Share

الفصل الرابع

Author: نسيم بارد طليق
ما إن رآني، حتى نهض من مكانه.

ساد الصمت بيننا للحظة، قبل أن يقول:

"ستقيم عائلة سارة عندنا لبعض الوقت."

ثم أضاف وكأن الأمر بديهي:

"على أي حال، أليس والداكِ على وشك المغادرة؟ لذا رتبت نقل أغراضهما مسبقًا لتقيم عائلة سارة مكانهما."

ارتسمت على شفتي ابتسامة ساخرة.

ثم قلت:

"ياسر... لم أكن أعلم من قبل أنك صهرٌ مثالي إلى هذا الحد."

بعدها، تجاهلت النظرات المتحفزة التي كانت تراقبني من غرفة المعيشة، واتجهت مباشرة إلى غرفة النوم.

لحق بي ياسر، وكعادته، حاول استرضائي.

قال بصوت لين:

"ليان... لا تغضبي، لقد حجزت لوالديكِ جناحًا في فندق خمس نجوم، وبعد قليل سأنقل أغراضهما بنفسي."

"في النهاية، عائلة سارة ضيوف، ولا يصح أن نقصر في حقهم."

لم أرد عليه.

واصلت ترتيب أغراضي داخل الحقيبة.

اقترب مني، وأخذ يطوي ملابسي وهو يقول:

"ليان... أشعر أنكِ أصبحتِ بعيدة عني في الآونة الأخيرة."

"وسارة حصلت بالفعل على قبولها في الدراسات العليا، إذا كان وجودها يزعجك إلى هذه الدرجة، فسأقلل من تواصلي معها مستقبلًا، حسنًا؟"

ثم أخرج من أحد الأدراج علبة صغيرة، وفتحها أمامي وكأنه يقدم لي كنزًا.

بداخلها كانت القلادة التي حفظتها منذ زمن في قائمة أمنياتي.

قال مبتسمًا:

"انظري... اشتريتها لك."

"اعتبريها اعتذارًا."

ثم تابع بحماس:

"وخلال الأيام الماضية أنهيت كل ترتيبات حفل الخطوبة."

"المكان حُجز، والضيوف وُجهت إليهم الدعوات."

"غدًا ليس عليكِ سوى أن تحضري وأنتِ في أجمل إطلالة."

تجمدت في مكاني.

ثم التفت إليه وسألته:

"أنهيت كل شيء؟"

"متى حدث هذا؟ ولماذا لم تستشرني؟"

أجاب بلا اكتراث:

"رأيت أنك منشغلة."

"ثم إن أذواق الفتيات متشابهة."

"لذلك استعنت بسارة لتساعدني."

رددّت كلماته الأخيرة ببطء:

"استعنت... بسارة؟"

ثم نظرت إليه مباشرة.

"إذًا، البحث عن القاعة... واختيار الديكور... وانتقاء هدايا الضيوف... وإرسال الدعوات... كل ذلك أنجزتماه معًا؟"

"ياسر... ألا ترى كم يبدو هذا سخيفًا؟"

ارتسم الضيق على وجهه كعادته.

لكنه تمالك نفسه بصعوبة.

وقال بنبرة حاول أن يجعلها هادئة:

"ليان... لا أريد أن نستمر في الجدال."

"أعدكِ أن المرأة الوحيدة التي أحبها هي أنتِ، ولن يتغير ذلك أبدًا."

"ألا يكفيك هذا؟"

رفع القلادة، ثم اقترب محاولًا أن يضعها حول عنقي.

وقال بابتسامة:

"ليان... كفى غضبًا."

"منذ أن لم أعد أحتضنك أثناء النوم، وأعاني من الأرق."

"حتى العقاب له حدود، أليس كذلك؟"

تراجعت عدة خطوات إلى الخلف، متجنبةً يده.

فتلاشت الابتسامة عن وجهه تدريجيًا.

ظللت أحدق فيه لثوانٍ، ثم قلت بهدوء:

"أرسل إليّ عنوان قاعة الحفل."

ما إن سمع كلامي، حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، وكأنه استعاد ثقته بنفسه.

وقال مطمئنًا:

"كنت أعلم أنكِ في النهاية لن تتخلي عني."

"مهما غضبتِ... فأنتِ لا تستطيعين تركي."

ثم وقعت عيناه على حقيبة السفر بجانبي، فضحك بخفة وقال:

"الآن ارتحت، لم يعد هناك داعٍ لتمثيلية الرحيل هذه."

"كم مرة حزمتِ حقائبك من قبل؟"

"وهل رحلتِ فعلًا ولو مرة واحدة؟"

ثم أضاف بثقة أكبر:

"ثم إن المسافة بين هنا وبين بلدتك أكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر."

"حتى لو غضبتِ... فأين ستذهبين؟"

تجاوزته من دون أن أجيبه، وسحبت حقيبة سفري نحو الخارج.

ظل متكئًا على إطار الباب، يراقبني بابتسامة هادئة، وكأنه واثق تمامًا من أنني سأعود.

وقال بصوت مرتفع:

"بعد أن تنتهي نوبة غضبك الليلة... لا تنسي أن تحضري حفل الخطوبة غدًا في موعده."

التفتُّ إليه مبتسمة، ثم قلت:

"لا تقلق، سأحضر بالتأكيد... وسأمنحك مفاجأة لن تنساها أبدًا."

في صباح اليوم التالي، ساعدت والديّ في حمل حقائبهما وأمتعتهما إلى القطار السريع.

ومع انطلاق صفارة إغلاق الأبواب...بدأ هاتفي يهتز بلا توقف.

تركت الاتصال الأول يرن حتى انقطع.

ثم الثاني.

ثم الثالث.

ولم أجب إلا عندما وصل الاتصال الرابع.

رفعت الهاتف إلى أذني بهدوء.

ومن الطرف الآخر، وصلني صوت والدة ياسر، يختنق بالبكاء والذعر:

"ليان... أين أنتِ؟"

"ياسر... ياسر تعرض لحادث...أرجوكِ... تعالي بسرعة..."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بعد أن رحلت… بدأ يندم   الفصل الثامن و الأخير

    لم أتوقع يومًا...أن أرى ياسر مرة أخرى.ولم أتوقع أبدًا...أن أراه بهذه الهيئة.كان يستند إلى عكاز، ويرتدي معطفًا طويلًا، لكن ذلك الشاب الوسيم الواثق الذي عرفته لم يعد موجودًا.لقد فقد الكثير من وزنه.حتى برزت عظام وجهه، وفقد وجهه الوسيم إشراقه، ليحل محله شحوب قاسٍ.ما إن وقعت عيناه عليّ، حتى تقدم نحوي بخطوات متعثرة، مستندًا إلى عكازه.لمعت عيناه بالدموع.ونادى بصوت أجش:"ليان...في حفل الخطوبة...لم يكن لسارة أي علاقة بالترتيبات.""تسعمائة وتسع وتسعون وردة حمراء...اخترت كل واحدة منها بنفسي.""أما بطاقات الدعوة... فقد بقيت مستيقظًا طوال الليل أكتبها واحدة تلو الأخرى بخط يدي.""وقاعة الحفل...ظللت أبحث عنها طويلًا، حتى وجدت المكان الذي يحمل طابع السماء المرصعة بالنجوم... لأنه كان الأقرب إلى ذوقك."ثم خفض رأسه، وقال بصوت اختنق بالألم:"كنت أظن...أنك ستعودين."وقفت في مكاني للحظة، ثم قلت بهدوء:"وعندما قطع والداي أكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر ليأتيا إلى العاصمة من أجل الاتفاق على زواجنا...كنت أنا أيضًا أظن أنك ستحضر."في لحظة... شحب وجه ياسر.أدرت وجهي عنه، ومضيت في طريقي.وقلت دون أن ألتفت:"عد

  • بعد أن رحلت… بدأ يندم   الفصل السايع

    وعلى الناحية الأخرى...كانت والدة ياسر تحدق في الهاتف الذي أنهت المكالمة منه للتو، وقد شرد ذهنها تمامًا.وبجوارها، لم يتوقف بكاء سارة المزعج.رفعت رأسها، ونظرت إليها باستهزاء، ثم قالت بحدة:"ياسر داخل غرفة العمليات، ولن يرى هذا التمثيل الذي تقومين به ...توقفي عن التظاهر."تصلبت ملامح سارة للحظة، ثم سرعان ما اغرورقت عيناها بالدموع.التفتت إليها وقالت بصوت مرتجف:"خالتي... ماذا تقصدين؟""أنا فقط قلقة على ياسر."أطلقت والدة ياسر ضحكة ساخرة، وقالت ببرود:"أتظنين أنني لم أكتشف تمثيلك الساذج؟""كنت أتعمد الوقوف إلى جانبك لأنني لم أكن أطيق ليان، وأردت أن أضايقها."ثم تنهدت بأسى."أما الآن...فأدركت أنني تمسكت بما لا قيمة له، وخسرت الجوهرة الحقيقية."أرادت سارة أن تدافع عن نفسها...لكن باب غرفة العمليات انفتح في تلك اللحظة.أسرعت والدة ياسر نحوه، ولم تعد تلتفت إليها.وقالت بلهفة:"دكتور... كيف حال ابني؟"خلع الطبيب كمامته، ثم نظر إليهما وقال:"حالته مستقرة الآن..."ثم صمت للحظة.وأمام نظراتهما المترقبة، قال الطبيب بصوت منخفض:"لكن...""أخشى أن تبقى ساقه اليمنى مصابة بعجز دائم."ترنحت والدة ياسر

  • بعد أن رحلت… بدأ يندم   الفصل السادس

    أفقت من ذكريات الماضي على صوتها عبر الهاتف.وعلى الطرف الآخر من الهاتف، لم يعد صوت والدة ياسر مليئًا بالغضب، بل تحول إلى توسل يقطر ألمًا:"ليان... أنا المخطئة.""كل ما حدث... كان خطئي.""عندما لم تحضري إلى حفل الخطوبة، أعطوا الخاتم والفستان لسارة.""انتظرك ياسر طويلًا، وحين لم تأتِ، ورأى سارة ترتدي ما كان من المفترض أن يكون لك...ثار غضبه، وحطم قاعة الحفل بأكملها.""وحين أخبرته سارة أنكِ رحلتِ، ظل يردد أنه لا يصدق.""ثم اندفع خارج القاعة ليبحث عنك... وهناك..."توقف صوتها للحظة، قبل أن تجهش بالبكاء."ثم... تعرض لحادث سير... وقبل أن يفقد وعيه، كان ينادي باسمك.""ليان... أرجوكِ يا ليان... اعتبري أنني أتوسل إليك.""تعالي لرؤيته، أرجوك.""هذه المرة... قد لا ينجو."لم تعد قادرة على مواصلة الحديث.ولم يبقَ على الطرف الآخر سوى شهقاتها المكتومة.قبضت على هاتفي بقوة حتى ابيضّت أصابعي من شدة الضغط.وقبل أن تنغرس أظافري في راحة يدي...شعرت بيد تمسك بيدي برفق.استدرت، فرأيت نظرات والديّ المليئة بالقلق.ربتت أمي على يدي وقالت بلطف:"ابنتي... لا تقلقي علينا.""مهما كان، فقد أنقذ ياسر حياتك يومًا.""إذا

  • بعد أن رحلت… بدأ يندم   الفصل الخامس

    قاطعتها بهدوء قبل أن تكمل حديثها:"خالتي... لقد انفصلت عن ياسر.""إذا كان هناك ما تريدينه، فتواصلي مع سارة. لم يعد هناك ما يربطني به."ثم أضفت ببرود:" ثم إنكِ لم تنظري إلى عائلتي بعين الرضا يومًا... أليس كذلك؟"ومن الطرف الآخر، دوى صوتها الحاد، وقد امتزج بالغضب:"ليان، ماذا تقصدين بهذا الكلام؟""هل تعلمين كم ضحى ابني من أجلك؟""لقد كاد يقطع علاقته بعائلته كلها فقط لأنه أصر على الزواج منك، والآن بعدما أصابه مكروه، هذا هو موقفك؟"ساد الصمت.وأخذت ذاكرتي تعود إلى الأيام الأولى التي جمعتني بياسر.في البداية، كنت أظن أن عائلته ميسورة الحال لا أكثر، ولم أكن أعلم أنه ينتمي إلى عائلة ثرية.في الشهر الثالث من علاقتنا، طلبت والدته مقابلتي.ولم يحدث ذلك المشهد المبتذل الذي تتكرر رؤيته في الروايات، حيث تُلقى أمام البطلة شيكات أو أموال مقابل الابتعاد.كل ما فعلته أنها جلست أمامي، وأخذت تتفحصني من رأسي حتى قدمي.ثم رفعت فنجان القهوة، وارتشفت منه رشفة هادئة، قبل أن تنطق بنبرة لا تخلو من التعالي:"آنسة ليان... سمعت أنكِ من إحدى القرى الجنوبية.""لا أدري إن كنتِ سمعتِ بالمثل الذي نتداوله هنا عند الحدي

  • بعد أن رحلت… بدأ يندم   الفصل الرابع

    ما إن رآني، حتى نهض من مكانه.ساد الصمت بيننا للحظة، قبل أن يقول:"ستقيم عائلة سارة عندنا لبعض الوقت."ثم أضاف وكأن الأمر بديهي:"على أي حال، أليس والداكِ على وشك المغادرة؟ لذا رتبت نقل أغراضهما مسبقًا لتقيم عائلة سارة مكانهما."ارتسمت على شفتي ابتسامة ساخرة.ثم قلت:"ياسر... لم أكن أعلم من قبل أنك صهرٌ مثالي إلى هذا الحد."بعدها، تجاهلت النظرات المتحفزة التي كانت تراقبني من غرفة المعيشة، واتجهت مباشرة إلى غرفة النوم.لحق بي ياسر، وكعادته، حاول استرضائي.قال بصوت لين:"ليان... لا تغضبي، لقد حجزت لوالديكِ جناحًا في فندق خمس نجوم، وبعد قليل سأنقل أغراضهما بنفسي.""في النهاية، عائلة سارة ضيوف، ولا يصح أن نقصر في حقهم."لم أرد عليه.واصلت ترتيب أغراضي داخل الحقيبة.اقترب مني، وأخذ يطوي ملابسي وهو يقول:"ليان... أشعر أنكِ أصبحتِ بعيدة عني في الآونة الأخيرة.""وسارة حصلت بالفعل على قبولها في الدراسات العليا، إذا كان وجودها يزعجك إلى هذه الدرجة، فسأقلل من تواصلي معها مستقبلًا، حسنًا؟"ثم أخرج من أحد الأدراج علبة صغيرة، وفتحها أمامي وكأنه يقدم لي كنزًا.بداخلها كانت القلادة التي حفظتها منذ زمن

  • بعد أن رحلت… بدأ يندم   الفصل الثالث

    حين اندفعت إلى المستشفى، وجدت أمي منحنية فوق سريرٍ متحرك في الممر، تبكي بصمت.أسرعت إليها، وما إن وقع بصري على أبي حتى تجمدت في مكاني.كان في رأسه جرحٌ غائر.ورغم أن الجرح تلقى إسعافاتٍ أولية، فإنه لم يتوقف عن النزيف.صرخت بقلق:"أين الطبيب؟! لماذا لا يزال الجرح ينزف؟ لماذا لا يعالجه أحد؟"ظلت أمي صامتة للحظات، قبل أن تتمتم بصوتٍ خافت:"لم يكن في قسم الطوارئ سوى طبيب واحد... ولم يتبقَّ سوى سرير واحد في قسم الملاحظة..."ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم أكملت:"وياسر... طلب من الطبيب... أن يعالج شخصًا آخر أولًا."دوى كلامها في رأسي كالصاعقة.نهضت بسرعة، وفي تلك اللحظة بالذات، انفتح باب إحدى الغرف خلفي.خرجت سارة وهي تحتضن ذراع ياسر، وعيناها محمرتان من البكاء.قالت بصوتٍ مرتجف:"شكرًا لك يا ياسر... لولا أنك تركت والدي ليان وجئت إليّ، لما عرفت ماذا أفعل."ربت ياسر على ظهرها برفق وقال مطمئنًا:"والداكِ بمنزلة والديّ، فلا داعي لهذه الكلمات.""كفى بكاءً... لقد تورمت عيناك."لم أعد أرى أو أسمع شيئًا. اندفعت نحوه وصفعته بكل ما أملك من قوة.ارتجف جسدي كله وأنا أصرخ:"ياسر... هذا هو اهتمامك بوالديّ الذي و

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status