Home / الرومانسية / العدو الذي سرق قلبي / الفصل 02 : لقاء في الظلام

Share

الفصل 02 : لقاء في الظلام

last update publish date: 2026-06-26 23:46:10

الهواء في الغابة أشد برودة مما توقعت.

كل خطوة غرستها إيلينا في الثلج أطلقت صوتاً خافتاً. ضوء الفانوس تراقص بين جذوع الصنوبر، يبدد الظلام لمسافة قصيرة ثم يبتلعه السواد من جديد.

توقفت.عاد الأنين… أوضح هذه المرة. لم يكن صوت حيوان، بل إنسان يحاول كتم ألمه.

شدّت أصابعها حول مقبض الفانوس وتقدمت بحذر:

— «من هناك؟»

لم يجب أحد. ابتلعت ريقها وأخذت خطوة أخرى:

— «إذا كنت تسمعني… أجبني.»

هبّت الريح بين الأشجار تحمل رائحة البارود والدم.

التقط ضوء الفانوس هيئة رجل يستند إلى جذع صنوبرة. غطى الثلج كتفيه حتى بدا جزءاً من الغابة، لكن بقعة الدم الداكنة على معطفه كشفت أنه ما زال حياً.

فتح عينيه بصعوبة. خرجت الكلمات متقطعة بالألمانية أولاً:

— «Geh… weg…»

عقدت إيلينا حاجبيها:

— «ماذا؟»

أغلق عينيه لحظة يجمع ما تبقى من قوته، ثم تمتم بلهجة روسية مكسّرة:

— «لا… تقتربي.»

وقعت عيناها على الدم ينساب من خاصرته:

— «أنت مصاب.»

رفع مسدسه ببطء نحوها. يده ترتجف حتى إن فوهة السلاح لم تستقر:

— «توقفي.»

تجمدت. رفعت كفيها فارغتين:

— «لن أؤذيك.»

ضحك ضحكة قصيرة تحولت إلى تأوه مؤلم:

— «الجميع… يقول ذلك.»

حدّقت فيه لحظة ثم قالت بهدوء:

— «لو أردت قتلك… لما خرجت من منزلي أصلاً.»

ساد الصمت. لم يُسمع سوى صفير الريح وأنفاسه المتقطعة.

رفع رأسه قليلاً:

— «أين أنا؟»

— «بالقرب من قرية فيرينوفا.»

تغيرت ملامحه. همس كأنه يحدث نفسه:

— «إذن… أنا خلف خطوط العدو.»

قطبت حاجبيها:

— «ومن قال إنني عدوك؟»

رفع نظره إليها لأول مرة:

— «ألستِ من هذه القرية؟»

— «بلى.»

تنهّد بمرارة:

— «إذن… أنا عدوك.»

ظلت الريح تعصف والثلج يهبط ببطء. راقبت إيلينا الرجل بحذر. انزاح طرف معطفه العسكري قليلاً… فظهر نسر أسود مطرّز فوق القماش الرمادي.

تجمدت. اتسعت عيناها:

— «أنت…»

توقفت الكلمات ثم خرجت مختلطة بالغضب والصدمة:

— «أنت جندي ألماني.»

لم ينكر. هز رأسه خفيفاً:

— «نعم.»

اشتدت قبضتها على الفانوس:

— «أنتم من قصف قريتنا الليلة.»

رفع عينيه بصعوبة:

— «لم أكن مع الطائرات.»

ضحكت بسخرية مرة:

— «لكنك ترتدي زيّهم.»

نظر إلى معطفه الملطخ ثم إليها:

— «وهل أستطيع خلعه… وأغيّر ما أنا عليه؟»

تقدمت خطوة ونظراتها تشتعل:

— «كم شخصاً قتلت؟»

طال صمته حتى ظنت أنه لن يجيب. ثم قال بصوت منخفض:

— «أكثر مما أتمنى… وأقل مما يظنون.»

— «لا أفهم.»

أطلق زفرة متعبة:

— «ولا أريدك أن تفهمي.»

حاول الوقوف. تشبث بالجذع فخانته ساقاه وترنّح وسقط على ركبة واحدة بشهقة ألم مكتومة.

تقدمت نحوه دون تفكير:

— «انتبه!»

رفع المسدس مجدداً:

— «لا… تلمسيني.»

توقفت. نظرت إلى الدم ينتشر فوق الثلج

— «إذا بقيت تنزف هكذا… فلن ترى شروق الشمس.»

ابتسم ابتسامة باهتة خالية من الأمل:

— «دعيه يحدث.»

— «ماذا؟»

أغمض عينيه:

— «دعيه يحدث.»

سألته بصوت أخفض:

— «لماذا؟»

فتح عينيه ببطء. كانتا فارغتين بصورة أخافتها أكثر من المسدس:

— «لأنني… لم يعد لدي شيء أعود إليه.»

ساد الصمت. لم تعد تعرف ماذا ترى أمامها: عدواً يجب أن تتركه… أم إنساناً أنهكته الحرب.

هبّت الريح بعنف وازداد تساقط الثلج حتى بدأت بقع الدم تختفي تحت البياض. لكن إريك لم ينظر إلى الثلج… بل إلى آثار الدم الممتدة خلفه. تغيرت ملامحه فجأة:

— «هذا… سيجلبهم إلينا.»

حدّقت إيلينا في الخط الأحمر الداكن الذي يشق البياض:

— «ماذا تقصد؟»

أشار بطرف مسدسه:

— «الدم.»

شعرت بانقباض في صدرها. كيف لم تلاحظه؟

حاول إريك طمس إحدى البقع بحذائه فانحنى وخانه جسده. ترنّح وسقط على ركبتيه واضعاً يده على جرحه. خرجت منه آهة مكتومة.

أسرعت نحوه:

— «إريك…»

رفع رأسه بسرعة:

— «لا ترفعي صوتك.»

خفضت صوتها فوراً:

— «لم تعد قادراً على المشي.»

غرس يده في الثلج محاولاً النهوض:

— «سأمشي.»

راقبته يفشل مرة ثانية. هزت رأسها:

— «أنت تكذب.»

ابتسم بسخرية مرهقة:

— «الجنود لا يعترفون بالألم.»

عقدت ذراعيها وقالت ببرود:

— «لكن الإنسان يعترف.»

دوّى صوت إطلاق نار بعيد.

تجمد الاثنان. رفع إريك رأسه وأصبحت عيناه أكثر يقظة:

— «انخفضي!»

أمسك بذراعها وجذبها خلف صخرة كبيرة. انطفأ ضوء الفانوس تقريباً وهو يرتطم بالثلج. حبست إيلينا أنفاسها. لأول مرة أصبحت قريبة منه إلى هذا الحد. كانت تسمع أنفاسه الثقيلة وتشعر بارتجاف جسده من البرد وفقدان الدم.

ظهرت بين الأشجار أضواء تتحرك ببطء… مصابيح يدوية وخلفها ظلال رجال مسلحين.

همست دون أن ترفع رأسها:

— «هل يبحثون عنك؟»

ظل يراقبهم بعينين ثابتتين:

— «ربما… أو يبحثون عن أي ناجٍ.

اقتربت الأضواء أكثر. شعرت أن دقات قلبها أعلى من صوت الريح:

— «سيعثرون علينا.»

— «لا تتحركي.»

— «لكنهم…»

— «إيلينا.»

كانت أول مرة ينطق اسمها. نظر إليها نظرة حازمة:

— «ثقي بي.»

رمشت باستغراب ثم همست بسخرية خافتة:

— «قبل دقائق كنت تقول إنك لا تثق بأحد.»

ارتسمت على شفتيه ابتسامة بالكاد ظهرت:

— «وما زلت لا أثق بأحد… لكنني أعرف كيف يفكر الجنود.»

توقفت المجموعة بين الأشجار. رفع أحدهم مصباحه نحو الجهة التي يختبئان فيها. حبست أنفاسها. لو تقدّم خطوتين إضافيتين لانتهى كل شي.

ساد صمت ثقيل. ثم صاح رجل من بعيد بشيء لم تفهمه. استدار الجنود وغيّروا اتجاههم. بدأت الأضواء تبتعد حتى ابتلعها ظلام الغابة.

أطلقت إيلينا زفرة كانت تحبسها:

— «كدنا نهلك.»

ظل إريك يراقب حتى اختفى آخر ضوء ثم قال بهدوء:

— «لا… هذا يعني أنهم سيواصلون البحث حتى الصباح.»

نظر إليها بعد ابتعاد الجنود:

— «اتركيني هنا. إخفاء جندي ألماني سيقودك إلى الإعدام إذا اكتُشف أمرك.»

رفضت في البداية. أعاد السؤال بصوت أجش:

— «لماذا تخاطرين بحياتك من أجل عدوك؟»

ترددت لحظة ثم أجابت بصراحة:

— «لا أعرف.»

صمت ثم ابتسم ابتسامة خافتة:

— «أول إجابة صادقة أسمعها منذ زمن.»

ساعدته على الوقوف رغم اعتراضه. بدءا السير ببطء نحو القرية. لاحظ آثار الدم والأقدام على الثلج فاستخدمت غصن صنوبر لطمسها.

سألها:

— «من علمك ذلك؟»

— «أبي.»

— «هل ما زال حياً؟»

شاحت بنظرها وردّت ببرود:

— «لا.»

صمت معتذراً فقطعته:

— «لا تعتذر… فأنا لا أعرف إن كان والدك هو من أعطى الأمر بقتله.»

تابعا السير وسط صمت ثقيل حتى لوحت أضواء القرية من بعيد.

توقف إريك فجأة رافضاً الدخول حتى لا يعرّضها للخطر. نظرت إليه بثبات:

— «لا أنا أثق بك… ولا أنت تثق بي.»

التقى نظره بنظرها وقال بهدوء:

— «ومع ذلك… أنا أسند حياتي على كتفك الآن.»

تابعا السير…دون أن يلاحظ أيّ منهما أن عينين كانتا تراقبانهما من بين الأشجار.

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (1)
goodnovel comment avatar
IMANE IMI
بدايات دائما حلوة بين بطلين
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • العدو الذي سرق قلبي    ❣️🌷النهاية 🌷❣️

    مرت خمس سنوات كاملة على ضفاف شاطئ "لونغ آيلاند" الساحر بنيويورك. كانت الأجواء مشمسة ودافئة، والمحيط يمتد أزرق صافياً، تلتقي أمواجه الهادئة بالرمال الذهبية في سلام تام. كان التوأمان ألكسندر وألكسندرا يركضان بضحكات عذبة على الرمال، يطاردهما ميخائيل الذي صار شاباً يافعاً يرقبهما بعناية وحذر أخيّ، وكأنه حارسهم الشخصي الأبدي. وعلى مقربة منهما، تجلس ليليان تبتسم وهي تتابع طفلها "فيديريش الصغير" يلعب بهدوء ويبني قصوراً رملية، ب ينما تجلس الجدة ماريا تحت ظلال المظلة الصيفية تحيك الصوف برضا، وهي ترى شجرة عائلتها المورقة تنمو بعيداً عن أشباح الحرب القديمة ودمارها الذي أكل الأخضر واليابس. حققت إيلينا نجاحاً باهراً؛ إذ غدت دار الأزياء التي أسستها بالشراكة مع إليانور علامة فارقة تتصدر مجلات الفن العالمية، مزجت فيها بين أناقة الشرق الكلاسيكية وقوة الغرب الحديثة. أما إريك، فقد طوى صفحة الجندية والحروب إلى غير رجعة؛ استثمر خبرته العسكرية والتكتيكية ليصبح رجل أعمال ناجحاً في مجال التجارة والملاحة البحرية، مكرساً كل لحظة من حياته ليكون الأب المخلص والزوج العطوف الذي يعوض عائلته عن كل دقيقة خوف

  • العدو الذي سرق قلبي    الفصل 224 : شرارة في الظلام وملاذ أخير

    شخصت الأبصار نحو أفق برلين المشتعل؛ صفارات الإنذار لا تهدأ، وأصداء القصف الجوي تدوي كأنها الهزيم الدائم. في حي الشارع السفلي، حيث تقيم ماريا وزوجها، بينما كان ميخائيل صغير عند ايلينا ،اخترقت قذيفة عشوائية المبنى المباشر. سقطت الأسقف الترابية، وانفجر الغبار العاتية ليحجب الرؤية كلياً. كان زوج ماريا قد اندفع ببطولة استثنائية وجسد أجسادها، ليتلقى الردم المتساقط والشظايا القاتلة بنفسه، دافعاً إياها تحت الطاولة الخشبية الفولاذية. سقط الزوج صريعاً ومات في الحين، بينما غاصت ماريا تحت الأنقاض، جريحة ومغمى عليها من شدة الصدمة والدخان. وصل إريك وإيلينا إلى الموقع وسط فزع عارم، والأنقاض تدخن في كل زاوية. — «أمي! أميييي!» صرخت إيلينا بدموع حارقة وهي تحاول اقتحام الركام، لكن إريك مسكها بقوة وسحبها للخلف. — «إيلينا اهدئي! المكان ينهر بالكامل!» قال إريك ونبرته مشدودة من القلق. — «أمي بالداخل يا إريك! اتركني!» بكت إيلينا وهي تعتصر ثوبها. تقدم بعض الأهالي والمنقذين المذعورين، وهتف أحدهم بنبرة يائسة: «لا يوجد أحياء تحت هذا الجانب! المبنى سحق من فيه كلياً!» انهارت إيلينا على ركبتيها بين يدي إريك

  • العدو الذي سرق قلبي    الفصل 223: جحيم برلين وسقوط الأباطرة

    في تلك الأجواء الحرب الصعبة كان فالكن وإليزابيث قد توجها إلى المقر الإداري للقيادة العسكرية في قلب المدينة لتدمير الوثائق السرية الخاصة بعائلة فونشتاين وتأمين أوراق التسريح النهائي لإريك ليتمكنوا من الفرار. لكن الغارات لم ترحم أحداً؛ سقطت القذائف المباشرة على المقر، لينهار المبنى الضخم المكون من أربعة طوابق فوق رؤوس من فيه، محولاً الأروقة إلى ركام وهباء. وصل إريك إلى الموقع بعد شروق الشمس مباشرة، يقود سيارته العسكرية القديمة وسط الشوارع المحطمة. عندما ترجل أمام جبل الأنقاض، جمدت الدماء في عروقه. جثا على ركبتيه بين الركام المشتعل، وبدأ يحفر بيديه العاريتين بلا رحمة، يرفع الحجارة الثقيلة والحديد المنصهر وأصابعه تدمى، صامتاً كالصخر دون أن تخرج منه زفرة واحدة. وقف جنود الدعم من حوله يرقبون ذهوله بقلق، حتى تمكن من إخراج جثمان والدته إليزابيث وبجوارها فالكن الذي ألقى بجسده فوقها في لحظاته الأخيرة ليكون سداً دون القذيفة. أعاد إريك جثمانيهما إلى حديقة الفيلا الخلفية. في الشتاء القارس، وتحت زخات المطر والرماد المتساقط، حفر إريك القبرين بمفرده، يرفض مساعدة أي شخص. وقفت إيلينا على مقربة من

  • العدو الذي سرق قلبي    الفصل 222: نُذر العاصفة والوداع الأول

    لم تدم هدأة بال برلين طويلاً؛ إذ سرعان ما تحولت تلك السكينة المؤقتة إلى كابوس داكن يطباق على أرجائها. بدأت نُذر العاصفة تتسلل إلى العاصمة القيصرية بثقل مريع، وأخذت أجهزة الراديو تصدح بأخبار التراجع الجماعي والانكسارات المتتالية. لم تعد الحرب مجرد عناوين تتصدر الصحف اليومية، بل أضحت صفيراً مريعاً لصفارات الإنذار التي باتت تقطع هدوء الليل، وأدخة متصاعدة تشوه أفق المدينة كلما ألقت طائرات الحلفاء حممها على الضواحي الجنوبية. في الفيلا العائلية، كانت الأجواء مشحونة بقلق مكتوم. الدخان المتصاعد من بعيد يصبغ السماء بلون الرماد، والوجوم يخيم على الوجوه، بينما كانت إيلينا تجلس عند الطاولة الخشبية الكبرى، تحاول تهدئة ميخائيل الصغير الذي كان يتعقب حركتها بعينين مرعوبتين. انفتح الباب الخارجي بحدة، ودخلت السيدة مريم وزوجها جوزيف، وبصحبتهما كريستوف ولين. كانت الحقائب المحزومة في أيديهم تخبر عن قرار حاسم لا رجعة فيه. أسرعت إيلينا نحوهم، وساد الصمت لثوانٍ قبل أن تتقدم السيدة مريم وتضم إيلينا بحرارة، واعتصرت كفيها بنبرة يختنق فيها الرجاء بالتوسل: — «إيلينا.. لم يعد هناك وقت للمجازفة. الأوضاع تتداعى

  • العدو الذي سرق قلبي    الفصل 221: ليلة على ضفاف النهر وعهد الأبدية

    استعاد العقيد إريك فونشتاين كامل لياقته وقوته، وكأن جسده الفولاذي أبت الإذعان للجراح والغيبوبة. عادت بسالته المعهودة، على الرغم من الغيوم المتلبدة فوق سماء البلاد، قرر إريك أن يهب زوجته استراحة طال انتظارها بعيداً عن أروقة برلين وضوضائها. أودعا التوأمين ألكسندر وألكسندرا تحت الرعاية الحنونة للجدة ماريا وإليزابيث، وانطلقا في رحلة خاصة نحو الكونتريهاوس؛ ذلك المنتجع الريفي الساحر القابع على ضفاف نهر "إلبه"، حيث تحيط بالأكواخ الخشبية أشجار الصنوبر الشاهقة وصوت جريان المياه العذبة. حل المساء هادئاً كحلم استثنائي. كان الشتاء يلقي ببرودته الخفيفة على الزجاج الخارجي، بينما في الداخل، كانت ألسنة اللهب البرتقالية تتراقص بدفء في المدفأة الحجرية الكبرى، لتسقط ظلالاً دافئة على السجادة الصوفية الناعمة. كانت إيلينا تجلس أمام النار، ترتدي رداءً حريرياً باللون العاجي. شعرها الاسود ينساب على كتفيها بطلة آثرة. تقدم إريك بخطوات هادئة، وجلس خلفها تماماً. أحاط خصرا بنعومة بساعديه القويين، وأسند ذقنه على كتفها، يستنشق عبير شعرها الذي طالما كان ملجأه الوحيد في جحيم الموت. — «أخيراً.. نحن بمفردنا يا

  • العدو الذي سرق قلبي    الفصل 220: ميلاد الأمل وسط حطام العالم

    اقتحم الفريق الطبي غرفة العناية المركزة بلهفة عارمة، تحيط بهم أجهزة الكشف وأدوات الفحص الطارئة، بينما كانت إيلينا تقف عند الزاوية تستند إلى الجدار، ويدها ترتجف فوق بطنها. فحص الجراح الرئيسي حدقتي إريك وخطوط نبضه، ثم التفت نحو إيلينا المتألمة بنبرة هادئة يحاول بها امتصاص ذعرها: — «اهدئي يا سيدة إيلينا.. استجابته الواعية وافتضاض عينيه واستنطاق اسمكِ أدلة قطعية على نجاة دماغه من التلف. لكن جسده المنهك من العملية المعقدة آثر التراجع إلى غيبوبة عميقة كآلية دفاعية للتعافي. الجسد يرمم نفسه بنفسه، ولا يمكننا تحديد موعد دقيق لاستفاقته الكاملة.. قد تكون أياماً، وقد تمتد لشهور.» شعرت إيلينا بغصة حارقة تخنق حنجرتها. كان الحزن يحاول جرف روحها مجدداً، لكنها رفعت رأسها بكبرياء وثبات، ونظرت إلى وجه زوجها النائم: — «سأنتظره.. مهما طال الوقت.» مرت أربعة أشهر كاملة كأنها دهور متطاولة. أربعة أشهر وإريك يرقد في تلك الغيبوبة الصامتة، بينما لم تغادر إيلينا المستشفى إلا لسبل نادرة. أصبحت مقيمة في الغرفة المجاورة له، تمسك بيده كل صباح، تقرأ له الفصول من رواياتهما المفضلة، وتستند بكفها الناعمة على بطنها ا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status