登入تحت الثلوج المتساقطة تجمع أهل فيرينوفا في ساحة القرية بصمت ثقيل. البرد كان يلسع الوجوه، لكن لم يجرؤ أحد على مغادرة مكانه. وقف الجنود على جانبي الساحة بينما تقدم الضابط بخطوات هادئة وألقى نظره على الحشد.
منذ هذه اللحظة تُغلق جميع مداخل القرية ومخارجها، قال بصوت واضح. فساد همس خافت بين الناس. لا أحد يغادر ولا أحد يدخل حتى نعثر على الضابط الألماني الهارب. ومن يخفيه سيُعامل كخائن. سأل أحد الرجال بصوت متردد وماذا لو لم نره أصلًا؟ نظر إليه الضابط ببرود وأجاب أتمنى أن يبقى الأمر كذلك. ثم أشار إلى أحد الجنود فتقدم وعلق ورقة كبيرة على لوح الإعلانات في وسط الساحة. اقترب القرويون ليقرأوها. وتجمدت إيلينا في مكانها حين رأت صورة الضابط المطلوب. لم تكن واضحة تمامًا لكنها كافية لأن يتعرف عليه أي شخص رآه عن قرب. خفضت رأسها بسرعة كي لا يلاحظ أحد ارتباكها. سيبدأ التفتيش من اليوم وسيستمر حتى نعثر عليه، قال الضابط قبل أن يستدير ويغادر. وبدأ الناس يتفرقون بصمت، وكل واحد ينظر إلى الآخر بشك. عادت إيلينا إلى المنزل وهي لا تفكر إلا بسؤال واحد: إلى متى سننجح في إخفائه؟ استيقظت القرية على صباح رمادي بارد. غطت طبقة جديدة من الثلج أسطح المنازل الخشبية وتصاعد الدخان من المداخن بصعوبة تحت سماء ثقيلة. منذ إعلان الإغلاق أصبحت الأزقة أكثر هدوءًا ولم يعد أحد يخرج إلا للضرورة. مر يومان ثم ثالث ولم يطرق الجنود باب منزلها، لكن الخوف لم يغادر المكان. لم يعد لدينا سوى كيس دقيق واحد، قالت ماريا. والبطاطس أيضًا أوشكت أن تنتهي، أضافت كاتارينا. سأذهب إلى السوق، قالت إيلينا. لا، ردت ماريا بحزم. أمي... قلت لا. لن أبقى سجينة داخل البيت. القرية مليئة بالجنود. لهذا سأعود بسرعة. ظل إريك صامتًا يراقبهما ثم قال دعيها تذهب. ضحكت ماريا بسخرية بالزي الألماني؟ أستطيع تغطية وجهي، أجاب. وتمشي بجرحك هذا؟ قالت إيلينا وهي تقترب منه. قف. وقف. امشِ. خطا خطوتين ثم توقف وهو يضغط على جانبه. انتهى الاستعراض؟ قالت بابتسامة. كنت قريبًا، زفر بضيق. كنت على وشك السقوط. ضحك ميخائيل وقال ألم أقل لك إن أختي ستكشف كذبك. يبدو أنك دائمًا في صفها، نظر إليه إريك. لأنها أختي، أجاب الصغير ببساطة. جواب مقنع، ابتسم إريك. بعد ساعة ارتدت إيلينا معطفها الصوفي وربطت وشاحها. أوصتها أمها ألا تتأخر، وحذرتها كاتارينا من الجنود فأجابت أنها ستغير الطريق إذا لزم الأمر. نظرت إلى إريك قبل الخروج وطلبت منه أن يبقى مكانه ولا يعبث بجرحه، فأومأ لها. كان السوق صغيرًا نصف أكشاكه مغلقة بسبب الحرب والوجوه التي تمر فيه تحمل تعبًا أكثر من الكلام. وبينما كانت تضع ما استطاعت شراؤه في سلة صغيرة ناداها صوت مألوف. التفتت فوجدت نيكولاي يقف قرب عربة حطب. سألها عن والدتها وأشار إلى السلة الفارغة تقريبًا ثم مد لها كيس دقيق. رفضت في البداية لكنه أصر مبتسمًا. دار بينهما حديث قصير عن تغيرها منذ ليلة القصف، فقالت إن الحرب تغير الناس. عرض عليها أن تخبره إذا كانت تمر بمشكلة فشكرته وقالت إن بعض الأمور لا يمكن الحديث عنها. ابتسم وقال سأنتظر حتى يأتي اليوم الذي تثقين بي فيه، ثم ودعها. لم تلاحظ أن أحد الجنود كان يراقب حديثهما من بعيد. وفي طريق العودة أوقفها جندي فوق حصانه وسألها مع من كانت تتحدث. أخبرته أنه جارها نيكولاي وأنه عرض عليها دقيقًا ورفضت. ابتسم الجندي ساخرًا وطلب منها أن تبلغهم إذا رأت أي شخص غريب قبل أن يبتعد. ما إن دخلت المنزل حتى أخبرتهم بما حدث. تغير وجه إريك وقال إن هذا يعني أنهم بدأوا يسألون عن كل من يدخل ويخرج. جلست بجانبه تلاحظ يده على جرحه فسألته إن كان الألم قد عاد فأنكر. دخلت كاتارينا بها إلى المطبخ وسألتها بصراحة هل بدأت تثقين بذلك الألماني؟ صمتت إيلينا ثم همست لا أراه كما رأيته أول مرة. وضعت كاتارينا يدها على كتفها وحذرتها بأن الحرب قد تغير الوجوه لكنها لا تغير الحقائق. في الغرفة كان إريك يقف أمام النافذة يتأمل الثلوج. اقتربت منه وطلبت أن يجلس ليرتاح فجلس أخيرًا ومدت له كوب شاي. دار بينهما حديث خفيف أضحك ميخائيل وأعاد الضحكة إلى البيت لأول مرة منذ أيام. لم يدم الهدوء. طرق الباب مرتين. اقتربت إيلينا بحذر وفتحته قليلًا فكان نيكولاي. نظر حوله ثم أخبرها أن الجنود سيبدؤون غدًا تفتيشًا أدق، سيدمرون الأرضيات ويفتشون الأقبية والحظائر. ساد الصمت. شكرته وأغلقت الباب. التفتت إلى الجميع. قال إريك بهدوء سأغادر الليلة. مستحيل، ردت فورًا. إذا فتشوا المنزل غدًا سينتهي الأمر. لن تخرج بجرحك هذا. سأجد مكانًا آخر. وأين؟ سأتعلم. ستتجمد قبل أن تتعلم، قالت وهي تقترب منه. لا أريد أن تموتي بسببي، همس. ونظرت إليه دون أن ترمش وأجابت ومن قال إنني سأسمح لك بالموت وحدك؟ ساد صمت ثقيل. تبادلت ماريا وكاتارينا نظرة سريعة. كانت تلك أول مرة تخرج فيها هذه الكلمات من إيلينا دون تفكير. أما هو فاكتفى بالنظر إليها، وكأنه لم يجد جوابًا يناسب ما سمعه.اختار إريك المكان عن عمد. الشاطئ المهجور نفسه الذي شهد قبل أشهر لحظات دفء نادرة بينهما، حين كانت الأمواج هادئة والرمال دافئة. اليوم كانت السماء رمادية ثقيلة كالرصاص، والرياح تعصف بقوة ترفع رذاذ البحر عالياً حتى يضرب الوجوه كالإبر، والأمواج تتكسر بعنف على الصخور السوداء كأنها غاضبة معهما. وصلت إيلينا برداء أسود طويل يلتصق بجسدها مع كل هبة ريح، ورأسها مرفوع كأنها تحمل تاجاً غير مرئي. نزلت من سيارتها بخطوات ثابتة واتجهت نحوه دون أي تردد. كان إريك يقف متكئاً على سيارته العسكرية بزيه الرسمي الكامل، شعره يتطاير، ونظراته تثقب المسافة كأنها تريد أن تمزق الهواء بينهما. توقفت على بعد خطوات قليلة وأخرجت من حقيبتها ورقة الطلاق والقلم، ومدّتهما إليه بصوت بارد جليدي يقطع العاصفة: — «أردتُ اللقاء لأوقع أمامك وننهي هذا العبث يا إريك. وقّع وانتهِ الأمر.» لم يمد يده إليها. تقدم بخطوات واثقة بطيئة يأكل المسافة حتى صار قريباً جداً، قريباً لدرجة أن رائحة البحر اختلطت بأنفاسهما. خطف الورقة من يدها في حركة واحدة سريعة ومزقها إرباً أمام عينيها، ثم رمى الشظايا في الهواء فخطفتها الرياح فوراً نحو الأمواج ال
دخلت صوفيا مكتب إريك في الفيلا دون أن تطرق الباب. وجدته جالساً على الكرسي الكبير خلف المكتب، منحنياً إلى الأمام، يمسك برسالة إيلينا بكلتا يديه بقوة كأنه يخشى أن تطير من بين أصابعه. كانت ملامحه منهارة تماماً، وعيناه محمرتان، ويكاد الدمع يفر رغم محاولاته اليائسة لكتمه. لم يرفع رأسه حتى عندما اقتربت. وقفت صوفيا أمامه لحظة ثم مدت يدها وأخذت الورقة برفق. قرأت الكلمات القصيرة مرتين، ثم رفعت رأسها بصدمة ظاهرة في عينيها: — «هي جادة في هذا؟ طلاق حقيقي؟ همس إريك بصوت مبحوح مكسور كأنه يخرج من أعماق بعيدة: — «انتهى كل شيء في ليلة واحدة.. وأنا من فتح الباب بنفسي.» جلست صوفيا على الكرسي المقابل وأمسكت يده بقوة، قالت بنبرة حنونة تحاول أن تجد ثغرة في جدار الألم: — «إيلينا تحبك يا إريك. أنا أعرفها. وأنت سندها الوحيد في هذه البلاد الغريبة. ليس لها مكان آخر تلجأ إليه غيرك. ستعود بالتأكيد بمجرد أن تهدأ العاصفة داخلها.» هز رأسه ببطء ثقيل ثم رفع عينيه إليها لأول مرة، وفيهما مزيج من اليأس والرجاء: — «العاصفة التي صنعتها أنا. تركتها وحدها في ذلك الحفل.. ثم وجدتني في مكان لا يجب أن أكون فيه. كيف تعود
وصلت إيلينا إلى الفيلا وحيدة يعتصر قلبها الألم. صعدت الدرج بخطوات متعبة وتوجهت نحو غرفة شقيقها الصغير ميخائيل. فتحت الباب بهدوء فرأت والدتها ماريا تحتضنه ونائمة بجواره في أمان تام. ابتسمت بأسى وأغلقت الباب ثم اتجهت إلى غرفتها. دخلت الحمام ووقفت تحت الماء الدافئ طويلاً كأنما تحاول غسل مرارة الليلة عن جسدها. وما إن استلقت على السرير حتى رن هاتفها. رفعت السماعة بصوت خافت فجاءها صوت إيفا المسموم المليء بالشماتة: — «إن كنتِ تبحثين عن زوجكِ العظيم يا إيلينا.. فهو الآن في سريري وبين أحضاني ينعم بليلة دافئة نسيكِ فيها تماماً.» سقط سماعة الهاتف من يد إيلينا. نهضت كالمجنونة وارتدت معطفها بسرعة وطلبت من حارس الفيلا توصيلها فوراً إلى قصر هنريش. اقتحمت القصر دون أن تنتظر إذناً وصعدت الدرج نحو غرفة إيفا. دفعت الباب بقوة فتجمدت في مكانها. كان إريك مستلقياً على السرير في غيبوبة سكر ثقيلة، والغطاء يغطي نصفه السفلي فقط. وإلى جانبه كانت إيفا تجلس ببطء وتخرج من تحت الغطاء. ارتدت قميص نوم حريرياً أسود شفافاً يكاد لا يستر شيئاً، مفتوحاً من الأعلى حتى يكشف عن صدرها، وشق طويل يظهر فخذيها مع كل حركة. ابت
بعد المواجهة على حلبة الرقص امتلأ صدر إريك بخيبة ثقيلة. اتجه مباشرة إلى طاولة المشروبات وسكب لنفسه كأساً كبيرة من الويسكي. شربها دفعة واحدة ثم سكب ثانية وثالثة. كان يشرب بهستيرية صامتة دون أن ينظر خلفه مرة واحدة. ترك القاعة الرئيسية وخرج إلى الحديقة الخارجية حيث الشرفات البعيدة والظلال الكثيفة. استغلت إيفا اللحظة. أشارت إلى المنظم وبعد ثوانٍ دوّى صوت الميكروفون في أرجاء القاعة الفخمة: — «الآن ندعو الآنسة مارغريت فون شتاين لتشاركنا رأيها في هذه القطعة الأثرية النادرة من تاريخ الأرستقراطية الألمانية.. تفضلي الآنسة تجمدت إيلينا. كل العيون التفتت إليها. تقدمت بخطوات بطيئة نحو المنصة ورأسها مرفوع. وقفت أمام الميكروفون وحاولت الكلام لكن إيفا تقدمت بابتسامة حلوة مسمومة وقاطعتها بصوت واضح يصل للجميع: — «يا لها من فرصة سعيدة أن نسمع رأي الآنسة.. مع أنني أتساءل بصراحة كيف يمكن لفتاة قادمة من حي فقير أن تفهم قيمة هذه الكنوز؟ ربما في حارتهم كانوا يستخدمون مثل هذه القطع كأوانٍ للطبخ؟ انفجرت ضحكات من صفوف النخبة. همست سيدة مسنة بجانب جارتها بصوت مسموع متعمد: — «إريك فونشتاين أخذ بنت حي فقير..
تألقت قاعة الاحتفالات الكبرى في قلب برلين بأضواء الثريات الكريستالية الثمينة، وانعكست أنوارها على الجدران المذهبة والمخمل الملكي الداكن. كان الحفل الخيري والمزاد الذي أعده هنريش بالتعاون مع إيفا وكارل يفيض بالبذخ، حيث احتشد فيه أعيان المجتمع الأريستوقراطي، والدبلوماسيون، وقادة الجيش. حضر فيدريتش بزيّه العسكري المهيب برفقة ليليان التي بدت كأميرة حسناء بفستانها الأزرق السماوي. وعلى الجانب الآخر، كانت صوفيا تسير بصلابة وكبرياء، بينما يلاحقها كارل بخطوات متوسلة ونبرات اعتذار خافتة، محاولاً التودد إليها واستعطافها للعودة إلى القصر، لكنها كانت تتجاهله ببرود جليدي يزدري وجوده. وفجأة، اتجهت أنظار الحضور نحو البوابة الرئيسية؛ دخل إريك وإيلينا ليخطف الموقف بالكامل. كان إريك يرتدي بدلة رسمية سوداء ذات تفاصيل دقيقة تبرز هيبته وعرض كتفيه وملامحه الصارمة الجذابة، بينما كانت إيلينا تجسيداً للجمال الساحر والكبرياء الملكي؛ ارتدت فستاناً أسوداً ناعماً يُبرز بياض بشرتها وعينيها النافذتين، ونسقت معه عقداً أثرياً مرصعاً بالألماس، فبدت كملكة تتوج على عرش البذخ، مما جعل إيفا تشتعل غيظاً وهي تراقب انبهار ا
ساد الصمت المريب أروقة قصر ، حيث التفتت الجدران العتيقة حول اجتماع مغلق نُسجت فيه خيوط مكيدة جديدة. كان هنريش يجلس في منتصف القاعة مستقراً على كرسيه المتحرك، ملامحه الصارمة لا تجود بأي تعبير، وعيناه النافذتان تتأملان الفراغ بقسوة يمتزج فيها الغضب بالكبرياء الجريح. على الجانب الآخر، كانت إيفا تتنقل بخطوات متزينة يملؤها الخيلاء، بينما وقف كارل يستند إلى حافة الطاولة الخشبية، وعلى وجهه ابتسامة خبيثة تترقب الإشارة. نطق هنريش بصوت حاد كالحديد الصدئ: — «خسارة صوفيا وانحيازها لإريك ومارغريت لن تمر دون ثمن.. إليزابيث وفالكن نجوا من التهمة المالية، لكن العائلة لم تستعد هيبتها بعد، ويجب أن نعيد الجميع إلى حجمهم الطبيعي أمام مجتمع برلين.» اتسعت ابتسامة كارل، وخطا خطوة نحو هنريش قائلاً بنبرة ملؤها الشغف والدهاء: — «أوافقك الرأي تماماً يا عمي! للرد على هذه الوقاحة، يجب أن نقيم حدثاً يتحدث عنه الجميع.. ما رأيك في تنظيم مزاد علني ضخم لبيع الآثار والقطع الفنية النادرة؟ سنجمع فيه كبار أصحاب الشركات، الدبلوماسيين، والأغرياء في ألمانيا.» أومأت إيفا برأسها بثقة وشماتة، متدخلة بصوت ناعم مسموم: — «







