا التي انحنت تكتم سُعالاً مؤلماً. لفّت حولها معطفاً صوفياً قديماً، ثم انحنت أمام أخيها وأغلقت أزرار سترته. وضعت كفّيها على وجنتيه: — «لا تترك يدي مهما حدث. مفهوم؟» أومأ الصغير بسرعة. نهضت الجدة كاتارينا مستندة إلى عصاها، ونظراتها ثابتة رغم السنين: — «افتحي الباب.» اندفعت الريح الجليدية إلى الداخل مع رائحة الدخان وصوت الفوضى. نساء يركضن بأطفالهن، رجال يصرخون بأسماء عائلاتهم، خيول مذعورة، وكلاب تنبح بجنون. أمسكت إيلينا بيد ميخائيل وأسندت والدتها: — «ابقوا قريبين مني.» شقّ هدير ثقيل السماء. ظهرت طائرات سوداء تقترب بسرعة. صرخ أحدهم: — «اركضوا!» دوّى الانفجار الأول. اهتزت الأرض، تناثر الثلج، تحطّم الزجاج، وتصاعد الدخان. تعثّر ميخائيل فجذبته إيلينا: — «لا تنظر خلفك!» لكنه التفت ورأى منزلاً تلتهمه النيران وامرأة تصرخ وسط الدخان. وصلوا إلى الملجأ الحجري وسط التدافع. دفعت إيلينا والدتها أولاً ثم ساعدت الجدة على النزول. الهواء داخل الملجأ خانق تختلط فيه الرطوبة بالدخان والخوف. اشتد سُعال ماريا حتى انحنت. ربّتت إيلينا على ظهرها. همست الأم: — «أنا بخير… اهتمي بميخائيل.» كانت حرارتها مرتفعة منذ أيام، والأدوية اختفت من القرية. جلس ميخائيل صامتاً يحدّق في الأرض. جثت إيلينا أمامه وابتسمت محاولةً الطمأنة: — «انظر إليّ. لن أسمح لأي شيء أن يحدث لك.» سأل بصوتٍ بالكاد يُسمع: — «هل سنموت؟» هزت رأسها بحزم: — «لا.» ثم همس: — «هل كان أبي يخاف أيضاً؟» تسلّلت الجدة وجلست إلى جواره، ووضعت يدها على كتفه: — «كل إنسان يخاف يا صغيري. ذهب إلى الحرب لأنه اعتقد أن حماية عائلته تستحق أن يواجه خوفه.» سأل: — «وهل نجح؟» ابتسمت رغم الدموع: — «نحن ما زلنا معاً… أليس كذلك؟» اهتز الملجأ فجأة بانفجار هائل. تساقط الغبار وصرخت الأطفال. أمسكت إيلينا بأخيها وضمّت والدتها. انتظروا في صمتٍ خانق: إما أن ينتهي القصف أو ينهار السقف. ثم ساد الصمت. تقدّم أحد الرجال وفتح الباب بحذر. رفع رأسه نحو السماء وقال بصوتٍ متعب: — «لقد رحلوا…» خرج القرويون مترددين. توقفت إيلينا عند أول خطوة خارج الملجأ. الدخان يتصاعد من منازل كثيرة، سقف المخبز منهار، الحظيرة القريبة من النهر محترقة بالكامل، وحصان نافق يرقد فوق الثلج بجانب عربة مقلوبة. شدّت على يد ميخائيل: — «لا تنظر.» أطاعها هذه المرة. ساروا نحو المنزل. كل خطوة تكشف دماراً جديداً: نافذة محطمة، سور ساقط، شجرة تفاحٍ اقتلعت من جذورها. وصلوا أخيراً. الباب نصف مخلوع والنافذة محطمة، لكن الجدران صمدت. همست إيلينا: — «ما زال قائماً…» أشعلت المصباح الزيتي وساعدت والدتها على الجلوس قرب المدفأة. أضافت حطباً. غلب النوم ميخائيل تحت البطانية. ربّتت الجدة على شعره ثم نظرت إلى إيلينا: — «اذهبي لترتاحي.» — «لا أستطيع.» — «أعرف.» جلست إيلينا أمام ماكينة الخياطة. مرّرت أصابعها على المعطف الصوفي الذي لم تكمله، كان مخصصاً للعم ياكوب مقابل كيس دقيق ورغيفين. قبل سنوات كانت تحلم بمتجر خياطة صغير. الآن أصبح الخبز نفسه انتصاراً. اتجهت إلى النافذة المكسورة. الغابة تغرق في ظلام كثيف والعالم ساكن أكثر مما ينبغي. أغمضت عينيها. ثم سمعته. أنيناً خافتاً. ظنّته خيالاً في البداية، ثم عاد أوضح: أنين شخص يتألم. أمسكت الفانوس. سألتها الجدة: — «إلى أين؟» — «هناك أحد في الخارج.» قالت كاتارينا بصوتٍ منخفض ثقيل بسنوات الحرب: — «تذكّري يا إيلينا… في زمن الحرب ليس كل من يطلب النجدة بريئاً.» قبضت إيلينا على مقبض الباب. كانت تعلم أن جدتها محقّة، لكنها لم تستطع تجاهل الصوت. فتحت الباب. لفح البرد وجهها. رفعت الفانوس وخطت فوق الثلج نحو الغابة المظلمة. لم تكن تعلم أن الرجل الذي ينتظرها هناك… سيصبح أكبر أعدائها…وأعظم حبّ في حياتها.مرت خمس سنوات كاملة على ضفاف شاطئ "لونغ آيلاند" الساحر بنيويورك. كانت الأجواء مشمسة ودافئة، والمحيط يمتد أزرق صافياً، تلتقي أمواجه الهادئة بالرمال الذهبية في سلام تام. كان التوأمان ألكسندر وألكسندرا يركضان بضحكات عذبة على الرمال، يطاردهما ميخائيل الذي صار شاباً يافعاً يرقبهما بعناية وحذر أخيّ، وكأنه حارسهم الشخصي الأبدي. وعلى مقربة منهما، تجلس ليليان تبتسم وهي تتابع طفلها "فيديريش الصغير" يلعب بهدوء ويبني قصوراً رملية، ب ينما تجلس الجدة ماريا تحت ظلال المظلة الصيفية تحيك الصوف برضا، وهي ترى شجرة عائلتها المورقة تنمو بعيداً عن أشباح الحرب القديمة ودمارها الذي أكل الأخضر واليابس. حققت إيلينا نجاحاً باهراً؛ إذ غدت دار الأزياء التي أسستها بالشراكة مع إليانور علامة فارقة تتصدر مجلات الفن العالمية، مزجت فيها بين أناقة الشرق الكلاسيكية وقوة الغرب الحديثة. أما إريك، فقد طوى صفحة الجندية والحروب إلى غير رجعة؛ استثمر خبرته العسكرية والتكتيكية ليصبح رجل أعمال ناجحاً في مجال التجارة والملاحة البحرية، مكرساً كل لحظة من حياته ليكون الأب المخلص والزوج العطوف الذي يعوض عائلته عن كل دقيقة خوف
شخصت الأبصار نحو أفق برلين المشتعل؛ صفارات الإنذار لا تهدأ، وأصداء القصف الجوي تدوي كأنها الهزيم الدائم. في حي الشارع السفلي، حيث تقيم ماريا وزوجها، بينما كان ميخائيل صغير عند ايلينا ،اخترقت قذيفة عشوائية المبنى المباشر. سقطت الأسقف الترابية، وانفجر الغبار العاتية ليحجب الرؤية كلياً. كان زوج ماريا قد اندفع ببطولة استثنائية وجسد أجسادها، ليتلقى الردم المتساقط والشظايا القاتلة بنفسه، دافعاً إياها تحت الطاولة الخشبية الفولاذية. سقط الزوج صريعاً ومات في الحين، بينما غاصت ماريا تحت الأنقاض، جريحة ومغمى عليها من شدة الصدمة والدخان. وصل إريك وإيلينا إلى الموقع وسط فزع عارم، والأنقاض تدخن في كل زاوية. — «أمي! أميييي!» صرخت إيلينا بدموع حارقة وهي تحاول اقتحام الركام، لكن إريك مسكها بقوة وسحبها للخلف. — «إيلينا اهدئي! المكان ينهر بالكامل!» قال إريك ونبرته مشدودة من القلق. — «أمي بالداخل يا إريك! اتركني!» بكت إيلينا وهي تعتصر ثوبها. تقدم بعض الأهالي والمنقذين المذعورين، وهتف أحدهم بنبرة يائسة: «لا يوجد أحياء تحت هذا الجانب! المبنى سحق من فيه كلياً!» انهارت إيلينا على ركبتيها بين يدي إريك
في تلك الأجواء الحرب الصعبة كان فالكن وإليزابيث قد توجها إلى المقر الإداري للقيادة العسكرية في قلب المدينة لتدمير الوثائق السرية الخاصة بعائلة فونشتاين وتأمين أوراق التسريح النهائي لإريك ليتمكنوا من الفرار. لكن الغارات لم ترحم أحداً؛ سقطت القذائف المباشرة على المقر، لينهار المبنى الضخم المكون من أربعة طوابق فوق رؤوس من فيه، محولاً الأروقة إلى ركام وهباء. وصل إريك إلى الموقع بعد شروق الشمس مباشرة، يقود سيارته العسكرية القديمة وسط الشوارع المحطمة. عندما ترجل أمام جبل الأنقاض، جمدت الدماء في عروقه. جثا على ركبتيه بين الركام المشتعل، وبدأ يحفر بيديه العاريتين بلا رحمة، يرفع الحجارة الثقيلة والحديد المنصهر وأصابعه تدمى، صامتاً كالصخر دون أن تخرج منه زفرة واحدة. وقف جنود الدعم من حوله يرقبون ذهوله بقلق، حتى تمكن من إخراج جثمان والدته إليزابيث وبجوارها فالكن الذي ألقى بجسده فوقها في لحظاته الأخيرة ليكون سداً دون القذيفة. أعاد إريك جثمانيهما إلى حديقة الفيلا الخلفية. في الشتاء القارس، وتحت زخات المطر والرماد المتساقط، حفر إريك القبرين بمفرده، يرفض مساعدة أي شخص. وقفت إيلينا على مقربة من
لم تدم هدأة بال برلين طويلاً؛ إذ سرعان ما تحولت تلك السكينة المؤقتة إلى كابوس داكن يطباق على أرجائها. بدأت نُذر العاصفة تتسلل إلى العاصمة القيصرية بثقل مريع، وأخذت أجهزة الراديو تصدح بأخبار التراجع الجماعي والانكسارات المتتالية. لم تعد الحرب مجرد عناوين تتصدر الصحف اليومية، بل أضحت صفيراً مريعاً لصفارات الإنذار التي باتت تقطع هدوء الليل، وأدخة متصاعدة تشوه أفق المدينة كلما ألقت طائرات الحلفاء حممها على الضواحي الجنوبية. في الفيلا العائلية، كانت الأجواء مشحونة بقلق مكتوم. الدخان المتصاعد من بعيد يصبغ السماء بلون الرماد، والوجوم يخيم على الوجوه، بينما كانت إيلينا تجلس عند الطاولة الخشبية الكبرى، تحاول تهدئة ميخائيل الصغير الذي كان يتعقب حركتها بعينين مرعوبتين. انفتح الباب الخارجي بحدة، ودخلت السيدة مريم وزوجها جوزيف، وبصحبتهما كريستوف ولين. كانت الحقائب المحزومة في أيديهم تخبر عن قرار حاسم لا رجعة فيه. أسرعت إيلينا نحوهم، وساد الصمت لثوانٍ قبل أن تتقدم السيدة مريم وتضم إيلينا بحرارة، واعتصرت كفيها بنبرة يختنق فيها الرجاء بالتوسل: — «إيلينا.. لم يعد هناك وقت للمجازفة. الأوضاع تتداعى
استعاد العقيد إريك فونشتاين كامل لياقته وقوته، وكأن جسده الفولاذي أبت الإذعان للجراح والغيبوبة. عادت بسالته المعهودة، على الرغم من الغيوم المتلبدة فوق سماء البلاد، قرر إريك أن يهب زوجته استراحة طال انتظارها بعيداً عن أروقة برلين وضوضائها. أودعا التوأمين ألكسندر وألكسندرا تحت الرعاية الحنونة للجدة ماريا وإليزابيث، وانطلقا في رحلة خاصة نحو الكونتريهاوس؛ ذلك المنتجع الريفي الساحر القابع على ضفاف نهر "إلبه"، حيث تحيط بالأكواخ الخشبية أشجار الصنوبر الشاهقة وصوت جريان المياه العذبة. حل المساء هادئاً كحلم استثنائي. كان الشتاء يلقي ببرودته الخفيفة على الزجاج الخارجي، بينما في الداخل، كانت ألسنة اللهب البرتقالية تتراقص بدفء في المدفأة الحجرية الكبرى، لتسقط ظلالاً دافئة على السجادة الصوفية الناعمة. كانت إيلينا تجلس أمام النار، ترتدي رداءً حريرياً باللون العاجي. شعرها الاسود ينساب على كتفيها بطلة آثرة. تقدم إريك بخطوات هادئة، وجلس خلفها تماماً. أحاط خصرا بنعومة بساعديه القويين، وأسند ذقنه على كتفها، يستنشق عبير شعرها الذي طالما كان ملجأه الوحيد في جحيم الموت. — «أخيراً.. نحن بمفردنا يا
اقتحم الفريق الطبي غرفة العناية المركزة بلهفة عارمة، تحيط بهم أجهزة الكشف وأدوات الفحص الطارئة، بينما كانت إيلينا تقف عند الزاوية تستند إلى الجدار، ويدها ترتجف فوق بطنها. فحص الجراح الرئيسي حدقتي إريك وخطوط نبضه، ثم التفت نحو إيلينا المتألمة بنبرة هادئة يحاول بها امتصاص ذعرها: — «اهدئي يا سيدة إيلينا.. استجابته الواعية وافتضاض عينيه واستنطاق اسمكِ أدلة قطعية على نجاة دماغه من التلف. لكن جسده المنهك من العملية المعقدة آثر التراجع إلى غيبوبة عميقة كآلية دفاعية للتعافي. الجسد يرمم نفسه بنفسه، ولا يمكننا تحديد موعد دقيق لاستفاقته الكاملة.. قد تكون أياماً، وقد تمتد لشهور.» شعرت إيلينا بغصة حارقة تخنق حنجرتها. كان الحزن يحاول جرف روحها مجدداً، لكنها رفعت رأسها بكبرياء وثبات، ونظرت إلى وجه زوجها النائم: — «سأنتظره.. مهما طال الوقت.» مرت أربعة أشهر كاملة كأنها دهور متطاولة. أربعة أشهر وإريك يرقد في تلك الغيبوبة الصامتة، بينما لم تغادر إيلينا المستشفى إلا لسبل نادرة. أصبحت مقيمة في الغرفة المجاورة له، تمسك بيده كل صباح، تقرأ له الفصول من رواياتهما المفضلة، وتستند بكفها الناعمة على بطنها ا







