Masukفي اليوم الذي قطع فيه والداي كل تلك المسافة الطويلة ليحضرا من أجل الاتفاق على ترتيبات زواجي، تأخرت عائلة ياسر السعدي عن الموعد. بعد أن أُغلقت المكالمة الثالثة في وجهي، ابتسمت أمي وهي تحاول مواساتي قائلة: "ربما علقوا في زحام الطريق، لا بأس يا ابنتي، سننتظر أنا ووالدك قليلًا." لكن ذلك "القليل" امتد إلى ثلاث ساعات كاملة. وخلال تلك الساعات، تبدلت ملامح والديّ تدريجيًا. اختفى الفرح والترقب اللذان ملآ وجهيهما عند وصولهما، وحل محلهما الحزن وخيبة الأمل. للمرة التي لم أعد أستطيع عدّها، عدّل أبي بدلته الرسمية التي بدا واضحًا أنه لا يشعر بالراحة فيها. وفي النهاية، لم يستطع إخفاء دموعه. احمرت عيناه، وقال بصوت مرتجف: "يا ابنتي… هل هو حقًا الشخص الوحيد الذي تريدينه؟" ثم تابع بعد لحظة صمت: "أنا لا أحاول أن أفرق بينكما… لكنني قلق عليك. نحن بعيدون عنك آلاف الكيلومترات." "إن ظلمك يومًا، أو كسرك، فلن أكون أنا وأمك بجانبك لنمسح دموعك." غرست أظافري في راحة يدي وأنا أحاول أن أخفي الألم بابتسامة هادئة. ثم ساعدت والديّ على الوقوف وقلت: "أبي… أمي… لنعد إلى المنزل، هذا الزواج… لم أعد أريده."
Lihat lebih banyakلم أتوقع يومًا...أن أرى ياسر مرة أخرى.ولم أتوقع أبدًا...أن أراه بهذه الهيئة.كان يستند إلى عكاز، ويرتدي معطفًا طويلًا، لكن ذلك الشاب الوسيم الواثق الذي عرفته لم يعد موجودًا.لقد فقد الكثير من وزنه.حتى برزت عظام وجهه، وفقد وجهه الوسيم إشراقه، ليحل محله شحوب قاسٍ.ما إن وقعت عيناه عليّ، حتى تقدم نحوي بخطوات متعثرة، مستندًا إلى عكازه.لمعت عيناه بالدموع.ونادى بصوت أجش:"ليان...في حفل الخطوبة...لم يكن لسارة أي علاقة بالترتيبات.""تسعمائة وتسع وتسعون وردة حمراء...اخترت كل واحدة منها بنفسي.""أما بطاقات الدعوة... فقد بقيت مستيقظًا طوال الليل أكتبها واحدة تلو الأخرى بخط يدي.""وقاعة الحفل...ظللت أبحث عنها طويلًا، حتى وجدت المكان الذي يحمل طابع السماء المرصعة بالنجوم... لأنه كان الأقرب إلى ذوقك."ثم خفض رأسه، وقال بصوت اختنق بالألم:"كنت أظن...أنك ستعودين."وقفت في مكاني للحظة، ثم قلت بهدوء:"وعندما قطع والداي أكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر ليأتيا إلى العاصمة من أجل الاتفاق على زواجنا...كنت أنا أيضًا أظن أنك ستحضر."في لحظة... شحب وجه ياسر.أدرت وجهي عنه، ومضيت في طريقي.وقلت دون أن ألتفت:"عد
وعلى الناحية الأخرى...كانت والدة ياسر تحدق في الهاتف الذي أنهت المكالمة منه للتو، وقد شرد ذهنها تمامًا.وبجوارها، لم يتوقف بكاء سارة المزعج.رفعت رأسها، ونظرت إليها باستهزاء، ثم قالت بحدة:"ياسر داخل غرفة العمليات، ولن يرى هذا التمثيل الذي تقومين به ...توقفي عن التظاهر."تصلبت ملامح سارة للحظة، ثم سرعان ما اغرورقت عيناها بالدموع.التفتت إليها وقالت بصوت مرتجف:"خالتي... ماذا تقصدين؟""أنا فقط قلقة على ياسر."أطلقت والدة ياسر ضحكة ساخرة، وقالت ببرود:"أتظنين أنني لم أكتشف تمثيلك الساذج؟""كنت أتعمد الوقوف إلى جانبك لأنني لم أكن أطيق ليان، وأردت أن أضايقها."ثم تنهدت بأسى."أما الآن...فأدركت أنني تمسكت بما لا قيمة له، وخسرت الجوهرة الحقيقية."أرادت سارة أن تدافع عن نفسها...لكن باب غرفة العمليات انفتح في تلك اللحظة.أسرعت والدة ياسر نحوه، ولم تعد تلتفت إليها.وقالت بلهفة:"دكتور... كيف حال ابني؟"خلع الطبيب كمامته، ثم نظر إليهما وقال:"حالته مستقرة الآن..."ثم صمت للحظة.وأمام نظراتهما المترقبة، قال الطبيب بصوت منخفض:"لكن...""أخشى أن تبقى ساقه اليمنى مصابة بعجز دائم."ترنحت والدة ياسر
أفقت من ذكريات الماضي على صوتها عبر الهاتف.وعلى الطرف الآخر من الهاتف، لم يعد صوت والدة ياسر مليئًا بالغضب، بل تحول إلى توسل يقطر ألمًا:"ليان... أنا المخطئة.""كل ما حدث... كان خطئي.""عندما لم تحضري إلى حفل الخطوبة، أعطوا الخاتم والفستان لسارة.""انتظرك ياسر طويلًا، وحين لم تأتِ، ورأى سارة ترتدي ما كان من المفترض أن يكون لك...ثار غضبه، وحطم قاعة الحفل بأكملها.""وحين أخبرته سارة أنكِ رحلتِ، ظل يردد أنه لا يصدق.""ثم اندفع خارج القاعة ليبحث عنك... وهناك..."توقف صوتها للحظة، قبل أن تجهش بالبكاء."ثم... تعرض لحادث سير... وقبل أن يفقد وعيه، كان ينادي باسمك.""ليان... أرجوكِ يا ليان... اعتبري أنني أتوسل إليك.""تعالي لرؤيته، أرجوك.""هذه المرة... قد لا ينجو."لم تعد قادرة على مواصلة الحديث.ولم يبقَ على الطرف الآخر سوى شهقاتها المكتومة.قبضت على هاتفي بقوة حتى ابيضّت أصابعي من شدة الضغط.وقبل أن تنغرس أظافري في راحة يدي...شعرت بيد تمسك بيدي برفق.استدرت، فرأيت نظرات والديّ المليئة بالقلق.ربتت أمي على يدي وقالت بلطف:"ابنتي... لا تقلقي علينا.""مهما كان، فقد أنقذ ياسر حياتك يومًا.""إذا
قاطعتها بهدوء قبل أن تكمل حديثها:"خالتي... لقد انفصلت عن ياسر.""إذا كان هناك ما تريدينه، فتواصلي مع سارة. لم يعد هناك ما يربطني به."ثم أضفت ببرود:" ثم إنكِ لم تنظري إلى عائلتي بعين الرضا يومًا... أليس كذلك؟"ومن الطرف الآخر، دوى صوتها الحاد، وقد امتزج بالغضب:"ليان، ماذا تقصدين بهذا الكلام؟""هل تعلمين كم ضحى ابني من أجلك؟""لقد كاد يقطع علاقته بعائلته كلها فقط لأنه أصر على الزواج منك، والآن بعدما أصابه مكروه، هذا هو موقفك؟"ساد الصمت.وأخذت ذاكرتي تعود إلى الأيام الأولى التي جمعتني بياسر.في البداية، كنت أظن أن عائلته ميسورة الحال لا أكثر، ولم أكن أعلم أنه ينتمي إلى عائلة ثرية.في الشهر الثالث من علاقتنا، طلبت والدته مقابلتي.ولم يحدث ذلك المشهد المبتذل الذي تتكرر رؤيته في الروايات، حيث تُلقى أمام البطلة شيكات أو أموال مقابل الابتعاد.كل ما فعلته أنها جلست أمامي، وأخذت تتفحصني من رأسي حتى قدمي.ثم رفعت فنجان القهوة، وارتشفت منه رشفة هادئة، قبل أن تنطق بنبرة لا تخلو من التعالي:"آنسة ليان... سمعت أنكِ من إحدى القرى الجنوبية.""لا أدري إن كنتِ سمعتِ بالمثل الذي نتداوله هنا عند الحدي











