LOGIN4***
كانت شيري على وشك العودة إلى المطبخ، لكن الخادمتين سارعتا إلى إيقافها.
قالت إحداهما على عجل:
"لا داعي لذلك يا سيدة لين."
فقد كانتا تتقاضيان أجرهما مقابل إعداد وجبات الطعام يوميًا، وإذا علم داني أن شيري هي من حضّرت الإفطار، فقد ينتهي الأمر بخسارتهما لعملهما.
وأضافت جون بحزم:
"أنا وفرانسيس مسؤولتان عن إعداد الإفطار في هذا المنزل. أنتِ ما زلتِ جديدة هنا، ولا تعرفين بعد ما يفضله السيد لين، لذلك من الأفضل أن تتركي أمر المطبخ لنا."
وأيدتها فرانسيس قائلة بلطف:
"صحيح، يا سيدة لين، اتركي الأمر علينا."
ثم ألقت جون نظرة سريعة على الطعام البسيط الذي أعدته شيري، وقالت بنبرة لا تخلو من التعالي:
"السيد لين لن يتناول مثل هذا الإفطار… رجل بمكانته يعتاد كل صباح على فطور إنجليزي متكامل… ألا ترين أن ما أعددته بسيط للغاية؟"
اتسعت عينا شيري بدهشة، وسرعان ما تلاشت ملامحها المشرقة ليحل محلها شعور بالإحباط. أطرقت برأسها وهمست بخفوت:
"أنتِ محقة."
وفي داخلها أخذت تؤنب نفسها.
*في الواقع، الأثرياء لديهم عاداتهم وأذواقهم الخاصة. حتى زملائي في الجامعة من العائلات الثرية لم يكونوا يكتفون بوجبات الإفطار البسيطة التي تقدمها الكافتيريا. فكيف برجل مثل داني، الذي ينتمي إلى طبقة مختلفة تمامًا؟ يبدو أنني تصرفت بسذاجة ولم أحسن التفكير.*
بعد لحظات، استعادت شيري هدوءها، ثم رفعت رأسها وابتسمت لجون ابتسامة هادئة ومشرقة.
وقالت برقة:
"حسنًا... سأرمي الطعام إذًا."
اتسعت عينا فرانسيس بدهشة… كانت كلمات جون قاسية وواضحة لكنها فوجئت بأن شيري لم تُبدِ أي غضب أو اعتراض، بل تقبلت الأمر ببساطة بل واستعدت للتخلص من الطعام الذي أعدّته بنفسها.
ألقت فرانسيس نظرة على وجبة الإفطار التي لا تزال ساخنة على الطاولة، وشعرت بشيء من الشفقة تجاه شيري فتقدمت بخطوة وقالت بلطف:
"سيدة لين، سيكون من المؤسف رمي هذا الطعام. إذا لم يكن لديكِ مانع، فسنتناوله نحن. لكن في المرة القادمة اتركي مهمة إعداد الإفطار لنا."
صمتت شيري لبرهة، ثم أومأت برأسها موافقة.
"حسنًا... سأصعد إلى الطابق العلوي."
استدارت وغادرت بخطوات هادئة، لكن ما إن أدارت ظهرها لهما حتى شعرت بغصة مؤلمة تعتصر حلقها.
*يبدو أن وجودي غير مرحب به في هذا المنزل...*
وفي تلك الأثناء كان الرجل الوسيم لا يزال غارقًا في نوم عميق داخل الغرفة غير مدرك لما حدث في الأسفل ولا للمشاعر التي أثقلت قلبها.
ركعت شيري بجوار السرير، وأخذت تتأمل ملامح داني الهادئة وفكه المنحوت بعناية، ثم تمتمت بضيق وهي تهز رأسها:
"يا لكم من أهل المدينة... إرضاؤكم ليس بالأمر السهل! من الذي يتناول فطورًا إنجليزيًا كاملًا كل صباح؟ أنا نفسي لم أتذوقه يومًا، فكيف يُفترض بي أن أعرف طريقة إعداده؟"
تذكرت وصايا خالتها سارة قبل الزواج، حين كانت تكرر عليها دائمًا أن الزوجة الحكيمة تعرف كيف تهتم بزوجها، فتطعمه جيدًا وتمنحه الاهتمام ليبقى زواجهما سعيدًا ومستقرًا.
وكلما استرجعت ما حدث في الليلة الماضية، ثم ما جرى معها في المطبخ قبل قليل، ازداد شعورها بالمرارة.
*لقد تزوجت للتو... ولا أريد أن يبدأ زواجي بالتعاسة.*
في الليلة السابقة، اكتفى داني بتقبيلها للحظات ثم توقف. ظنت أن حالته الصحية هي السبب، لذلك لم تضغط عليه أو تحرجه، وكانت تواسي نفسها بأنها على الأقل تستطيع الاعتناء به من خلال إعداد الطعام.
لكن حتى هذا الأمر لم ينجح.
تنهدت بأسى وهي تتمتم:
"إذا كان لا يعجبه حتى طعامي... فكيف سأجعله سعيدًا؟"
أطبقت شفتيها بتردد وهي تحدق في ملامحه الوسيمة، ثم همست بمشاكسة خفيفة:
"هيا... إن لم تستيقظ قريبًا فسأقبلك."
في تلك اللحظة، ارتجفت رموش داني الطويلة قليلًا، لكنه لم يفتح عينيه.
تسارع نبض قلب شيري وهي تحدق في وجهه البارد والجذاب. انحنت نحوه ببطء، ولم يبق بينهما سوى مسافة قصيرة، لكنها في اللحظة الأخيرة تراجعت، وقد غلبها الخجل.
أطلقت زفرة طويلة، ثم غادرت الغرفة بخطوات مثقلة بالإحباط.
*لا بأس... ربما كانت العمة سارة تبالغ. فالسعادة الزوجية لا تعتمد على إرضاءه جنسيًا.*
ورغم محاولتها إقناع نفسها بذلك، ظل الإحباط يلازمها.
وفي تلك اللحظة، رن هاتفها معلنًا اتصالًا من سارة.
أسرعت إلى الحمام قبل أن تجيب، لكنها لم تنتبه إلى أن الباب بقي مواربًا، فكان صوت الحديث يتسرب إلى الخارج بوضوح.
ما إن فتحت الخط حتى سألتها سارة مباشرة:
"مرحبًا يا شيري، كيف سارت ليلتكما الأولى؟"
أجابت شيري بخجل:
"ليست كما توقعت."
ساد الصمت لثوانٍ، ثم سألت سارة بسرعة:
"ألم تكتمل الأمور بينكما؟"
همست شيري:
"لا..."
تنهدت سارة، ثم قالت بلهجة جادة:
"شيري، عليكِ ألا تنسي مكانتكِ الآن. أنتِ زوجة ابن عائلة لين، وأحد أهم الأسباب التي وافقت العائلة من أجلها على هذا الزواج هو إنجاب وريث لداني. لقد وعدتِهم بأن تنجبي طفلًا خلال عامين."
شدّت شيري قبضتها حول الهاتف وقالت بثبات:
"لا تقلقي يا عمتي سارة... لم أنسَ ذلك."
ثم أضافت بعزم، رغم الاحمرار الذي كسا وجهها:
"هذه تجربتي الأولى فقط، لكنني سأبذل كل ما في وسعي لأكون زوجة صالحة، ولأحقق ما وعدت به."
عندما سمعت سارة نبرتها الواثقة، تنفست الصعداء وقالت بلطف:
"وهناك أمر آخر... بما أنكما أصبحتما زوجين، توقفي عن مناداته باسمه فقط، وناديه بـ... حبيبي."
اشتعل وجه شيري خجلًا، وأخفضت رأسها وهي تهمس بصوت يكاد لا يُسمع:
"حسنًا..."
في تلك اللحظة، انفتح باب غرفة النوم بهدوء.
ظنت شيري أن إحدى الخادمتين دخلت إلى الغرفة، فخشيت أن يتسبب ذلك في إيقاظ داني. لذلك أنهت المكالمة على عجل وخرجت من الحمام.
لكنها ما إن دخلت غرفة النوم حتى تجمدت في مكانها.
لم يكن داني هناك.
حتى كرسيه المتحرك اختفى هو الآخر.
اتسعت عيناها بدهشة، فأسرعت إلى الطابق السفلي، لتجده جالسًا في غرفة الطعام يتناول إفطاره بكل هدوء ورقي.
كان يرتدي رداءً أسود أنيقًا، بينما غطى عينيه وشاح حريري أسود زاد ملامحه غموضًا وهيبة، ومنحه برودة يصعب الاقتراب منها.
ما إن لمحَتها جون حتى بادرتها بابتسامة واسعة وقالت بحماس:
"صباح الخير، سيدة لين. إفطاركِ جاهز، تفضلي وتذوقيه. آمل أن ينال إعجابكِ."
توقفت شيري لحظة، وقد بدت عليها الحيرة. فقد كان لطف جون المفاجئ يناقض تمامًا نبرة الازدراء التي عاملتها بها قبل قليل، وكأن شيئًا لم يحدث.
ومع ذلك، تقدمت بهدوء نحو الطاولة.
كان أمامها فطور إنجليزي متكامل، مُعد بعناية، لكنه لم يكن من الأطعمة التي اعتادت عليها، بل إنها لم تتذوقه من قبل.
جلست في مكانها بصمت، وأخذت تنظر إلى الأطباق المتنوعة أمامها، إلا أن شهيتها كانت قد اختفت تمامًا.
فما حدث في المطبخ قبل قليل ظل عالقًا في ذهنها، حتى إنها لم تستطع أن تجبر نفسها على تذوق ذلك الإفطار، مهما بدا فاخرًا وشهيًا.
وفجأة، تذكرت شيري أنها احتفظت في الثلاجة بوعاء من عصيدة الشوفان أعدّته في الصباح.
ابتسمت في سرها وهمست:
"بما أن داني لا يحبه، فسأتناوله أنا."
نهضت بسرعة واتجهت إلى المطبخ، ثم عادت وهي تحمل الوعاء. جلست في مكانها وبدأت تتناول طعامها بهدوء واستمتاع، بينما كان داني يجلس على الطرف الآخر من المائدة الطويلة.
قطب داني حاجبيه وسألها:
"ماذا تأكلين؟"
رفعت شيري رأسها وأجابت بنبرة يغلب عليها الضيق:
"شيئًا لن يعجبك."
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة، وقال بهدوء:
"وكيف عرفتِ أنه لن يعجبني؟"
عبست شيري قليلًا، ثم أجابت بعفوية:
"جون هي التي أخبرتني."
ما إن سمعت جون اسمها حتى اجتاحها شعور بالذعر، وشحب وجهها.
أما داني، فأمسك كوب الحليب أمامه وارتشف منه رشفة أنيقة، ثم سأل بنبرة هادئة تخفي خلفها شيئًا من السخرية:
"جون قالت إنني لن أحبه؟"
أومأت شيري برأسها.
"نعم."
رفع داني حاجبه وقال:
"إذن، لماذا يوجد في ثلاجتي طعام لا أحبه؟"
تلعثمت شيري، ثم قالت معتذرة:
"الأمر ليس كما تظن... أنا من أعددته. لم أكن أعرف ما تفضله، فحضّرت لك الإفطار الذي أتناوله عادة، ولم أكن أعلم أنك لا تحب مثل هذه الوجبات البسيطة."
هز داني رأسه ببطء وقال:
"هكذا إذن."
ثم وضع كوب الحليب على الطاولة برفق، لكن صوت ارتطامه الخافت بدا ثقيلًا وسط الصمت، حتى إن جون ارتعدت وكادت تنهار من شدة التوتر.
قال داني بصوت بارد كالجليد:
"الغريب أنني أنا أيضًا لم أكن أعلم أنني أكره الطعام الذي أعددتِه."
وقبل أن تدرك شيري ما يقصده، مد يده بهدوء وسحب وعاء الشوفان من أمامها.
رفع داني الملعقة، وأخذ يحركها فوق الوعاء وكأنه يتحسس مكان الطعام، ثم التقط منها مقدارًا مناسبًا بدقة، ووضعه في فمه.
تذوقه بهدوء.
كان الطعم جديدًا عليه تمامًا؛ شوفانًا مالحًا لم يسبق له أن جربه.
وبعد لحظة قصيرة، قال بهدوء:
"ليس سيئًا."
ثم أعاد الملعقة إلى الطاولة بكل أناقة، قبل أن يوجه سؤاله من جديد:
"كيف عرفت جون أن هذا الطعام لا يعجبني؟"
حينها فقط أدرك داني ما حدث. فلا بد أن شيري كانت قد اشتكت لنفسها بجوار السرير في الصباح، بعدما علقت جون بسخرية على الطعام الذي أعدته، فظنت شيري أن كلامها يعكس ذوقه الحقيقي.
ساد الصمت في غرفة الطعام.
كانت الهيبة التي تحيط بداني خانقة، حتى إن جون ارتجفت من شدة الخوف، وتراجعت لا إراديًا لتختبئ خلف فرانسيس.
قطع داني ذلك الصمت بصوت بارد وحازم:
"جون... لماذا التزمتِ الصمت؟"
ثم أضاف بنبرة تحمل سخرية لاذعة:
"أم أنكِ ترين أنه لا داعي لتقديم تفسير لرجل أعمى مثلي؟"
33***كان نيكي مغطى بالدماء، وبدت عليه علامات الإنهاك والرعب بوضوح. هزّ رأسه بسرعة، — لا بأس... لستَ مضطرًا إلى ذلك. أنا لا أستحق الشفقة أصلًا.ارتسمت على شفتي داني ابتسامة باردة بالكاد تُرى، ثم رفع كأس النبيذ الأحمر إلى فمه وارتشف منه بهدوء، وكأن الرجل الملقى أمامه لا يعني له شيئًا.— يسعدني أنك تعرف ذلك.أنزل الكأس قليلًا، ثم أضاف بنبرة هادئة، لكنها حملت تهديدًا واضحًا:— والآن أخبرني... ماذا فعلتَ لشيري في الماضي؟تجمّد نيكي في مكانه.لم يتوقع هذا السؤال تحديدًا. تحرك رأسه نحو شيري بصورة عفوية، ثم تردد، وكأن الكلمات التصقت بحلقه.— أنا...وقفت شيري متيبسة، وراحت تضم يديها إلى بعضهما بقوة. كانت تشعر بأن قلبها يهبط إلى قاع صدرها مع كل ثانية تمر. لم تكن تريد سماع تلك التفاصيل مرة أخرى، ولم تكن مستعدة لأن تُفتح تلك الصفحة أمام داني بهذه الطريقة.ابتلع نيكي ريقه بصعوبة، ثم تمتم بصوت متقطع:— لقد استغليت شيري في الماضي... وكدت أن...لم يمنحه بليك فرصة لإكمال الجملة.كان بليك يرتدي ملابس رياضية بيضاء، وملامحه التي بدت هادئة قبل لحظات انقبضت بغضب. رفع قدمه وداس بقوة على يد نيكي، فارتفع أن
32***"نعم، كما هي العادة."أومأ النادل باحترام، ثم ابتعد بهدوء.وبعد دقائق قليلة، بدأت الأطباق تتوالى على الطاولة واحدًا تلو الآخر، حتى امتلأت أمام شيري بأصناف فاخرة ومتنوعة لم ترَ معظمها من قبل. كانت رائحة الطعام الشهية تعبث بمعدتها الخاوية، فشعرت بالجوع يزداد داخلها.لاحظ داني صمتها ونظراتها الفضولية وهي تتنقل بين الأطباق، فقال ببساطة:"هيا، لنأكل."أومأت شيري برأسها، ثم التقطت أدوات المائدة وبدأت في تناول الطعام.في الحقيقة، لم تكن بحاجة إلى كثير من التشجيع.فمنذ ما حدث صباحًا مع ماري، لم تتناول الغداء أصلًا، وبعد مرور كل تلك الساعات، كانت معدتها تصرخ من الجوع. وما إن تذوقت الطعام حتى نسيت للحظات كل الأفكار المزعجة التي كانت تلاحقها.وبعد وقت طويل، أوشكا على الانتهاء من العشاء.عندها خطرت فكرة في ذهن شيري فجأة.رفعت رأسها وسألت:"أين بليك؟"نظرت حولها باستغراب.ألم يقل داني إن على بليك أن يستعد؟فلماذا لم يظهر حتى الآن؟كان السيد كولسون واقفًا إلى جانب الطاولة، فألقى نظرة على ساعته قبل أن يقول:"لقد تأخر قليلًا. سيصل خلال دقيقة.""أوه."اطمأنت شيري إلى إجابته، ولم تجد سببًا لمزيد
31***ارتجف جسد شيري قليلًا، ثم التفتت دون وعي إلى داني الجالس بجوارها.كان لا يزال مستندًا إلى مقعده كما كان من قبل، ساكنًا تمامًا، وكأنه لم يسمع شيئًا مما يدور حوله.أخذت شيري نفسًا عميقًا، ثم تناولت القلم وكتبت ردها على الورقة:"بالطبع ليس أبكمًا. إنه يستطيع الكلام!"ما إن قرأت لوسي الجملة حتى كتبت بسرعة:"إذن لماذا لا يقول شيئًا؟"توقفت شيري، وحدقت في السؤال.ثم عبست.كان سؤالًا بسيطًا، لكنه أصابها في مقتل.نعم... لماذا لم يقل داني شيئًا؟منذ اللحظة التي دفع فيها بليك كرسيه نحو الباب الخلفي للمدرسة، لم تسمع منه كلمة واحدة حتى الآن.راحت شيري تفكر، ثم عضت شفتها بحيرة قبل أن تكتب:"ربما هو غاضب."حدقت لوسي في الجملة، بينما بدأت شيري نفسها تغرق أكثر في أفكارها.لكن... لماذا يكون غاضبًا؟ربما لأنه اكتشف أنه تزوج امرأة أصبحت عائلتها عبئًا عليه.فمنذ زواجه منها، لم تتوقف المشكلات عن الظهور.لم تكن لديها عمات يحاولن استغلال عمها ماليًا فحسب، بل كان لديها أيضًا ابن عمة وقح مثل نيكي، مستعد لإثارة المشاكل أينما ذهب.تنهدت شيري بعمق، وشعرت بأن القلم بين أصابعها أصبح أثقل فجأة.كتبت لوسي باست
30***لم يظهر أحد بين الأعشاب الكثيفة، التي كانت تتحرك من حين إلى آخر بفعل الريح. بدا المكان ساكنًا على نحو يثير الريبة، وكأن الشخص الذي أطلق السهم قد ذاب داخل الظلام.شعر نيكي أن خصمه لا يملك الشجاعة الكافية للظهور، فاستعاد جرأته ورفع صوته بسخرية، محاولًا إخفاء توتره خلف كلمات مستفزة:"لا تختبئ في الظلام! ألا تملك الجرأة للخروج؟ أم أنك جبان؟"لم يصله أي رد.ساد الصمت لثوانٍ ثقيلة، حتى بدا أن كلماته قد ضاعت في العتمة.ثم...حفيف!تحركت الأعشاب فجأة، وفي اللحظة التالية انطلق سهم آخر بسرعة خاطفة، واستقر مباشرة عند ذقن نيكي."آآآخ!"صرخ نيكي وقفز إلى الخلف، واضعًا يده على ذقنه، بينما سالت دموع الألم من عينيه دون إرادة منه.جاء صوت شاب هادئ من بين الظلام، خاليًا تمامًا من الارتباك:"لسـ لسانك قذر... وأنت تستحق ذلك."رفعت شيري رأسها بسرعة، واتجهت نحو مصدر الصوت بفضول ودهشة.وبعد لحظات، خرج فتى صغير من بين الأعشاب بخطوات هادئة. لم يكن يتجاوز الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمره، وكان يرتدي زيًا رياضيًا أبيض. دفع أمامه كرسيًا متحركًا يجلس عليه رجل غطت عينيه قطعة من الحرير الأسود.كان الرجل س
29***كانت إيريانا امرأة لا تجلب معها سوى المتاعب، وكانت شيري تعرف جيدًا أن الاقتراب منها يعني الدخول في دوامة لا تنتهي من المشاكل. لذلك حرصت طوال الوقت على تجنبها، ولم تكن ترغب بأي حال من الأحوال في التورط معها أو مع عائلتها.لكنها لم تتوقع أن يصل الأمر إلى حد نصب كمين لها عند الباب الخلفي للمدرسة.كان ذلك الباب يقع في جزء مهجور من المدرسة، بعيدًا عن أعين الطلاب والمعلمين. تراكمت الأعشاب الضارة حوله حتى كادت تحجب الممر المؤدي إليه، وكان المكان هادئًا على نحو يثير الريبة.سحبت لوسي شيري من يدها نحو الباب الخلفي، وما إن عبرتا العتبة حتى ظهرت مجموعة من الرجال فجأة، وانتشروا حولهما في لحظة واحدة، مغلقين جميع منافذ الهرب.توقفت شيري في مكانها، وشعرت بالتوتر يسري في جسدها.أما الرجل الذي يقف في مقدمة المجموعة، فابتسم ابتسامة ماكرة، وقال بثقة كمن كان ينتظرها منذ وقت طويل:"كنت محقًا. لقد خرجتِ فعلًا من الباب الخلفي."ثم ألقى عليها نظرة متفحصة، وأضاف بنبرة تحمل قدرًا مقززًا من الألفة:"لم أركِ منذ وقت طويل يا شيري."كان مظهره وحده كافيًا لإثارة الاشمئزاز. بدا كأحد أولئك الرجال الذين لا يمكن
28***أومأ إلفيس برأسه:"أفهم."لكن شيري لم تستطع أن تشعر بالارتياح.ما إن سمعت تحذير الطبيب حتى عقدت حاجبيها بشدة، وبدأ القلق يتسلل إلى ملامحها.هل حدث شيء أزعج جدتها مؤخرًا؟منذ أن علمت ماري أن شيري ستتزوج من رجل من ذوي الاحتياجات الخاصة، تدهورت حالتها الصحية بشكل واضح. ولم يمضِ وقت طويل على ذلك، فلماذا تعرضت للانزعاج مرة أخرى؟رفعت شيري عينيها نحو إلفيس، وراودها شك قوي.كانت تراقبه بصمت، محاولةً قراءة ما يخفيه عن وجهها.لكن إلفيس، وكأنه شعر بنظراتها، أدار وجهه بسرعة.ثم دفع سرير ماري إلى داخل غرفة المستشفى، حيث كانت الممرضة في انتظارها.ظلت ماري فاقدة للوعي.وبعد أن تأكدت شيري من أن جدتها أصبحت مستقرة وتحت رعاية الممرضات، اصطحبت داني لزيارتها قبل أن يغادرا المستشفى.عاد داني إلى المنزل، بينما توجهت شيري إلى المدرسة.لكنها، منذ لحظة وصولها، شعرت بأن شيئًا ما ليس على ما يرام.كانت تتحرك بين الطلاب وهي تشعر بنظرات غريبة تلاحقها من كل جانب. كلما رفعت رأسها، وجدت بعض الطلاب ينظرون إليها ثم يشيحون بوجوههم بسرعة، بينما كان آخرون يتهامسون فيما بينهم.لم تكن تعرف السبب.وفي المساء، وبعد انت







