Mag-log inما إن وقعت عينا أميرة على الرسالة النصية التي أرسلها وليد، حتى شعرت بشيء يغلي داخل صدرها.تسارعت أنفاسها، واتسعت عيناها وهي تعيد قراءة الكلمات مرة أخرى، وكأنها تأمل أن تكون قد أساءت فهمها."نور أغمي عليها... والرئيس سليم حملها بنفسه إلى المستشفى."امرأة؟سليم حمل امرأة بنفسه؟ولم تكن تلك المرأة سوى الفتاة التي ظهرت فجأة في الشركة، بملابسها البسيطة وهيئتها المتواضعة، والتي بدت لأميرة منذ اللحظة الأولى وكأنها لا تنتمي إلى ذلك المكان؟اشتعلت الغيرة في قلبها.كيف يمكن لسليم، الرجل الذي بالكاد يهتم بها، أن يتدخل بهذه الطريقة من أجل امرأة لا يعرفها إلا منذ أيام؟قبضت أميرة على هاتفها بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعها.ثم تمتمت بغضب:"من تكونين أنتِ بالضبط؟"لكن قبل أن نعود إلى ما يحدث الآن، علينا أن نرجع بضعة أيام إلى الوراء...---كان ذلك في أول يوم عمل لنور في مجموعة المنصور.توقفت سيارة فاخرة أمام المدخل الرئيسي للمبنى، وما إن فُتح الباب حتى نزلت أميرة بخطوات واثقة.كانت ترتدي بدلة من شانيل صُممت خصيصًا لها، وتنتعل حذاءً أنيقًا ذا كعب مرتفع. وفي يدها حقيبة فاخرة تحمل شعار مطعم راقٍ كانت قد أ
تسللت أشعة شمس الصباح عبر الستائر الطويلة، وانعكست على سطح المكتب اللامع داخل مكتب الرئيس التنفيذي لمجموعة المنصور.كان سليم يجلس خلف مكتبه، يتصفح بعض التقارير بصمت، بينما كان مساعده يقف أمامه منتظرًا تعليماته.وضع المساعد ملفًا جديدًا على المكتب، ثم قال باحترام:"سيدي الرئيس التنفيذي، استقالت موظفة الاستقبال هذا الصباح. إدارة الموارد البشرية تسأل إن كان ينبغي لنا فتح باب التوظيف والبدء في إجراء المقابلات."مدّ سليم يده إلى الملف.فتح الصفحة الأولى.ثم الثانية.كان على وشك أن يقول:"حسنًا، ابدؤوا..."لكن صورة ظهرت في ذهنه فجأة.فتاة تقف وسط الشارع بملابس بسيطة وبالية، ووجه شاحب من شدة التعب، وعينان تحملان مزيجًا غريبًا من الخوف والإصرار.توقف إصبعه فوق الورقة.لم يفهم لماذا عادت إلى ذهنه في هذه اللحظة بالذات.كانت هناك عشرات الوجوه التي يراها كل يوم.موظفون.عملاء.شركاء.أشخاص يحاولون التقرب منه.ومع ذلك، بقي وجه تلك الفتاة عالقًا في ذاكرته.والأغرب...ذلك الشعور الغريب بالألفة.كان ضعيفًا جدًا، كخيط رفيع يكاد ينقطع، لكنه موجود.أغلق سليم الملف ببطء.ثم قال:"لا داعي لفتح باب التوظيف
ما إن خرجت الكلمات من فم نور حتى اجتاحها شعور عارم بالخجل.ماذا كانت تفعل؟!هل يعقل أنها أوقفت رجلًا غريبًا في الشارع، رجلًا بدا من هيئته ومظهره أنه ينتمي إلى عالم الأثرياء والنفوذ، ثم تجرأت على طلب وظيفة منه بهذه البساطة؟كان تصرفها متطفلًا إلى أبعد الحدود.بل ربما وصل إلى حد الوقاحة.انتفضت نور فجأة، وكأنها استفاقت من حلم، وابتعدت عن ذراعي الرجل بسرعة.تراجعت خطوتين، ثم أطرقت رأسها بعمق."أعتذر... أعتذر بشدة يا سيدي."خرج صوتها مرتجفًا من شدة الإحراج."لقد فقدت اتزاني وتصرفت بطريقة غير لائقة. أرجوك أن تسامحني."لم تجرؤ حتى على رفع عينيها لترى تعبير وجهه.استدارت بسرعة، وهمّت بالمغادرة.لكنها لم تكد تخطو خطوتين حتى جاءها صوته من خلفها:"انتظري."تسمّرت قدماها.كان صوته عميقًا وهادئًا، لكنه يحمل سلطة جعلتها تتوقف دون تفكير.رفع سليم حاجبه قليلًا، وظلت عيناه مثبتتين عليها.لم يكن في نظرته شفقة.ولا سخرية.بل شيء آخر...فضول خافت لم يستطع هو نفسه تفسيره.ثم التفت إلى مساعده وقال ببرود:"سجّل بيانات الاتصال الخاصة بها."رفعت نور رأسها فجأة.حدقت فيه غير مصدقة.هل... وافق؟بعد يوم كامل من
عادَت نور إلى المنزل في ساعة متأخرة من الليل.دفعت الباب ببطء، ودخلت.لكنها توقفت عند العتبة.كان المنزل كما تركته ...الكرسي القديم بجوار النافذة، الطاولة الخشبية المهترئة، البطانية المطوية فوق الأريكة...كل شيء في مكانه.إلا أن شيئًا واحدًا كان مفقودًا.صوت أمها.لم يعد هناك سعالها الحاد الذي كان يملأ أرجاء المنزل كل ليلة، ولا همسات دعائها الخافتة التي اعتادت نور أن تسمعها قبل النوم.حلّ صمت ثقيل في المكان.صمت خانق.شعرت نور وكأن المنزل فقد روحه في اللحظة التي غادرت فيها أمها.تقدمت بضع خطوات، ثم عجزت ساقاها عن حملها.جلست على الأرض الباردة، وأسندت ظهرها إلى الحائط، وانفجرت بالبكاء.بكت طويلًا.بكت حتى جف حلقها، وحتى شعرت أن صدرها لم يعد قادرًا على استيعاب المزيد من الألم.لكن الحياة لم تمنحها حتى فرصة للحزن.حين هدأت قليلًا، وقعت عيناها على مجموعة من الأوراق المبعثرة فوق الطاولة.اقتربت منها.كانت كشوفات المستشفى.قلبت الأوراق واحدة تلو الأخرى، حتى وصلت إلى الصفحة الأخيرة.توقفت أنفاسها.كان إجمالي المبلغ المستحق للمستشفى قد تجاوز ثلاثين ألف دينار.وضعت نور الأوراق على الطاولة، ثم
"أمسكوه! أسرعوا، أمسكوا ذلك اللص! لقد سرق طقم الذهب الخاص بي!"شقّ الصراخ الحاد أجواء احتفال رأس السنة، ومزّق لحظة الفرح التي كانت تملأ الشوارع بالأنوار والأصوات.وفي غمضة عين، اندفع ظل أسود وسط الحشود، بينما كان عدد من الرجال يطاردونه وهم يحملون العصي الخشبية. تعالت الصرخات، وتدافع الناس في كل اتجاه، وتحولت ساحة الاحتفال إلى فوضى عارمة.كانت نادية تمسك بيد ابنتها الصغيرة بإحكام.لكن وسط ذلك التدافع العنيف، اصطدم بهما أحد المارة بقوة.ترنحت نادية للحظة.ثم...انزلقت اليد الصغيرة من بين أصابعها.اتسعت عيناها في رعب."أميرة؟!"حاولت أن تمد يدها من جديد، لكنها لم تمسك سوى بالهواء."أميرة!"دفعتها الأجساد المتزاحمة، فسقطت أرضًا. نهضت بسرعة، متجاهلة الألم، واندفعت وسط الحشود تبحث عن طفلتها."أميرة! أميرة أين أنتِ؟!"كانت تصرخ بأعلى صوتها، لكن صوتها ضاع وسط الضجيج.بحثت بين الناس، تحت الطاولات، خلف الأكشاك، وفي كل زاوية يمكن أن تختبئ فيها طفلة صغيرة.لكن أميرة اختفت.وحين بدأت الفوضى تهدأ، وقفت نادية في منتصف الشارع، تنظر حولها بعينين زائغتين.لم تكن ابنتها إلى جوارها.ولم تكن هناك أي إشارة







