بيت / الرومانسية / القديسة / Chapter 1 -الفصل 10

جميع فصول : الفصل -الفصل 10

12 فصول

الفصل الاول 1

كانت جدران "مدرسة صخرة الخلاص للراهبات" باردة دائماً، تماماً كطقس بلدة "سانت جود" التي لا تزورها الشمس إلا نادراً. لكن وسط هذا البياض والرمادي المحيط بالمكان، كان هناك شيء واحد يتمرد على هذه الرتابة: شعر آيريس الأحمر الناري الذي كان ينسدل على كتفيها كشعلة دافئة لا تنطفئ.تقف آيريس ذات التسعة عشر عاماً خلف نافذة غرفتها الصغيرة، تراقب قطرات المطر وهي تنساب على الزجاج. في يدها مسبحة خشبية قديمة، وأصابعها ترتجف وهي تضغط على حباتها. لم تكن تصلي طلباً للمغفرة فحسب، بل كانت تصلي لتطرد ذلك الصوت الذي لا يفارق مخيلتها... صوت والدها الراحل."أنتِ بلا فائدة، وجودكِ خطيئة، ولن يحبكِ أحد!"كانت كلماته القاسية وجلده لها بلسانه وبكرباجه أحياناً قبل وفاته، يتردد صداها في عقلها كلما حاولت النوم. لقد ترك في روحها ندبة عميقة، وعقدة نفسية جعلتها تبحث بيأس عن أي ذرة حنان. كبرت آيريس وهي متعطشة لأي كلمة طيبة، لدرجة أن أي لفتة دافئة أو معاملة لطيفة من أي شاب في البلدة كانت تجعل قلبها يخفق بشدة وتتعلق به فوراً، قبل أن تهرع مرعوبة إلى محرابها، تبكي وتستغفر الرب، خوفاً من أن تكون قد خانت صلواتها
last updateآخر تحديث : 2026-09-06
اقرأ المزيد

الفصل الثاني 2

خلف البوابة الحديدية الثقيلة لمدرسة صخرة الخلاص، كانت الممرات تبدو أكثر قسوة وعزلة. اقتادت الراهبتان آيريس سبنسر بملامح جامدة لا تعرف اللين، ودفعتاها نحو "غرفة التطهير"؛ تلك الحجرة الحجرية الباردة التي تُعزل فيها الراهبات لتكفير خطاياهم بالصلاة والانقطاع عن العالم. أُغلق الباب الخشبي السميك خلفها، فجثت آيريس على ركبتيها والدموع تنهمر من عينيها، ممسكة بمسبحتها الخشبية القديمة. بدأت تصلي بحرقة وتستغفر، معتبرة أن ذلك الانجذاب العاطفي الخاطف الذي شعرت به في الساحة تجاه الغريب "ليل" ما هو إلا فعل يستوجب التطهر، بينما كان صدى صوت والدها الراحل يتردد في عقلها ليخنق أنفاسها.مرت الساعات ثقيلة، وجسدها يرتعش من البرد والجوع، حيث يُمنع إدخال الطعام تماماً لمن هم في التطهير. وفجأة، تحرك قفل الباب الخشبي الثقيل بهدوء، وفُتح ليظهر من خلفه رجل يهتز المكان لهيبة حضوره؛ إنه دانيال، الشخصية الكبرى ذات السلطة والنفوذ الواسع بين الرهبان.دخل دانيال الغرفة بخطوات واثقة وموزونة تعكس مكانته العالية. وعلى الرغم من القوانين الصارمة، إلا أن سلطته جعلته يكسر هذه القواعد بوقار؛ تقدم نحو آيريس ال
last updateآخر تحديث : 2026-09-06
اقرأ المزيد

الفصل الثالث 3

لامست القلادة دفء يد آيريس، وشعرت لأول مرة بأن هناك عالماً في الخارج يستحق أن يُكتشف، وأن تضحيتها لم تذهب سدى. خبأت الرسالة والقلادة في جيب ثوبها بسرعة قبل أن تلمحها أعين الراهبات المتربصاتوفي الخارج. حيث بلدة "سانت جود" الغارقة في الضباب. كان الضوء الأحمر الخافت يملأ غرفة تظهير الصور الخاصة بـ "ليل". كان يقف متأملاً ملامح آيريس التي بدأت تظهر تدريجياً على ورقة الصور داخل الحوض المائي؛ ملامحها وهي تحمي الطفل، ونقاء عينيها الذي هز قناعته الراسخة بأن كل الرهبان منافقون.قطع صمته دخول صديقه المقرب "إيفان"، الصحفي الجريء الذي يكره الغموض ويبحث دائماً عن كشف أسرار البلدة والمدرسة الدينية. تقدم إيفان ونظر إلى الصورة المعلقة لآيريس، ثم ابتسم بخبث والتفت إلى ليل قائلاً:"ليل.. المصور البارد الذي لا تحركه امرأة، يقف مذهولاً أمام صورة راهبة؟ دعني أخبرك شيئاً.. هذه الفتاة، آيريس سبنسر، ليست مجرد راهبة عادية. والدها الراحل ترك خلفه شبكة معقدة من الأسرار والديون والقصص في هذه البلدة قبل وفاته، ووجودها داخل هذه الأسوار يخفي وراءه سراً كبيراً. يجب أن نصل إليها.. أنت بدافع فضولك، وأنا
last updateآخر تحديث : 2026-09-06
اقرأ المزيد

الفصل الرابع 4

في الصباح التالي، كانت آيريس سبنسر تقف في محراب الكنيسة الصغير، ممسكة بمكنستها الخشبية لتنظيف المكان قبل الصلاة. كانت تنظر إلى ضوء الشمس الباهت وهو يخترق الزجاج الملون، وتشعر بسكينة حقيقية في قلبها. لقد أحبت آيريس هذه الحياة الروحية؛ أحبت صمت الممرات، والتراتيل الدافئة، وفكرة أن تهب حياتها لخدمة المحتاجين والأطفال. بالنسبة لها، هذا الثوب الرهباني ليس سجناً، بل هو حصنها الذي يحميها من قسوة العالم الخارجي ومن ذكريات والدها.أخرجت القلادة الفضية والرسالة من جيبها ونظرت إليهما مطولاً. تذكرت اللحظة الخاطفة التي التقت فيها عيناها بعيني ليل، والارتجافة الغريبة التي سرت في جسدها، شعرت بالخوف من نفسها، وضمت القلادة في كفها بقوة وهي تهمس بحسم:"لا.. أنا اخترت هذا الطريق عن يقين، ولن أسمح لقلبي بأن يلتفت إلى الخلف. مشاعري وهواى يجب أن يظلوا لله وحده."بحركة سريعة وثابتة، توجهت نحو صندوق خشبي قديم في زاوية غرفتها، ووضعت الرسالة والقلادة في قاعه تحت الكتب الدينية، مغلقة عليهما بقرار قاطع ألا تنظر إليهما مجدداً، مؤكدة لنفسها أنها لن تستسلم لأي مشاعر عابرة قد تزلزل عهدها.وفي تلك اللي
last updateآخر تحديث : 2026-09-06
اقرأ المزيد

الفصل الخامس 5

قضت آيريس سبنسر ليلتها في عيادة المدرسة تحت مراقبة الطبيب ألكسندر الصامتة والوقورة. ومع حلول المساء التالي، غادرت الممرضات المكان، ولم يتبقَّ في العيادة سوى الشموع التي تقاوم عتمة "سانت جود"، والدكتور ألكسندر الذي كان يدون بعض الملاحظات بهدوء عند مكتبه.نظرت آيريس إلى يديها المرتجفتين فوق غطاء السرير الأبيض. شعرت أن هذا الجدار النفسي الذي تبنيه حول نفسها يكاد ينهار، وأن جسدها لم يعد يحتمل إخفاء التروما بمفردها. أخذت نفساً عميقاً، وقالت بصوت خافت كسر سكون الغرفة:"دكتور ألكسندر.. هل يمكنني.. أن أتحدث معك بصدق؟توقف ألكسندر عن الكتابة فوراً. التفت إليها بملامحه الرزينة، وتقدم نحو سريرها بخطوات هادئة، ثم جلس على مقعد خشبي قريب، ونظر إليها بنظراته الدافئة التي تمنح الأمان وقال:"أنا هنا لأستمع إليكِ يا آيريس، كطبيب.. وكإنسان. تفضلي."ابتلعت آيريس غصتها، وبدأت الكلمات تتدفق من بين شفتيها بتردد في البداية، ثم بشجاعة:"أنا لست مريضة جسدياً يا دكتور.. المرض يسكن عقلي وروحي. منذ أن كنت طفلة، وعقل يلاحقه صوت والدي الراحل.. كان يقسو عليّ، يجلدني بكلماته وبكرباجه، ويزرع في داخلي فك
last updateآخر تحديث : 2026-09-06
اقرأ المزيد

الفصل السادس 6

مرت الأسابيع، وعادت آيريس سبنسر إلى حياتها اليومية خلف أسوار مدرسة صخرة الخلاص. ورغم أنها كانت تستمع لنصائح الدكتور ألكسندر وتطبق خطته العلاجية بصبر، إلا أن شيئاً ما في كيميائها الجسدية قد انفجر ولم يعد قابلاً للاحتواء. لم تتراجع تلك الأحاسيس الحارقة؛ بل زادت رغبتها الجسدية مع الوقت وتأججت بشكل غير مفهوم، وبات جسدها يتوق بعنف لتلك اللمسات والنظرات الإنسانية، بطريقة جعلتها تبكي ليلاً خوفاً من أن تكون قد فُقدت تماماً كراهبة.هذه الشهوة المباغتة التي باتت تسكن عروقها لم تعد تقتصر على طبيبها فحسب، بل تحولت إلى لعنة تلاحقها مع كل رجل يتقاطع مع عالمها المعزول:ففي إحدى المرات التي زار فيها ألكسندر غرفتها ليطمئن على تقدمها، وأثناء فترات حديثهما القريبة، كانت آيريس تجد عينيها تتأملان تفاصيل يديه، وحركة شفتيه، وتشعر برغبة عارمة في أن يقترب أكثر، لتهتز حصونها الأخلاقية بعنف وتجبرها على الضغط على مسبحتها حتى تدمى أصابعها هرباً من أفكارها.ولم يتوقف الأمر هنا؛ بل امتد السعير خارج الأسوار. ففي نهار يوم بارد، أُجبرت آيريس على مرافقة الراهبات لجمع تبرعات من قصر العمدة. هناك، التقت بـ "لوكاس"، ابن العمد
last updateآخر تحديث : 2026-09-06
اقرأ المزيد

الحلقه السابعه 7

أثمرت كلمات الدكتور ألكسندر ورصانته أخيراً في إعادة التوازن إلى روح آيريس سبنسر. بدأت تلك العاصفة الجسدية الهوجاء تهدأ تدريجياً، وعادت لسكينتها وطبيعتها المعهودة بفضل التوجيه الطبي الحكيم، لتستعيد "القديسة الشابة" وقارها وصيتها النقي داخل أسوار مدرسة صخرة الخلاص. ولكن، كما يبدو، فإن هدوء الداخل كان يخفي وراءه بداية عاصفة جديدة آتية من الخارج؛ وعاصفة هذه المرة تحمل اسم "لوكاس".انتهى القوس الخاص بالطبيب لتبدأ مرحلة جديدة. ففي إطار المساعدات والخدمات الخارجية التي تقدمها المدرسة لأهالي بلدة "سانت جود"، أُرسلت آيريس برفقة راهبة مسنة لتسليم بعض السجلات والوثائق الرسمية إلى مبنى البلدية الفخم. كانت الأجواء باردة كالعادة، وتحت المظلات المزخرفة للمبنى، كان لوكاس، ابن العمدة المتمرد، يقف محاطاً بحرسه وبعض أصدقائه وهو يرتدي معطفاً باهظ الثمن من الفراء الداكن.بمجرد أن خطت آيريس خطواتها نحو البهو، التمعت عينا لوكاس ببريق الثعلب الذي وجد صيده. كانت ملامحها الهادئة وشعرها الأحمر الناري المنسدل من تحت حجابها الرهباني يمثلان له التحدي الأكبر؛ فتاة محرمة على الجميع، يسيجها طهر العقيدة ومهابة النذور.ا
last updateآخر تحديث : 2026-09-06
اقرأ المزيد

الفصل الثامن 8

لم تكد آيريس تخطو بضع خطوات داخل الممر المؤدي إلى المخرج الخلفي لمكتب السجلات، حتى شعرت بظل لوكاس يمتد أمامها مجدداً. لم يكن من النوع الذي يستسلم بسهولة؛ نفوذ والده العمدة جعله يظن أن كل الأبواب مشرعة أمامه، وأن كل النفوس يمكن شراؤها أو ترهيبها. وقف يقطع طريقها مرة أخرى، وعيناه تحملان مزيجاً من التحدي والفضول القاتل.وقفت آيريس مكانها. لم تظهر على ملامحها أي علامة من علامات الارتباك، بل أحاطت نفسها بهالة من الوقار الروحي الذي استمدته من سنوات تعبدها في "صخرة الخلاص". نظرت إليه مباشرة، وأشارت بيدها إلى السجلات التي تحملها، ثم قالت بنبرة هادئة لكنها كانت تهز جدران المكان برهبتها:"سيد لوكاس.. تظن أن إذن والدك العمدة يمنحك السيادة على هذه الأرض، وتنسى أن الأرض وما عليها ليست إلا متاعاً زائلاً. إن كان نفوذ بشر يمنحك حق العبث هنا، فتذكر أننا جميعاً، بملوكنا وفقرائنا، مرجعنا ومآلنا إلى السماء. هناك، تحت عرش الحق، لا النفوذ يشفع، ولا أموال العمدة تنجي، ولا طيش الشباب يملك وزناً."اقتربت منه خطوة واحدة، وثبتت نظراتها الحادة في عينيه المذهولتين وتابعت بتحذير قاطع:"حدود 'صخرة الخلاص' لم تُبْنَ من
last updateآخر تحديث : 2026-09-06
اقرأ المزيد

الفصل التاسع 9

عندما تلاقت أصابعهما لثانية واحدة وصعقت تلك النفحة الجسدية المباغتة أطراف آيريس، سحبت يدها بسرعة وبحركة شبه لا إرادية، وتراجعت خطوة إلى الخلف وهي تحاول التقاط أنفاسها المكتومة.لاحظ القديس دانيال تلك الانتفاضة المفاجئة في جسدها وسحب يدها السريع. ولأنه رجل ذكي ويمتلك حساً ثاقباً، لم يفسر الأمر على حقيقته الدفينة، بل ظنّ أن تراجعها واضطرابها هما بقايا الخوف والتروما الجسدية التي سببها لها والدها قديماً، والتي تحفزت مجدداً بسبب وقوفها مع لوكاس العابث قبل قليل.وضع دانيال السجلات على مكتبه بهدوء تام، ولم يحاول الاقتراب منها أكثر لكي لا يسبب لها مزيداً من التوتر. نظر إليها بعينين تملأهما الرصانة والحكمة الأبوية وقال بصوت منخفض ومطمئن:"آيريس.. اهدئي. أعلم أن مواجهة طيش العالم في الخارج تترك أثراً سيئاً في النفس، وأعلم أن جسدكِ يحمل ذاكرة أليمة تجعلكِ تنكمشين من أي اقتراب. لكن تذكري دائماً أنكِ هنا في حمى 'صخرة الخلاص'، ولن يمسكِ أي سوء."تنفت آيريس الصعداء في سرها، وشعرت بمزيج من الراحة والذنب؛ الراحة لأن دانيال لم يكتشف حقيقة البركان المشحون بالشهوة المتمردة التي باغتتها، والذنب لأنها تقف أما
last updateآخر تحديث : 2026-09-06
اقرأ المزيد

الفصل العاشر 10

لم تكن خطوات آيريس السريعة في الممر المظلم كافية لتهرب من نظرات ليل التي لا تخطئ. بمجرد أن خرجت من البوابة الخلفية المؤدية لحديقة المدرسة، انشقت عتمة الضباب الكثيف عن قوام ليل الممشوق. خطرت لهفته نحوها بوضوح، ووضع كاميرته جانباً، ليقف أمامها مباشرة وعيناه تحملان خليطاً من القلق العارم والغيرة الصامتة التي لم يعد قادراً على كتمانها.نظر إلى وجهها الشاحب وعينيها اللتين تحاربان دموعاً حائرة، وقال بنبرة حادة لكنها دافئة:"آيريس.. ما الذي يحدث داخل ذلك المكتب المغلق؟ رأيتكِ تدخلين بكبرياء القديسة، وتخرجين الآن كأنكِ رأيتِ شبحاً. هل ضغط عليكِ القديس دانيال؟ أم أن هناك خطراً يحيط بكِ ولا تريدين البوح به؟"حاولت آيريس التراجع خطوة، فالاضطراب الذي بداخلها كان أكبر من أن تحتمل معه استجواب ليل وعينيه المتفحصتين. ضمت كفيها الباردتين وقالت بصوت مرتعش:"ليل.. أرجوك، تنحَّ جانباً. ليس هناك شيء.. مجرد إرهاق من دراسة المخطوطات القديمة."لكن ليل لم يقتنع، بل خطى خطوة إضافية مقلصاً المسافة بينهما، وقال بغيرة دفيئة طغت على صوته كصحفي:"لا تكذبي عليّ يا آيريس. أنا أراقب هذا المكان، وأعلم أن دانيال يحيطكِ بهالة
last updateآخر تحديث : 2026-09-06
اقرأ المزيد
السابق
12
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status