Home / الرومانسية / العدو الذي سرق قلبي / الفصل 07 : نظرات لا تعترف

Share

الفصل 07 : نظرات لا تعترف

last update publish date: 2026-06-29 02:31:30

تحت الثلوج المتساقطة تجمع أهل فيرينوفا في ساحة القرية بصمت ثقيل. البرد كان يلسع الوجوه، لكن لم يجرؤ أحد على مغادرة مكانه. وقف الجنود على جانبي الساحة بينما تقدم الضابط بخطوات هادئة وألقى نظره على الحشد.

منذ هذه اللحظة تُغلق جميع مداخل القرية ومخارجها، قال بصوت واضح. فساد همس خافت بين الناس. لا أحد يغادر ولا أحد يدخل حتى نعثر على الضابط الألماني الهارب. ومن يخفيه سيُعامل كخائن.

سأل أحد الرجال بصوت متردد وماذا لو لم نره أصلًا؟ نظر إليه الضابط ببرود وأجاب أتمنى أن يبقى الأمر كذلك. ثم أشار إلى أحد الجنود فتقدم وعلق ورقة كبيرة على لوح الإعلانات في وسط الساحة.

اقترب القرويون ليقرأوها. وتجمدت إيلينا في مكانها حين رأت صورة الضابط المطلوب. لم تكن واضحة تمامًا لكنها كافية لأن يتعرف عليه أي شخص رآه عن قرب. خفضت رأسها بسرعة كي لا يلاحظ أحد ارتباكها.

سيبدأ التفتيش من اليوم وسيستمر حتى نعثر عليه، قال الضابط قبل أن يستدير ويغادر. وبدأ الناس يتفرقون بصمت، وكل واحد ينظر إلى الآخر بشك. عادت إيلينا إلى المنزل وهي لا تفكر إلا بسؤال واحد: إلى متى سننجح في إخفائه؟

استيقظت القرية على صباح رمادي بارد. غطت طبقة جديدة من الثلج أسطح المنازل الخشبية وتصاعد الدخان من المداخن بصعوبة تحت سماء ثقيلة. منذ إعلان الإغلاق أصبحت الأزقة أكثر هدوءًا ولم يعد أحد يخرج إلا للضرورة.

مر يومان ثم ثالث ولم يطرق الجنود باب منزلها، لكن الخوف لم يغادر المكان.

لم يعد لدينا سوى كيس دقيق واحد، قالت ماريا. والبطاطس أيضًا أوشكت أن تنتهي، أضافت كاتارينا.

سأذهب إلى السوق، قالت إيلينا.

لا، ردت ماريا بحزم.

أمي...

قلت لا.

لن أبقى سجينة داخل البيت.

القرية مليئة بالجنود.

لهذا سأعود بسرعة.

ظل إريك صامتًا يراقبهما ثم قال دعيها تذهب.

ضحكت ماريا بسخرية بالزي الألماني؟

أستطيع تغطية وجهي، أجاب.

وتمشي بجرحك هذا؟ قالت إيلينا وهي تقترب منه. قف.

وقف.

امشِ.

خطا خطوتين ثم توقف وهو يضغط على جانبه.

انتهى الاستعراض؟ قالت بابتسامة.

كنت قريبًا، زفر بضيق.

كنت على وشك السقوط.

ضحك ميخائيل وقال ألم أقل لك إن أختي ستكشف كذبك.

يبدو أنك دائمًا في صفها، نظر إليه إريك.

لأنها أختي، أجاب الصغير ببساطة.

جواب مقنع، ابتسم إريك.

بعد ساعة ارتدت إيلينا معطفها الصوفي وربطت وشاحها. أوصتها أمها ألا تتأخر، وحذرتها كاتارينا من الجنود فأجابت أنها ستغير الطريق إذا لزم الأمر. نظرت إلى إريك قبل الخروج وطلبت منه أن يبقى مكانه ولا يعبث بجرحه، فأومأ لها.

كان السوق صغيرًا نصف أكشاكه مغلقة بسبب الحرب والوجوه التي تمر فيه تحمل تعبًا أكثر من الكلام. وبينما كانت تضع ما استطاعت شراؤه في سلة صغيرة ناداها صوت مألوف. التفتت فوجدت نيكولاي يقف قرب عربة حطب.

سألها عن والدتها وأشار إلى السلة الفارغة تقريبًا ثم مد لها كيس دقيق. رفضت في البداية لكنه أصر مبتسمًا. دار بينهما حديث قصير عن تغيرها منذ ليلة القصف، فقالت إن الحرب تغير الناس. عرض عليها أن تخبره إذا كانت تمر بمشكلة فشكرته وقالت إن بعض الأمور لا يمكن الحديث عنها. ابتسم وقال سأنتظر حتى يأتي اليوم الذي تثقين بي فيه، ثم ودعها.

لم تلاحظ أن أحد الجنود كان يراقب حديثهما من بعيد.

وفي طريق العودة أوقفها جندي فوق حصانه وسألها مع من كانت تتحدث. أخبرته أنه جارها نيكولاي وأنه عرض عليها دقيقًا ورفضت. ابتسم الجندي ساخرًا وطلب منها أن تبلغهم إذا رأت أي شخص غريب قبل أن يبتعد.

ما إن دخلت المنزل حتى أخبرتهم بما حدث. تغير وجه إريك وقال إن هذا يعني أنهم بدأوا يسألون عن كل من يدخل ويخرج. جلست بجانبه تلاحظ يده على جرحه فسألته إن كان الألم قد عاد فأنكر. دخلت كاتارينا بها إلى المطبخ وسألتها بصراحة هل بدأت تثقين بذلك الألماني؟ صمتت إيلينا ثم همست لا أراه كما رأيته أول مرة. وضعت كاتارينا يدها على كتفها وحذرتها بأن الحرب قد تغير الوجوه لكنها لا تغير الحقائق.

في الغرفة كان إريك يقف أمام النافذة يتأمل الثلوج. اقتربت منه وطلبت أن يجلس ليرتاح فجلس أخيرًا ومدت له كوب شاي. دار بينهما حديث خفيف أضحك ميخائيل وأعاد الضحكة إلى البيت لأول مرة منذ أيام.

لم يدم الهدوء. طرق الباب مرتين. اقتربت إيلينا بحذر وفتحته قليلًا فكان نيكولاي. نظر حوله ثم أخبرها أن الجنود سيبدؤون غدًا تفتيشًا أدق، سيدمرون الأرضيات ويفتشون الأقبية والحظائر. ساد الصمت. شكرته وأغلقت الباب.

التفتت إلى الجميع. قال إريك بهدوء سأغادر الليلة.

مستحيل، ردت فورًا.

إذا فتشوا المنزل غدًا سينتهي الأمر.

لن تخرج بجرحك هذا.

سأجد مكانًا آخر.

وأين؟

سأتعلم.

ستتجمد قبل أن تتعلم، قالت وهي تقترب منه.

لا أريد أن تموتي بسببي، همس.

ونظرت إليه دون أن ترمش وأجابت ومن قال إنني سأسمح لك بالموت وحدك؟

ساد صمت ثقيل. تبادلت ماريا وكاتارينا نظرة سريعة. كانت تلك أول مرة تخرج فيها هذه الكلمات من إيلينا دون تفكير.

أما هو فاكتفى بالنظر إليها، وكأنه لم يجد جوابًا يناسب ما سمعه.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • العدو الذي سرق قلبي    الفصل 208 : انشقاق الرماد وخيوط القدر المتشابكة

    كان المؤتمر الصحفي قد انتهى منذ ساعات قليلة، لكن صداه لا يزال يرن في أرجاء برلين كالجرس الذي لا يتوقف. قاعة الفندق الكبير امتلأت بالصحفيين والكاميرات، ووقف أفراد آل فونشتاين صفاً واحداً أمام الميكروفونات: فيلهلم بوجهه الشاحب المتجعد، كارل بصلابته الباردة، إليزابيث بثباتها الهادئ، وحتى فالكن الذي جاء رغم مرضه. أعلنوا جميعاً، بصوت واحد تقريباً، تبرأهم الكامل من أفعال هنريش. قالوا إن العائلة انفصلت تجارياً وأخلاقياً عن كل ما اقترفه، وإنهم يعيدون ما يمكن إعادة من الممتلكات المنهوبة، ويعتذرون للضحايا. لكن الناس كانوا قساة جداً. التصفيق لم يأتِ. بدلاً منه ارتفعت أصوات الاستهجان والشتائم من خارج القاعة. الصحف في اليوم التالي حملت عناوين نارية: «آل فونشتاين يغسلون أيديهم بدماء الضحايا»، «تبرؤ متأخر لا يمحو الجريمة». المبيعات تراجعت بشكل كارثي. فنادق العائلة التي كانت تمتلئ طوال الموسم أصبحت شبه فارغة. الشركات التجارية شهدت إلغاء عقود بالجملة. الموردون توقفوا، والبنوك بدأت تطالب بضمانات إضافية. أزمة مالية خانقة أحاطت بالعائلة كلها كشبكة لا ترحم، رغم التفاهم الذي عقدوه فيما بينهم. في قاعة الا

  • العدو الذي سرق قلبي    الفصل 207 : شعلة الاستقلال

    كان المكتب الفسيح في قصر آل فونشتاين غارقاً في صمت ثقيل يشبه الصمت الذي يسبق العاصفة. الستائر الثقيلة مُسدلة، والضوء الخافت المنبعث من المصباح النحاسي يرسم ظلالاً طويلة على وجوه الرجال الثلاثة الجالسين حول الطاولة. فيلهلم فونشتاين، الرجل الذي بنى إمبراطورية تجارية على أنقاض حربين، كان يمسك بملف الميزانية بيديه المرتجفتين. أما كارل، ابنه الأكبر، فكان يقف أمامه كتمثال غضب، عيناه تلتهبان. — عمي هنريش سقط كلياً! — صاح كارل بصوت مرتفع اخترق الجدران — مساندته الآن تعني إفلاسنا وضياع ما تبقى من أملاكنا! يجب أن ننفصل عنه تجارياً فوراً، ونعقد مؤتمراً صحفياً لتبرئة اسمنا من جرائمه قبل أن يجرفنا معه إلى القاع! في البداية لم يرد فيلهلم. نظر إلى الأرقام السوداء في الصفحة الأخيرة من التقرير، ثم رفع رأسه ببطء، والكبرياء القديم لا يزال يقاوم في عينيه. — هو أخي... دم فونشتاين. — دم فونشتاين؟ — سخر كارل بمرارة — هذا الدم أصبح مسموماً. الأدلة على الاغتيالات القديمة خرجت، والصحف تطاردنا. إن لم نقطع الخيط الآن، فسيُسحب الجميع إلى السجن أو الإفلاس. أقترح اتفاقاً علنياً مع إليزابيث وإريك. مؤتمر مش

  • العدو الذي سرق قلبي    الفصل 206: انكسار القناع وجمر التحدي

    أمام المبنى الحجري الفخم للمحكمة العسكرية في برلين، كان المحيط يغلي كمرجل. احتشد العشرات من الصحفيين والمصورين، وفلاشات الكاميرات تتلامع وسط صيحات التساؤل التي ملأت الأثير. ترجل هنريش فونشتاين من سيارته الفارهة، يجلس على كرسيه المتحرك بظهر منتصب ورأس مرفوع، وتحيط به هالة من الكبرياء المريض. عن يمينه يسير شقيقه فيلهلم بملامح متجهة، وعن يساره ابنه كارل، بينما يتقدمهم وفد من أعتى المحامين العسكريين في البلاد. سحب هنريش سيجاره الفاخر، ودمدم بنبرة يملؤها الغرور والازدراء وهو ينظر إلى عدسات المصورين: — «دعهم يلتقطون الصور كما يشاءون يا فيلهلم.. غداً ستتصدّر صوري الصفحة الأولى تحت عنوان: براءة العقيد هنريش فونشتاين وسقوط مؤامرة الحاقدين.» وفي الجانب الآخر من المدينة، داخل الصالون الرفيع لفيلا جنيرال فالكن، كان الجمع يحتسي الشاي في أجواء تشوبها الحماسة والترقب. جالسون حول الطاولة: إليزابيث، الوزير فالكن، إريك، ليليان، وصوفيا. وفجأة، فتحت الخادمة الباب، لتطل منه إيلينا برداء أنيق وبسيط. توقفت صوفيا بذهول، ووقف إريك مشدوهاً من حضورها المفاجئ. ابتسمت إليزابيث بوقار ونهضت لترحب بها: — «أهل

  • العدو الذي سرق قلبي    الفصل 205: شعلة الأمل وجحيم الحقيقة

    خارج مبنى القيادة العسكرية، كانت زقزقة الرياح الباردة تشق ظلام الليل في برلين. خرج إريك فونشتاين بخطوات سريعة وموزونة، معطفه العسكري الداكن يلتف حول جسده، وفي جيبه الداخلي يستقر الملف الأصفر الثقيل الذي يحوي البرقيات التلغرافية المشفرة لعام 1926 ووثائق التنازل المزورة. عند زاوية الشارع المظلم، تحت ضوء عمود إنارة خافت، كان السيد لودفيغ يقف متكئاً على عصاه الخيزرانية. تقدم إريك منه ببرود، وسحب الملف ثم وضعه بثبات في يد لودفيغ المرتجفة. تأمل لودفيغ الأوراق تحت الضوء الخافت، ثم رفع عينيه المصدومتين نحو إريك، ونطق بصوت خافض يملؤه الذهول: — «هذه هي البرقيات الأصلية بأوامر هنريش الصريحة.. كيف تضع حبل إدانة والدك في يدي بهذه السهولة؟ كيف تثق بي إلى هذا الحد يا سيادة العقيد؟» ثبت إريك عينيه الحادتين في عيني لودفيغ، وقال بنبرة هادئة ومظلمة: — «لأنني أعلم من يكون أبي جيداً يا سيد لودفيغ.. ولأنني أعلم أن دم أخيك وثروته المنهوبة هما الدين الأول الذي يجب أن يدق مسمار العدالة في نعش هنريش. أنا لا أمنحك وثائق فقط، بل أستعيد شرفاً أفسده والدي لعقود.» انحنى لودفيغ قليلاً، وضغط على الملف بيده وقال

  • العدو الذي سرق قلبي    الفصل 204: شباك الظلام وضغطة الزناد

    في القبو السفلي لقصر هنريش فونشتاين، كانت الرطوبة تتساقط من السقف الحجري لترتطم بالأرض في صمت قاتل. جلس هنريش على كرسيه المتحرك، وأمامه رجلان يقفان بوجوه متصلبة ومعاطف جلدية داكنة، يبعثان برائحة التبغ الرخيص والبارود. على الطاولة الخشبية بينهما، دفع هنريش بيده الثقيلة ظرقاً أصفر سميكاً ممتلئاً بالأوراق النقدية الذهبية، ونظر إليهما بابتسامة مظلمة شائبة: — «السيارة السوداء التابعة جنيرال فالكن ستكون مركونة عند المخرج الخلفي للمطعم الجبلي. أريد لأنبوب الفرامل أن يُقطع بأسلوب يبدو وكأنه تآكل طبيعي بسبب الانزلاق.. هل فهمتما؟» مسح أحد الرجلين شاربه الكثيف وابتسم بلؤم وهو يسحب الظرف: — «لا تقلق يا سيدي العقيد.. المنعطف الجبلي حاد جداً، ولن تتبقى قطعة واحدة سليمة في السيارة ليفحصها الخبراء بعد السقوط.» ضحك هنريش بصوت خافض كأنه شحذ خنجر قديم، ودمدم وهو يتأمل الشعلة الخافتة: — «إليزابيث.. وفالكن.. الليلة ستنتهي هذه المهزلة، وتعود الإمبراطورية إلى أصحابها الحقيقيين.» في الوقت نفسه، كانت ظلال ثكنات القيادة العسكرية في برلين ساكنة تحت ضوء القمر الشاحب. مرّ جندي الحراسة أمام المبنى الرئيسي د

  • العدو الذي سرق قلبي    الفصل 203: شباك الصياد وظلال التحضير

    في المقر الرئيسي لشركة فونشتاين، خلف الأبواب المصفحة للقاعة المغلقة، كان الدخان الكثيف يلتف حول الأجسام كأنه قماش حداد. جلس فيلهلم في رأس الطاولة يفرك جبهته بقسوة، ثم التفت بغضب نحو ابنه كارل الذي كان يجلس متوتراً: — «هذا عار يا كارل!» صرخ فيلهلم وهو يضرب بكفه على الطاولة. «ثلاث مناقصات بحرية خسرناها في أسبوع واحد! إليزابيث تخنقنا في السوق، وفالكن يفتح لها أبواب البنوك والمؤسسات السياسية بكلمة واحدة! وأنت تجلس أمامي بلا أي حلول!» انكمشت إيفا بجانب والدها الذي كان يقلب أوراق الميزانية بيدين ترتجفان، بينما كان هنريش يثبت جسده المشلول على كرسيه المتحرك في نهاية الطاولة، ونظراته المظلمة تمسح الوجوه بتهكم. رد والد إيفا بنبرة حادة موجهة لفيلهلم وهنريش: — «أين نفوذ عائلتكم؟ إليزابيث تبتلع كل عقودنا، والأمور التجارية لم تعد تجدي نفعاً مع هذه المرأة!» أشار هنريش لخدمه بإخلاء القاعة فوراً. انسحب الجميع برجفة وسخط، ولم يبقَ في القاعة سوى هنريش، وفيلهلم وابنه كارل. انحنى هنريش بكرسيه نحو فيلهلم وكارل، ومال بصوته الخفيض الحاد: — «الأساليب التجارية لن تنفع مع إليزابيث وفالكن.. الليلة سننهي ه

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status