Home / الرومانسية / العدو الذي سرق قلبي / الفصل 06 : الضيف الذي لا يرحل

Share

الفصل 06 : الضيف الذي لا يرحل

last update publish date: 2026-06-27 04:54:23

نظرت إيلينا نحو النافذة المغطاة بطبقة رقيقة من الجليد، بينما ظل صدى الطرقات الثلاث يتردد في أرجاء المنزل.

لم تكن قوية، بل حذرة كأن صاحبها لا يريد أن يسمعه أحد غير من في الداخل. حبست أنفاسها واقتربت خطوة، ثم رفعت يدها ببطء وأزاحت طرف الستارة.

في الخارج كانت الثلوج تتساقط بهدوء تغطي الطريق الضيق المؤدي إلى المنزل، وشجرة صنوبر ضخمة تحجب جزءًا من الرؤية. وفي منتصف ذلك البياض وقف رجل بصمت.

كان طويل القامة، يرتدي معطفًا صوفيًا داكنًا وقبعة سميكة أخفت معظم ملامحه، ووشاح رمادي ملتف حول عنقه. رفع رأسه قليلًا، وعندما التقت عيناه بعيني إيلينا عرفته على الفور.

اتسعت عيناها بدهشة.

إيلينا: نيكولاي...

رفع الرجل سبابته إلى شفتيه طالبًا الصمت، ثم أشار بيده نحو النافذة يطلب فتحها بدلًا من الباب.

التفتت إيلينا إلى عائلتها. كانت ماريا تراقبها بقلق، وعقدت كاتارينا حاجبيها، أما إريك فتابع كل حركة بصمت ولم يبعد يده عن مسدسه.

ماريا:من هناك؟

همست إيلينا: نيكولاي... جارنا.

نظر إريك إليها.

إريك:هل تثقين به؟

ترددت ثم أجابت بخفوت: لا أعرف.. وهذا أكثر ما يخيفني.

بقيت إيلينا تحدق في وجه نيكولاي تحاول قراءة ما يخفيه خلف ملامحه الهادئة. كان في منتصف الثلاثينيات، عريض الكتفين، وقد غطت الثلوج طرفي قبعته ومعطفه. لم يبدُ خائفًا ولا مرتاحًا.

أشار إليها مرة أخرى أن تفتح النافذة. ترددت ثم فتحتها قليلًا.

ايلينا: ماذا تريد؟

خفض نيكولاي صوته: لا أستطيع التحدث عند الباب.

إيلينا:*قل ما عندك.

تنهد: الجنود عادوا إلى القرية.

شحب وجه ماريا.

نيكولاي:ليس للتفتيش هذه المرة، بل يبحثون عن شخص محدد.

شعرت إيلينا بقلبها يخفق بقوة وألقت نظرة نحو إريك.

إيلينا:ومن هو؟

ثبت نيكولاي عينيه عليها: ضابط ألماني مفقود. يقولون إنه جريح ولن يكون قد ابتعد كثيرًا عن الغابة.

قبضت إيلينا على إطار النافذة: ولماذا تخبرني أنا؟

ابتسم ابتسامة خفيفة: لأنك خرجتِ إلى الغابة ليلة القصف.

تجمدت: من أخبرك؟

نيكولاي: رأيتك بنفسي. كنت عائدًا من المطحنة ورأيتك تسيرين وسط الثلوج. منذ ذلك اليوم وأنت تتصرفين بطريقة مختلفة. وأنتِ لستِ بارعة في الكذب كما تظنين.

تشنجت عضلات إريك. اقترب خطوة لكن كاتارينا رفعت يدها في وجهه وهمست: لا تتحرك.

حاولت إيلينا أن تبدو هادئة: لا أفهم ما تقصده.

نيكولاي: وأنا لا أتهمك بشيء... لكن إذا كنتِ تخفين سرًا فتأكدي أن هناك من سيكتشفه قريبًا. لا تقلقي، لم آتِ لأبلغ عن أحد.

إيلينا:إذًا لماذا أتيت؟

نيكولاي: لأن القرية لم تعد آمنة. وصلت وحدة جديدة هذا الصباح وقائدها لا يشبه الضابط السابق. يقلب البيوت حجرًا حجرًا ولا يغادر قبل أن يجد ما يبحث عنه.

أخرج نيكولاي ورقة صغيرة مطوية من جيبه ورفعها. تناولتها إيلينا وفتحتها. كان عليها رسم لرجل بالزي العسكري الألماني، وأسفلها: «مطلوب حيًا أم ميتًا».

شعرت بقشعريرة. ألقت نظرة نحو إريك الذي تغيرت ملامحه.

إريك:قد بدأوا...

إيلينا:هل تعرف هذا؟

إريك:نعم... إذا نشروا صورتي فهم لم يعودوا يعتبرونني جنديًا مفقودًا، بل فارًا من الجيش.

نظر الجميع إليه.

ماريا: أريد الحقيقة كاملة.

إريك: لأنني خالفت أمرًا عسكريًا. أمرونا بإحراق قرية فيها عائلات وأطفال وشيوخ، فرفضت وساعدت بعض المدنيين على الهرب. منذ تلك الليلة أصبحت خائنًا في نظرهم.

إيلينا:ولماذا لم تقل هذا منذ البداية؟

اريك: لأنك ما كنتِ لتصدقيني.

كاتارينا:*وما الذي يمنعك من الكذب الآن؟

إريك:لا شيء. لهذا لن أطلب منكم أن تثقوا بي.

سُمع صوت أجراس الكنيسة، ثم صوت رجل يركض: اجتمعوا في الساحة! الجميع إلى الساحة حالًا!

تبادل أفراد العائلة النظرات.

ماريا:سنذهب جميعًا... إلا هو.

إيلينا:لا يمكنك البقاء هنا وحدك.

اريك: اذهبي أنتن. سأبقى صامتًا.

وضعت إيلينا إبريق الماء وبعض الخبز على الطاولة: إذا احتجت شيئًا لا تشعل نارًا أخرى، قد يلاحظ الدخان.

اقتربت كاتارينا: إن كنت قد كذبت علينا فلن ينقذك أحد.

إريك: أعرف

خرجت العائلة وأغلقت ماريا الباب بالمفتاح. وجد إريك نفسه وحيدًا. اقترب من النافذة ورأى أهل القرية يسيرون نحو الساحة، وإيلينا تلتفت مرة إلى المنزل.

في الساحة وقف عشرات القرويين بصمت تحت الثلوج. توقفت عربة عسكرية وترجل ضابط طويل يرتدي معطفًا داكنًا ونياشين تلمع على صدره.

الضابط: ابتداءً من اليوم ستخضع هذه القرية لإشرافنا المباشر. وحتى نعثر على الضابط الألماني الهارب لن يُسمح لأحد بمغادرة القرية.

شعرت إيلينا أن الدم تجمد في عروقها. أدركت أن الهروب لم يعد خيارًا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • العدو الذي سرق قلبي    الفصل 208 : انشقاق الرماد وخيوط القدر المتشابكة

    كان المؤتمر الصحفي قد انتهى منذ ساعات قليلة، لكن صداه لا يزال يرن في أرجاء برلين كالجرس الذي لا يتوقف. قاعة الفندق الكبير امتلأت بالصحفيين والكاميرات، ووقف أفراد آل فونشتاين صفاً واحداً أمام الميكروفونات: فيلهلم بوجهه الشاحب المتجعد، كارل بصلابته الباردة، إليزابيث بثباتها الهادئ، وحتى فالكن الذي جاء رغم مرضه. أعلنوا جميعاً، بصوت واحد تقريباً، تبرأهم الكامل من أفعال هنريش. قالوا إن العائلة انفصلت تجارياً وأخلاقياً عن كل ما اقترفه، وإنهم يعيدون ما يمكن إعادة من الممتلكات المنهوبة، ويعتذرون للضحايا. لكن الناس كانوا قساة جداً. التصفيق لم يأتِ. بدلاً منه ارتفعت أصوات الاستهجان والشتائم من خارج القاعة. الصحف في اليوم التالي حملت عناوين نارية: «آل فونشتاين يغسلون أيديهم بدماء الضحايا»، «تبرؤ متأخر لا يمحو الجريمة». المبيعات تراجعت بشكل كارثي. فنادق العائلة التي كانت تمتلئ طوال الموسم أصبحت شبه فارغة. الشركات التجارية شهدت إلغاء عقود بالجملة. الموردون توقفوا، والبنوك بدأت تطالب بضمانات إضافية. أزمة مالية خانقة أحاطت بالعائلة كلها كشبكة لا ترحم، رغم التفاهم الذي عقدوه فيما بينهم. في قاعة الا

  • العدو الذي سرق قلبي    الفصل 207 : شعلة الاستقلال

    كان المكتب الفسيح في قصر آل فونشتاين غارقاً في صمت ثقيل يشبه الصمت الذي يسبق العاصفة. الستائر الثقيلة مُسدلة، والضوء الخافت المنبعث من المصباح النحاسي يرسم ظلالاً طويلة على وجوه الرجال الثلاثة الجالسين حول الطاولة. فيلهلم فونشتاين، الرجل الذي بنى إمبراطورية تجارية على أنقاض حربين، كان يمسك بملف الميزانية بيديه المرتجفتين. أما كارل، ابنه الأكبر، فكان يقف أمامه كتمثال غضب، عيناه تلتهبان. — عمي هنريش سقط كلياً! — صاح كارل بصوت مرتفع اخترق الجدران — مساندته الآن تعني إفلاسنا وضياع ما تبقى من أملاكنا! يجب أن ننفصل عنه تجارياً فوراً، ونعقد مؤتمراً صحفياً لتبرئة اسمنا من جرائمه قبل أن يجرفنا معه إلى القاع! في البداية لم يرد فيلهلم. نظر إلى الأرقام السوداء في الصفحة الأخيرة من التقرير، ثم رفع رأسه ببطء، والكبرياء القديم لا يزال يقاوم في عينيه. — هو أخي... دم فونشتاين. — دم فونشتاين؟ — سخر كارل بمرارة — هذا الدم أصبح مسموماً. الأدلة على الاغتيالات القديمة خرجت، والصحف تطاردنا. إن لم نقطع الخيط الآن، فسيُسحب الجميع إلى السجن أو الإفلاس. أقترح اتفاقاً علنياً مع إليزابيث وإريك. مؤتمر مش

  • العدو الذي سرق قلبي    الفصل 206: انكسار القناع وجمر التحدي

    أمام المبنى الحجري الفخم للمحكمة العسكرية في برلين، كان المحيط يغلي كمرجل. احتشد العشرات من الصحفيين والمصورين، وفلاشات الكاميرات تتلامع وسط صيحات التساؤل التي ملأت الأثير. ترجل هنريش فونشتاين من سيارته الفارهة، يجلس على كرسيه المتحرك بظهر منتصب ورأس مرفوع، وتحيط به هالة من الكبرياء المريض. عن يمينه يسير شقيقه فيلهلم بملامح متجهة، وعن يساره ابنه كارل، بينما يتقدمهم وفد من أعتى المحامين العسكريين في البلاد. سحب هنريش سيجاره الفاخر، ودمدم بنبرة يملؤها الغرور والازدراء وهو ينظر إلى عدسات المصورين: — «دعهم يلتقطون الصور كما يشاءون يا فيلهلم.. غداً ستتصدّر صوري الصفحة الأولى تحت عنوان: براءة العقيد هنريش فونشتاين وسقوط مؤامرة الحاقدين.» وفي الجانب الآخر من المدينة، داخل الصالون الرفيع لفيلا جنيرال فالكن، كان الجمع يحتسي الشاي في أجواء تشوبها الحماسة والترقب. جالسون حول الطاولة: إليزابيث، الوزير فالكن، إريك، ليليان، وصوفيا. وفجأة، فتحت الخادمة الباب، لتطل منه إيلينا برداء أنيق وبسيط. توقفت صوفيا بذهول، ووقف إريك مشدوهاً من حضورها المفاجئ. ابتسمت إليزابيث بوقار ونهضت لترحب بها: — «أهل

  • العدو الذي سرق قلبي    الفصل 205: شعلة الأمل وجحيم الحقيقة

    خارج مبنى القيادة العسكرية، كانت زقزقة الرياح الباردة تشق ظلام الليل في برلين. خرج إريك فونشتاين بخطوات سريعة وموزونة، معطفه العسكري الداكن يلتف حول جسده، وفي جيبه الداخلي يستقر الملف الأصفر الثقيل الذي يحوي البرقيات التلغرافية المشفرة لعام 1926 ووثائق التنازل المزورة. عند زاوية الشارع المظلم، تحت ضوء عمود إنارة خافت، كان السيد لودفيغ يقف متكئاً على عصاه الخيزرانية. تقدم إريك منه ببرود، وسحب الملف ثم وضعه بثبات في يد لودفيغ المرتجفة. تأمل لودفيغ الأوراق تحت الضوء الخافت، ثم رفع عينيه المصدومتين نحو إريك، ونطق بصوت خافض يملؤه الذهول: — «هذه هي البرقيات الأصلية بأوامر هنريش الصريحة.. كيف تضع حبل إدانة والدك في يدي بهذه السهولة؟ كيف تثق بي إلى هذا الحد يا سيادة العقيد؟» ثبت إريك عينيه الحادتين في عيني لودفيغ، وقال بنبرة هادئة ومظلمة: — «لأنني أعلم من يكون أبي جيداً يا سيد لودفيغ.. ولأنني أعلم أن دم أخيك وثروته المنهوبة هما الدين الأول الذي يجب أن يدق مسمار العدالة في نعش هنريش. أنا لا أمنحك وثائق فقط، بل أستعيد شرفاً أفسده والدي لعقود.» انحنى لودفيغ قليلاً، وضغط على الملف بيده وقال

  • العدو الذي سرق قلبي    الفصل 204: شباك الظلام وضغطة الزناد

    في القبو السفلي لقصر هنريش فونشتاين، كانت الرطوبة تتساقط من السقف الحجري لترتطم بالأرض في صمت قاتل. جلس هنريش على كرسيه المتحرك، وأمامه رجلان يقفان بوجوه متصلبة ومعاطف جلدية داكنة، يبعثان برائحة التبغ الرخيص والبارود. على الطاولة الخشبية بينهما، دفع هنريش بيده الثقيلة ظرقاً أصفر سميكاً ممتلئاً بالأوراق النقدية الذهبية، ونظر إليهما بابتسامة مظلمة شائبة: — «السيارة السوداء التابعة جنيرال فالكن ستكون مركونة عند المخرج الخلفي للمطعم الجبلي. أريد لأنبوب الفرامل أن يُقطع بأسلوب يبدو وكأنه تآكل طبيعي بسبب الانزلاق.. هل فهمتما؟» مسح أحد الرجلين شاربه الكثيف وابتسم بلؤم وهو يسحب الظرف: — «لا تقلق يا سيدي العقيد.. المنعطف الجبلي حاد جداً، ولن تتبقى قطعة واحدة سليمة في السيارة ليفحصها الخبراء بعد السقوط.» ضحك هنريش بصوت خافض كأنه شحذ خنجر قديم، ودمدم وهو يتأمل الشعلة الخافتة: — «إليزابيث.. وفالكن.. الليلة ستنتهي هذه المهزلة، وتعود الإمبراطورية إلى أصحابها الحقيقيين.» في الوقت نفسه، كانت ظلال ثكنات القيادة العسكرية في برلين ساكنة تحت ضوء القمر الشاحب. مرّ جندي الحراسة أمام المبنى الرئيسي د

  • العدو الذي سرق قلبي    الفصل 203: شباك الصياد وظلال التحضير

    في المقر الرئيسي لشركة فونشتاين، خلف الأبواب المصفحة للقاعة المغلقة، كان الدخان الكثيف يلتف حول الأجسام كأنه قماش حداد. جلس فيلهلم في رأس الطاولة يفرك جبهته بقسوة، ثم التفت بغضب نحو ابنه كارل الذي كان يجلس متوتراً: — «هذا عار يا كارل!» صرخ فيلهلم وهو يضرب بكفه على الطاولة. «ثلاث مناقصات بحرية خسرناها في أسبوع واحد! إليزابيث تخنقنا في السوق، وفالكن يفتح لها أبواب البنوك والمؤسسات السياسية بكلمة واحدة! وأنت تجلس أمامي بلا أي حلول!» انكمشت إيفا بجانب والدها الذي كان يقلب أوراق الميزانية بيدين ترتجفان، بينما كان هنريش يثبت جسده المشلول على كرسيه المتحرك في نهاية الطاولة، ونظراته المظلمة تمسح الوجوه بتهكم. رد والد إيفا بنبرة حادة موجهة لفيلهلم وهنريش: — «أين نفوذ عائلتكم؟ إليزابيث تبتلع كل عقودنا، والأمور التجارية لم تعد تجدي نفعاً مع هذه المرأة!» أشار هنريش لخدمه بإخلاء القاعة فوراً. انسحب الجميع برجفة وسخط، ولم يبقَ في القاعة سوى هنريش، وفيلهلم وابنه كارل. انحنى هنريش بكرسيه نحو فيلهلم وكارل، ومال بصوته الخفيض الحاد: — «الأساليب التجارية لن تنفع مع إليزابيث وفالكن.. الليلة سننهي ه

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status