Se connecterلم يكن والداها مقتنعين تمامًا بما تفعلة. لكنهما لم يستطيعا إجبارها على تغيير قرارها، خاصة بعدما عرفا أن المسألة تتجاوز ما تعرضت له من إصابات، وأن أي بلاغ قد يفتح أبوابًا أخرى لا ترغب ابنتهما في مواجهتها. في صباح اليوم التالي، كان والدا شيري يجلسان بجوار سريرها في المستشفى، حين أخبرتهما بما قاله نوح بشأن إخلاء الشقة التي يقيمان فيها. كانت الشقة ملك لنوح وكان قد اشتراها من أجل عائلة شيري حتي ينتقلا للعاصمة للعيش بقرب ابنتهم الوحيدة. قالت بصوت متعب: — لقد طلب مني نوح أن أخبركما بضرورة مغادرة الشقة وجمع أغراضكما، وإلا فسيتولى إخراجكما منها بنفسه. تبادل والداها النظرات، وقد بدت عليهما الصدمة. لم يكتفِ نوح بإنهاء زواجه من ابنتهما وطردها من القصر، بل قرر أيضًا قطع كل ما يربط عائلتها به. انفجر والدها غاضبًا: — ألم أقل لكِ إن اندفاعك سيقودك إلى كارثة؟! لقد خسرتِ زوجك، وخسرتِ مكانتك، والآن أصبحنا نحن أيضًا مهددين بفقدان الشقة التي نقيم فيها! وأضافت والدتها بامتعاض: — كيف استطعتِ أن تفعلي كل ذلك دون أن تفكري في العواقب؟ لو كان المشكلة في الاختلاس فقط لما فعل نوح كل ذلك ولستطعنا بأقناعة
الفصل: انتصارٌ ليان: نشوة الانتصار كانت ليان تجلس إلى مكتبها، وأمامها الكتب والملاحظات التي يفترض أن تراجعها استعدادًا لامتحاناتها التي باتت على الأبواب. حاولت أن تركز في دراستها، وقرأت الصفحة نفسها أكثر من مرة، لكنها لم تستطع استيعاب كلمة واحدة. لم تكن المشكلة في صعوبة المواد الدراسية، بل في السعادة الغامرة التي استولت عليها، حتى عجزت عن إبعاد أفكارها عما حدث. لقد نجحت خطتها، ووصلت إلى النتيجة التي كانت تنتظرها. أخيرًا، انكشفت شيري أمام نوح، وسقطت الأقنعة التي ظلت تخفي خلفها خيانتها وأطماعها. أما نوح، فقد اضطر إلى مواجهة الحقيقة التي لم يكن يتخيل يومًا أنها ستأتيه بهذه الطريقة. ابتسمت ليان وهي تتكئ بظهرها إلى المقعد، ثم تمتمت لنفسها بسعادة: — يا إلهي! لا أصدق أنني وصلت إلى هذه اللحظة فعلًا. لقد حدث كل ما كنت أنتظره، وانتهى الأمر كما أردت تمامًا! أطلقت ضحكة خافتة، ثم نظرت إلى الكتب المفتوحة أمامها وهزت رأسها بيأس. — كيف سأذاكر الآن؟ الامتحانات على الأبواب، وأنا لا أستطيع التفكير في أي شيء سوى ما حدث! أغلقت أحد الكتب، ثم أسندت ذقنها إلى يدها، وغرقت في أفكارها من جديد. كانت ت
عاد نوح إلى الصمت، وأخذ يتأمل الفراغ أمامه. طال صمته حتى ظن حازم أنه لن يجيبه، ثم تحدث أخيرًا: — حسنا يا حازم أنا أعترف بأن بالفعل لدي مشاعر قوية تجاه ليان، ولكن فعلته بها ليس أمرًا بسيطًا. لقد عاملتها بطريقة لا تستحقها، وجرحتها مرارًا. كيف تتوقع مني أن أطلب منها أن تبدأ معي من جديد؟ لا أظن أنها ستسامحني، فضلًا عن أن تغفر لي ما فعلته بها. مال حازم إلى الأمام قليلًا وقال: — أنت لن تخسر شيئًا إذا حاولت. لا أحد يطلب منك أن تتوقع منها المسامحة فورًا، ولا أن تتصرف وكأن شيئًا لم يحدث. كل ما أقوله هو أن تمنح نفسك فرصة لتصحيح أخطائك، وأن تترك لها حرية الاختيار. ربما ترفض، وربما تحتاج إلى وقت طويل، لكنك لن تعرف ما يمكن أن يحدث ما لم تحاول. أشاح نوح بوجهه، وقال بتردد: — لا أريد أن أعلّق نفسي بأمل قد لا يتحقق يا حازم. أخشى أن أحاول، ثم أكتشف أنها لا تريدني، فأضطر إلى مواجهة ألم جديد. لا أظن أنني أستطيع تحمل خذلان آخر الآن. أجابه حازم: — أفهم خوفك، لكنك لا تستطيع أن تعيش بقية حياتك هاربًا من كل احتمال قد يؤلمك. إذا كنت تريد أن تكون ليان جزءًا من مستقبلك، فعليك أن تحاول، مرة واثنتين وعشرًا
الفصل: بين الندم والأمل — ما هو؟ أجاب نوح بمرارة: — أنني لم أتخلص منها نهائيًّا، وأنني تركتها تغادر وهي لا تزال قادرة على الوقوف أمامي. تغيرت ملامح حازم، وقال بحزم: — نوح، هل تدرك ما تقوله؟ هل كنت تريد أن تدمر حياتك ومستقبلك. إنها امرأة خانتك وخدعتك، لكنها لا تستحق أن تخسر نفسك بسببها. لقد طلقتها وأخرجتها من حياتك، وهذا يكفي. فلماذا تسمح لها بأن تستمر في تدميرك حتى بعد رحيلها؟ أطرق نوح رأسه، وظل صامتًا. لم يكن حزينًا على شيري، ولا على الأيام التي قضاها معها، بل كان يشعر بأن شيئًا داخله قد تحطم إلى الأبد. لقد اكتشف أن اختياره الوحيد الذي تمسك به رغم معارضة الجميع كان خطأً فادحًا، وأن المرأة التي ظنها ملاذه من حياة وأخترها بنفسه أصبحت مصدرًا جديدًا للألم. رفع عينيه إلى حازم، وقال بصوت مثقل بالحزن: — أنا حزين على نفسي يا حازم، وعلى حياتي التي لم أعرف فيها سوى الخيانة والانكسار والخذلان. أخبرني، متى سأفرح؟ متى سأجد الراحة والأمان؟ متى سأعيش حياة أشعر فيها بأنني أملك قراراتي، وأن هناك شخصًا واحدًا على الأقل لا يحاول استغلالي أو التحكم بي؟ لم يجد حازم ردًّا سريعًا. فقد كان يعرف ج
الفصل: إنكسار في صباح اليوم التالي، وصل حازم إلى الشركة في وقت مبكر، فقد كان يرغب في مقابلة نوح والاطمئنان عليه بعد ما حدث في الأيام الماضية. كان يشعر بالقلق تجاه صديقه، خاصة بعدما عرف أن نوح اطّلع أخيرًا على الأدلة التي تكشف خيانة شيري وتورطها في اختلاس أموال الشركة. انتظر حازم لبعض الوقت، لكنه لم يرَ نوح يصل إلى مكتبه. أخرج هاتفه واتصل به، إلا أنه لم يتلقَّ أي إجابة. حاول مرة أخرى، ثم أرسل إليه رسالة قصيرة، لكن نوح لم يرد أيضًا. بدأ القلق يتسلل إلى قلبه، فنهض من مكانه واتجه إلى مكتب السكرتارية. سألها: — هل حضر السيد نوح إلى الشركة؟ أجابته: — لا يا سيد حازم، لم يحضر حتى الآن. عاد حازم إلى مكتبه، وحاول الاتصال بنوح مرة أخرى، لكنه فوجئ بأن هاتفه مغلق. مرّت دقائق أخرى، فعاد إلى السكرتارية وسألها مجددًا: — هل وصل أي خبر من السيد نوح؟ أومأت السكرتيرة برأسها وقالت: — نعم، أرسل إلينا رسالة منذ قليل يخبرنا فيها بأنه لن يحضر اليوم، وطلب إلغاء جميع مواعيده. قطّب حازم حاجبيه، وشعر بأن الأمر لا يبعث على الارتياح. كان يستطيع الذهاب إلى الفندق الذي يقيم فيه نوح على ال
الفصل: قصرٌ يطوي ذكرياته وقف نوح في مكانه بانكسارٍ وانهزام، يتابع شيري والخادمات وهن يُخرجنها من بوابة القصر. ظل يراقبها حتى اختفت تمامًا عن ناظريه، ثم استدار وعاد بخطوات بطيئة مثقلة، وكأن كل خطوة تستنزف ما تبقى لديه من طاقة. كان يشعر بهزيمة قاسية لم يختبر مثلها من قبل. لم يكن فقدانه لشيري وحده ما يؤلمه، بل اكتشافه أن المرأة التي أحبها ووثق بها، وشاركها أسراره وأحلامه، كانت تخونه من وراء ظهره، وتستغل ثقته بها لتدميره. دخل القصر، ثم توقف في منتصف الطابق الأرضي، وأخذ يتأمل المكان من حوله. كل ركن فيه يحمل ذكرى ، كل قطعة أثاث تذكره بلحظة جمعته بشيري. هنا جلسا معًا في أمسيات طويلة، وهناك اختارا بعض الأثاث، وفي ذلك الجانب من القصر اعتادت شيري أن تجلس وتحدثه عن الأشياء التي ترغب في امتلاكها. كانت ذكرياتهما تحاصره من كل اتجاه، حتى شعر بأن الجدران نفسها تذكره بها. اشتعل الغضب في صدره من جديد، وضاقت أنفاسه، ولم يعد يطيق البقاء في ذلك المكان دقيقة أخرى. بدا له القصر وكأنه تلوث بكل ما اكتشفه عن شيري من خيانة وطمع وكذب، ولم يستطع تخيل نفسه وهو يعيش بين تلك الذكريات بعد الآن. رفع رأسه ونادى