LOGINالفصل الثالث: تحت سقف واحد
حين وصلت ليان إلى بنايتها في الدرب الأحمر كانت أم حسن تقف على السلم تعصر طرف وشاحها بين أصابعها، وحولها جيران تجمعوا بفضول خائف. لم تلتفت إلى أحد. صعدت الدرجات قفزًا، وخلفها زياد بخطوات هادئة لا تخطئ طريقها، حتى بلغت الباب. كان مخلوعًا من مفصله الأعلى، متدليًا كأنه فك مكسور، وفي الداخل كانت الشقة التي ألفتها منذ طفولتها قد تحولت إلى جثة منهوبة. الفراش مشقوق من أوله إلى آخره، والصوف يتناثر على الأرض كالثلج. أدراج الخزانة مقلوبة، وثياب أمها مرمية في أكوام، والكتب سُحبت من رفوفها وفُتحت ثم أُلقيت على وجوهها. حتى علب التوابل في المطبخ أُفرغت على الرخام. وقفت ليان وسط ذلك كله، لا تستطيع أن تتحرك، وشعرت أن أنفاسها تتجمد في صدرها. لم يكن الأمر سرقة؛ كانت تعرف شكل السرقة. كان هذا بحثًا. «لا تلمسي شيئًا»، قال صوت من خلفها. استدارت فرأت أدهم عند الباب، بمعطفه الرمادي وربطة عنقه المنحلة قليلًا، وقد بدت على وجهه آثار سرعة لم يعتد أن يظهرها. لم تسأله كيف وصل بهذه السرعة، ولم تسأله لماذا جاء بنفسه؛ كان فيها من الإنهاك ما يمنعها من السؤال. دخل بحذر، ونظر إلى الجدران والأرض والأثاث كما ينظر قائد إلى ساحة معركة، ثم قال لزياد بصوت منخفض: «صوّر كل شيء. ولا تتصل بالشرطة بعد». «لماذا؟» سألت ليان. «لأن من فعل هذا لم يسرق شيئًا». أشار إلى التلفاز القديم على حامله، وإلى خاتم ذهبي صغير يلمع فوق الخزانة المقلوبة. «هؤلاء لا يريدون مالًا، بل يريدون ورقة. وأي بلاغ الآن سيحول الأمر إلى قضية علنية قبل أن نعرف من نواجه». «نواجه؟» رددت بدهشة. لم يجب. تقدم نحو المطبخ، وهناك رأى ليان تفعل شيئًا لم يتوقعه. كانت قد اتجهت إلى خزانة الأواني، وأزاحت صفًا من القدور، ومدت يدها في الفراغ خلفها، وسحبت الصندوق الخشبي الصغير المزخرف، ثم ضمته إلى صدرها. كانت أصابعها ترتجف. «بقي»، همست كأنها تحدث نفسها. «لم يجدوه». «ما هذا؟» سأل أدهم. ترددت لحظة. كانت قد وعدت نفسها ألا تثق بأحد، وقد كانت وصية أمها لا تزال ترن في رأسها: ليس كل من يبتسم لك صديقًا. لكنها نظرت إلى الشقة المحطمة، ثم إلى وجهه، وأدركت أنه لم يعد أمامها ترف الحذر الكامل. فتحت الصندوق وأخرجت الصورة القديمة ومدتها إليه دون كلمة. أخذها أدهم، ونظر إليها. وللحظة طويلة لم يتحرك شيء في وجهه. كان الشاب في الصورة يضحك ضحكة منفلتة، وإحدى يديه تحيط بكتف فتاة تضحك بدورها، والبحر خلفهما يلمع. لم يشبه الرجل الذي وصفوه له يومًا، العم الغائب الذي صار اسمه همسًا. بدا حيًا، ممتلئًا بحياة لم يعرفها أحد في هذا البيت. «أول مرة أراه يضحك»، قال بصوت لا يكاد يسمع. لم تجد ليان ما تقوله. وقف الاثنان صامتين في مطبخ محطم، يتأملان صورة رجلين جمعهما الدم ولم تجمعهما الحياة. ثم أعاد أدهم الصورة إليها بحذر، كمن يرد أمانة، وقال بنبرة مختلفة، أقل حدة وأكثر خفوتًا: «قلتِ في المكتب إن أمك كتبت لك. ماذا كتبت بالضبط؟» أعطته الرسالة. قرأها واقفًا، وحين وصل إلى جملة وفاة كمال في حادث سيارة قيل إنه قضاء وقدر، شد على الورقة قليلًا حتى انثنت. أعادها إليها بهدوء، ولم يعلق على شيء. «هل رأيتِ أحدًا يتبعك هذا الصباح؟» سأل أخيرًا. «سيارة سوداء كانت واقفة عند زاوية الشارع حين غادرت، ثم لم أرها في الطريق. وفي ردهة البرج...» توقفت. «ماذا في ردهة البرج؟» «رجل كان يقف عند المدخل يتحدث في هاتفه حين صعدنا. لا أعرف لماذا لفت نظري، لكن ابتسامته لم تعجبني». تبادل أدهم وزياد نظرة سريعة. قال زياد: «سأراجع كاميرات المدخل والشارع، يا سيدي». «افعل». ثم التفت أدهم إلى ليان. «لن تبقي هنا الليلة». «لا مكان آخر أذهب إليه». «بل هناك. ستأتين إلى قصر العائلة». رفعت حاجبيها دهشة. «تريدني أن أسكن في بيت من يشكون في أنني محتالة؟» «أريدك في مكان أستطيع حمايتك فيه»، قال ببرود يخفي شيئًا آخر. «وأريدك قريبة مني حتى تظهر النتيجة. إن كنتِ صادقة فأنتِ في خطر، وإن كنتِ كاذبة فمن الأفضل أن أراقبك. وفي الحالتين فالمكان الأنسب لك هو سقفي». «أنت صريح بشكل يثير الإعجاب»، قالت بسخرية مريرة. «أحاول أن أوفر علينا إضاعة الوقت». نظرت إلى الشقة مرة أخيرة، ثم إلى الصندوق بين ذراعيها. لم يكن لها خيار حقيقي، وهي تعرف ذلك. لكنها لم تكن لتسلم نفسها بلا شروط. «سأقبل، لكن بثلاثة شروط. أولًا، أحتفظ بجناح منفصل وبمفتاح لغرفتي. ثانيًا، لا أحد يمس أوراقي. ثالثًا، لن أكون عالة على أحد. سأعمل، وسأجد ما أفعله في بيتكم لقاء إقامتي». ارتفع أحد حاجبيه قليلًا. «تساومينني؟» «أحدد حدودي». ساد صمت قصير، ثم أومأ بإيجاز. «موافق». حزمت ليان في حقيبة صغيرة ما نجا من ثيابها وكتبها. وفي الباب وقفت أم حسن، وقد انهمرت دموعها، فعانقتها ليان طويلًا وهمست لها أن تطمئن. ثم نزلت الدرج، ولم تلتفت إلى الشقة التي ولدت فيها. كانت تعرف أنها إن التفتت فلن تغادر. قصر الراشد لم يكن بيتًا بالمعنى الذي عرفته ليان. كان بناية عريضة من حجر أبيض تحيط بها حديقة مترامية، وأشجار نخيل تصطف على جانبي ممر يشبه طريقًا في فيلم قديم. عند البوابة وقف حارسان يحييان أدهم بانحناءة صامتة، ثم انفتح الباب الخشبي الضخم عن ردهة مرتفعة السقف، ثريا من بلور تتدلى فيها، ودرج حلزوني من رخام يصعد إلى الطابق العلوي. وعلى الدرج وقفت امرأة، كانت في منتصف الخمسينات، طويلة ونحيلة، ترتدي فستانًا أسود بسيطًا تزينه سلسلة لؤلؤ، وشعرها الرمادي مرفوع بإتقان صارم. نزلت بخطى بطيئة، كأنها ملكة تتفقد رعيتها، وعيناها الحادتان تدرسان ليان من رأسها إلى قدميها، من حذائها المتآكل إلى حقيبتها القماشية. «من هذه، يا أدهم؟» سألت بصوت هادئ جاف. «ضيفة، يا عمتي. ستقيم معنا بضعة أيام». «ضيفة؟» ارتفع حاجبها الدقيق. «ولا أعرف من تكون. وهل أصبحنا نفتح بيت العائلة لمن يطرق بابها؟» «اسمها ليان الرفاعي»، قال أدهم بنبرة قاطعة لا تقبل جدالًا. رأت ليان أن شيئًا ما يتغير في وجه المرأة؛ لم يكن اتساعًا في العينين ولا شحوبًا، بل مجرد ارتعاشة صغيرة في زاوية الفم، سرعان ما أخفتها بابتسامة باردة. «الرفاعي»، كررت الاسم ببطء كأنها تتذوقه. «لا أعرف عائلة بهذا الاسم». «لا بأس يا عمتي. سنتحدث لاحقًا». ومن غرفة الاستقبال الجانبية خرج رجل ضخم الجسم، في أواخر الأربعينات، مستدير الوجه بشوش الملامح، يرتدي سترة من الكتان وفي يده فنجان قهوة. وخلفه، على بعد خطوة، وقف رجل أنحف منه في الثلاثينات يرتدي حلة رمادية، يحمل هاتفًا ويخفض بصره باحترام مصطنع. تجمدت ليان، عرفت الرجل الثاني في الحال. كان هو الذي رأته في ردهة البرج، يخفض هاتفه من أذنه ويبتسم ابتسامة صغيرة لا تدل على خير. لم يرفع عينيه إليها الآن، لكن زاوية فمه ارتفعت قليلًا حين مرت نظرتها عليه، كأنه يحيّيها تحية من يعرف سرًا. «أهلًا بأدهم، وأهلًا بالضيفة»، قال الرجل الضخم بحرارة ظاهرة، وهو يتقدم نحو ليان ويمد يده. «أنا جلال الراشد، عم أدهم. تشرفنا يا بنتي». ثم أمسك يدها بين كفيه، وحدق في وجهها لحظة أطول مما تقتضيه المجاملة، وقال بصوت دافئ حنون: «أهلًا بك في بيتك يا ابنة أخي». ساد الصمت في الردهة كأن أحدهم أطفأ الأصوات كلها دفعة واحدة. سقط فنجان القهوة من يد نوال قبل أن يصل إلى الأرض فتهشم، ولم تلتفت إليه. أما أدهم فتصلب في مكانه، وانعقد حاجباه، وقال بنبرة منخفضة حادة كحد سكين: «ابنة أخيك يا عمي؟ لم تظهر النتيجة بعد، ولم يخبر أحد في العائلة بشيء. فمن أين عرفت؟» لم تهتز ابتسامة جلال لحظة. «يا بني، العيون تنطق. انظر إلى عينيها، إنهما عينا كمال رحمه الله، وهذا الجبين وهذه الغمازة. من لا يعرف أخاه إذا رأى وجهه في وجه ابنته؟» ثم ضحك ضحكة خفيفة، وربت على كتف أدهم. «لا تحتاج الدماء إلى تحليل، يا أدهم. أما التحليل فمن أجل الأوراق». كان الكلام عذبًا ومقنعًا في ظاهره. لكن ليان، التي قضت عمرها بين المخطوطات تتعلم أن تفرق بين الحبر الأصلي والمزور، شعرت بأن في هذه العذوبة شيئًا لا يطابق أصله. ونظرت نظرة جانبية إلى أدهم، فرأته يحدق في عمه بنظرة لم يخفها تمامًا، نظرة رجل التقط للتو خيطًا رفيعًا ولم يعرف بعد إلى أين يؤدي. وفي الخلف، من دون أن يرفع رأسه، كان الرجل ذو الحلة الرمادية يكتب شيئًا على هاتفه بإصبع واحدة.الفصل السادس: فارسبعد أسبوع من العثور على المفتاح، لم يكن شيء قد تغير في ظاهر القصر، ومع ذلك كان كل شيء قد تغير. صارت ليان تحمل المفتاح في سلسلة رقيقة تحت ثيابها، وصارت تجد نفسها كل مساء أمام باب المكتبة تنتظر خطوات لا تعترف أنها تنتظرها. وكان أدهم يأتي، لا ليسألها عن الوثائق كما يقول، بل ليسأل عن كتاب أو عن مخطوط أو عن طريقة ترميم الجلد. ثم يبقى ساعة، ويجلس قبالتها بصمت، ويقرأ في كتاب لم تره يقلب صفحة منه.لم يتحدثا عن الورقة ولا عن الساعة. كان بينهما اتفاق صامت على أن تبقى هذه الأمور بين جدران المكتبة. لكن ليان كانت تعرف أن الوقت يضيق. كانت تشعر بأن ثمة من يراقب ويحسب، وأن من عبث بشقتها لا يزال قريبًا.في صباح السبت جاءها أدهم في المكتبة على غير عادته، وبدا عليه ضيق من يحمل خبرًا لا يريده.«الليلة حفل الذكرى الثامنة والثلاثين لتأسيس المجموعة»، قال. «يقام في حديقة القصر كل عام، ويحضره الشركاء والمساهمون وكبار رجال الأعمال».«وما شأني بذلك؟»«عمي جلال أصر على أن تحضري».رفعت رأسها عن المجلد الذي كانت تعالجه. «ولماذا يصر على ذلك؟»«يقول إن إخفاءك سيثير أسئلة أكثر من ظهورك. وللأسف، الح
الفصل الخامس: العشاء الذي لم يُؤكلمضى اليوم كله وليان تشعر بالورقة المطوية في كمّها كجمرة صغيرة. حاولت أن تعمل، لكن أصابعها كانت تخطئ مواضع الملاعق الرقيقة، وعيناها تعودان كل لحظة إلى الأرفف كأنها تتوقع أن يخرج منها من يخبرها ما معنى الجملة التي قرأتها. المفتاح حيث يدق الزمن. وتلك العبارة الأخرى: لقد أخطأت حين صمتّ. أي صمت؟ ومن الذي اتبع خطأه بهذا الأسى المتأخر؟حل المساء وانطفأت الأضواء في القصر واحدًا بعد آخر. أشعلت ليان المصباح النحاسي على طاولة الجوز، وبقيت جالسة أمام كتاب لم تعد تراه. لقد كذبت على أدهم، هذا ما كان يضغط على صدرها أكثر من أي شيء آخر. كذبت على رجل لم يفعل لها حتى الآن إلا ما يفعله رجل يحمي بيته، وإن فعله ببرود وكبرياء. ثم تذكرت فتات الأثاث في شقتها المهشمة، وتذكرت عبارة أمها عن الابتسامات، فاستقرت يدها على كمّها بقوة.انفتح الباب بلا طرق، دخل أدهم، وقد خلع سترته ورفع كمّي قميصه، يحمل في يديه صينية عليها طبق من الأرز واللحم وكوب ماء. وضعها على الطاولة بصوت أعلى مما قصد، ثم وقف أمامها متصلبًا كأنه ضبطها متلبسة بجريمة.«لم تأكلي منذ الصباح»، قال.«من قال لك؟»«صابر. و
الفصل الرابع: المكتبةلم تنم ليان تلك الليلة، كانت غرفتها في الجناح الشرقي فسيحة كشقتها كلها، بسرير عريض وستائر ثقيلة ونافذة تطل على الحديقة، لكنها بقيت جالسة على حافة السرير، والصندوق الخشبي في حجرها، تنصت لكل صرير في الممر. أغلقت الباب بالمفتاح مرتين، وسحبت مقعدًا إلى ما خلفه، ثم ضحكت من نفسها ضحكة قصيرة مرة. لقد صارت تتصرف كما كانت أمها تتصرف طوال حياتها، وفهمت لأول مرة كم يكلف الخوف من عمر.في الصباح جاء طبيب أنيق بحقيبة سوداء صغيرة، وأخذ عينة من فمها بعود قطني معقم، ثم انتقل إلى جناح نوال. وقفت ليان في الممر ترقب. سمعت نوال تعترض بصوت رفيع متهكم، وسمعت أدهم يجيبها بكلمات قليلة حازمة، ثم ساد الصمت. وبعد دقائق خرج الطبيب وهو يحمل ثلاثة أنابيب صغيرة، وخلفه جلال، يصفق بكفيه ويقول بمرح مبالغ فيه: «أنا مستعد لأي تحليل في العالم. الحق أبلج والباطل لجلج، كما يقولون!»على مائدة الإفطار اجتمعت العائلة. جلس أدهم في صدر المائدة يقرأ في هاتفه ولا يرفع رأسه، وجلس جلال إلى يمينه يتحدث عن أسعار الأسهم بحماسة، وجلست نوال إلى يساره تقلّب الشاي بملعقة صغيرة دون أن تشربه. ووجدت ليان نفسها في المقع
الفصل الثالث: تحت سقف واحدحين وصلت ليان إلى بنايتها في الدرب الأحمر كانت أم حسن تقف على السلم تعصر طرف وشاحها بين أصابعها، وحولها جيران تجمعوا بفضول خائف. لم تلتفت إلى أحد. صعدت الدرجات قفزًا، وخلفها زياد بخطوات هادئة لا تخطئ طريقها، حتى بلغت الباب. كان مخلوعًا من مفصله الأعلى، متدليًا كأنه فك مكسور، وفي الداخل كانت الشقة التي ألفتها منذ طفولتها قد تحولت إلى جثة منهوبة.الفراش مشقوق من أوله إلى آخره، والصوف يتناثر على الأرض كالثلج. أدراج الخزانة مقلوبة، وثياب أمها مرمية في أكوام، والكتب سُحبت من رفوفها وفُتحت ثم أُلقيت على وجوهها. حتى علب التوابل في المطبخ أُفرغت على الرخام. وقفت ليان وسط ذلك كله، لا تستطيع أن تتحرك، وشعرت أن أنفاسها تتجمد في صدرها. لم يكن الأمر سرقة؛ كانت تعرف شكل السرقة. كان هذا بحثًا.«لا تلمسي شيئًا»، قال صوت من خلفها.استدارت فرأت أدهم عند الباب، بمعطفه الرمادي وربطة عنقه المنحلة قليلًا، وقد بدت على وجهه آثار سرعة لم يعتد أن يظهرها. لم تسأله كيف وصل بهذه السرعة، ولم تسأله لماذا جاء بنفسه؛ كان فيها من الإنهاك ما يمنعها من السؤال. دخل بحذر، ونظر إلى الجدران والأرض
الفصل الثاني: الاتهامكان مكتب أدهم الراشد يشغل الطابق الأخير من البرج كله، قاعة واسعة جدرانها من زجاج يطل على القاهرة الجديدة كأنها خريطة منشورة تحت قدميه. لم يكن فيها من الزينة شيء؛ مكتب ضخم من خشب الجوز، وأريكتان من الجلد الأسود، ولوحة وحيدة لرجل مهيب بشاربين أبيضين نظراته تلاحق الداخل أينما سار. عرفت ليان أن هذا هو الجد عبد الرحمن، مؤسس المجموعة، وأحست بأن عينيه الجامدتين تحاسبانها قبل أن تنطق بكلمة.أشار أدهم إلى المقعد المقابل لمكتبه دون أن يرفع نظره عن الأوراق التي وضعتها أمامه. جلس خلف المكتب ببطء، وأخذ يقرأ عقد الزواج سطرًا سطرًا، ثم انتقل إلى الإقرار الموثق. كان يقرأ بوجه لا ينبئ بشيء، وكان الصمت في القاعة ثقيلًا حتى سمعت ليان دقات قلبها. وقف الرجل الذي استدعاه، وهو مدير الشؤون القانونية الأستاذ هشام السيد، إلى جوار مكتبه، رجل ستيني نحيل، يعدّل نظارته كل لحظة، ويتجنب أن تلتقي عيناه بعينيها.رفع أدهم رأسه أخيرًا وقال: «أين وجدتِ هذه الأوراق؟»«في صندوق خشبي تركته أمي. توفيت قبل ثلاثة أيام».«وأمك هي سميرة الرفاعي؟»«نعم».«وتزعمين أنها كانت زوجة عمي كمال».«لا أزعم يا سيد أده
الفصل الأول: صندوق الخشب لجنازة مهيبة، لم يرد ذكر لزوجة أو لولد. كأن الرجل خرج من الحياة بلا أثر.ثم كتبت «مجموعة الراشد» فانهالت عليها الصور؛ برج زجاجي شاهق في القاهرة الجديدة، ومؤتمرات صحفية، ورجل ثلاثيني حاد الملامح اسمه أدهم الراشد، يصفونه بأنه «الرئيس التنفيذي الصارم الذي لا يُجادَل». قرأت الاسم ببطء. ابن عمها إذن؟ لعله يعرف الحقيقة، أو لعله لا يعرف شيئًا.لم تنم تلك الليلة. وفي الصباح، صنعت لنفسها قهوة سوداء، وصوّرت الوثائق بهاتفها، وأرسلت الصور إلى بريدها الإلكتروني، ثم وضعت الأصول في حقيبة قماشية قديمة، وأخفت الصندوق الخشبي خلف خزانة المطبخ. شيء ما في تحذير أمها جعلها تتصرف كأن أحدًا يراقبها.حين غادرت البناية، لمحت سيارة سوداء واقفة عند الزاوية، ومحرّكها يعمل بلا حركة، ونوافذها معتمة. لم يكن هناك ما يدعو إلى الريبة؛ سيارات كثيرة تقف في هذا الحي. لكنها لاحظت أن السيارة لم تكن هناك أمس، وأن أحدًا لا يترك محركه يعمل نصف ساعة بلا سبب. ضمّت حقيبتها إلى صدرها، وأسرعت نحو الشارع الرئيسي، وأوقفت سيارة أجرة.طوال الطريق إلى القاهرة الجديدة كانت تراقب المرآة الجانبية. لم تظهر السيارة ا







