เข้าสู่ระบบنظرت إيلينا نحو النافذة المغطاة بطبقة رقيقة من الجليد، بينما ظل صدى الطرقات الثلاث يتردد في أرجاء المنزل.
لم تكن قوية، بل حذرة كأن صاحبها لا يريد أن يسمعه أحد غير من في الداخل. حبست أنفاسها واقتربت خطوة، ثم رفعت يدها ببطء وأزاحت طرف الستارة. في الخارج كانت الثلوج تتساقط بهدوء تغطي الطريق الضيق المؤدي إلى المنزل، وشجرة صنوبر ضخمة تحجب جزءًا من الرؤية. وفي منتصف ذلك البياض وقف رجل بصمت. كان طويل القامة، يرتدي معطفًا صوفيًا داكنًا وقبعة سميكة أخفت معظم ملامحه، ووشاح رمادي ملتف حول عنقه. رفع رأسه قليلًا، وعندما التقت عيناه بعيني إيلينا عرفته على الفور. اتسعت عيناها بدهشة. إيلينا: نيكولاي... رفع الرجل سبابته إلى شفتيه طالبًا الصمت، ثم أشار بيده نحو النافذة يطلب فتحها بدلًا من الباب. التفتت إيلينا إلى عائلتها. كانت ماريا تراقبها بقلق، وعقدت كاتارينا حاجبيها، أما إريك فتابع كل حركة بصمت ولم يبعد يده عن مسدسه. ماريا:من هناك؟ همست إيلينا: نيكولاي... جارنا. نظر إريك إليها. إريك:هل تثقين به؟ ترددت ثم أجابت بخفوت: لا أعرف.. وهذا أكثر ما يخيفني. بقيت إيلينا تحدق في وجه نيكولاي تحاول قراءة ما يخفيه خلف ملامحه الهادئة. كان في منتصف الثلاثينيات، عريض الكتفين، وقد غطت الثلوج طرفي قبعته ومعطفه. لم يبدُ خائفًا ولا مرتاحًا. أشار إليها مرة أخرى أن تفتح النافذة. ترددت ثم فتحتها قليلًا. ايلينا: ماذا تريد؟ خفض نيكولاي صوته: لا أستطيع التحدث عند الباب. إيلينا:*قل ما عندك. تنهد: الجنود عادوا إلى القرية. شحب وجه ماريا. نيكولاي:ليس للتفتيش هذه المرة، بل يبحثون عن شخص محدد. شعرت إيلينا بقلبها يخفق بقوة وألقت نظرة نحو إريك. إيلينا:ومن هو؟ ثبت نيكولاي عينيه عليها: ضابط ألماني مفقود. يقولون إنه جريح ولن يكون قد ابتعد كثيرًا عن الغابة. قبضت إيلينا على إطار النافذة: ولماذا تخبرني أنا؟ ابتسم ابتسامة خفيفة: لأنك خرجتِ إلى الغابة ليلة القصف. تجمدت: من أخبرك؟ نيكولاي: رأيتك بنفسي. كنت عائدًا من المطحنة ورأيتك تسيرين وسط الثلوج. منذ ذلك اليوم وأنت تتصرفين بطريقة مختلفة. وأنتِ لستِ بارعة في الكذب كما تظنين. تشنجت عضلات إريك. اقترب خطوة لكن كاتارينا رفعت يدها في وجهه وهمست: لا تتحرك. حاولت إيلينا أن تبدو هادئة: لا أفهم ما تقصده. نيكولاي: وأنا لا أتهمك بشيء... لكن إذا كنتِ تخفين سرًا فتأكدي أن هناك من سيكتشفه قريبًا. لا تقلقي، لم آتِ لأبلغ عن أحد. إيلينا:إذًا لماذا أتيت؟ نيكولاي: لأن القرية لم تعد آمنة. وصلت وحدة جديدة هذا الصباح وقائدها لا يشبه الضابط السابق. يقلب البيوت حجرًا حجرًا ولا يغادر قبل أن يجد ما يبحث عنه. أخرج نيكولاي ورقة صغيرة مطوية من جيبه ورفعها. تناولتها إيلينا وفتحتها. كان عليها رسم لرجل بالزي العسكري الألماني، وأسفلها: «مطلوب حيًا أم ميتًا». شعرت بقشعريرة. ألقت نظرة نحو إريك الذي تغيرت ملامحه. إريك:قد بدأوا... إيلينا:هل تعرف هذا؟ إريك:نعم... إذا نشروا صورتي فهم لم يعودوا يعتبرونني جنديًا مفقودًا، بل فارًا من الجيش. نظر الجميع إليه. ماريا: أريد الحقيقة كاملة. إريك: لأنني خالفت أمرًا عسكريًا. أمرونا بإحراق قرية فيها عائلات وأطفال وشيوخ، فرفضت وساعدت بعض المدنيين على الهرب. منذ تلك الليلة أصبحت خائنًا في نظرهم. إيلينا:ولماذا لم تقل هذا منذ البداية؟ اريك: لأنك ما كنتِ لتصدقيني. كاتارينا:*وما الذي يمنعك من الكذب الآن؟ إريك:لا شيء. لهذا لن أطلب منكم أن تثقوا بي. سُمع صوت أجراس الكنيسة، ثم صوت رجل يركض: اجتمعوا في الساحة! الجميع إلى الساحة حالًا! تبادل أفراد العائلة النظرات. ماريا:سنذهب جميعًا... إلا هو. إيلينا:لا يمكنك البقاء هنا وحدك. اريك: اذهبي أنتن. سأبقى صامتًا. وضعت إيلينا إبريق الماء وبعض الخبز على الطاولة: إذا احتجت شيئًا لا تشعل نارًا أخرى، قد يلاحظ الدخان. اقتربت كاتارينا: إن كنت قد كذبت علينا فلن ينقذك أحد. إريك: أعرف خرجت العائلة وأغلقت ماريا الباب بالمفتاح. وجد إريك نفسه وحيدًا. اقترب من النافذة ورأى أهل القرية يسيرون نحو الساحة، وإيلينا تلتفت مرة إلى المنزل. في الساحة وقف عشرات القرويين بصمت تحت الثلوج. توقفت عربة عسكرية وترجل ضابط طويل يرتدي معطفًا داكنًا ونياشين تلمع على صدره. الضابط: ابتداءً من اليوم ستخضع هذه القرية لإشرافنا المباشر. وحتى نعثر على الضابط الألماني الهارب لن يُسمح لأحد بمغادرة القرية. شعرت إيلينا أن الدم تجمد في عروقها. أدركت أن الهروب لم يعد خيارًا.مرت خمس سنوات كاملة على ضفاف شاطئ "لونغ آيلاند" الساحر بنيويورك. كانت الأجواء مشمسة ودافئة، والمحيط يمتد أزرق صافياً، تلتقي أمواجه الهادئة بالرمال الذهبية في سلام تام. كان التوأمان ألكسندر وألكسندرا يركضان بضحكات عذبة على الرمال، يطاردهما ميخائيل الذي صار شاباً يافعاً يرقبهما بعناية وحذر أخيّ، وكأنه حارسهم الشخصي الأبدي. وعلى مقربة منهما، تجلس ليليان تبتسم وهي تتابع طفلها "فيديريش الصغير" يلعب بهدوء ويبني قصوراً رملية، ب ينما تجلس الجدة ماريا تحت ظلال المظلة الصيفية تحيك الصوف برضا، وهي ترى شجرة عائلتها المورقة تنمو بعيداً عن أشباح الحرب القديمة ودمارها الذي أكل الأخضر واليابس. حققت إيلينا نجاحاً باهراً؛ إذ غدت دار الأزياء التي أسستها بالشراكة مع إليانور علامة فارقة تتصدر مجلات الفن العالمية، مزجت فيها بين أناقة الشرق الكلاسيكية وقوة الغرب الحديثة. أما إريك، فقد طوى صفحة الجندية والحروب إلى غير رجعة؛ استثمر خبرته العسكرية والتكتيكية ليصبح رجل أعمال ناجحاً في مجال التجارة والملاحة البحرية، مكرساً كل لحظة من حياته ليكون الأب المخلص والزوج العطوف الذي يعوض عائلته عن كل دقيقة خوف
شخصت الأبصار نحو أفق برلين المشتعل؛ صفارات الإنذار لا تهدأ، وأصداء القصف الجوي تدوي كأنها الهزيم الدائم. في حي الشارع السفلي، حيث تقيم ماريا وزوجها، بينما كان ميخائيل صغير عند ايلينا ،اخترقت قذيفة عشوائية المبنى المباشر. سقطت الأسقف الترابية، وانفجر الغبار العاتية ليحجب الرؤية كلياً. كان زوج ماريا قد اندفع ببطولة استثنائية وجسد أجسادها، ليتلقى الردم المتساقط والشظايا القاتلة بنفسه، دافعاً إياها تحت الطاولة الخشبية الفولاذية. سقط الزوج صريعاً ومات في الحين، بينما غاصت ماريا تحت الأنقاض، جريحة ومغمى عليها من شدة الصدمة والدخان. وصل إريك وإيلينا إلى الموقع وسط فزع عارم، والأنقاض تدخن في كل زاوية. — «أمي! أميييي!» صرخت إيلينا بدموع حارقة وهي تحاول اقتحام الركام، لكن إريك مسكها بقوة وسحبها للخلف. — «إيلينا اهدئي! المكان ينهر بالكامل!» قال إريك ونبرته مشدودة من القلق. — «أمي بالداخل يا إريك! اتركني!» بكت إيلينا وهي تعتصر ثوبها. تقدم بعض الأهالي والمنقذين المذعورين، وهتف أحدهم بنبرة يائسة: «لا يوجد أحياء تحت هذا الجانب! المبنى سحق من فيه كلياً!» انهارت إيلينا على ركبتيها بين يدي إريك
في تلك الأجواء الحرب الصعبة كان فالكن وإليزابيث قد توجها إلى المقر الإداري للقيادة العسكرية في قلب المدينة لتدمير الوثائق السرية الخاصة بعائلة فونشتاين وتأمين أوراق التسريح النهائي لإريك ليتمكنوا من الفرار. لكن الغارات لم ترحم أحداً؛ سقطت القذائف المباشرة على المقر، لينهار المبنى الضخم المكون من أربعة طوابق فوق رؤوس من فيه، محولاً الأروقة إلى ركام وهباء. وصل إريك إلى الموقع بعد شروق الشمس مباشرة، يقود سيارته العسكرية القديمة وسط الشوارع المحطمة. عندما ترجل أمام جبل الأنقاض، جمدت الدماء في عروقه. جثا على ركبتيه بين الركام المشتعل، وبدأ يحفر بيديه العاريتين بلا رحمة، يرفع الحجارة الثقيلة والحديد المنصهر وأصابعه تدمى، صامتاً كالصخر دون أن تخرج منه زفرة واحدة. وقف جنود الدعم من حوله يرقبون ذهوله بقلق، حتى تمكن من إخراج جثمان والدته إليزابيث وبجوارها فالكن الذي ألقى بجسده فوقها في لحظاته الأخيرة ليكون سداً دون القذيفة. أعاد إريك جثمانيهما إلى حديقة الفيلا الخلفية. في الشتاء القارس، وتحت زخات المطر والرماد المتساقط، حفر إريك القبرين بمفرده، يرفض مساعدة أي شخص. وقفت إيلينا على مقربة من
لم تدم هدأة بال برلين طويلاً؛ إذ سرعان ما تحولت تلك السكينة المؤقتة إلى كابوس داكن يطباق على أرجائها. بدأت نُذر العاصفة تتسلل إلى العاصمة القيصرية بثقل مريع، وأخذت أجهزة الراديو تصدح بأخبار التراجع الجماعي والانكسارات المتتالية. لم تعد الحرب مجرد عناوين تتصدر الصحف اليومية، بل أضحت صفيراً مريعاً لصفارات الإنذار التي باتت تقطع هدوء الليل، وأدخة متصاعدة تشوه أفق المدينة كلما ألقت طائرات الحلفاء حممها على الضواحي الجنوبية. في الفيلا العائلية، كانت الأجواء مشحونة بقلق مكتوم. الدخان المتصاعد من بعيد يصبغ السماء بلون الرماد، والوجوم يخيم على الوجوه، بينما كانت إيلينا تجلس عند الطاولة الخشبية الكبرى، تحاول تهدئة ميخائيل الصغير الذي كان يتعقب حركتها بعينين مرعوبتين. انفتح الباب الخارجي بحدة، ودخلت السيدة مريم وزوجها جوزيف، وبصحبتهما كريستوف ولين. كانت الحقائب المحزومة في أيديهم تخبر عن قرار حاسم لا رجعة فيه. أسرعت إيلينا نحوهم، وساد الصمت لثوانٍ قبل أن تتقدم السيدة مريم وتضم إيلينا بحرارة، واعتصرت كفيها بنبرة يختنق فيها الرجاء بالتوسل: — «إيلينا.. لم يعد هناك وقت للمجازفة. الأوضاع تتداعى
استعاد العقيد إريك فونشتاين كامل لياقته وقوته، وكأن جسده الفولاذي أبت الإذعان للجراح والغيبوبة. عادت بسالته المعهودة، على الرغم من الغيوم المتلبدة فوق سماء البلاد، قرر إريك أن يهب زوجته استراحة طال انتظارها بعيداً عن أروقة برلين وضوضائها. أودعا التوأمين ألكسندر وألكسندرا تحت الرعاية الحنونة للجدة ماريا وإليزابيث، وانطلقا في رحلة خاصة نحو الكونتريهاوس؛ ذلك المنتجع الريفي الساحر القابع على ضفاف نهر "إلبه"، حيث تحيط بالأكواخ الخشبية أشجار الصنوبر الشاهقة وصوت جريان المياه العذبة. حل المساء هادئاً كحلم استثنائي. كان الشتاء يلقي ببرودته الخفيفة على الزجاج الخارجي، بينما في الداخل، كانت ألسنة اللهب البرتقالية تتراقص بدفء في المدفأة الحجرية الكبرى، لتسقط ظلالاً دافئة على السجادة الصوفية الناعمة. كانت إيلينا تجلس أمام النار، ترتدي رداءً حريرياً باللون العاجي. شعرها الاسود ينساب على كتفيها بطلة آثرة. تقدم إريك بخطوات هادئة، وجلس خلفها تماماً. أحاط خصرا بنعومة بساعديه القويين، وأسند ذقنه على كتفها، يستنشق عبير شعرها الذي طالما كان ملجأه الوحيد في جحيم الموت. — «أخيراً.. نحن بمفردنا يا
اقتحم الفريق الطبي غرفة العناية المركزة بلهفة عارمة، تحيط بهم أجهزة الكشف وأدوات الفحص الطارئة، بينما كانت إيلينا تقف عند الزاوية تستند إلى الجدار، ويدها ترتجف فوق بطنها. فحص الجراح الرئيسي حدقتي إريك وخطوط نبضه، ثم التفت نحو إيلينا المتألمة بنبرة هادئة يحاول بها امتصاص ذعرها: — «اهدئي يا سيدة إيلينا.. استجابته الواعية وافتضاض عينيه واستنطاق اسمكِ أدلة قطعية على نجاة دماغه من التلف. لكن جسده المنهك من العملية المعقدة آثر التراجع إلى غيبوبة عميقة كآلية دفاعية للتعافي. الجسد يرمم نفسه بنفسه، ولا يمكننا تحديد موعد دقيق لاستفاقته الكاملة.. قد تكون أياماً، وقد تمتد لشهور.» شعرت إيلينا بغصة حارقة تخنق حنجرتها. كان الحزن يحاول جرف روحها مجدداً، لكنها رفعت رأسها بكبرياء وثبات، ونظرت إلى وجه زوجها النائم: — «سأنتظره.. مهما طال الوقت.» مرت أربعة أشهر كاملة كأنها دهور متطاولة. أربعة أشهر وإريك يرقد في تلك الغيبوبة الصامتة، بينما لم تغادر إيلينا المستشفى إلا لسبل نادرة. أصبحت مقيمة في الغرفة المجاورة له، تمسك بيده كل صباح، تقرأ له الفصول من رواياتهما المفضلة، وتستند بكفها الناعمة على بطنها ا







