登入
كانت جدران "مدرسة صخرة الخلاص للراهبات" باردة دائماً، تماماً كطقس بلدة "سانت جود"
التي لا تزورها الشمس إلا نادراً. لكن وسط هذا البياض والرمادي المحيط بالمكان، كان هناك شيء واحد يتمرد على هذه الرتابة: شعر آيريس الأحمر الناري الذي كان ينسدل على كتفيها كشعلة دافئة لا تنطفئ. تقف آيريس ذات التسعة عشر عاماً خلف نافذة غرفتها الصغيرة، تراقب قطرات المطر وهي تنساب على الزجاج. في يدها مسبحة خشبية قديمة، وأصابعها ترتجف وهي تضغط على حباتها. لم تكن تصلي طلباً للمغفرة فحسب، بل كانت تصلي لتطرد ذلك الصوت الذي لا يفارق مخيلتها... صوت والدها الراحل."أنتِ بلا فائدة، وجودكِ خطيئة، ولن يحبكِ أحد!" كانت كلماته القاسية وجلده لها بلسانه وبكرباجه أحياناً قبل وفاته، يتردد صداها في عقلها كلما حاولت النوم. لقد ترك في روحها ندبة عميقة، وعقدة نفسية جعلتها تبحث بيأس عن أي ذرة حنان. كبرت آيريس وهي متعطشة لأي كلمة طيبة، لدرجة أن أي لفتة دافئة أو معاملة لطيفة من أي شاب في البلدة كانت تجعل قلبها يخفق بشدة وتتعلق به فوراً، قبل أن تهرع مرعوبة إلى محرابها، تبكي وتستغفر الرب، خوفاً من أن تكون قد خانت صلواتها وأهلها الذين أرادوا لها أن تعيش قديسة مطيعة. مسحت آيريس دمعة حائرة فرّت من عينها، ونظرت إلى الأسفل حيث ساحة الكنيسة. رأت طفلاً صغيراً يتعثر في مشيته، فتلاشت ملامح الحزن عن وجهها فوراً وحلت مكانها ابتسامة ملائكية دافئة. لقد كان الأطفال والخير هما ملاذها الوحيد للهروب من تروما الماضي... دون أن تعلم أن هذا النقاء سيعرضها قريباً لأكبر اختبار في حياتها لم تتردد آيريس للحظة واحدة عندما رأت ذلك الموقف العنصري القاسي الذي تعرض له طفل بريء في الساحة. تناست خوفها، وتلاشت ندوب ماضيها أمام رغبتها العارمة في حماية الضعفاء. تقدمت بخطوات ثابتة ونزلت إلى مستوى الطفل، وضمت كتفيه بحنان وهي تهمس له بكلمات دافئة حتى هدأت أنفاسه الصغير وابتلعت دموعه. التفتت آيريس بعد ذلك نحو الحاضرين، وبصوت هادئ ولكنه يحمل هيبة لا تُقاوم، نطق لسانها بحكمة دينية عميقة تخاطب ضمائرهم:"إننا جميعاً في هذه الأرض واحد، خلقنا رب واحد من تراب واحد.. لا فضل لإنسان على آخر، ولا فرق بين أعجمي وعربي إلا بالنقاء والتقوى. إن كل تمييز أو عنصرية هي خطيئة في حق الإنسانية وفي حق الخالق الذي جعلنا سواسية." لكن كلمات آيريس الحكيمة لم تعجب الجميع؛ إذ التفت إليها أحد الرجال الذين كانوا يوجهون العبارات العنصرية لتلك العائلة، وصرخ في وجهها بغضب وضيق: "كيف تجرئين على التدخل في هذا؟! هذا ليس من شأنكِ، ومخالف لما يجب أن تفعليه! ستندمين على هذا التدخل!" .تصاعدت الضجة في الساحة وتعالت الأصوات، مما لفت انتباه الراهبات داخل المدرسة. وعلى الفور، خرجت راهبتان مسرعتين وبملامح صارمة، وأمسكتا بآيريس وسحبتاها معهما بحدة نحو الداخل لإنهاء الموقف قبل أن يتفاقم. وأثناء سحبهما لها، وبينما كانت البوابة الكبيرة تُغلق تدريجياً لتفصلها عن العالم الخارجي، التفتت آيريس لترمي نظرة أخيرة نحو الساحة. في تلك الثواني الخاطفة، رأت بعينيها ليل واقفاً ينظر إليها. التقت عيناهما عبر المدى، وفي تلك اللحظة بالذات، شعرت آيريس بشيء غريب يزلزل أعماقها.. انجذاب عاطفي مفاجئ وجاذبية غامضة غمرت قلبها، جعلتها تقف مذهولة أمام نظرته التي اخترقت سكون روحها، قبل أن تتدارك نفسها وتطبق البوابة مغلقة تماماً، لتترك قلبها يخفق بقوة خلف الجدران الباردة المظلمه.خلف الأبواب الخشبية الثقيلة للغرفة المعزولة، كان الوقت يتدفق كزيت بارد ولزج في عتمة "سانت جود" التي لا ترحم. ساعات طويلة انقضت منذ أن وضعها لوكاس عند العتبة وانسحب بنبله الصامت، وساعات أطول قضتها آيريس سبنسر تجلس بظهرها إلى الجدار الحجري البارد، تضم ركبتيها إلى صدرها وعيناها الزرقاوان تحدقان في الفراغ الدامس دون أن يغمض لها جفن. كانت تصارع جحيماً داخلياً من الأفكار المشوشة وحزناً عارماً يمزق أحشاءها؛ فالحاجز الجليدي الذي بنته لسنوات تحول إلى شظايا حارقة بعد أن كُشفت الأوراق، وعقلها أصبح أسيراً لعقدة جديدة ومرض خبيث يلتهم نقاءها وثقتها العمياء... مرض غابرييل.كل زاوية في هذه الغرفة أصبحت تذكرها بالخديعة؛ الملف الأسود الذي تقبض عليه بـشجاعة حادة تفيض بالغل المكتوم يمثل دمارهم جميعاً، لكنه يمثل أيضاً ثمن صيتها كقديسة ضاع لأجل رجل اعتبرها مجرد طُعم رخيص في لعبة ثأره الشخصي وأسراره الخاصة المحرمة. كان الهواء ينسحب من صدرها بصعوبة، وشهقاتها الجافة تخنق حنجرتها وهي تتذكر كيف استسلمت بكامل رغبتها الجسدية المباغتة لسطوته وقبلاته، ليتبين أن كل ذرة لطف كانت مجرد فخ مدروس.ومع اقترا
لم يكن الهواء في ذلك الليل مجرد برودة تقضم الأطراف، بل كان جحيماً من الأنفاس المكبوحة التي تلتهم بقايا روحي آيريس سبنسر. كانت تسير متأرجحة، خطواتها المترنحة والضائعة تحاكي العاصفة التي تضرب أفكارها المشوشة وتغرقها في حزن عارم وخانق. في رأسها، كان صدى صوت غابرييل يتكسر كالشظايا الحارقة؛ خيانته المقززة كانت تنهش أحشاء كبريائها الممزق. كيف وثقت به ثقة عمياء إلى هذا الحد ؟ كيف منحتْه شفتيها وجسدها وسمحت له بأن يطبع علاماته وعضّاته السادية والتملكية تحت ياقتها، لتبتسم له بصدق وتظن أنه حاميها الوحيد من تروما طفولتها وقسوة والدها الراحل؟ ليتضح في النهاية أنها ليست سوى بيذق رخيص وطُعم ألقى به في وجه الكنيسة والمصحة ليرضي ثأره الشخصي وأسراره الخاصة!كانت شهقاتها المكتومة تنسحب من صدرها بصعوبة بالغة، ممسكة بملابسها الممزقة من الأمام عند صدرها بيديها المرتجفتين، وعيناها تفيضان بدموع الفرح الممسوخة بالخديعة والندم على خطيئتها الكبرى في الحب. وفي ذروة تشتتها وانكسارها، بينما كانت تلتفت خلفها برعب خوفاً من أن يلاحقها طيف غابرييل من الكوخ المعزول، اصطدم قوامها الفاتن بقوة بجسد صلب كان
رماد الأقنعة الناريةساد صمت مرعب وخانق في أرجاء الكوخ الخشبي المنعزلفي تلك الليلة الحارقة، صمتٌ لم يكن يقطعه سوى طقطقة النيران الشاحبة في المدفأة، وصوت أنفاس آيريس سبنسر المتلاحقة والمثقلة بالتشويش والحزن العارم. دخلت آيريس ممسكة بملفات الأوراق والصور بيدين ترتجفان من شدة الصدمة العاطفية، بينما كان غابرييل يجلس في العتمة بجسده الضخم العريض وهيبته المهيبة الطاغية، والسيجارة مستقرة بين شفتيه الساخنتين، وعيناه الزرقاوان تشتعلان بـبريق سادي مسعور وغيرة قاتلة وجوع وحشي تملك أحشاءه بالكامل بعد أن أبلغه رجاله خفية بتلك المقابلة السرية، وبأن قديسته العاصية قد استسلمت لحضن المصور المتمرد ليل فاولر وسط الضباب.لم يمهلها غابرييل ثانية واحدة؛ بل انتفض من مكانه كالإعصار المدمر، وتقدم نحوها بخطوات ثقيلة هزت خشب الأرضية، وفي حركة مباغتة تفيض بنزعة تملك مسعورة وسلطة طاغية، أطبق قبضته الضخمة والخشنة بقوة وعنفوان وحشي على معصمها ليكسرها و ليحاصر قوامها الفاتن ويثبتها في مكانها. لكن قبل أن ينطق ببحة رجولية حادة أو يفرض تملكه السادي المعتاد، تملكت آيريس شجاعة حادة وصلابة صخرية تخرج من ركام
خيّم الغسق الكثيف فوق بلدة "سانت جود" كغطاء ثقيل من الرماد، ولم يكن الضباب البارد الذي يتسلل بين أزقتها المعتمة مجرد طقس عابر، بل كان سياجاً يبتلع الأصوات ويحجب الرؤية ليفرض على الليل سكوناً غامضاً ومثيراً يحبس الأنفاس. وسط هذه العتمة المطبقة، كانت آيريس سبنسر تتحرك بوشاحها الأسود الطويل، خطواتها وئيدة وصامتة كطيف لا يترك أثراً على الأرض الرطبة، بينما كان جسدها وقوامها الفاتن يخفيان تحت الياقة البيضاء المغلقة بقايا حرارة العضات التملكية والوشم القاسي الذي طبعه غابرييل على بشرتها الشاحبة في ليلتهما الحارقة.توقفت آيريس لثوانٍ معدودة لتتفحص اللفافة الورقية الصغيرة التي تسلمتها للتو من الطفل الصغير الذي اختفى في الضباب كسراب عابر. فتحت الورقة بأصابع ثابتة، لتقرأ كلمات ليل فاولر المكتوبة بشهامة وقلق عارم تلاحقت فيه الأنفاس الحارة: آيريس.. أعلم أنكِ أنقذتِني ببرودكِ الحاد من فخ الكاهن دانيال، ولطفكِ معي هو الشيء الوحيد الصادق في هذا النفاق. لكنني بقيتُ هنا لأحميكِ، وقد عثرتُ الليلة على وثائق وصور سرية التقطتها خفية، تكشف حقيقة مرعبة.. غابرييل ليس مجرد متمرد جاء لإنقاذكِ، بل ه
كان الضباب الكثيف يتلوى بين الأشجار العارية المحيطة بالأسوار الخلفية لمصحة "سانت جود" كأنه خيوط من القطن البارد، يحجب الرؤية ويبتلع الأصوات ليفرض على الليل سكوناً غامضاً ومثيراً. وسط هذه العتمة المطبقة، كانت آيريس سبنسر تتحرك بوشاحها الأسود الطويل، خطواتها صامتة تماماً كطيف لا يترك أثراً على الأرض الرطبة. وعيناها الزرقاوان الصافيتان تلمعان بحذر حاد وشجاعة شابة، بينما كان جسدها وقوامها الفاتن يخفيان تحت الياقة البيضاء المغلقة بقايا حرارة العضات التملكية والوشم القاسي الذي طبعه غابرييل على بشرتها الشاحبة.لم تكن آيريس تعلم أن حركتها المتسللة بعد منتصف الليل لم تمر بسلام؛ فخلف الجدار الحجري القديم للمصحة، كان لوكاس، ابن العمدة، يتعقب أثر شعرها الأحمر المتوهج بفضول وحشي وجاذبية ذكورية جريئة. كان لوكاس قد اتخذ قراره الصادم بمراقبتها بعد أن استمع لاجتماع والده السري، وظن بنفوذه وجرأته أنه يستطيع الإمساك بـ "القديسة العاصية" متلبسة ليكتشف سرها المظلم ومن هو الرجل الذي يخترق حصونها.لكن آيريس، بذكائها الحاد وبصيرتها النافذة، شعرت بوجود أنفاس غريبة تلاحق طيفهاوسط العتمة. لم تر
خلف الباب الحديدي المغلق لغرفة الطبيب ألكسندر، كان الهواء مشحوناً برائحة المعقمات الكيميائية الخانقة والتوتر الخفي الذي يحبس الأنفاس. وقف ألكسندر بكامل طوله، وعيناه تفيضان بالشر والنرجسية الطاغية وهو يحاول محاصرة قوام آيريس سبنسر ضد الجدار الحجري، بينما تلاحقت أنفاسه الحارة والمليئة بالغل والشهوة المكبوتة بعد استنتاجات العمدة. كان يظن بأنانيته المفرطة وسلطته الطبية المطلقة أنه أوقع "القديسة" في فخه، وأنه مجبر الآن على تفحص جسدها غصباً عنها ليوجه لها الضربة القاضية ويكسر كبرياء برودها الذي طالما أذلّ غروره.لكن آيريس بقيت واقفة كالطود الصامد وسط العاصفة؛ لم يهتز لها جفن، ولم تظهر على معالم وجهها الأمامي المباشر وغرتها المنسدلة أي علامة من علامات الذعر أو التراجع. طنشته داخلياً تماماً ولم تعطه وجهاً يعكس الضعف، بينما كانت يدها ممسكة بإحكام بياقتها البيضاء المغلقة من الأعلى، تحمي تحتها وسم سطوة غابرييل وعضاته الحارقة التي تشتعل بريقاً فوق بشرتها الشاحبة.وبدلاً من البكاء أو الاستسلام، رفعت آيريس عينيها الزرقاوين الصافيتين لتصوب نحو عينيه نظرة حاسمة، جافة، وباردة كالثلج، جردت







