INICIAR SESIÓNلم يغادر الخوف المنزل مع خروج الجنود. ظل ثقيلًا يملأ المكان حتى بعد أن اختفت أصوات خطواتهم. لم يتكلم أحد، كأن الجميع يخشى أن يعود أولئك الرجال إذا ارتفع صوت. وحده صوت الحطب المتقد كسر الصمت، بينما كانت الرياح تعصف بالخارج وتحمل ثلوجًا جديدة تمحو آثار الأقدام.
أغمضت إيلينا عينيها ثم أسندت ظهرها إلى الباب وأطلقت زفرة طويلة. لم تشعر من قبل بأن دقائق قليلة يمكن أن تستنزف كل قوتها. خرج إريك ببطء من تحت السرير مستندًا إلى ذراعه السليمة. حاول الوقوف، لكنه ما إن اعتدل حتى خانه جسده وترنح قبل أن يسنده طرف الطاولة. تقدمت إيلينا نحوه، فرفع يده يمنعها: — لا... أنا بخير. نظرت إليه ببرود: — لو كنت بخير لما قضيت نصف ساعة تحت السرير تحبس أنفاسك. اكتفى بابتسامة متعبة سرعان ما اختفت مع نوبة ألم. تنهدت ماريا واقتربت: — اجلس. الضماد لم يعد يكفي. جلس بصعوبة. أحضرت إيلينا وعاء الماء الدافئ وقطع القماش. ساعدته في نزع المعطف فانكشف القميص الملطخ بالدم. همس ميخائيل: — الجرح أعمق مما ظننت. تفحصت ماريا الإصابة بعين خبيرة: — الرصاصة خرجت، لكن النزيف أضعفه كثيرًا. لو بقي في الغابة ساعة أخرى لما وصل حيًا. ظل إريك صامتًا وهي تنظف الجرح. كان يشد على أسنانه كلما لامس الماء الحواف الملتهبة، ولم يصدر عنه سوى زفير مكتوم. قالت إيلينا: — لا داعي أن تتظاهر بالقوة طوال الوقت. رفع عينيه: — اعتدت ألا أُظهر ألمي. هزت رأسها وهي تعيد لف الضماد: — العناد لا يوقف النزيف. مر شبح ابتسامة على وجهه ثم اختفى. كسرت ماريا الصمت وهي تربط آخر عقدة: — ما اسم عائلتك؟ تردد لحظة: — فون شتاين. رفعت كاتارينا رأسها وحدقت فيه: — إذن أنت من عائلة عسكرية. أومأ. سألته ماريا عن والديه فأخبرها أن والده ضابط كبير ووالدته تعيش مع أختيه. عندما سأله ميخائيل إن كانوا يعلمون أنه ما زال حيًا خفت بريق عينيه: — لا... وربما يظنون أنني لن أعود. سأل الصغير ببراءة: — هل تشتاق إليهم؟ ابتسم ابتسامة شاحبة: — كل يوم. أومأت ماريا بعد أن ثبتت الضماد: — سيحتاج إلى الراحة. الحركة الآن قد تفتح الجرح. تنهدت كاتارينا وعقدت ذراعيها: — والراحة هنا تعني أننا نجازف بحياتنا جميعًا. خفض إريك رأسه: — هي محقة. كل دقيقة أبقى فيها تزيد الخطر عليكم. رفعت إيلينا نظرها: — وكأن خروجك الآن سيحل المشكلة. — على الأقل لن أكون سببًا في موتكم. جلست ماريا مقابلته: — لن نتخذ قرارًا قبل أن تستعيد بعض قوتك. الليلة لن تغادر إلى أي مكان. بدا الاعتراض على وجه كاتارينا لكنها لم تقل شيئًا. كان ميخائيل يراقب إريك بفضول: — هل كنت ضابطًا منذ بداية الحرب؟ — لا... كنت ملازمًا أولًا. — هل كنت تقود الجنود؟ ابتسم ابتسامة باهتة: — أحيانًا كانوا يظنون أنني أقودهم... بينما كنت أحاول فقط أن أعيد أكبر عدد منهم أحياء. فهمت ماريا المعنى فاكتفت بالنظر إليه بصمت. اقتربت إيلينا وأخذت المعطف العسكري. تأملت الشعار ثم طوته ووضعته بعيدًا: — هذا الزي أول شيء سيقتلك إذا رآه أحد. أومأ: — أعرف. — سنجد لك ملابس أخرى غدًا. نظر إليها باستغراب: — ما زلتِ تفكرين في الغد؟ أجابته بثبات: — طالما ما زلنا أحياء فعلينا أن نفكر في الغد. أشارت كاتارينا إلى آخر الممر: — الغرفة الخلفية فارغة منذ وفاة أليكسي. يمكنه البقاء فيها... لكن لن يخرج إلا عند الضرورة. وافقت ماريا. ساعدت إيلينا إريك على النهوض. كان يسير بصعوبة معتمدًا على الحائط حتى وصلا إلى الغرفة الصغيرة التي تضم سريرًا خشبيًا قديمًا وخزانة مهترئة ونافذة يكسوها الجليد. وقف يتأمل المكان ثم قال بصوت خافت: — بعد كل ما فعلتِه من أجلي لا أملك إلا كلمة واحدة. التفتت إليه: — لا تشكرني. — ولماذا؟ فتحت الباب وقالت دون أن تنظر إليه: — لأنني لست متأكدة بعد إن كان إنقاذك هو القرار الصحيح. أغلقت الباب. بقي إريك وحده يدرك أن حياته أصبحت معلقة بثقة أشخاص كان ينبغي أن يكونوا أعداءه. تابعت ماريا ابنتها بنظرة طويلة ثم التفتت إلى كاتارينا: — علينا أن نتصرف وكأن شيئًا لم يحدث. أجابت العجوز وهي تنظر نحو النافذة: — لو كان الأمر بهذه السهولة. اقترب ميخائيل من أخته وهمس: — هل سيبقى معنا فعلًا؟ وضعت يدها على كتفه: — حتى يستعيد عافيته فقط. — وإذا عاد الجنود؟ ترددت: — عندها سنفكر في حل. تنهدت كاتارينا: — هذه ليست خطة، بل أمنية. لم ترد إيلينا. كانت تعلم أن جدتها محقة لكنها لم تملك خيارًا أفضل. اتجهت ماريا إلى الموقد وأضافت حطبًا. قالت: — سيحتاج إلى طعام عندما يستيقظ. نظرت إيلينا إلى الرف حيث لم يبقَ سوى رغيف صغير وقليل من الحساء: — ليس لدينا ما يكفي. قطع كاتارينا الصمت: — مع شروق الشمس سأذهب إلى العم ياكوب. ربما يستطيع توفير بعض الدقيق. اعترضت ماريا: — الخروج الآن مخاطرة. — وتركه جائعًا مخاطرة أيضًا. قبل أن يرد أحد جاء صوت خافت من الغرفة الخلفية تلاه ارتطام. أسرعت إيلينا وفتحت الباب. كان إريك يحاول الوقوف مستندًا إلى حافة السرير لكنه فقد توازنه وسقط على ركبتيه. زفرت بضيق: — ألم أقل لك ألا تتحرك؟ أجاب وهو يحاول إخفاء ألمه: — لا أجيد البقاء بلا فائدة. مدت يدها تساعده: — إذن ابدأ بتعلم ذلك... لأنك إذا فتحت جرحك مرة أخرى فلن يستطيع أحد إنقاذك. أعادته إلى السرير وسحبت البطانية حتى غطت كتفيه. هذه المرة لم يقاوم. وقفت تتأكد من الضماد ثم تراجعت: — حاول أن تنام. نظر إليها وسأل بصوت خافت: — لماذا ما زلتِ تساعدينني؟ ترددت ثم أشاحت بنظرها نحو النافذة: — لا أعرف... وربما لا أريد أن أعرف. تركته وأغلقت الباب بهدوء. ساد هدوء ثقيل. أعادت ماريا ترتيب الضمادات بينما أضافت كاتارينا حطبًا. غلب النعاس ميخائيل فنام ملتفًا ببطانيته قرب النار. وقفت إيلينا أمام النافذة تراقب الثلج. كانت القرية تبدو ساكنة من جديد، لكنها كانت تعرف أن الهدوء في زمن الحرب لا يدوم. فجأة... طق... طق... طق. تجمدت في مكانها. لم يكن الصوت من الباب بل من النافذة. استدارت ماريا بسرعة ونهضت كاتارينا ممسكة بعصاها واتسعت عينا ميخائيل. تكرر الصوت أوضح. طق... طق... طق. اقتربت إيلينا ببطء من النافذة ويدها ترتجف فوق مقبض الستارة وهمست: — لم نكن ننتظر أحدًا...مرت خمس سنوات كاملة على ضفاف شاطئ "لونغ آيلاند" الساحر بنيويورك. كانت الأجواء مشمسة ودافئة، والمحيط يمتد أزرق صافياً، تلتقي أمواجه الهادئة بالرمال الذهبية في سلام تام. كان التوأمان ألكسندر وألكسندرا يركضان بضحكات عذبة على الرمال، يطاردهما ميخائيل الذي صار شاباً يافعاً يرقبهما بعناية وحذر أخيّ، وكأنه حارسهم الشخصي الأبدي. وعلى مقربة منهما، تجلس ليليان تبتسم وهي تتابع طفلها "فيديريش الصغير" يلعب بهدوء ويبني قصوراً رملية، ب ينما تجلس الجدة ماريا تحت ظلال المظلة الصيفية تحيك الصوف برضا، وهي ترى شجرة عائلتها المورقة تنمو بعيداً عن أشباح الحرب القديمة ودمارها الذي أكل الأخضر واليابس. حققت إيلينا نجاحاً باهراً؛ إذ غدت دار الأزياء التي أسستها بالشراكة مع إليانور علامة فارقة تتصدر مجلات الفن العالمية، مزجت فيها بين أناقة الشرق الكلاسيكية وقوة الغرب الحديثة. أما إريك، فقد طوى صفحة الجندية والحروب إلى غير رجعة؛ استثمر خبرته العسكرية والتكتيكية ليصبح رجل أعمال ناجحاً في مجال التجارة والملاحة البحرية، مكرساً كل لحظة من حياته ليكون الأب المخلص والزوج العطوف الذي يعوض عائلته عن كل دقيقة خوف
شخصت الأبصار نحو أفق برلين المشتعل؛ صفارات الإنذار لا تهدأ، وأصداء القصف الجوي تدوي كأنها الهزيم الدائم. في حي الشارع السفلي، حيث تقيم ماريا وزوجها، بينما كان ميخائيل صغير عند ايلينا ،اخترقت قذيفة عشوائية المبنى المباشر. سقطت الأسقف الترابية، وانفجر الغبار العاتية ليحجب الرؤية كلياً. كان زوج ماريا قد اندفع ببطولة استثنائية وجسد أجسادها، ليتلقى الردم المتساقط والشظايا القاتلة بنفسه، دافعاً إياها تحت الطاولة الخشبية الفولاذية. سقط الزوج صريعاً ومات في الحين، بينما غاصت ماريا تحت الأنقاض، جريحة ومغمى عليها من شدة الصدمة والدخان. وصل إريك وإيلينا إلى الموقع وسط فزع عارم، والأنقاض تدخن في كل زاوية. — «أمي! أميييي!» صرخت إيلينا بدموع حارقة وهي تحاول اقتحام الركام، لكن إريك مسكها بقوة وسحبها للخلف. — «إيلينا اهدئي! المكان ينهر بالكامل!» قال إريك ونبرته مشدودة من القلق. — «أمي بالداخل يا إريك! اتركني!» بكت إيلينا وهي تعتصر ثوبها. تقدم بعض الأهالي والمنقذين المذعورين، وهتف أحدهم بنبرة يائسة: «لا يوجد أحياء تحت هذا الجانب! المبنى سحق من فيه كلياً!» انهارت إيلينا على ركبتيها بين يدي إريك
في تلك الأجواء الحرب الصعبة كان فالكن وإليزابيث قد توجها إلى المقر الإداري للقيادة العسكرية في قلب المدينة لتدمير الوثائق السرية الخاصة بعائلة فونشتاين وتأمين أوراق التسريح النهائي لإريك ليتمكنوا من الفرار. لكن الغارات لم ترحم أحداً؛ سقطت القذائف المباشرة على المقر، لينهار المبنى الضخم المكون من أربعة طوابق فوق رؤوس من فيه، محولاً الأروقة إلى ركام وهباء. وصل إريك إلى الموقع بعد شروق الشمس مباشرة، يقود سيارته العسكرية القديمة وسط الشوارع المحطمة. عندما ترجل أمام جبل الأنقاض، جمدت الدماء في عروقه. جثا على ركبتيه بين الركام المشتعل، وبدأ يحفر بيديه العاريتين بلا رحمة، يرفع الحجارة الثقيلة والحديد المنصهر وأصابعه تدمى، صامتاً كالصخر دون أن تخرج منه زفرة واحدة. وقف جنود الدعم من حوله يرقبون ذهوله بقلق، حتى تمكن من إخراج جثمان والدته إليزابيث وبجوارها فالكن الذي ألقى بجسده فوقها في لحظاته الأخيرة ليكون سداً دون القذيفة. أعاد إريك جثمانيهما إلى حديقة الفيلا الخلفية. في الشتاء القارس، وتحت زخات المطر والرماد المتساقط، حفر إريك القبرين بمفرده، يرفض مساعدة أي شخص. وقفت إيلينا على مقربة من
لم تدم هدأة بال برلين طويلاً؛ إذ سرعان ما تحولت تلك السكينة المؤقتة إلى كابوس داكن يطباق على أرجائها. بدأت نُذر العاصفة تتسلل إلى العاصمة القيصرية بثقل مريع، وأخذت أجهزة الراديو تصدح بأخبار التراجع الجماعي والانكسارات المتتالية. لم تعد الحرب مجرد عناوين تتصدر الصحف اليومية، بل أضحت صفيراً مريعاً لصفارات الإنذار التي باتت تقطع هدوء الليل، وأدخة متصاعدة تشوه أفق المدينة كلما ألقت طائرات الحلفاء حممها على الضواحي الجنوبية. في الفيلا العائلية، كانت الأجواء مشحونة بقلق مكتوم. الدخان المتصاعد من بعيد يصبغ السماء بلون الرماد، والوجوم يخيم على الوجوه، بينما كانت إيلينا تجلس عند الطاولة الخشبية الكبرى، تحاول تهدئة ميخائيل الصغير الذي كان يتعقب حركتها بعينين مرعوبتين. انفتح الباب الخارجي بحدة، ودخلت السيدة مريم وزوجها جوزيف، وبصحبتهما كريستوف ولين. كانت الحقائب المحزومة في أيديهم تخبر عن قرار حاسم لا رجعة فيه. أسرعت إيلينا نحوهم، وساد الصمت لثوانٍ قبل أن تتقدم السيدة مريم وتضم إيلينا بحرارة، واعتصرت كفيها بنبرة يختنق فيها الرجاء بالتوسل: — «إيلينا.. لم يعد هناك وقت للمجازفة. الأوضاع تتداعى
استعاد العقيد إريك فونشتاين كامل لياقته وقوته، وكأن جسده الفولاذي أبت الإذعان للجراح والغيبوبة. عادت بسالته المعهودة، على الرغم من الغيوم المتلبدة فوق سماء البلاد، قرر إريك أن يهب زوجته استراحة طال انتظارها بعيداً عن أروقة برلين وضوضائها. أودعا التوأمين ألكسندر وألكسندرا تحت الرعاية الحنونة للجدة ماريا وإليزابيث، وانطلقا في رحلة خاصة نحو الكونتريهاوس؛ ذلك المنتجع الريفي الساحر القابع على ضفاف نهر "إلبه"، حيث تحيط بالأكواخ الخشبية أشجار الصنوبر الشاهقة وصوت جريان المياه العذبة. حل المساء هادئاً كحلم استثنائي. كان الشتاء يلقي ببرودته الخفيفة على الزجاج الخارجي، بينما في الداخل، كانت ألسنة اللهب البرتقالية تتراقص بدفء في المدفأة الحجرية الكبرى، لتسقط ظلالاً دافئة على السجادة الصوفية الناعمة. كانت إيلينا تجلس أمام النار، ترتدي رداءً حريرياً باللون العاجي. شعرها الاسود ينساب على كتفيها بطلة آثرة. تقدم إريك بخطوات هادئة، وجلس خلفها تماماً. أحاط خصرا بنعومة بساعديه القويين، وأسند ذقنه على كتفها، يستنشق عبير شعرها الذي طالما كان ملجأه الوحيد في جحيم الموت. — «أخيراً.. نحن بمفردنا يا
اقتحم الفريق الطبي غرفة العناية المركزة بلهفة عارمة، تحيط بهم أجهزة الكشف وأدوات الفحص الطارئة، بينما كانت إيلينا تقف عند الزاوية تستند إلى الجدار، ويدها ترتجف فوق بطنها. فحص الجراح الرئيسي حدقتي إريك وخطوط نبضه، ثم التفت نحو إيلينا المتألمة بنبرة هادئة يحاول بها امتصاص ذعرها: — «اهدئي يا سيدة إيلينا.. استجابته الواعية وافتضاض عينيه واستنطاق اسمكِ أدلة قطعية على نجاة دماغه من التلف. لكن جسده المنهك من العملية المعقدة آثر التراجع إلى غيبوبة عميقة كآلية دفاعية للتعافي. الجسد يرمم نفسه بنفسه، ولا يمكننا تحديد موعد دقيق لاستفاقته الكاملة.. قد تكون أياماً، وقد تمتد لشهور.» شعرت إيلينا بغصة حارقة تخنق حنجرتها. كان الحزن يحاول جرف روحها مجدداً، لكنها رفعت رأسها بكبرياء وثبات، ونظرت إلى وجه زوجها النائم: — «سأنتظره.. مهما طال الوقت.» مرت أربعة أشهر كاملة كأنها دهور متطاولة. أربعة أشهر وإريك يرقد في تلك الغيبوبة الصامتة، بينما لم تغادر إيلينا المستشفى إلا لسبل نادرة. أصبحت مقيمة في الغرفة المجاورة له، تمسك بيده كل صباح، تقرأ له الفصول من رواياتهما المفضلة، وتستند بكفها الناعمة على بطنها ا







