Share

الفصل الرابع

last update publish date: 2026-10-11 06:46:00

الفصل الرابع: المكتبة

لم تنم ليان تلك الليلة، كانت غرفتها في الجناح الشرقي فسيحة كشقتها كلها، بسرير عريض وستائر ثقيلة ونافذة تطل على الحديقة، لكنها بقيت جالسة على حافة السرير، والصندوق الخشبي في حجرها، تنصت لكل صرير في الممر. أغلقت الباب بالمفتاح مرتين، وسحبت مقعدًا إلى ما خلفه، ثم ضحكت من نفسها ضحكة قصيرة مرة. لقد صارت تتصرف كما كانت أمها تتصرف طوال حياتها، وفهمت لأول مرة كم يكلف الخوف من عمر.

في الصباح جاء طبيب أنيق بحقيبة سوداء صغيرة، وأخذ عينة من فمها بعود قطني معقم، ثم انتقل إلى جناح نوال. وقفت ليان في الممر ترقب. سمعت نوال تعترض بصوت رفيع متهكم، وسمعت أدهم يجيبها بكلمات قليلة حازمة، ثم ساد الصمت.

وبعد دقائق خرج الطبيب وهو يحمل ثلاثة أنابيب صغيرة، وخلفه جلال، يصفق بكفيه ويقول بمرح مبالغ فيه: «أنا مستعد لأي تحليل في العالم. الحق أبلج والباطل لجلج، كما يقولون!»

على مائدة الإفطار اجتمعت العائلة. جلس أدهم في صدر المائدة يقرأ في هاتفه ولا يرفع رأسه، وجلس جلال إلى يمينه يتحدث عن أسعار الأسهم بحماسة، وجلست نوال إلى يساره تقلّب الشاي بملعقة صغيرة دون أن تشربه. ووجدت ليان نفسها في المقعد الأخير، أمام طبق لم تقدر على لمسه.

«أخبريني يا آنسة ليان»، قالت نوال بنبرة ناعمة مسمومة، «ماذا تعملين؟»

«أعمل في ترميم المخطوطات».

«آه، شيء قديم ومتهالك. مناسب لذوق من يهتمون بالماضي».

«الماضي هو الذي يصنع الحاضر يا سيدتي»، أجابت ليان بهدوء. «ومن يعرفه جيدًا لا يخاف منه».

توقفت الملعقة في يد نوال. وأطلق جلال ضحكة قصيرة، وقال: «أحسنت! ألم أقل إن لها لسان كمال؟» ثم التفت إلى أدهم. «إنها تعجبني يا ابن أخي. ربما كانت ما تحتاجه هذه العائلة من دم جديد».

«الدم الجديد يحتاج إلى شهادة»، قالت نوال، ثم نهضت مستندة إلى المائدة. «اعذروني، لا أحتمل الجو الخانق هنا».

راقبتها ليان وهي تغادر، وفكرت أن الكراهية حين تُحكم تصبح أنيقة، وأن أخطر الأعداء من لا يرفع صوته. وحين التفتت وجدت عيني أدهم عليها، عينين رماديتين تدرسانها بصمت. لم يقل شيئًا. أنهى قهوته، وقام، وغادر إلى عمله.

قضت ليان صباحها تتجول في أرجاء القصر، لا تدري ماذا تفعل بنفسها. كان قد اتفق معها على أن تجد ما تعمله، لكن أحدًا لم يخبرها أين. وفي نهاية الجناح الغربي، وراء ممر مظلم تفوح منه رائحة الخشب العتيق، وجدت باب مزدوجًا ثقيلًا من خشب الماهوجني، وعليه قفل نحاسي كبير. وقفت أمامه كما يقف المؤمن أمام محراب. كانت تعرف هذه الرائحة، رائحة الورق والجلد والغبار الحنون. لقد وجدت المكتبة.

«عفوًا يا آنسة»، قال صوت خلفها بنبرة رقيقة مرتجفة.

كان رجلًا عجوزًا نحيلًا في السبعين، يرتدي سترة قديمة نظيفة، وفي يده منفضة ريش. وقف ينظر إليها بعينين دامعتين عجيبتين، كأنه رأى شبحًا. «هذا الباب مغلق منذ وفاة السيد سليمان، رحمه الله. لا أحد يدخله».

«أنا آسفة. لم أقصد أن أتطفل. اسمي ليان».

«أعرف يا ابنتي»، قال بصوت خافت، وعيناه لا تفارقان وجهها. «أنا صابر، أخدم في هذا البيت منذ أربعين عامًا. وأعرف هاتين العينين.

رأيتهما قبل سنين طويلة في وجه شابة كانت تأتي مع السيد كمال خلسة من باب الحديقة الخلفي. السيدة سميرة، أليس كذلك؟»

اضطربت ليان، وعجزت عن الجواب. مد العجوز يده المعروقة، ولمس كمّها لمسة سريعة خجولة. «لا تخافي مني. لن أقول لأحد. لكن احذري يا ابنتي، فالجدران في هذا البيت لها آذان».

ثم أخرج من جيبه مفتاحًا نحاسيًا ثقيلًا، فتردد لحظة، ثم وضعه في كفها وأطبق عليه أصابعها. «السيد أدهم يحتفظ بالنسخة الأخرى. لكن هذه كانت للسيد سليمان، وقد أعطاني إياها قبل وفاته بأسبوعين وقال لي احفظها يا صابر، فقد يأتي من يحتاج إليها. لا أعرف إن كنتِ تلك التي عناها. لكني أحس أنك هي».

أدارت المفتاح في القفل، فانفتح الباب بصوت طويل كزفرة قديمة.

لم تر ليان في حياتها مكانًا كهذا. كانت القاعة مرتفعة السقف، جدرانها كلها من الرفوف الخشبية الداكنة حتى القبة، وسلم متحرك من النحاس يتدلى على قضيب. في الوسط طاولة طويلة من خشب الجوز، وإلى جوار النافذة العالية كرسي جلدي عريض تغطيه ملاءة بيضاء، وفي الركن ساعة جدارية ضخمة قديمة ساكنة كأنها تنتظر من يوقظها، وفوق ذلك كله كانت الكتب، آلاف الكتب، بعضها يتساقط جلده، وبعضها ملفوف في خرق بيضاء، وبعضها مغطى بغبار ثمانية أشهر.

نسيت ليان القصر كله. انحنت على أقرب رف، وأخذت مجلدًا من القرن التاسع عشر وقد تفتتت حواف أوراقه، وقلبته بأصابع تعرف كيف تلمس الورق كأنه جلد حي. وبعد أن مضى الوقت لا تدري كم، سمعت صوتًا غاضبًا عند الباب:

«ما الذي تفعلينه هنا؟»

كان أدهم. لم يكن يرتدي معطفه، وكانت أنفاسه مضطربة، وعيناه مشتعلتين بشيء بين الغضب والألم. نظر إلى الكرسي المغطى، ثم إلى الرفوف، ثم إليها، وقال بصوت مختنق:

«من أعطاك المفتاح؟»

لم تكذب. «صابر».

«هذه الغرفة ممنوعة».

«لم أعرف. وقد رأيت أن الكتب تتلف هنا يا سيد أدهم. الرطوبة تأكل الجلود، والغبار يخنق الأوراق. لو تركت سنة أخرى لضاع نصفها. أنا مرممة مخطوطات، وقد قلت لك إني سأجد ما أعمله. فلتكن هذه المكتبة هي عملي».

لم يجب. كانت يداه مقبوضتين، وكان ينظر إلى الكرسي الجلدي بنظرة عرفت ليان أنها ليست نظرة مالك، بل نظرة ابن. أدركت فجأة. «هنا مات أبوك؟»

لم يرد. لكن صمته كان جوابًا. وبعد لحظات طويلة تنفس بعمق، وكأنه يضع قناعه على وجهه ثانية، وقال بجفاء مصطنع:

«يمكنك أن تعملي هنا. لكن لا تمسي مكتبه ولا أوراقه الخاصة. وإن وجدتِ أي مستند يخص العائلة فأخبريني فورًا».

«اتفقنا».

أومأ ثم استدار ومضى، لكنه توقف عند الباب دون أن يلتفت. «والكرسي... لا تحركيه».

مرت ثلاثة أيام. تعلمت ليان فيها إيقاع القصر؛ جلال يمر في الصباح بابتسامة ويسأل إن كانت بحاجة إلى شيء، ونوال تتجاهل وجودها بإتقان، وأدهم يعود متأخرًا ويكتفي بتحية جافة، لكنها لاحظت أنه يمر بباب المكتبة كل مساء ويبطئ خطاه قليلًا قبل أن يواصل إلى غرفته.

أما هي فقد عاشت بين الرفوف، تنظف وتفهرس وتصلح، وتشعر لأول مرة منذ أسابيع بأن شيئًا في حياتها له معنى.

في صباح اليوم الرابع جاء الأستاذ هشام السيد بنفسه إلى المكتبة، ومعه مظروف أبيض. وقف أدهم خلفه، ملامحه جامدة، وعيناه لا تفصحان.

«ظهرت النتيجة»، قال هشام بصوت متحفظ. «نسبة التطابق الوراثي بين الآنسة ليان وكل من السيدة نوال والسيد جلال تؤكد القرابة من الدرجة الثانية عن طريق الأب. أي أن الآنسة ابنة أخيهما بما يتجاوز التسعة والتسعين في المئة».

لم تقل ليان شيئًا. أحست بأن ركبتيها تخونانها، فاستندت إلى طاولة العمل. لم تكن تعرف أنها كانت تحبس أنفاسها منذ أربعة أيام. وجه أدهم لم يتغير، لكن كتفيه ارتخيا قليلًا.

«هذا يؤكد القرابة»، قال بصوت منخفض، «لكنه لا يؤكد صحة الوثائق».

«وأنا لم أطلب منك أن تصدقني فورًا»، ردت ليان. «طلبت فقط ألا تكذبني قبل أن تتأكد».

نظر إليها لحظة، ثم قال لهشام: «ابدأ بالبحث في سجلات مكتب التوثيق. أريد كل ما يخص الأستاذ عبد الحميد الجندي، ولو احتجت إلى سؤال ورثته».

خرج الرجلان. وبقيت ليان وحدها في القاعة الصامتة، وانسالت من عينيها دموع هادئة لم تفهم أهي دموع فرح أم حزن. أمها كانت صادقة. أمها لم تكذب عليها في كل ما قالت. ثم مسحت وجهها بكمّها، وعادت إلى عملها، لأن العمل كان الشيء الوحيد الذي تعرف كيف تفعله حين يضيق صدرها.

كان أمامها كتاب ضخم مغلف بالجلد، نسخة قديمة من كتاب الأغاني، تفتت غلافه حتى انكشف الورق اللاصق بالجلد. وبينما كانت تفصل الغلاف المتآكل عن الكعب بملعقة رقيقة من العظم، لمست شيئًا صلبًا بين الطبقات. أمسكت أنفاسها. بحذر شديد رفعت طبقة الجلد، فانكشف تحتها جيب صغير مخبأ بعناية، وفي داخله ورقة مطوية طيات رقيقة.

فتحتها بأصابع مرتجفة. كان الخط واضحًا، خط رجل متعجل لكنه واثق، والحبر لم يمض عليه سنة:

«الملف الخاص بكمال لا يزال حيًا. المفتاح حيث يدق الزمن. لا تثق بمن يبتسم لك... لقد أخطأت حين صمتّ. س.»

وقعت عيناها على التوقيع. حرف واحد: س.

سليمان.

قبل أن تستوعب ما قرأت، سمعت خطوات تقترب من الباب. كان إيقاعًا لا تخطئه، إيقاع من اعتاد الأرض تحت قدميه. وفي حركة غريزية، قبل أن تفكر، طوت الورقة مرتين وأخفتها في كمّها، ثم أعادت الجلد إلى موضعه كأن شيئًا لم يكن.

دخل أدهم، وفي يده كوب قهوة. لم يكن قد نوى، على ما يبدو، أن يأتي. وقف عند الباب، وبدا كأنه يبحث عن مبرر.

«أحضرت لك قهوة»، قال بتجهم، ومد إليها الكوب. «بلا سكر، أليس كذلك؟»

نظرت إليه بدهشة. لم تذكر أنها لا تضع السكر. ولم يكن أحد في هذا البيت ليعرف. ثم تذكرت أنها لم تضع سكرًا في كوب الشاي صباح الأمس أمام صابر، وأنه ربما أخبره. أخذت الكوب، وهمست بشكرها، وشعرت بوخز حاد وهي تلتقي بعينيه.

لقد كذبت عليه للتو. ولأول مرة، لم تعرف إن كانت قد فعلت ذلك لتحمي نفسها منه، أو لتحميه هو.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الوريثة السرية    الفصل السادس

    الفصل السادس: فارسبعد أسبوع من العثور على المفتاح، لم يكن شيء قد تغير في ظاهر القصر، ومع ذلك كان كل شيء قد تغير. صارت ليان تحمل المفتاح في سلسلة رقيقة تحت ثيابها، وصارت تجد نفسها كل مساء أمام باب المكتبة تنتظر خطوات لا تعترف أنها تنتظرها. وكان أدهم يأتي، لا ليسألها عن الوثائق كما يقول، بل ليسأل عن كتاب أو عن مخطوط أو عن طريقة ترميم الجلد. ثم يبقى ساعة، ويجلس قبالتها بصمت، ويقرأ في كتاب لم تره يقلب صفحة منه.لم يتحدثا عن الورقة ولا عن الساعة. كان بينهما اتفاق صامت على أن تبقى هذه الأمور بين جدران المكتبة. لكن ليان كانت تعرف أن الوقت يضيق. كانت تشعر بأن ثمة من يراقب ويحسب، وأن من عبث بشقتها لا يزال قريبًا.في صباح السبت جاءها أدهم في المكتبة على غير عادته، وبدا عليه ضيق من يحمل خبرًا لا يريده.«الليلة حفل الذكرى الثامنة والثلاثين لتأسيس المجموعة»، قال. «يقام في حديقة القصر كل عام، ويحضره الشركاء والمساهمون وكبار رجال الأعمال».«وما شأني بذلك؟»«عمي جلال أصر على أن تحضري».رفعت رأسها عن المجلد الذي كانت تعالجه. «ولماذا يصر على ذلك؟»«يقول إن إخفاءك سيثير أسئلة أكثر من ظهورك. وللأسف، الح

  • الوريثة السرية    الفصل الخامس

    الفصل الخامس: العشاء الذي لم يُؤكلمضى اليوم كله وليان تشعر بالورقة المطوية في كمّها كجمرة صغيرة. حاولت أن تعمل، لكن أصابعها كانت تخطئ مواضع الملاعق الرقيقة، وعيناها تعودان كل لحظة إلى الأرفف كأنها تتوقع أن يخرج منها من يخبرها ما معنى الجملة التي قرأتها. المفتاح حيث يدق الزمن. وتلك العبارة الأخرى: لقد أخطأت حين صمتّ. أي صمت؟ ومن الذي اتبع خطأه بهذا الأسى المتأخر؟حل المساء وانطفأت الأضواء في القصر واحدًا بعد آخر. أشعلت ليان المصباح النحاسي على طاولة الجوز، وبقيت جالسة أمام كتاب لم تعد تراه. لقد كذبت على أدهم، هذا ما كان يضغط على صدرها أكثر من أي شيء آخر. كذبت على رجل لم يفعل لها حتى الآن إلا ما يفعله رجل يحمي بيته، وإن فعله ببرود وكبرياء. ثم تذكرت فتات الأثاث في شقتها المهشمة، وتذكرت عبارة أمها عن الابتسامات، فاستقرت يدها على كمّها بقوة.انفتح الباب بلا طرق، دخل أدهم، وقد خلع سترته ورفع كمّي قميصه، يحمل في يديه صينية عليها طبق من الأرز واللحم وكوب ماء. وضعها على الطاولة بصوت أعلى مما قصد، ثم وقف أمامها متصلبًا كأنه ضبطها متلبسة بجريمة.«لم تأكلي منذ الصباح»، قال.«من قال لك؟»«صابر. و

  • الوريثة السرية    الفصل الرابع

    الفصل الرابع: المكتبةلم تنم ليان تلك الليلة، كانت غرفتها في الجناح الشرقي فسيحة كشقتها كلها، بسرير عريض وستائر ثقيلة ونافذة تطل على الحديقة، لكنها بقيت جالسة على حافة السرير، والصندوق الخشبي في حجرها، تنصت لكل صرير في الممر. أغلقت الباب بالمفتاح مرتين، وسحبت مقعدًا إلى ما خلفه، ثم ضحكت من نفسها ضحكة قصيرة مرة. لقد صارت تتصرف كما كانت أمها تتصرف طوال حياتها، وفهمت لأول مرة كم يكلف الخوف من عمر.في الصباح جاء طبيب أنيق بحقيبة سوداء صغيرة، وأخذ عينة من فمها بعود قطني معقم، ثم انتقل إلى جناح نوال. وقفت ليان في الممر ترقب. سمعت نوال تعترض بصوت رفيع متهكم، وسمعت أدهم يجيبها بكلمات قليلة حازمة، ثم ساد الصمت. وبعد دقائق خرج الطبيب وهو يحمل ثلاثة أنابيب صغيرة، وخلفه جلال، يصفق بكفيه ويقول بمرح مبالغ فيه: «أنا مستعد لأي تحليل في العالم. الحق أبلج والباطل لجلج، كما يقولون!»على مائدة الإفطار اجتمعت العائلة. جلس أدهم في صدر المائدة يقرأ في هاتفه ولا يرفع رأسه، وجلس جلال إلى يمينه يتحدث عن أسعار الأسهم بحماسة، وجلست نوال إلى يساره تقلّب الشاي بملعقة صغيرة دون أن تشربه. ووجدت ليان نفسها في المقع

  • الوريثة السرية    الفصل الثالث

    الفصل الثالث: تحت سقف واحدحين وصلت ليان إلى بنايتها في الدرب الأحمر كانت أم حسن تقف على السلم تعصر طرف وشاحها بين أصابعها، وحولها جيران تجمعوا بفضول خائف. لم تلتفت إلى أحد. صعدت الدرجات قفزًا، وخلفها زياد بخطوات هادئة لا تخطئ طريقها، حتى بلغت الباب. كان مخلوعًا من مفصله الأعلى، متدليًا كأنه فك مكسور، وفي الداخل كانت الشقة التي ألفتها منذ طفولتها قد تحولت إلى جثة منهوبة.الفراش مشقوق من أوله إلى آخره، والصوف يتناثر على الأرض كالثلج. أدراج الخزانة مقلوبة، وثياب أمها مرمية في أكوام، والكتب سُحبت من رفوفها وفُتحت ثم أُلقيت على وجوهها. حتى علب التوابل في المطبخ أُفرغت على الرخام. وقفت ليان وسط ذلك كله، لا تستطيع أن تتحرك، وشعرت أن أنفاسها تتجمد في صدرها. لم يكن الأمر سرقة؛ كانت تعرف شكل السرقة. كان هذا بحثًا.«لا تلمسي شيئًا»، قال صوت من خلفها.استدارت فرأت أدهم عند الباب، بمعطفه الرمادي وربطة عنقه المنحلة قليلًا، وقد بدت على وجهه آثار سرعة لم يعتد أن يظهرها. لم تسأله كيف وصل بهذه السرعة، ولم تسأله لماذا جاء بنفسه؛ كان فيها من الإنهاك ما يمنعها من السؤال. دخل بحذر، ونظر إلى الجدران والأرض

  • الوريثة السرية    الفصل الثاني

    الفصل الثاني: الاتهامكان مكتب أدهم الراشد يشغل الطابق الأخير من البرج كله، قاعة واسعة جدرانها من زجاج يطل على القاهرة الجديدة كأنها خريطة منشورة تحت قدميه. لم يكن فيها من الزينة شيء؛ مكتب ضخم من خشب الجوز، وأريكتان من الجلد الأسود، ولوحة وحيدة لرجل مهيب بشاربين أبيضين نظراته تلاحق الداخل أينما سار. عرفت ليان أن هذا هو الجد عبد الرحمن، مؤسس المجموعة، وأحست بأن عينيه الجامدتين تحاسبانها قبل أن تنطق بكلمة.أشار أدهم إلى المقعد المقابل لمكتبه دون أن يرفع نظره عن الأوراق التي وضعتها أمامه. جلس خلف المكتب ببطء، وأخذ يقرأ عقد الزواج سطرًا سطرًا، ثم انتقل إلى الإقرار الموثق. كان يقرأ بوجه لا ينبئ بشيء، وكان الصمت في القاعة ثقيلًا حتى سمعت ليان دقات قلبها. وقف الرجل الذي استدعاه، وهو مدير الشؤون القانونية الأستاذ هشام السيد، إلى جوار مكتبه، رجل ستيني نحيل، يعدّل نظارته كل لحظة، ويتجنب أن تلتقي عيناه بعينيها.رفع أدهم رأسه أخيرًا وقال: «أين وجدتِ هذه الأوراق؟»«في صندوق خشبي تركته أمي. توفيت قبل ثلاثة أيام».«وأمك هي سميرة الرفاعي؟»«نعم».«وتزعمين أنها كانت زوجة عمي كمال».«لا أزعم يا سيد أده

  • الوريثة السرية    الفصل الاول

    الفصل الأول: صندوق الخشب لجنازة مهيبة، لم يرد ذكر لزوجة أو لولد. كأن الرجل خرج من الحياة بلا أثر.ثم كتبت «مجموعة الراشد» فانهالت عليها الصور؛ برج زجاجي شاهق في القاهرة الجديدة، ومؤتمرات صحفية، ورجل ثلاثيني حاد الملامح اسمه أدهم الراشد، يصفونه بأنه «الرئيس التنفيذي الصارم الذي لا يُجادَل». قرأت الاسم ببطء. ابن عمها إذن؟ لعله يعرف الحقيقة، أو لعله لا يعرف شيئًا.لم تنم تلك الليلة. وفي الصباح، صنعت لنفسها قهوة سوداء، وصوّرت الوثائق بهاتفها، وأرسلت الصور إلى بريدها الإلكتروني، ثم وضعت الأصول في حقيبة قماشية قديمة، وأخفت الصندوق الخشبي خلف خزانة المطبخ. شيء ما في تحذير أمها جعلها تتصرف كأن أحدًا يراقبها.حين غادرت البناية، لمحت سيارة سوداء واقفة عند الزاوية، ومحرّكها يعمل بلا حركة، ونوافذها معتمة. لم يكن هناك ما يدعو إلى الريبة؛ سيارات كثيرة تقف في هذا الحي. لكنها لاحظت أن السيارة لم تكن هناك أمس، وأن أحدًا لا يترك محركه يعمل نصف ساعة بلا سبب. ضمّت حقيبتها إلى صدرها، وأسرعت نحو الشارع الرئيسي، وأوقفت سيارة أجرة.طوال الطريق إلى القاهرة الجديدة كانت تراقب المرآة الجانبية. لم تظهر السيارة ا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status