مشاركة

الفصل 2

مؤلف: Ruq Aya
last update تاريخ النشر: 2026-10-27 05:16:34

عادَت نور إلى المنزل في ساعة متأخرة من الليل.

دفعت الباب ببطء، ودخلت.

لكنها توقفت عند العتبة.

كان المنزل كما تركته ...

الكرسي القديم بجوار النافذة، الطاولة الخشبية المهترئة، البطانية المطوية فوق الأريكة...

كل شيء في مكانه.

إلا أن شيئًا واحدًا كان مفقودًا.

صوت أمها.

لم يعد هناك سعالها الحاد الذي كان يملأ أرجاء المنزل كل ليلة، ولا همسات دعائها الخافتة التي اعتادت نور أن تسمعها قبل النوم.

حلّ صمت ثقيل في المكان.

صمت خانق.

شعرت نور وكأن المنزل فقد روحه في اللحظة التي غادرت فيها أمها.

تقدمت بضع خطوات، ثم عجزت ساقاها عن حملها.

جلست على الأرض الباردة، وأسندت ظهرها إلى الحائط، وانفجرت بالبكاء.

بكت طويلًا.

بكت حتى جف حلقها، وحتى شعرت أن صدرها لم يعد قادرًا على استيعاب المزيد من الألم.

لكن الحياة لم تمنحها حتى فرصة للحزن.

حين هدأت قليلًا، وقعت عيناها على مجموعة من الأوراق المبعثرة فوق الطاولة.

اقتربت منها.

كانت كشوفات المستشفى.

قلبت الأوراق واحدة تلو الأخرى، حتى وصلت إلى الصفحة الأخيرة.

توقفت أنفاسها.

كان إجمالي المبلغ المستحق للمستشفى قد تجاوز ثلاثين ألف دينار.

وضعت نور الأوراق على الطاولة، ثم رفعت يديها إلى وجهها.

لم يكن لديها المال.

ولا عمل.

ولا عائلة تستطيع اللجوء إليها.

ولم يعد هناك حتى أم تعود إليها في نهاية يوم طويل.

نظرت إلى السلسلة الذهبية التي كانت لا تزال في يدها.

الحرف F.

مررت أصابعها فوقه ببطء.

كان هذا الشيء هو الرابط الوحيد بينها وبين عائلة لا تعرف حتى اسمها.

لكنها لم تكن تملك الوقت للبحث عن الماضي.

كان عليها أولًا أن تنجو من الحاضر.

وبينما كانت تحاول ترتيب أفكارها، تذكرت شيئًا آخر.

توجهت نحو السرير، وانحنت لتسحب صندوقًا كرتونيًا قديمًا من أسفله.

جلست على الأرض وفتحته.

كانت بداخله أوراقها القديمة، وبعض الملابس البسيطة، وأغراض قليلة لا قيمة مادية لها، لكنها كانت كل ما تبقى من حياتها.

وبين تلك الأشياء، وجدت ظرفًا أبيض مغلفًا بعناية.

أخرجته.

تجمدت للحظة عندما قرأت ما كُتب عليه:

"إشعار القبول الأولي في كلية إدارة الأعمال – الجامعة."

ارتعشت أصابعها.

فتحته ببطء.

كانت قد حصلت على فرصة للالتحاق بالجامعة.

ذلك القبول كان حلمها.

الشيء الوحيد الذي جعلها تصمد طوال السنوات الماضية.

كانت تتخيل نفسها يومًا ما جالسة في قاعة محاضرات، تحمل الكتب بين ذراعيها، ثم تتخرج وتحصل على وظيفة جيدة، وتمنح والدتها حياة أفضل.

لكن الآن...

وضعت الورقة أمامها.

ثم ابتسمت ابتسامة باهتة وسط دموعها.

"أي جامعة؟"

همست بسخرية مريرة.

"أنا حتى لا أستطيع دفع فاتورة المستشفى."

ظلّت تحدق في الورقة طويلًا.

ثم أعادتها إلى الظرف، وأغلقت الصندوق.

كان عليها أن تختار.

الحلم...

أم البقاء.

وللمرة الأولى في حياتها، شعرت أن الحلم ترف لا تملكه.

---

في صباح اليوم التالي، استيقظت نور قبل شروق الشمس.

ارتدت أفضل ملابسها.

أو بالأحرى...

الملابس الوحيدة التي يمكنها ارتداؤها.

قميص بسيط فقد لونه من كثرة الغسل، وبنطال قديم، وحذاء مستهلك.

لم يكن لديها حاسوب.

ولم يكن لديها هاتف ذكي.

كان هاتفها القديم بالكاد يعمل، ولم يكن يسمح لها باستخدام الإنترنت أو البحث عن الوظائف كما يفعل معظم الشباب.

لذلك لم يكن أمامها سوى الاعتماد على قدميها.

خرجت من المنزل وبدأت تتنقل بين شوارع المدينة بحثًا عن أي فرصة عمل.

كانت الشمس تزداد حرارة مع مرور الساعات.

لكن نور لم تتوقف.

---

كان أول متجر تدخله متجرًا حديثًا لبيع الهواتف المحمولة.

تعلقت عيناها بالإعلان المعلق عند الباب.

"مطلوب موظفون – راتب مجزٍ."

شعرت بشيء من الأمل.

دخلت.

تقدم رجل أنيق يرتدي بدلة رسمية.

نظر إليها من رأسها حتى أخمص قدميها.

ثم قال:

"هل تبحثين عن العمل؟"

أومأت نور بسرعة.

"نعم."

أشار إلى أحد الهواتف المعروضة داخل خزانة زجاجية.

"حسنًا. أريني أولًا أنك مناسبة للعمل هنا."

نظرت نور إلى الهاتف بحيرة.

"ماذا تريد مني أن أفعل؟"

ابتسم الرجل بسخرية.

"ألا تعرفين حتى وظائف هذا الهاتف؟"

هزت رأسها بحرج.

"أنا... لم أستخدم هاتفًا كهذا من قبل."

ضحك.

لم تكن ضحكة عادية.

كانت ضحكة تحمل احتقارًا واضحًا.

"نحن في عام 2026!"

وأشار إلى الهاتف.

"كيف لشخص في عمرك ألا يعرف حتى استخدام هاتف ذكي؟"

خفضت نور رأسها.

بدأ وجهها يحمر من شدة الإحراج.

لكن الرجل لم يتوقف.

"ألم تسمعي من قبل عن تطبيقات التواصل؟ الإنترنت؟ الذكاء الاصطناعي؟"

ثم أضاف بسخرية:

"أم أنكِ قادمة من العصر الحجري؟"

تعالت ضحكات بعض الزبائن القريبين.

شعرت نور بأن شيئًا ما ينكسر داخلها.

لم تجبه.

اكتفت بإمساك طرف قميصها، ثم استدارت وغادرت المتجر.

---

بحلول الظهيرة، كانت قد دخلت عدة مطاعم.

كانت مستعدة لفعل أي شيء.

غسل الصحون.

تنظيف الأرضيات.

حمل الصناديق.

أي عمل.

كانت ترفع يديها أمام أصحاب المطاعم وتريهم آثار الجروح والندوب التي غطتها.

"لدي خبرة طويلة في غسل الصحون."

قالتها أكثر من مرة.

"أستطيع العمل بسرعة، ولن أتوقف."

لكن الأجور التي عرضوها عليها كانت بالكاد تكفي للطعام.

وكانت بحاجة إلى أكثر من ذلك.

كانت بحاجة إلى مبلغ كبير خلال وقت قصير.

وبينما كانت على وشك فقدان الأمل تمامًا، لمحت إعلانًا مضاءً بأضواء النيون أمام نادٍ للكاريوكي.

"مطلوب موظفات – راتب مرتفع."

توقفت.

حدقت في الإعلان طويلًا.

ربما...

ربما كانت هذه فرصتها.

دخلت.

تقدم رجل نحوها، وما إن رأى مظهرها حتى ابتسم بحماس مبالغ فيه.

"أنتِ تبحثين عن العمل؟"

"نعم."

"يمكنني توظيفك فورًا."

تعلقت عينا نور بالأمل.

"حقًا؟"

"بالطبع."

ثم اقترب منها وخفض صوته.

"لكن هناك رسوم تسجيل وتأمين."

اختفت ابتسامتها.

"كم؟"

ذكر مبلغًا كبيرًا.

حدقت فيه نور.

"لكنني لا أملك هذا المال."

تغيرت ملامح الرجل.

"إذن كيف تتوقعين أن تحصلي على الوظيفة؟"

ثم بدأ يتحدث بطريقة جعلتها تدرك حقيقة المكان.

لم يكن يبحث عن موظفة عادية.

لقد كانت خدعة.

تراجعت نور خطوة.

ثم استدارت وخرجت مسرعة.

لم تستمع إلى شتائم الرجل الغاضب خلفها.

كانت قد فهمت الرسالة.

حتى عندما تكون في أشد حالات ضعفك، سيحاول البعض استغلالك.

---

بحلول المساء، كانت قد استنفدت كل طاقتها.

لم تتناول شيئًا طوال اليوم.

كانت قدميها تؤلمانها، وحلقها جاف، ومعدتها تؤلمها من الجوع.

ومع ذلك، واصلت السير بلا هدف.

لم تعرف إلى أين تتجه.

حتى وجدت نفسها في قلب المنطقة المالية والتجارية للمدينة.

كانت ناطحات السحاب تصطف على جانبي الطريق، وواجهاتها الزجاجية تعكس أشعة الشمس الذهبية.

وقفت نور وسط ذلك العالم الفخم، وشعرت بأنها دخيلة عليه.

بدت كطفلة صغيرة ضلت طريقها وسط مملكة لا تنتمي إليها.

ثم رفعت رأسها.

كان أمامها مبنى ضخم، يفرض هيبته على المكان.

وفي أعلى واجهته، ظهرت حروف ذهبية ضخمة:

MANSUR GROUP

حدقت نور في الاسم.

لم تكن تعرف أن ذلك المبنى سيغير حياتها إلى الأبد.

وفجأة...

"بيب! بيب!"

دوّى بوق سيارة خلفها.

استدارت نور مذعورة.

كانت سيارة سوداء فاخرة تقترب منها بسرعة.

تجمد جسدها.

لم تعرف كيف تتحرك.

ضغط السائق على المكابح، لكن السيارة كانت قد أصبحت قريبة جدًا.

فقدت نور توازنها وسقطت على الأرض.

أغمضت عينيها، مستعدة للاصطدام.

لكن الألم الذي توقعته لم يأتِ.

شعرت بدلًا منه بيد قوية تمسك بذراعها.

ثم جذبتها بسرعة بعيدًا عن السيارة.

اصطدم جسدها بصدر شخص آخر.

كان قويًا وثابتًا.

وتسللت إلى أنفها رائحة خفيفة تشبه خشب الأرز.

تصلب جسدها.

ثم سمعت صوتًا عميقًا فوق رأسها:

"هل أنتِ بخير؟"

فتحت عينيها ببطء.

ورفعت رأسها.

كان الرجل طويل القامة، عريض الكتفين، يرتدي بدلة رمادية داكنة مصممة بعناية.

كانت ملامحه حادة، ونظرته عميقة وباردة، تحمل ذلك النوع من الهيبة الذي لا يحتاج صاحبه إلى إظهارها.

بدا كأنه رجل اعتاد أن يأمر، وأن يطيعه الآخرون دون نقاش.

نظر إليها لثوانٍ.

لم تكن نظرته تحمل إعجابًا.

بل كانت نظرة متفحصة.

وكأنه يحاول فهم سبب وقوف فتاة بهذه الهيئة أمام مقر شركته.

ابتعدت نور عنه بسرعة، وشعرت بالإحراج.

"أنا... أنا بخير."

نظر إلى ملابسها البسيطة، ثم إلى وجهها الشاحب.

كان على وشك أن يواصل طريقه.

لكن نور تذكرت شيئًا.

المستشفى.

الدين.

المنزل الفارغ.

القبول الجامعي الذي أصبح مجرد ورقة.

وفوق كل ذلك...

صوت أمها الأخيرة:

"ابحثي عن عائلتكِ."

شدت قبضتها.

لم يكن لديها رفاهية الخجل.

رفعت عينيها إليه.

"سيدي..."

توقف الرجل.

نظرت إليه نور للحظة، ثم قالت بصوت متردد، لكنه يحمل كل ما تبقى لديها من أمل:

"هل يمكنك أن توفر لي فرصة عمل؟"

ساد الصمت.

حدق الرجل فيها.

وللمرة الأولى، ظهرت على وجهه لمحة من الاهتمام.

أما نور، فلم تكن تعرف أن سؤالًا بسيطًا كهذا...

سيكون أول خيط يقودها إلى الحياة التي لم تكن تعلم أنها تنتمي إليها.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • انا غسالة الصحون خطفت خطيب من سرقت حياتي    الفصل 7

    في صباح اليوم التالي، عادت نور إلى عملها كعادتها.وقفت خلف منصة الاستقبال، ترتب الملفات أمامها بعناية، وتجيب عن اتصالات الموظفين والزوار بابتسامة هادئة.لم تكن تريد أن تجعل ما حدث لها في الأيام الماضية يؤثر في عملها.كانت تعرف جيدًا أن هذه الفرصة ثمينة بالنسبة إليها.فهي لم تحصل على الوظيفة بسهولة، وكانت الآن مدينة للرئيس سليم بمبلغ كبير، لذلك كانت مصممة على إثبات أنها تستحق ثقة الشركة.وفي حدود الساعة العاشرة صباحًا، انفتح الباب الرئيسي لمجموعة المنصور.دخل شاب في أواخر العشرينات، يرتدي بدلة فاخرة تبدو مصممة خصيصًا له.كان طويل القامة، حسن المظهر، لكن ملامحه كانت تحمل قدرًا واضحًا من الغرور.تقدم مباشرة نحو مكتب الاستقبال، ووضع يده على سطح المكتب بثقة."أنتِ موظفة الاستقبال؟"رفعت نور رأسها وأومأت بأدب."نعم، سيدي. كيف يمكنني مساعدتك؟"أخرج الشاب بطاقة عمل من جيبه ووضعها أمامها."فاروق."ثم أضاف بنبرة واثقة:"المدير العام لمجموعة آل فهد الاستثمارية."نظرت نور إلى البطاقة، ثم رفعت عينيها إليه.تابع فاروق:"جئت اليوم لمناقشة مشروع تعاون مهم مع مجموعة المنصور."ثم أخرج ملفًا أنيقًا مغلف

  • انا غسالة الصحون خطفت خطيب من سرقت حياتي    الفصل 6

    في صباح اليوم التالي، بدأت نور تستعيد وعيها ببطء.كانت جفونها ثقيلة وكأنها تحمل فوقها أوزانًا، وكلما حاولت فتح عينيها شعرت برأسها يدور قليلًا. احتاجت إلى عدة محاولات قبل أن تتمكن أخيرًا من فتحهما.أول ما رأته كان سقفًا أبيض لم تألفه من قبل.رمشت عدة مرات، ثم أخذت تتفحص المكان من حولها بارتباك.رائحة المطهرات.السرير الأبيض.الأجهزة الطبية الصغيرة الموضوعة إلى جانبها.كانت في المستشفى.لكن كيف وصلت إلى هنا؟حاولت أن تستعيد ما حدث، إلا أن ذاكرتها بدت ضبابية في البداية.ثم لمحت شخصًا يجلس على الأريكة القريبة من السرير.كان مساعد سليم.تجمدت للحظة، واتسعت عيناها بدهشة.لماذا كان هنا؟وكأنه شعر بنظراتها، رفع المساعد رأسه، وما إن أدرك أنها استيقظت حتى نهض من مكانه.اقترب منها وسأل بهدوء:"آنسة نور، كيف تشعرين الآن؟"حاولت نور تحريك جسدها، ثم أجابت بصوت ضعيف:"أنا... أفضل بكثير."ابتسم المساعد ابتسامة مطمئنة."هذا جيد. لقد نمتِ طوال الليل تقريبًا."ساد الصمت للحظات.كانت نور لا تزال تحاول ترتيب أفكارها، قبل أن تتذكر فجأة الرجل الذي أنقذها.رفعت عينيها نحو المساعد وسألته بتردد:"هل كان الرئيس

  • انا غسالة الصحون خطفت خطيب من سرقت حياتي    الفصل 5

    ما إن وقعت عينا أميرة على الرسالة النصية التي أرسلها وليد، حتى شعرت بشيء يغلي داخل صدرها.تسارعت أنفاسها، واتسعت عيناها وهي تعيد قراءة الكلمات مرة أخرى، وكأنها تأمل أن تكون قد أساءت فهمها."نور أغمي عليها... والرئيس سليم حملها بنفسه إلى المستشفى."امرأة؟سليم حمل امرأة بنفسه؟ولم تكن تلك المرأة سوى الفتاة التي ظهرت فجأة في الشركة، بملابسها البسيطة وهيئتها المتواضعة، والتي بدت لأميرة منذ اللحظة الأولى وكأنها لا تنتمي إلى ذلك المكان؟اشتعلت الغيرة في قلبها.كيف يمكن لسليم، الرجل الذي بالكاد يهتم بها، أن يتدخل بهذه الطريقة من أجل امرأة لا يعرفها إلا منذ أيام؟قبضت أميرة على هاتفها بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعها.ثم تمتمت بغضب:"من تكونين أنتِ بالضبط؟"لكن قبل أن نعود إلى ما يحدث الآن، علينا أن نرجع بضعة أيام إلى الوراء...---كان ذلك في أول يوم عمل لنور في مجموعة المنصور.توقفت سيارة فاخرة أمام المدخل الرئيسي للمبنى، وما إن فُتح الباب حتى نزلت أميرة بخطوات واثقة.كانت ترتدي بدلة من شانيل صُممت خصيصًا لها، وتنتعل حذاءً أنيقًا ذا كعب مرتفع. وفي يدها حقيبة فاخرة تحمل شعار مطعم راقٍ كانت قد أ

  • انا غسالة الصحون خطفت خطيب من سرقت حياتي    الفصل 4

    تسللت أشعة شمس الصباح عبر الستائر الطويلة، وانعكست على سطح المكتب اللامع داخل مكتب الرئيس التنفيذي لمجموعة المنصور.كان سليم يجلس خلف مكتبه، يتصفح بعض التقارير بصمت، بينما كان مساعده يقف أمامه منتظرًا تعليماته.وضع المساعد ملفًا جديدًا على المكتب، ثم قال باحترام:"سيدي الرئيس التنفيذي، استقالت موظفة الاستقبال هذا الصباح. إدارة الموارد البشرية تسأل إن كان ينبغي لنا فتح باب التوظيف والبدء في إجراء المقابلات."مدّ سليم يده إلى الملف.فتح الصفحة الأولى.ثم الثانية.كان على وشك أن يقول:"حسنًا، ابدؤوا..."لكن صورة ظهرت في ذهنه فجأة.فتاة تقف وسط الشارع بملابس بسيطة وبالية، ووجه شاحب من شدة التعب، وعينان تحملان مزيجًا غريبًا من الخوف والإصرار.توقف إصبعه فوق الورقة.لم يفهم لماذا عادت إلى ذهنه في هذه اللحظة بالذات.كانت هناك عشرات الوجوه التي يراها كل يوم.موظفون.عملاء.شركاء.أشخاص يحاولون التقرب منه.ومع ذلك، بقي وجه تلك الفتاة عالقًا في ذاكرته.والأغرب...ذلك الشعور الغريب بالألفة.كان ضعيفًا جدًا، كخيط رفيع يكاد ينقطع، لكنه موجود.أغلق سليم الملف ببطء.ثم قال:"لا داعي لفتح باب التوظيف

  • انا غسالة الصحون خطفت خطيب من سرقت حياتي    الفصل 3

    ما إن خرجت الكلمات من فم نور حتى اجتاحها شعور عارم بالخجل.ماذا كانت تفعل؟!هل يعقل أنها أوقفت رجلًا غريبًا في الشارع، رجلًا بدا من هيئته ومظهره أنه ينتمي إلى عالم الأثرياء والنفوذ، ثم تجرأت على طلب وظيفة منه بهذه البساطة؟كان تصرفها متطفلًا إلى أبعد الحدود.بل ربما وصل إلى حد الوقاحة.انتفضت نور فجأة، وكأنها استفاقت من حلم، وابتعدت عن ذراعي الرجل بسرعة.تراجعت خطوتين، ثم أطرقت رأسها بعمق."أعتذر... أعتذر بشدة يا سيدي."خرج صوتها مرتجفًا من شدة الإحراج."لقد فقدت اتزاني وتصرفت بطريقة غير لائقة. أرجوك أن تسامحني."لم تجرؤ حتى على رفع عينيها لترى تعبير وجهه.استدارت بسرعة، وهمّت بالمغادرة.لكنها لم تكد تخطو خطوتين حتى جاءها صوته من خلفها:"انتظري."تسمّرت قدماها.كان صوته عميقًا وهادئًا، لكنه يحمل سلطة جعلتها تتوقف دون تفكير.رفع سليم حاجبه قليلًا، وظلت عيناه مثبتتين عليها.لم يكن في نظرته شفقة.ولا سخرية.بل شيء آخر...فضول خافت لم يستطع هو نفسه تفسيره.ثم التفت إلى مساعده وقال ببرود:"سجّل بيانات الاتصال الخاصة بها."رفعت نور رأسها فجأة.حدقت فيه غير مصدقة.هل... وافق؟بعد يوم كامل من

  • انا غسالة الصحون خطفت خطيب من سرقت حياتي    الفصل 2

    عادَت نور إلى المنزل في ساعة متأخرة من الليل.دفعت الباب ببطء، ودخلت.لكنها توقفت عند العتبة.كان المنزل كما تركته ...الكرسي القديم بجوار النافذة، الطاولة الخشبية المهترئة، البطانية المطوية فوق الأريكة...كل شيء في مكانه.إلا أن شيئًا واحدًا كان مفقودًا.صوت أمها.لم يعد هناك سعالها الحاد الذي كان يملأ أرجاء المنزل كل ليلة، ولا همسات دعائها الخافتة التي اعتادت نور أن تسمعها قبل النوم.حلّ صمت ثقيل في المكان.صمت خانق.شعرت نور وكأن المنزل فقد روحه في اللحظة التي غادرت فيها أمها.تقدمت بضع خطوات، ثم عجزت ساقاها عن حملها.جلست على الأرض الباردة، وأسندت ظهرها إلى الحائط، وانفجرت بالبكاء.بكت طويلًا.بكت حتى جف حلقها، وحتى شعرت أن صدرها لم يعد قادرًا على استيعاب المزيد من الألم.لكن الحياة لم تمنحها حتى فرصة للحزن.حين هدأت قليلًا، وقعت عيناها على مجموعة من الأوراق المبعثرة فوق الطاولة.اقتربت منها.كانت كشوفات المستشفى.قلبت الأوراق واحدة تلو الأخرى، حتى وصلت إلى الصفحة الأخيرة.توقفت أنفاسها.كان إجمالي المبلغ المستحق للمستشفى قد تجاوز ثلاثين ألف دينار.وضعت نور الأوراق على الطاولة، ثم

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status