LOGINتدور أحداث الرواية حول حور، فتاة بشرية عادية تنقلب حياتها رأسًا على عقب بعد حادثة غامضة مرتبطة بمقبرة مهجورة، قادها القدر إلى عالمٍ لم يكن للبشر مكان فيه… عالمٍ تحكمه قوى خفية، وتخضع فيه الجان لملكٍ لا يجرؤ أحد على تحدّيه. آزار… ملك الجان، الرجل الذي ارتعدت الممالك من ذكر اسمه، والذي لم يعرف قلبه يومًا معنى الرحمة أو الحب. كان قويًا، غامضًا، متكبّرًا، تحيط به هالة من الهيبة تجعل الجميع ينحنون أمامه… حتى ظهرت هي. حور. إنسية بقلبٍ من طين، لكنها كانت الوحيدة التي استطاعت أن تشعل في صدره نارًا لم تستطع قرونٌ من الظلام إخمادها. كان ينبغي عليه أن لا يعشقها… فهي بشرية، وهو ملكٌ من عالمٍ آخر. وكان ينبغي عليها أن تهرب منه… فهو أخطر مخلوق يمكن أن تقع بين يديه. لكن شيئًا غريبًا كان يجذبهما إلى بعضهما، كلما اقتربت حور من آزار، ازداد الصراع بداخله بين ملكٍ اعتاد أن يأمر… ورجلٍ بدأ يخشى أن يفقد الأنثى الوحيدة التي استطاعت الوصول إلى قلبه. وفي عالمٍ لا يُسمح فيه بالحب بين الإنس والجان، ستجد حور نفسها أمام خيارٍ مستحيل: إما أن تهرب من آزار وتنقذ قلبها… أو تبقى إلى جواره وتكتشف أن أخطر شيء في ملك الجان لم يكن قوته، بل عشقه لها.
View Moreكانت جالسة بين الصخور، تحدّق في البحر بصمت.
أمامها، كانت الأمواج ترتطم بالصخور بعنف، مطلقةً هديرًا صاخبًا يتردد في المكان، بينما ظلت هي ساكنة، كأنها لا تسمع شيئًا، وكأن ضجيج البحر أهون بكثير من الضجيج الذي يعصف داخل رأسها. كانت عيناها الخضراوان تحملان ألمًا يفوق قدرتها على الاحتمال؛ باهتتين، تحيط بهما هالات داكنة، ووجهها شاحب، كأنها لم تعرف النوم منذ زمن. أما شعرها الأشقر الطويل، فكان منسدلًا حولها بعشوائية، تعبث به نسمات البحر بين الحين والآخر، فتزيح بعض خصلاته عن وجهها قبل أن تعيدها الرياح إلى مكانها. كانت بنيتها الجسدية متوسطة؛ لا طويلة ولا قصيرة، ولا نحيلة ولا ممتلئة، وكل شيء فيها متناسق... إلا تلك الروح التي بدت وكأنها تحطمت من الداخل، وتركت جسدها يعيش وحده. ظلت تحدّق في الأفق دون أن ترمش تقريبًا. كانت تبحث عن شيء لا تعرف اسمه. عن راحة. عن حياة عادية. عن يوم واحد فقط لا تشعر فيه بالخوف. مرت ساعة... ثم أخرى... والوقت ينساب من حولها ببطء، حتى بدأت الشمس تنسحب من السماء شيئًا فشيئًا، وبدأت الدنيا تظلم. لكن حور لم تتحرك. ومع حلول المساء، لم تشعر إلا بيد خشنة تنغرس في شعرها وتجرّها بعنف. شهقت بفزع، والتفتت مذعورة، لكنها لم تملك حتى فرصة للكلام. وبمجرد أن رفعها الرجل، هوت صفعة قوية على وجهها، جعلتها تترنح، وكادت تفقد وعيها. تجمدت للحظة، ثم انهمرت دموعها بصمت كالشلال. لم تقل شيئًا. لم تعد تملك حتى الطاقة لتدافع عن نفسها. أمسكها الرجل من ذراعها وجرّها خلفه دون رحمة. حور: «آه... أرجوك... اتركني... أنا سأمشي معك... فقط لا تضربني...» لكنه لم يجب. أركبها في سيارة أجرة، ثم انطلق مسرعًا. طوال الطريق، لم تتوقف حور عن البكاء. كانت تنظر من النافذة، والدموع تنساب على خديها، بينما كانت الأسئلة تنهش عقلها. لماذا؟ إلى متى سيبقى هذا حالها؟ ماذا فعلت حتى تستحق كل هذا؟ --- دخل إبراهيم إلى البيت وهو يجرّها خلفه، بينما كانت حور تصرخ وتقاوم بكل ما بقي لديها من قوة. حور: «أبي... أرجوك... لم أفعل شيئًا! والله ما فعلت شيئًا!» لكن إبراهيم لم يكن يسمع. وما إن رأتهما عائشة حتى أسرعت نحوهما، وقد ارتسم الرعب على وجهها. عائشة: «إبراهيم!!! إبراهيم، أتوسل إليك... سامحها هذه المرة فقط! أرجوك!!» حاولت تخليص ابنتها من بين يديه، لكنه أبى أن يتركها. عائشة: «اتركها يا إبراهيم! إنها خائفة! انظر إليها!» دفع إبراهيم حور أرضًا، ثم انهال عليها بالضرب. صرخت عائشة وهي تحاول إبعاده عنها: «كفى! كفى يا إبراهيم! ستقتلها!» لكن غضبه كان قد أعمى عينيه. لم يتوقف حتى أفرغ كل غضبه عليها. وحين انتهى، كانت حور قد انكمشت قرب الحائط، ضامّةً رجليها إلى صدرها، تبكي بصمت. كان إبراهيم يلهث بشدة، وعيناه حمراوان كالجمرة. «هل تريدون قتلي؟! بسبب ابنتك المعتوهة هذه؟! لم أعد قادرًا على رفع وجهي أمام الناس! لقد حذرتكِ! اهتمي بها وإلا سأقتلها وأذهب إلى السجن!» توقف لحظة، ثم تابع بغضب أشد: «هل في كل مرة تظل هائمة في الشوارع كالمجنونة؟! إلى متى سأتحمل هذا؟! لقد حذرتك!» كانت عائشة تحتضن حور، والاثنتان تبكيان معًا. عائشة: «أنت تعلم ما حدث لها... ابنتي لم تفعل ذلك بإرادتها.» نظر إليها ببرود قاسٍ. «ليس شأني يا سيدة! احبسيها، اربطيها... أقول لكِ أمسكي ابنتك! لقد فضحتموني أمام الناس!» عائشة: «لكنها ابنتك أيضًا...» إبراهيم: «لا تذكّريني بهذا! أنا أريد أن أعيش بسلام.» ألقى كلماته الأخيرة ثم خرج، تاركًا خلفه أمًا منهارة وابنة مكسورة. جلست عائشة للحظات لا تدري ماذا تفعل. كانت تنظر إلى ابنتها وكأنها ترى عمرها كله أمام عينيها. ابنتها التي ضاع شبابها... بينما الفتيات في مثل سنها يتوظفن ويتزوجن، كانت حور تقضي أيامها سجينة خوفها، وأسيرة ما حدث لها. اقتربت منها، ورفعتها بين ذراعيها، وأخذت تمسح دموعها بيدين ترتجفان. عائشة: «أرجوكِ يا ابنتي... يكفي. إنكِ تحرقين قلبي... روحي تحترق عليكِ.» ارتجفت شفتا حور، وحاولت الكلام، لكن الكلمات خرجت متقطعة بين شهقاتها. حور: «أنـ... أنا... أنا فقط كنـ... كنت أريـ... أريد الخـ... الخروج قليلًا إلى البحر... لقد مللت في البيت...» ثم انفجرت بالبكاء. حور: «أنا والله لست مجنونة! أنـ... أنا لـ... لست مجنونة يا أمي... لست كذلك!» كانت تبكي بحرقة، وكأنها لا تدافع عن نفسها أمام أمها فقط، بل أمام العالم بأسره. عانقتها عائشة بقوة، وأخذت تربت على كتفها، تهمس لها بكلمات تهدئها. عائشة: «أعرف يا ابنتي... أعرف أنكِ لستِ مجنونة. أمكِ تصدقك... لا تخافي.» وبقيت تحتضنها حتى غلبها النوم. --- ✦ في منتصف الليل... ✦ «أمم... أمممم... آآآه... آآآه...» كانت حور نائمة وسط غرفة غارقة في الظلام. العرق يتصبب من جبينها، وجسدها يتحرك باضطراب فوق الفراش، بينما كانت تتمتم بكلمات غير مفهومة. حولها، كانت أصوات كثيرة تتداخل... أحاديث... همسات... ثم ضحكات عالية مخيفة، تزداد قوة مع كل لحظة. «ههههه... أهههههههه... ألم أقل لكِ إنكِ ستتعذبين؟!» ثم جاء صوت يناديها من مكان بعيد: «حووور... حوووووور... تعالي...» قبضت حور على الفراش بيديها بقوة. ازداد صوت الضحك. أعلى... وأعلى... حتى شعرت وكأن الغرفة كلها امتلأت به. وفجأة، فتحت عينيها مذعورة. شهقت بقوة، وصوت أنفاسها يعلو في الغرفة. حور: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم... أعوذ بالله من الشيطان الرجيم...» كان شعرها ملتصقًا بجبينها من شدة العرق. أبعدته بيديها، ثم ابتلعت ريقها بصعوبة. كان حلقها جافًا. نهضت من السرير وهي تريد أن تشرب. وضعت إحدى قدميها على الأرض... لكن قبل أن تضع الأخرى... لم تشعر بنفسها إلا وهي تسقط وسط الماء! --- غاص جسدها إلى الأعماق. الماء يحيط بها من كل جانب. فتحت عينيها، فلم ترَ سوى الظلام. حاولت الصعود. حرّكت يديها بعنف. ضربت برجليها. صرخت. لكن صوتها اختفى وسط الماء. شيء ما كان يسحبها إلى الأسفل... أكثر... فأكثر... حاولت المقاومة، لكن جسدها بدأ يضعف. اختنق نفسها، وبدأ وجهها يزرق، ولم تعد قادرة على التنفس. ثم ظهر أمامها نور. نور قوي... ساطع... يقترب منها بسرعة. مدّت يديها نحوه، تلوّح بهما بيأس، لعل شخصًا ما ينقذها. لكن النور اقترب أكثر... وأكثر... حتى شعرت أنه اخترق جسدها بالكامل. وفي رمشة عين... اختفى كل شيء. --- فتحت عينيها. كانت في سريرها. كان مجرد حلم. أخذت تدير عينيها في الغرفة، ونور الفجر يتسلل بهدوء من النافذة، فقد قارب النهار على البزوغ. كانت الصدمة واضحة على وجهها. مدّت يديها تتحسس ملابسها. ثم الفراش. تجمدت في مكانها. كانت ملابسها مبللة. والسرير كذلك. بل إن الماء كان يتساقط وينساب على الأرضية! اتسعت عيناها رعبًا. حور: «لا... لا... مستحيل!» ثم خرجت منها صرخة واحدة، حادة ومفزعة، تردد صداها في أرجاء البيت.عَمَّتِ الفوضى، وتعالى ضجيج المارة الذين توقّفوا يراقبون المشهد بفضول وذهول، بينما اختلطت الأصوات من حولها بين تساؤلاتٍ وصيحاتٍ متقطعة. وما هي إلا لحظات حتى انطلق مصطفى يركض كالمجنون بين الحاضرين، يتخبط بينهم من شدة اضطرابه، فأفسحوا له الطريق بدهشة، وقد ارتسم القلق على وجوههم. كانت حور تتابع المشهد بعينين جاحظتين، عاجزة عن استيعاب ما يحدث أمامها. لكن ما إن رأت الحشود تلتف حولها، حتى شعرت بالاختناق، وكأن المكان يضيق عليها من كل جانب. اتجهت إلى سيارتها وأدارت محركها بسرعة، وانطلقت نحو المجهول، وقلبها يخفق بعنف، بينما كانت وطأة الصدمة تثقل صدرها وتشتت أفكارها. طوال الطريق، لم تستطع أن تفكر في شيء سوى ما حدث قبل قليل. رن هاتفها المحمول. انتفضت، والتقطته، ثم أجابت بصوت متوتر: –«نعم يا أمي!» جاءها صوت عائشة من الطرف الآخر مرتجفًا، تختنقه العبارات: – «حور... ابنتي... أبوكِ أُصيب في حادثة سير...» تجمّدت حور في مكانها، وكأن الكلمات أصابت قلبها مباشرة. – حور بذعر: «يا إلهي... ماذا تقولين؟! هل هو بخير؟!!» حاولت عائشة أن تتمالك نفسها، وأجابتها، وهي تحاول طمأنتها: –«لا
أشرق صباح جديد بنسماته الباردة والنقية، حاملاً معه يوماً جديداً لم تكن حور تعلم أنه سيقلب هدوءها رأساً على عقب. كان مصطفى يقف متسمراً أمام باب المطعم كعادته اليومية، ينتظر إطلالتها بلهفة واشتياق يكاد يلتهمه. ظل يراقب الطريق، وما إن لمحها قادمة حتى اعتدل في وقفته، وكأن رؤيتها وحدها قادرة على إشعال الأمل في قلبه من جديد. لكن ما إن رأته حور حتى شعرت بنيران الغضب تسري في عروقها. اشتدت ملامحها. وأقبلت نحوه بخطوات سريعة وثابتة، وقفت أمامه مباشرة، وقالت بنبرة حادة وصارمة: — «إلى متى ستبقى هكذاااا؟! ألا تملّ أبداً من هذه المطاردة؟!» فتح مصطفى فمه محاولاً الحديث: — «حور، أنا فقط أريد أن—» قاطعته بحدة: — «لا أريد أن أسمع شيئاً!» ثم ثبتت عينيها عليه وقالت: — «أنا لستُ قدرك يا مصطفى، ولست جزءاً من حياتك! أرجوك، لا تخنقني بهذا الشكل ولا تفرض وجودك عليَّ! لقد قلت لك إنني لا أريدك في حياتي، فلماذا لا تحترم قراري؟!» تألم مصطفى، لكنه لم يستسلم: — «لأنني لا أستطيع نسيانكِ...» أغمضت حور عينيها للحظة. — «وهذه مشكلتك يا مصطفى، وليست مشكلتي.» ساد الصمت. لكن خلف ذلك الصمت
خطت حور عتبة البنك بخطوات واثقة، تعكس صلابة حضورها وهيبتها، اتجهت مباشرة نحو موظف الاستقبال. — «مرحباً، هل المدير موجود؟» رفع الموظف رأسه إليها، وما إن عرفها حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة احترام. — «أهلاً بكِ يا آنسة، نعم، هو في الداخل.» أومأت له شاكرة، ثم اتجهت نحو مكتب المدير. طرقت الباب طرقات خفيفة، وما إن جاءها الإذن بالدخول حتى فتحته، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة. كان رجلاً في الخمسينات من عمره، وما إن وقع بصره عليها حتى نهض من مقعده مرحباً بها بحرارة. — المدير: «أهلاً وسهلاً بالآنسة حور.» مد يده إليها، فصافحته باحترام متبادل. — حور بامتنان: «شكراً جزيلاً لك على حسن الاستقبال.» أشار إلى المقعد المقابل له بإيماءة ودودة. — «تفضلي بالجلوس، ارتاحي.» جلست حور على المقعد الوثير، بينما عاد هو إلى مقعده، ثم نظر إليها باهتمام وسألها: — «ماذا تشربين؟» — «كأساً من الماء البارد لو سمحت.» رفع حاجبيه بدهشة، ثم ابتسم قائلاً: — «هذا محال وغير معقول أبداً! تأتين إلى زيارتنا شخصياً ولا نحتفي بكِ كما يليق؟!» ثم التقط هاتفه المكتبي على الفور، واستدعى السكرتيرة، وأ
في مكان آخر تماماً، بعيداً عن صخب الأفراح وضحكات النساء وزغاريدهن، كان قصر أزار يعج بسكون مهيب. كان الصمت فيه ثقيلاً، كأنه يخبئ خلف جدرانه أسراراً لا يجرؤ أحد على النطق بها. دخلت ايلارا إلى جناحه مرتدية فستاناً أسطورياً من أجود الأثواب، مرصعاً بخيوط الذهب الخالص، مصمماً بقصة ضيقة تتماشى مع تناسق جسدها الفاتن. كانت خطواتها مترددة رغم محاولتها إخفاء ذلك. اقتربت منه. كان يقف أمام لوحته، ممسكاً بريشته، غارقاً في عالمه الخاص وهو يرسم حور كعادته. شعر بقدومها ووقع خطاها، لكنه لم يلتفت إليها قط. أكمل لوحته ببرود، كان يجد في الرسم ملاذاً وخلوة مقدسة تبعده عن همومه الشخصية والعملية الثقيلة، وتمنحه شيئاً من السلام الذي لم يعد يجده في حياته. وقفت ايلارا خلفه للحظات، تحدق في ظهره بصمت. ابتلعت غصتها، وحاولت كتم غيظها وعصبيتها المشتعلة في صدرها، ثم نطقت بصوت خافت: — جلالتك... لم يجبها. ولا حتى بإيماءة. تابعت بصوت يقطر ندماً وتوسلاً: — أعلم أن غضبك مني شديد... لكنني أقسمت لك بصدق أنني ندمت. لقد مرت ثلاث سنوات كاملة وأنت هاجر لفراشي، وأنا أموت كل يوم ألف مرة في غيابك. أكاد





