ログインوقفتُ مشدوهة أدرك أن سهيل لم يعد كما كان، صار أصعب فهمًا.تماسكتُ لحظةً، ثم التفتُّ إلى حمودي، فإذا هو ما يزال غارقًا في نومٍ عميق.رتبتُ ملابسي وخرجتُ.كان سهيل واقفًا عند الشرفة، كأنه يهدئ نفسه بالهواء الطلق.وكان باغو يدور حوله ويهز ذيله بسعادة.ترددتُ قليلًا، ثم مشيتُ نحوه ببطء.قال من دون أن يلتفت، كأنه سمع خطاي: "جيهان، لنتزوج."دهشتُ وأنا أحدق في ظهره الشامخ؛ كان الأمر مفاجئًا.استدار بوجهٍ هادئ وقال: "في هذا الوضع، الزواج أفضل حل."سألتُ: "لأن لدينا طفلًا؟"أجاب بابتسامةٍ خفيفة: "وألستِ ترين ذلك؟ أو لنقل: بسبب الحب أيضًا."قلتُ بنبرةٍ بين التساؤل والتأكيد: "أنت ما زلت تحبني…"رد بسؤال: "وأنتِ؟ ألا تحبينني؟"كان هذا الأسلوب في الحوار مختلفًا عما اعتدتُ عليه، فشعرتُ بعدم الراحة.في السابق كان هادئًا ولطيفًا، يبعث الطمأنينة.أما الآن فحضوره ضاغط، ويضعني في موقفٍ دفاعي.لم أستطع الإجابة.خشيتُ إن اعترفتُ بحبي أن يسخر مني ويظنني أقل شأنًا منه.أشحتُ بنظري وقلتُ بخفة: "في هذا العمر، من يظل يتحدث عن الحب والعاطفة؟"قال بثقة: "إن لم نتحدث عن الحب، فلنتحدث عن الواقع."وأضاف: "أنا لستُ ص
ابتسمتُ بسخرية وقلتُ: "تعويضٌ عن ماذا؟ ألم تكن قد ذُقتَ السعادة يومها أصلًا؟"خرجت الكلمات من فمي بلا تفكير، ولم أدرك جرأتها إلا حين رأيتُ الدهشة في عينيه.قلتُ بسرعة: "أنا… أقصد…"وأشحتُ بنظري أحاول تدارك الموقف، لكنه قطعني بصوتٍ خافت: "إذًا أريد أن أعيش تلك المتعة من جديد."ارتجف عقلي وسألتُ: "ماذا قلتَ؟"هل صار جريئًا إلى هذا الحد؟في وضح النهار يقول هذا الكلام، والطفل نائمٌ قربنا!قال وهو يرخِي كتفيه ويُميل وجهه الوسيم نحوي، وفي عينيه دلالٌ موارب: "أقول… أريد أن أعيش تلك المتعة من جديد، أليس كذلك؟"سرت قشعريرةٌ في بدني، وتوترتُ حتى التصق مؤخر رأسي بالحائط.قلتُ: "سهيل، نحن بيننا لا يزال…"ولم أُكمل؛ إذ فاجأني حين وضع شفتيه على شفتيّ بقوة.وفي اللحظة نفسها، سحب يديه الممسكتين بمعصميّ بطريقةٍ جعلت ذراعيّ تلتفان حول خصره من الخلف.بدت الوضعية كأنه يعانقني، وكأنني أعانقه في الوقت نفسه.ولم يكن لدي مجالٌ للمقاومة؛ فقد حُصرتُ بين صدره والحائط.بدأ يقبّلني أولًا برفقٍ وتمعّن، كأنه يختبر ردّة فعلي.لكن ما إن شعر أنني لا أقاوم بوضوح، حتى صار قباله أعمق وأسرع.ملأتني رائحته المألوفة، وأشعلت
قلتُ بتلعثم: "م... ماذا هناك؟"لم يُجب، لكن جسده الطويل تقدّم نحوي كأنه جدارٌ يدفعني، فتراجعتُ خطوةً بلا وعي.كان يمسك بذراعي، فلم أستطع الابتعاد كثيرًا، وبقيتُ داخل نطاقه.تماسكتُ وقلتُ: "ماذا تريد؟ إن كان لديك ما تقوله فقلْه، لا تشدّني هكذا."ظلّ سهيل صامتًا.عيناه منخفضتان ببرود، وملامحه هادئة، لكن في عمق نظرته غضبٌ مكبوت وامتعاض، ثم اقترب أكثر.تراجعتُ خطوةً بعد خطوة، وكلما ابتعدتُ اقترب، حتى حاصرني عند الزاوية، وظهري يلتصق بالجدار.عقدتُ حاجبيّ، وكان قلبي يخفق بسرعة.عندها قال بلهجة مستمتعة بالمطاردة: "تابعي التراجع، لماذا توقفتِ؟"اشتعلت وجنتاي بحرارة، وشعرتُ بالإهانة.حتى الأرنب إذا حوصر عضّ، فكيف وأنا لستُ ضعيفة.توقفتُ لحظةً، واشتدّت ملامحي، ورفعتُ يدي الأخرى لأدفعه.فرفع يده الأخرى وأمسك بمعصمي.وبذلك صارَت يدَيَّ كلتاهما مُقيَّدتين.قلتُ بغضب: "اتركني!"ابتسم سهيل ابتسامةً خفيفة وقال: "لن أترككِ، وماذا بوسعكِ أن تفعلي؟"لم أجد جوابًا.ثم قال وهو يحدّق في عينيّ: "جيهان، ألم أقل لكِ: إن أردتِ الرحيل فعليكِ أن تعيشي بسعادة، وإلا سأعيدكِ؟"دوت الكلمات في رأسي.تذكّرتُ أنه قالها
صار جو السيارة محرجًا جدًا، وبقينا صامتين لا ننطق بكلمة.في هذا الصمت لم أسمع إلا تنفّس حمودي المنتظم، وكان ينام بعمقٍ في حضن أبيه.بعد أكثر من نصف ساعة توقفت السيارة تحت منزل سلمى.نزلتُ وتهيأتُ لأحمل الطفل، لكن سهيل رفض بلطف وقال: "إنه ثقيل، سأحمله إلى الأعلى."قلتُ بعفوية: "آه؟ لا داعي، أستطيع حمله بنفسي."كان الوقت نهارًا، وسلمى حتمًا في العمل.ولو صعد معنا والطفل نائم، فلن يبقى في الشقة سوانا.تذكرتُ اللحظة الملتبسة قبل قليل، فساورني إحساسٌ غريب بأنه قد يفعل شيئًا.ليس لأنني أتصنّع التحفّظ، بل لأنني لم أحسم مستقبل علاقتنا بعد، ولا أريد أن يقودنا اندفاعٌ أعمى إلى بدايةٍ فوضوية.لكن سهيل تجاهل رفضي تمامًا، وحمل الطفل ومضى مباشرة نحو باب المبنى.تجمدتُ لحظة، ثم لم أجد بدًا من اللحاق به.دخلنا المصعد صامتين، فازداد الجو غرابةً وثِقلًا.بدأ قلبي يدق على غير عادته؛ عقلي يرفض، وجسدي يضطرب كلما تخيلتُ ما قد يحدث.وبّختُ نفسي بحدّة في داخلي.لستُ مراهقةً ساذجة حتى أرتبك هكذا.إنه رجل، وأنا لستُ عديمة الخبرة، فما الذي يخيفني؟ومع ذلك، كلما حاولتُ خنق الفكرة ازدادت إلحاحًا.رنّ جرس المصعد مع
ضحكتُ بعد أن سمعتُ كلامها، ولم أعرف كيف أرد.قالت سندس وهي تتابع، ثم نغزتني بمرفقها: "على الأقل الآن صار البيت مليئًا بالحياة. لا ترحلي، ابقي هنا. أخي ظل ينتظركِ، ولا يريد أحدًا غيركِ."احمرّت وجنتاي؛ لم أتوقع أن ينقلب الحديث فجأةً إلى هذا الموضوع.رفعتُ عيني بخفة لألقي نظرة على سهيل الجالس قبالتي، فإذا به ينظر إليّ هو الآخر.تقاطعت نظراتنا، فاختلّ نبض قلبي لحظةً، ثم تداركتُ نفسي وأكملتُ الطعام بسرعة.كنا قد استيقظنا مبكرًا اليوم، وتعب حمودي من مرافقتي طوال الصباح.بعد الغداء بدأ يفرك عينيه؛ يريد النوم.همستُ لسهيل: "الطفل نعسان، سأعود به إلى المنزل."نظر سهيل إلى ساعته، كانت الواحدة ظهرًا، فقال: "حسنًا، سأوصلكما بنفسي."نهض وذهب ليُخبر السيدة البردي والسيد سالم البردي.قالت السيدة البردي بأسف: "لدينا مكان للنوم هنا أيضًا، ليس ضروريًا أن تعودي."كنتُ أعلم أنهم لا يودون فراقه ويتمنون لو بقي الطفل معهم، لكن هذا خارج خطتي.قلتُ: "سيدتي، بعد يوم أو يومين، إذا كان لدى سهيل وقت، فليُحضر حمودي مرةً أخرى."طالما أنهم يحبون الصغير ولم يُظهروا لي عداءً، يمكنني أن أكون متعاونة.وجودُ مزيدٍ من الك
تمسكتْ سندس بيدي، فلم أجد فرصةً للرفض، وسرعان ما قادتني إلى الفناء الصغير.كان سهيل واقفًا عند الباب، فلما رآني أشار بيده وقال: "الشيخ الأكبر لعائلة البردي يريدكِ، لديه ما يقوله لكِ."كنتُ على وشك أن أنطق، لكن سندس سبقتني بالسؤال: "أخي، أين ابنُ أخي الصغير؟"أجاب: "بجانب الشيخ الأكبر لعائلة البردي."فأسرعت سندس إلى الداخل.سرتُ أنا وسهيل جنبًا إلى جنب خلفها.همستُ له: "ماذا سيقول لي الشيخ الأكبر لعائلة البردي؟ هل هو غاضب؟"طمأنني سهيل قائلًا: "لا تقلقي، ليس غاضبًا. الشيخ الأكبر لعائلة البردي يُحب حمودي كثيرًا؛ لقد ناداه حمودي "جدي"، ففرح الرجل كثيرًا!"وحين التفت سهيل إليّ مبتسمًا، لمعت عيناه، كأن نجومًا صغيرةً استقرت فيهما.ذلك المشهد المألوف أعاد إلى ذهني أيام حبّنا، فاختلطت مشاعري.دخلنا غرفة النوم، وكانت سندس تحمل حمودي وتلاعبه.والعجيب أن حمودي، رغم أنه لا يعرفها، كان يلهو معها أيضًا.حقًّا، صلة الدم عجيبة!رأيت الشيخ الأكبر لعائلة البردي نصفَ مستلقٍ على السرير، فتقدمتُ وانحنيتُ بتحية: "الشيخ الأكبر لعائلة البردي، كيف حالك؟ نلتقي مجددًا."لقد بدا الشيخ الأكبر لعائلة البردي مُسِنًّ







